رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    القوات المسلحة رصد وتدمير عدد من المسيرات المعادية ومنظوماتها بدقة عالية    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاغتيال الدِّيني … مِن الخازندار إلى بَلعيد!
نشر في حريات يوم 14 - 02 - 2013


(رشيد الخيّون – ميدل ايست أونلاين)
لا حصر لحوادث الاغتيالات بين الأَحزاب السِّياسية، أو تبادلها بين السُّلطات ومعارضيها، مثلما حصل بين “الإخوان المسلمين” والحكومة المصرية، قبل (1952) وبعدها، والمؤسس حسن البنا اغتال واغتيل (1949). ومثلما حصل بين السُّلطات السورية و”الإخوان” مِن تبادل اغتيالات (مطلع الثمانينيات)، وما حدث بعد الثَّورة الإسلامية الإيرانية مِن اغتيالات متبادلة وقصصها مشهورات. وما حصل إبان الثورة الروسية (1917) والثورة المصرية (1952)، بل وما حصل للمهاتما غاندي (30 يناير 1948) بالهند، مع أنه كان: سلام في سلام.
الاغتيال درجات، وشرها ما ارتبط بدافع ديني، لأنه فعل فقهي، قد يمارس بعاطفة جماعية، عندما تُكَفَّر جماعة بأسرها مِن قِبل الإسلاميين، وهنا لا يبقى الأمر بحدوده السِّياسية، وإنما يُنفذ دفاعاً عن الدِّيانة. والإسلاميون عادة إذا مارسوا الاغتيال لابد أن يصبغونه بصبغة دينية، فالمطلوب يُغتال لأنه عدو الله!
وإليكم توظيف الدِّيني باغتيال القاضي أحمد الخازندار (1948)، عن محمود عساف مستشار مجلس إدارة النِّظام الخاص للإخوان، في كتابه “مع الإمام الشَّهيد حسن البنا” (القاهرة 1993): “دخل الأستاذ (البنا) وهو متجهم، وجلس غاضباً ثم سأل عبد الرَّحمن السِّندي (المشرف على النِّظام الخاص) قائلاً: أليس عندك تعليمات بألا تفعل شيئاً إلا بالإذن الصَّريح مني؟ قال: بلى. قال: كيف تسنى لك أن تفعل هذه الفعلة بغير إذن وبغير عرض على مجلس إدارة النِّظام؟ فقال عبدالرَّحمن: لقد طلبتُ الإذن وصرحتم فضيلتكم لذلك! قال الإمام: كيف هل أُصرح لكم وأنا لا أدري! قال عبدالرَّحمن: لقد كتبتُ إلى فضيلتكم أقول: ما رأيكم دام فضلكم في حاكم (قاضي) يحكم بغير ما أنزل الله، ويوقع الأذى بالمسلمين ويُمالئ الكُفار والمشركين والمجرمين؟ فقلتم فضيلتكم: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ (المائدة: 33). فاعتبرتُ هذا إذناً”( ص 147)!
هذا ما أكده أيضاً مستشار النِّظام الخاص آنذاك عبدالعزيز كامل (ت 1991) في “نهر الحياة” (المكتب المصري الحديث 2006)، الذي قال تفاصيل أكثر (ص 46-47). أقول: أليس مسؤولية مَن يُقتل برصاص النِّظام الخاص هي مسؤولية منشئه الإمام البنا؟! النِّظام الذي بدأ باسم “أنصار الله”، ثم الخاص ثم السِّري، وعند البيعة يتم القسم على “المصحف والمسدس” وفي غرفة معتمة (العساف، ص 155). فماذا يُرتجى مِن أجيال تربت وتدربت في العتمة؟!
كان اغتيال المعارض السِّياسي لحركة النَّهضة الإسلامية شكري بلعيد، أمين عام حزب “الوطنيين الديمقراطيين”، الأربعاء (6 فبراير 2013)، يطابق هذا النَّوع مِن الاغتيالات، اجتمع فيها السِّياسي والدِّيني. أُطلق عليه الرَّصاص عند عتبة داره ولاذ الغَوْل، أي منفذ الاغتيال، بالفرار. مِن جانبها وجهت زوجة بلعيد الاتهام إلى زعيم حركة النَّهضة، بوصفها حامية العنف.
فقبل ذلك بُث (يوتيوب) بالصَّوت والصُّورة لخطباء إسلاميين هددوا بلعيداً بالقتل، وكان المفروض أن يحتجز هؤلاء في وقتها. فبلعيد كان خصمهم السِّياسي، ومَن يتابع مقابلاته يفهم أنه الخصم اللدود لهم، وقف ضد تجنيد الشَّباب في معسكرات إسلامية، وضد تدخل الإسلاميين في حياة النَّاس. ويوصف “بلعيد” أنه كان لدوداً أيضاً لنِّظام بن علي. ردت النَّهضة مِن جانبها، لإبعاد الشُّكوك، باتهام أعوان النِّظام السَّابق، لأنهم يريدون إجهاض الثَّورة!
على أية حال، الوقائع ستظهر آجلاً أم عاجلاً، وما فعله المشِّيعون لجنازة بلعيد عين العقل، لِما حذروا زعماء “النَّهضة” وبقية الإسلاميين مِن حضور التَّشييع، فإن كانوا هم الفاعلين أو الحاثين بأسلوب مباشر أو بإيماءة، حسب الأُسلوب الذي كان يمارسه مؤسس “الإخوان المسلمين” مع الخصوم، فهنا يصعب تقبل المشهد أن يسير القاتل بجنازة المقتول وعلى رؤوس الأشهاد! أو أن منع أقطاب “النَّهضة” مِن حضور التَّشييع لدفع الأذى عنهم، فقيل هي الجنازة الأكثر مشيعين في تاريخ تونس المعاصر، وفي مثل هذه الأحوال مِن الصَّعب السَّيطرة على المشاعر والانفعال الجمعي الطَّاغي.
عودة إلى محمود العساف ومذكراته، وكان مِن المخلصين لشيخه البنا، حتى أنه اعتبر ليلة رقوده إلى جنب شيخه، على سرير واحد، محنة لم يأت الدَّهر بمثلها لغيره، يقصد ما له مِن خصوصية في نفسه، ففارق النَّوم جفنه حتى صلاة الفجر، حذراً مِن إيقاظ الشَّيخ، وهو يقول في المقدمة: “كنت أعمل أميناً للمعلومات عنده”(ص 5).
بمعنى أن المريد حاول قدر الإمكان تبرئة شيخه مِن دم القاضي الخازندار، وما قبله وما بعده مِن دماء. وأراد في مذكراته التي سجلها عام (1992)، وهو يقيم عند ابنته ببرلين، أن يُبين “لