خبر (السوداني) يُحرِّك السّاكن.. حازم غاضبٌ.. ودوسة يدفع بمُقترح لإعادة هيكلة اللجنة ويتحدّث عن الانفراد بالقرارات وانعدام الشفافية المالية    جهود لرفع كفاءة محطة ام دباكر للكهرباء    إنطلاق ورشة الإستجابة لبرنامج التطعيم ضد شلل الأطفال بالفاشر    شاهد بالصور.. عريس سوداني غيور يحمل عروسته بين يديه خوفاً عليها من أن تمازح ماء المطر أقدامها    شاهد بالفيديو.. نجمة التريند الأولى في السودان "منوية" تعود لإثارة الجدل بفاصل من الرقص الهستيري والصراخ على أنغام (تقول زولي)    أسرة تطالب بنبش جثمان ابنتها بعد ثلاثة أشهر من الوفاة    الهجانة تكمل استعدادتها للإحتفال بعيد القوات المسلحة غدا    حازم مصطفى يعلن موقفه من أزمة عماد الصيني    الجد يدعو الجميع إلي كلمة سواء لإكمال متبقي الفترة الانتقالية    مساعٍ لري 30 ألف فدان بمشروع الرهد    الإرصاد تحذر من أمطار مصحوبة بالرياح    الحراك السياسي: مركزية الهوسا: من يريد معرفة تاريخنا فليرجع إلى الوثائق    المريخ يفاوض لوكا ويقيده في خانات (الرديف)    نطلاق المرحلة الثانية للبطولة الأفريقية المدرسية اليوم حتى الثامن عشر من الشهر الجاري …    والي الجزيرة ينفي إنشاء مفوضية للكنابي    استمرار العمل لتقوية الجسر الواقي من الفيضان بمروي    إنطلاق فعاليات مؤتمر المائدة المستديرة    أم محمد.. (ولدك يمين يكفينا كلنا مغفرة)!!    صباح محمد الحسن تكتب: عاصمة تحكمها المليشيات !!    تطعيم 27 ألف من المواشي بمحليات شمال دارفور    السودان: سنتخذ إجراءات حال تهديد السد الإثيوبي لخزان الروصيرص    نمر يجدد عزم حكومته على معالجة نقص مياه الشرب بالولاية    الري تنفي صلتها بالأخبار المتداولة حول سد النهضة والفيضان    تحذير من معاجين تبييض الأسنان.. ضررها أكثر من نفعها!    سامسونغ تميط اللثام عن أغلى هاتف لها!    الإتحاد السوداني يسلم الإعلاميين كودات تغطية مونديال قطر    وفد السودان يعود من تنزانيا بعد مشاركته في عمومية الكاف وإجتماعات سيكافا    مواصفات هاتفي غوغل بكسل (6) إيه وبكسل (6) إيه برو    محترف المريخ يتسلّم تأشيرة الدخول إلى السودان    الرياض تستضيف المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون نوفمبر المقبل    الرماية تبحث عن الميداليات في بطولة التضامن الإسلامي    مقتل نجل الرئيس التنفيذي لشركة سوداني للاتصالات    "حمى وصداع" أبرز أعراضه..تقارير تدقّ ناقوس الخطر بشأن"فيروس جديد"    جمعية الروائيين السودانيين تصدر صحيفتها الالكترونية    كَكّ    مدير البركة: خسارة كبيرة لشركات التأمين بزيادة الدولار الجمركي    الدولار يقفز إلى(578) جنيهًا    شاهد بالفيديو.. الفنانة عوضية عذاب تقدم فاصل طويل من الرقص المثير ومتابعون (بنات عمك عذاب ماسكات الجو ومتصدرات التريند)    الأمطار تغمر المسرح القومي ودمار لعدد من النصوص التاريخية    تفاصيل اجتماع عاصف لوزارة الصحة حول زيادة الإصابات بالسرطان    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    الرئيس السريلانكي السابق في تايلاند    د. توفيق حميد يكتب: هل مات أيمن الظواهري قبل قتله في أفغانستان؟    مقتل نجل مسؤول بشركة سوداني إثر إصابته بطلق ناري بشارع النيل بالخرطوم    بالنسبة لسكر الدم.. هذه أسوأ 4 عادات لتناول الفطور    عبد الرحمن عبد الرسول..ولجنة تكريم فضفاضة ؟    كيف تحمي نفسك من الاحتيال أثناء السفر؟    عثمان ميرغني يكتب: السيناريوهات المحتملة في ملاحقة ترمب    حادثة "هاوية نهاية العالم" تثير ضجة في السعودية    بدء محاكمة رجل وسيدة بتهمة تزييف العملة المحلية بأمبدة    الشرطة: المباحث تُعيد الأستاذ الجامعي د. أحمد حسين بلال لأسرته    الموفق من جعل له وديعة عند الله    مسلحان يقتحمان منزلًا وينهبان مقتنيات وأموال بالشجرة    المباحث الفيدرالية تحرر 11 رهينه من قبضة شبكة تتاجر بالبشر    السلطة القضائية توجه بزيادة المحاكم الخاصة بالمخدرات في الخرطوم    ال(إف بى آى) تُداهم منزل دونالد ترامب في فلوريدا    الأمة القومي يُدين ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة    د.الشفيع خضر سعيد يكتب: الصوفية والأزمة السودانية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فقه الحسبة” طلسم الاستغفال السياسي (1)
نشر في حريات يوم 12 - 10 - 2012

بوحي من مقال صلاح شعيب “استغفال المعارضة بشرك الحوار”
كتب الكاتب صلاح شعيب تحليلا سياسيا ممتازا. تجاوز فيه الأستاذ صلاح شعيب نقطة استغفال المعارضة من قبل دولة المؤتمر الوطني بنصب شراك الحوار السياسي من فترة لأخرى إلى نقاط أوسع وأرحب بالتطرق إلى أساليب الخداع أو بالأحرى “الخدعة الشمولية” التي يمارسها النظام القائم بقيادة عقل واحد متخفي يقود المتأسلمين الحركيين والبلاد، ولا نقول الإسلاميين، إلى التهلكة.
في تقديري السياسي، تستحق حقا مقالة الأستاذ صلاح شعيب أن تكون خارطة طريق في عملية التغيير السياسي الجارية التي ينشدها الشعب السوداني ويناضل من أجلها، وكأن ينتزع الشعب حريته، وأن يقرر مصيره بيده وليس بيد “عمرو” الذي أجاد المراوغة وأساليب الخداع والثعلبة.
ولكي لا ننحرف عن مطلوبنا، نقول: حل الإشكالية السودانية يتجذر في فهم وبلورة الرؤية في ثلاث نقاط:
فهم الخدعة الشمولية، تاريخيا،
وفهم محتوى ومضمون الإسلام،
وضع رؤية سياسية شاملة وثابتة بناءً على النقطتين أعلاه.
وقبل أن نستطرد في هذه النقاط الثلاثة بشكل متلاحق، مستوحين مقالة الأستاذ صلاح شعيب عن الاستغفال السياسي، نشير حصرا في مقالتنا هذه إلى بعض القضايا الجانبية ذات الأهمية القصوى مثل “فقه الحسبة”، واضعين في الاعتبار أن المعارضة السودانية تفتقد خارطة طريق، وتفتقد العقل الفردي أو الجمعي الذي له القدرة على بلورة الرؤية السياسية والدينية انطلاقا من الكليات وانحدارا إلى الجزئيات.
الاستغفال السياسي هو جزء من “الخدعة الشمولية” تاريخيا، وهو جزء لا يتجزأ من “فقه الحسبة”، والاستغفال السياسي هو خدعة مقصودة، وخدعة مدروسة ومقننة من قبل النظام القائم – ولا يلوم المغفل إلا نفسه، ونعني قطعا بالمغفل: الشعب السوداني. ولا شك أن فهم أسليب الاستغفال والخداع السياسي هو أحد أهم المفاتيح لفك لغز الإشكالية السياسية السودانية المعاصرة. ونجزم أن ظاهرة الاستغفال السياسي ومن ثم الخدعة أو بالأحرى “الخدعة الشمولية” هي قضية تاريخية قديمة تتمدد على السياقين السياسي والديني، وعمرهما بعمر المسيرة الإسلامية منذ لحظة انتقال الحبيب المصطفى إلى ربه صلى الله عليه وآله. أما في عصرنا الحديث، الاستغفال السياسي و”الخدعة الشمولية” بلغا شأوا إلى حد التقزز. ففي عصور الظلام والتخلف والأمية الأبجدية، كان الخلفاء والسلاطين يلعبون بعقول جمهور المسلمين ويستغفلونهم كما شاءوا عبر شيوخ البلاط، ومن أمثلتهم الفاقعة في دائرة التابعين من مدرسة الخلفاء حسن البصري، وبن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب، ويحي بن أكثم.. وما أكثرهم الخ. ولكن مع ثورة المعلومات والانترنيت، قارب الاستغفال السياسي والخدعة الدينية الشمولية إلى نهايتهما وأخذا يترنحان كما نرى ذلك على الصخرة السورية وسقوط شخصيات دينية مثل الشيخ القرضاوي.
وقد نجد تفسيرا “للخدعة الشمولية” في وقتنا المعاصر على مسارين، أحدهما المسار الديني، بينما المسار الثاني أي السياسي سنتطرق له في المقالات القادمة إن شاء الله. فعلى المسار الديني:
أخترع بعض الصحابة وشيوخ الدين في عصور الظلام والإنحطاط ما يسمى ب “فقه الحسبة”. وطبقا لهذا الفقه، يمكن للخلفاء ولعلماء الدين الكذب على جمهور المسلمين وعلى الله تعالى وعلى رسوله!!
فمثلا لاحظ بعض شيوخ الدين في عصور الانحطاط الإسلامي أن القرآن صار مهجورا، وبدلا من أن يفهموا الظاهرة ويفسرونها سياسيا وإعطاء حقها من العقل والبحث بإلقاء الضوء على ظلم وجور الحكام والاستبداد السياسي وعلى طبيعة الحكم والحاكمية وما جروه من فساد وإفساد للبلاد والعباد، اخترعوا أو وضعوا الأحاديث النبوية فيما يسمى فضل السور والآيات على أن هذه السورة تعمل كذا وكذا، وفضل تلك السورة كذا .. الخ وفي تقديرهم الساذج ولا يخلو من النفاق كي يندفع الجمهور نحو “الصلاح” بمعانقة آيات القرآن. اليوم يفسر شيوخ دولة المؤتمر الوطني الفساد والكوارث التي تنزل عل رؤوس الجميع لتراجع أخلاق الجمهور ويطلبون منه الرجوع للتدين، وليس لأن دولتهم تمارس الفساد والنهب واللصوصية!!
وقد يكون الدافع لوضع الأحاديث النبوية المزورة حسبةً دافعا مذهبيا بحتا، طلبا “لإصلاح الجمهور” كما سنرى في هذا المثال التالي:
هناك في تاريخ المسلمين حثالة من كذبة الرواة، توهموا النقصان في فضل القرآن وآياته وما ورد في ذلك على لسان نبينا المعصوم، وكما قلنا سابقا لم يروا عورة الحكام إما خوفا أو جبنا أو نفاقا، فوضعوا من أنفسهم أحاديث -في فضل القرآن وسوره- لم ينزل بها وحي ولم ترد بها سنة وهؤلاء كأبي عصمة فرج بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري. وقد اعترف أبو عصمة المروزي بذلك، فقد قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: “إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحق، فوضعت هذا الحديث حسبة”.
وقال أبو عمرو عثمان بن الصلاح في شأن الحديث الذي يُروى عن أبي بن كعب عن رسول الله (ص) في فضل القرآن سورة سورة: “قد بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه. وقال قد أخطأ الواحدي وجماعة من المفسرين حيث أودعوه في تفاسيرهم”.
انظر إلى هؤلاء المجترئين على الله كيف يكذبون على رسول الله صلى الله عليه واله في الحديث؟ ثم يجعلون هذا الافتراء “حسبة” يتقربون به إلى الله تعالى: (كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون) 10: 12.
وما لا شك فيه هو فضل القرآن العظيم الذي لا يحصى وهو أيضا شفاء للناس، ولكن لا نأخذ بفضل السور والآيات إلا ما تحقق وثبت عن النبي (ص) – وهو الوحيد الذي يفسر القرآن كما أمره ربه. وغير ذلك فهو من تخرصات “فقه الحسبة". وبما أننا نعني بطبيعة ومشروعية “فقه الحسبة” لا القرآن، أعتمد أصحاب هذا الفقه في تبرير أكاذيبهم “النبيلة” أسلوب الغاية تبرر الوسيلة، لذا في ظن هؤلاء أن الله سيجازيهم بحسن الثواب!! وعلى نفس هذا القياس يعمل بعضهم، وفي ذهننا الشيخ حسن الترابي وقطعا جميع الأخوان المسلمين، إلى ممارسة الكذب والتمويه والاستغفال على الشعب من منظور هذا الفقه – “فقه الحسبة"!! ففي رأيهم إعادة الناس إلى الدين حتى ولو بممارسة الأكاذيب على الشعوب المسلمة جائزة – وربما في اعتقادهم إنهم مثابون!!
ولقد ربط المتحذلقون من المتفقهة والمتشرعة ما سموه ب “فقه الحسبة” برابط “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” بدون حق. والدليل على زيف هذه الربط نقول: إن المعروف بين، والمنكر بين، وحرام محمد وحلاله قائمان إلى يوم القيامة، وأكتمل الدين الخ فما الحاجة إذن ل"فقه الحسبة"؟ نقول، مبدأ هذا الفقه هو الكذب على الله ورسوله – كما شرحنا سابقا، كأن تتقول على رسول الله الكذب ثم تضمر في نفسك: أحتسب ذلك أجرا عند الله!! ومن لفظة “أحتسب” اشتقوا لفظة “المحتسب” وهي لفظة توظيفية أعطيت ل “مراقب الأسواق” الذي يعينه السلطان لمطاردة البائعين الغشاشين والبضائع المغشوشة كما يقولون، وادعوا أن الرسول (ص) أول محتسب، حين قال: (من غشنا فليس منا). وقطعا هذا “المحتسب” لا يسأل الخليفة ماذا فعل بأموال المسلمين!!
ومن ذلك استنبط الأقدمون الذين يدورون في فلك الخلافة من قضية السوق والأسواق هذه “”قضاء الحسبة” في عصور الإنحطاط .. وانتهوا بهما كتوظيف سياسي. وفي يومنا هذا استخدم آل سعود “المطوعين” كقضاة متحركين في المملكة السعودية، وما حقيقة “شرطة النظام العام” الدخيلة في السودان إلا صدى كئيب لآل سعود تدور حول نفس فكرة “فقه الحسبة”. يقول السلفي الوهابي أ. د. بركات محمد مراد في مقالة بعنوان: “الحسبة والاحتساب.. نظام إسلامي في الرقابة والجودة”:
(كان علماء الفكر الإسلامي يلخصون دور جهاز الحسبة – الذي كان يعتبر ولاية خاضعة لولاية القضاء العامة أو هي نوع من القضاء، بحكم ما يملكه (المحتسب) من صلاحيات قضائية محدودة – بالقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وفي موضع آخر يقول: (إن «نظام الحسبة» هو جهاز للرقابة ابتدعه تاريخنا الإسلامي).
وحين قال ابن خلدون في مقدمته: “أما الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!”. طاروا بمقالته كل مطار، وأصبحت للحسبة التي قامت في مبدأها على الأكاذيب دورا رقابيا شموليا، يسكن في رحمها هاجس فكر الخوارج الذي يستقصي في كل شيء ولا يترك للمسلم حرمة أو خصوصية. يقول نفس المؤلف السلفي أعلاه: (ويمتاز موضوع «الحسبة» بالشمول والسعة والتفصيل الدقيق والمتابعة المستمرة لكل ما يمت بصلة إلى حياة الإنسان منذ ساعة استقراره في المدن والأمصار. وهو باختصار يعمل على مراقبة وتصويب الأقوال والأعمال والسلوك العام للإنسان في المدن والحواضر ونحوها).
ولكي يفهم القارئ الكريم ماذا يعني “فقه الحسبة” في العمق، نضرب له أمثلة حية يغضون عنها النظر لكونها “حسبةً”. مثل قول أحدهم “حسنت البدعة” حين جمع المسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح؛ ما هو الحسن؟ خالف سنة النبي (ص) ثم أبتدع بدعة يصفها بالحسنة، وهو يرجوا الله أن “يحتسبها” له في ميزان حسناته!! ومثال آخر، نفس هذا الفرد يترجل ماشيا يغبر رجليه مع قادة جيوش الفتح الميل والميلين مودعا ويأمرهم إلا يحدثوا بأحاديث النبي (ص) ويقول لهم حسبكم كتاب الله، ثم يضيف: وأنا شريككم في الأمر!! فماذا كان يحتسب هذا الفرد وقد منع رواية الحديث النبوي؟ الثواب؟
ومن طرائف “فقه الحسبة” تلك الأكاذيب التي تدخل في تقديس وتعظيم شخصية ما لدعم الإيديولوجية الدينية المنحولة، وفي ذهننا عبد الله بن عمر كمثال. حكى أحدهم في التلفزيون القومي السوداني هذه الحكاية الخيالية المسلية للأطفال، قال:
دأب أسد مهاجمة مدينة الرسول (ص) فروَّع أهلها ترويعا شديدا، فما من عبد الله بن عمر إلا أن أخذ بأذن الأسد وجره لخارج المدينة كما تجر ماعزا وقال له: ألا تعلم إنها مدينة الرسول؟ وأذعن الأسد له ولم يعد لها.
هذه قصة من بنات “فقه الحسبة”، وحين تدرس سيرة بن عمر وكيف بايع رِجْل المبير الحجاج بن يوسف الثقفي بدلا من يده لخليفته عبد الملك بن مروان تفهم حال عبد الله بن عمر!! وتوجد مثل قصة أسد بن عمر أو على غرارها بضعة آلاف في بطون التراث، وأكثرها وضعت في فترات التعصب المذهبي. وأيضا من بضاعة “فقه الحسبة” قولهم أن أحمد بن حنبل شيخ المذهب الحنبلي رأى الله في المنام مائة مرة، قالها أحدهم عبر شاشة التلفزيون المصري وكان يدير برنامجا مشهورا يفتي منه للمشاهدين.
أما أحد أدعياء الدين المعاصرين فهو عبد الحي يوسف يحاضر جمعا من “العلماء” عن الحسبة:
(فأتقدم بهذه الكلمات بين يدي هذا اللقاء العلمي الحافل الحاشد الذي يؤمه جماهير أهل العلم، والغيورون من أمة الإسلام في السودان، وقد أقض مضاجعهم ما يرونه من منكرات فاشية، وما يقرؤونه ويسمعونه من كلمات لأناس يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ فتنادوا إلى هذا اللقاء العلمي تحت رعاية مجمع الفقه الإسلامي المبارك؛ ليتدارسوا إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبداية أنطلق من عنوان هذا اللقاء: (الحسبة مسئولية الجميع) فأقول: الحسبة لغة: اسم من الاحتساب، ومن معانيها الأجر وحسن التدبير والنظر، ومنه قولهم: فلان حسن الحسبة في الأمر إذا كان حسن التدبير له. واسم الفاعل المحتسب أي طالب الأجر. ومن معانيها الإنكار يقال: احتسب عليه الأمر إذا أنكره عليه، والحسبة اصطلاحاً: عرفها جمهور الفقهاء بأنها الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.
وإني منطلق في ورقتي هذه إن شاء الله من المصطلح القرآني الشائع عند جماهير المسلمين، والذي نطقت به السنة المطهرة، وهو مصطلح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون مصطلح الحسبة الذي قد يكون غريباً على أسماع الكثيرين، وقد لا يفهمون المراد منه…).
تأمل كيف أنتقل عبد الحي يوسف من موضوع الحسبة إلى الأمر بالمعروف الخ.. فجأة! على طريقة طرفة سياسة بسمارك الخارجية والداخلية! لقد أعترف الدعي أن “فقه الحسبة" (غريب على أسماع الكثيرين!) ولماذا غريب؟ ولماذا (قد لا يفهمون المراد منه)؟ لأن مبدأ نشأته هو الكذب على الله ورسوله. وبقدرة قادر أصبح “فقه الحسبة" ضرب من (الأجر، وحسن التدبير، والنظر) .. لكن قطعا في مراقبة الجمهور لصالح السلاطين!!
ونترك رجل جبرا شمال وننقل لكم نصا منقولا ربما يفيد المطلوب:
(اختلفت نظرة الباحثين إلى نشأة الحسبة؛ فالبعض يرجعها إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يقول أبو الحسن الماوردي: “والحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها”[4]، وهناك بعض الآراء الاستشراقية ترجع الحسبة إلى العهد الروماني؛ فالمستشرق ديمومبين Demombynes يرى أنه: “ليس ثمة شك في أن الحسبة اقتبست من البيزنطيين ثم صبغها المسلمون بالصبغة الإسلامية” [5].
بينما ينحى البعض إلى أن الحسبة كوظيفة وجدت لتوظيف سياسي فتشير بعض الدراسات (كما يقول الدكتور أحمد صبحي منصور في كتابه: الحسبة.. دراسة أصولية تاريخية) إلى أن وظيفة المحتسب لم تظهر في عصر النبي ولا عصر الخلفاء ولا في عصر بني أمية، وإنما ظهرت في عصر العباسيين، لأغراض سياسية. وأن ظهورها فعليا كان في عهد المنصور الذي أراد أن يتخلص من أبي مسلم الخراساني حتى يصفو له الحكم، فقتله بيده عام 137ه، فقامت ثورات بقيادة فاطمة بنت أبي مسلم الخراساني، وكانت من أسلحة المنصور بإخراج فتاوى بقتل أتباع فاطمة بنت أبي مسلم الخراساني؛ لأنهم زنادقة مارقون، فيقتلون بحد الردة. وأن أول ظهور للفظ المحتسب كان في عهد المهدي، وكان أول من عين في هذا المنصب هو “عبد الجبار” وكان يعرف ب(صاحب الزنادقة)؛ لأن وظيفته كانت قائمة على القضاء على الزنادقة من أعداء الدولة العباسية، أي أن لها توظيفا سياسيا من حيث النشأة، ثم بدأ الفقهاء يضعون لها الأحكام الفقهية.ا.ه.
وكانت الحسبة أحد المعالم في العالم الإسلامي حتى ولاية محمد علي الذي ألغاها عام 1805م، ولم يكن لها وجود في الدولة الحديثة إلا من خلال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمملكة العربية السعودية، وصدر بها قانون رقم 20 لسنة 1982م [6]. أشهر ما كتب في الحسبة: ومن أشهر من كتب في الحسبة: الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية)، وأبو يعلى الفراء في كتابه أيضا (الأحكام السلطانية)، والقلقشندي في (صبح الأعشى)، وأشار إليها المقريزي في كتابه (الخطط). وفي الأحكام الفقهية، فيعد الإمام الغزالي أول من كتب عن الحسبة في (إحياء علوم الدين)، ثم الإمام ابن تيمية في رسالة قصيرة له عن الحسبة، وبعض فتاواه. يقال إن فقه الاحتساب هو ابن البيئة وليس ابن الشريعة؛ فالماوردي كان حليفا للدولة العباسية، ويظهر منه ترجيح الحسبة كوظيفة سياسية، بخلاف الغزالي، فإنه كان يتحدث عن عقلية الفقيه، ولهذا ساوى بين المحتسب والمتطوع [7].
هوامش:
(1) الأحكام السلطانية للماوردي، ص: 298، طبع دار الكتب العلمية؛ (2) راجع: أصول الحسبة في الإسلام .. دراسة تأصيلية مقارنة، الدكتور محمد كمال إمام، ص: 16، طبع دار الهداية؛ (3) راجع: آراء ابن تيمية في الدولة ومدى تدخلها في المجال الاقتصادي، ص:73؛ (4) راجع: الأحكام السلطانية، للماورودي، ص:223؛ (5) راجع: الحسبة في مصر الإسلامية من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر المملوكي، سهام مصطفى أبو زيد، ص 48 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986؛ (6) راجع: أصول الحسبة في الإسلام.. دراسة تأصيلية مقارنة، الدكتور محمد كمال إمام، ص: 6، طبع دار الهداية؛ (7) راجع: الحسبة .. دراسة أصولية تاريخية، الدكتور أحمد صبحي منصور، نسخة إلكترونية على الإنترنت.
إذن ما أجمع عليه الباحثون في تعريف “فقه الحسبة": تارة هو وظيفة سياسية، وأنه ابن البيئة وليس بن الشريعة، وتارة «نظام الحسبة» هو جهاز للرقابة ابتدعه تاريخنا الإسلامي الخ.
ونقول نحن لأدعياء الدين أمثال الطريدين من دول الخليج عبد الحي يوسف و”المتسعود” عصام أحمد البشير الذي يرغب أن “يسعود” السودان عبر “مجمع الفقه الإسلامي” الخ، إنه من المضحك أن تساووا ما بين “فقه الحسبة" بمعادلة جبرية بسيطة على أنه يساوي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..!! هذا تضليل!!
ففضلا عن نشوء “فقه الحسبة" في بدايته على كذبات ألصقها ضعاف العقول على لسان نبي الأمة ويعتقد أصحابها إنها كذبات “نبيلة” ويثاب عليها، ورغم تبيان إن الله تعالى لا يمضي الكذب أو الخطأ في الدين قط (والذين لا يشهدون الزور) وقوله تعالى (فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور)، وبالرغم من قول نبينا (المكر والخديعة في النار)، ورغم قول الرسول (من كذب علىَّ كذبة فليتبوأ مقعده من النار)، وقال أيضا (من غشنا فليس منا)، وقال أيضا المصطفى وليس هنالك قول بعد قوله لبشر: (المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور) .. هب أننا تغاضينا عن كل ذلك، وأغمضنا أعيننا عن الآيات الصراح الزاجرة للزور والأحاديث الصحاح الناهية عن الكذب والغش، وهب أننا آمنا أن “فقه الحسبة" هو فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما بال أدعياء الدين يطبقونه في دائرة “حقوق الله” ويغمضون عيونهم عن دائرة “حقوق المسلمين” تجاه الحكام” وحاشيتهم وخدمهم؟
دائرة حقوق الله هي الدائرة القلبية التي لا دخل فيها لإنسان على إنسان، مثل الإيمان أو الشك أو الكفر، أو الخروج عن الملة إذ لا إكراه في الدين، ولست عليهم بمسيطر – فهي علاقة ما بين العبد وربه في القلوب والعقول. وقد قال النبي (ص): أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. فما بالهم يتعامون عن منكر حكام الخليج، ويلهثون خلف سرائر الناس البسطاء؟ لماذا كل هذا الكم الهائل من التكفير؟ لماذا كل هذا الدم المسفوك في العالم العربي والإسلامي والعالم أجمع باسم الله والدين؟ ببساطة، لأنهم يعتنقون فكر الخوارج.
ولأننا نعيش في عصر الخوارج الجدد المدعومين إعلاميا وسياسيا بأموال النفط، وقد لونوا الدين الإسلامي بفكرهم التكفيري والإقصائي، ولأنهم فشلوا في استدراج جمهور المسلمين لحيل وشباك بن تيمية، ولم يكفهم من لم يؤمن بهلوساته وخرافاته يكفرونه، أخذوا يشحذون أيضا أسلحتهم بفقه ميت يسمى “فقه الحسبة" لإحصاء عدد أنفاسك باسم الدين خدمة للسياسات الخليجية. ومع الأسف، لم نعد نشك أن الشيخ حسن الترابي سلفي بأسلوب آخر مداهن لدول الخليج، وإنه مع الأسف يدير اللعبة السياسية والدينية في السودان، وهو كذلك من يدير كل من المؤتمر الشعبي وأيضا المؤتمر الوطني ولكن بخفية. لذا لا يوجد تفسير شرعي كأن يستغفلوا الشعب السوداني ويحيلونه إلى مغفل كبير إلا اعتمادا على "فقه الحسبة". ورغم قول النبي: من غشنا فليس منا، نجد الشيخ حسن الترابي “متفائلا” أن ما فعله ويفعله من غش وخداع ومخادعة للشعب السوداني بإدارته المحورين الديني والسياسي بخفية، وبمعزل عن عقل الشعب السوداني باسم الشريعة والإسلام، يظنه احتسابا لله ولرسوله ويحتسب كسبه بما جره من دمار للسودان ماديا وأخلاقيا هو لله، ومع كل ذلك يأمل الشيخ حسن أن يثاب عليه طبقا لفقه الحسبة!!
وبما إنهم يزعمون إنهم يتأسون بالنبي (ص)، نذكرهم إن النبي (ص) كان يعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان سيحكمون المسلمين في مبدأ الأمر، وكان النبي صلى الله عليه وآله حزينا وكارها لذلك في صمت، لعلمه إنها بداية انشقاق الأمة وسقوطها في فتنة وضلالة عمياء. والدلائل على علمه كثيرة، ولكن القوم كشحوا عن هذه الحقيقة أبصارهم وعقولهم وقلوبهم حبا في الدنيا وزخرفها وتمسكا بما أتاهم به آباؤهم “السلف”؛ بل زوروا الأمر وكأن هؤلاء الثلاثة وزراء النبي وخاصته وأطوع له وأحب الناس إليه!! فلقبوهم زورا بالراشدين!! لنقرأ خبر معاوية مع سعية بن العريض – ونحث القارئ بشدة ضرورة قراءة هذا الخبر وبدون قراءته لن يفهم هذه المقالة في العمق، وربما لن يفهمها، ونسهل له ذلك بتوفير الوصلة:
http://www.tebyan.net/index.aspx?PageSize=1&PageIndex=350&LANGUAGE=2&BOOKID=23976&PID=31143
ونقول، رغم علم النبي بغدر هؤلاء الرجال الثلاثة، وقد تفاجأ النبي (ص) في أواخر حياته الشريفة، روحي فداءً له، تفاجأ أن أصبحت لعمر جماهيرية وأصبح قائد قريش ورمحها الثقيل في تنفيذ الانقلاب.
فقريش مكرت بالنبي صلى الله عليه وآله وفتشت كيف تخترق محمدا وتطعن الرسالة من الخلف، فلم تجد أليق من عمر صهر النبي لتنفيذ مأربها، وهو بحكم هذه المصاهرة في الدائرة الداخلية اللصيقة لمحمد؛ وعمر كما تعلمون كان كثير الاعتراضات على النبي (ص). هذه الاعتراضات أطلقوا عليها لاحقا إلهامات عمر زورا وأن القرآن يؤيد عمر وليس النبي المرسل!! عجبي من القوم!! والتبس على اللاحقين أن اعتراضات الصهر عمر على صهره لم تكن سوى تعويض نفسي لحب الظهور من مركب الشعور بالنقص، لأن عمر لا يمتلك قط ما يفتخر به الآخرون .. لا نسبا ولا قبيلة، ولا علما، ولا شجاعة في الحروب.. لقد هرب عمر في كل معارك النبي، بل كان يجبن الرسول (ص) والمؤمنين من مواجهة قريش وغير قريش مثل فتح خيبر!!
اعتراضات عمر الجوفاء الصغيرة على النبي (ص) لم يأخذها نبينا العظيم معوقة للرسالة .. بل أخذها بسعة صدر وحلم وقد فهم نفسية عمر كما شرحنا أعلاه، فرسول الله بحر عميق حتى ولو سقط عمر نفسه في هذه البحر وليس اعتراضاته فقط، لما كان يغير شيئا من تحقق مسيرة الرسالة وانتصارها – فالنبي مسنود من ربه والملائكة الخ. ولكن النبي كما قلنا سابقا تفاجأ في أواخر حياته أن عمر فجأة أصبحت له شعبية في قريش وأصبح نجما سياسيا، أخذت قريش تنفخ فيه وتطيعه حتى توصله لقيادة الانقلاب. وركب عمر مركب قريش من منطلق عقدة النقص – ومنها بغضه لبني هاشم وقد ورث هذا البغض حتى أبناؤه مثل ابن عمر وعبيد وأحفاده.
قلنا سابقا بما إنهم يزعمون التأسي بالنبي (ص) في السودان، ولقد قرأنا لتونا خبر معاوية وسعية بن العريض أن النبي (ص) كان يعلم أن هؤلاء الرجال الثلاثة سيغدرون بالأمة وسيحكمون عبر انقلاب مدعوم شعبيا، وسيكون هذا الغدر أول شق في جسم الإسلام. علينا أن ندرس إذن تصرف النبي العظيم في هذا الموقف الخطير وهو الحريص على أمته من الضلالة!! لو كان الشيخ الترابي بعقله الحالي في مكان النبي (ص) لأمر باعتقال الرجال الثلاثة ووضعهم في بيت الإشباح (يذكرونها خطأ الأشباح) – وربما تم قتلهم طبقا ل “فقه الحسبة”. فالغاية هي ألا تضل الأمة!!
وبالرغم من علم النبي (ص) بغدر هؤلاء الرجال الثلاثة عن جبريل عليه السلام لكن نبوته ورسالته محكومة بعدة نقاط منها قوله (ص): أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. فكيف يسبق النبي القضاء والقدر؟ هذه لا تجوز من نبي وهم الأنبياء لا يسبقون الله بقول أو فعل، خاصة نبينا العظيم لا يسبق ربه بالقول وبما أمره يعمل (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) سورة الأنبياء. أما النقطة الثانية كيف يحاكم النبي العظيم شخصا على فعل لمَّا يفعله بعد (.. “لمَّا” حرف نفي يفيد الحاضر والمستقبل وعدم حدوث الفعل بعد)؟
تشير بعض الدراسات الإسلامية العلمية العميقة أن قريش عزمت على أن ترتد عن آخرها، وتقول الدراسة أن النبي سرب الخبر لبعض زوجاته أن الرجال الثلاثة سيحكمون حتى يهدئ من جموح قريش، وما رواية العسل المغافير إلا رواية مشكوك فيها للتعتيم على نية الارتداد الكبير!!
ما يهمنا في هذا الأمر هو هل لو وضعنا الشيخ الترابي بعقله الحالي في مكان النبي (ص)، هل كان سيعتقل أو يقتل هؤلاء الرجال الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان؟ وللجماعة قصص – مثل قتلهم الضباط ال 28 الذين حاولوا الانقلاب عليهم، وقتلهم مجدي محجوب وجرجس – يا للعار ولفقر الخيال الاقتصادي – لمجرد تملكهم وريقات خضراء تطبعها واشنطون. ولا نشك أن الإنقاذيين قتلوا بعضهم البعض مثل خرط القتاد لتمكين “دولة الرسالة” كما اعتقدوا، فهل كانوا أفضل فهما للرسالة من النبي حين لم يعتقل أو يفضح أو يقتل هؤلاء الرجال الثلاثة؟
ما هي الاستفادة من كل هذه الأمثلة؟
الاستفادة والعبرة، ليست القضية أن فلانا قُتِل أو لم يُقتَل، الاستفادة هي أنك لا تستطيع ولا يجوز تطبيق الإسلام على جماعة، أو على شعب، أو على أمة، بأسلوب الحيل والخداع والإكراه والقتل..!! وكذلك الله تعالى لا يرغب في ذلك.. الله تعالى يرغب أن يأتوه عباده مخلصين بوعيهم، أحرارا ليسوا مكرهين ولا مخدوعين!! والدليل: لماذا لم يعتقل الرسول هؤلاء الرجال الثلاثة ولم يقتلهم – لتمكين الإسلام كما يفعل “المتأسلمون” في السودان؟
لماذا سمح أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب لطلحة وللزبير حين استأذناه بالخروج للعمرة، وقال لهم: أترغبان العمرة أم الغدرة – ومع ذلك سمح لهما بالخروج – وفعلا ما فعلا بنكث بيعتهما وجر الجميع لفتنة الجمل قتل فيها 20 ألف مسلم!! الم يكن في مقدوره بحكم “قانون الطوارئ” و”تمكين الإسلام” -كما يتخيل الترابي- أن يعتقلهما بل يقتل طلحة والزبير؟ ولكن هل يحاكمها الإمام الذي عنده علم الكتاب على الظنة؟ أم يقتلهما حرصا على الإسلام؟ – هذا لا يجوز من الإمام وهو القرآن الناطق وهو باب مدينة علم النبي!!
نقول للأخ عباس الشريف كل هذه القضايا التي أثرناها كمقدمات هي تستحق النقاش الفكري والعلمي، وهل تستطيع صحيفة الراكوبة مناقشة ذلك وهي تدار من السعودية؟ ولعلنا نخيب ظنه ونقول، بغض النظر أن الراكوبة تتبع للأمن أو لا تتبع للأمن، الراكوبة لا تصلح كصحيفة معارضة من موقعها هذا تدار من السعودية. لأنه لو أعتبر الأخ عباس الشريف قضية التغيير في السودان هي قضية سياسية محضة سيسقط في الجهل، كذلك القضية ليست قضية سنة وشيعة كما يبدو الأمر في الظاهر وإنما السعي لفهم جوهر الدين هو الهدف، ونحن نربأ به أن يسقط في الجهل. أما أسئلته الأخرى ستجد الإجابات في المقالات السياسية التالية.
شوقي إبراهيم عثمان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.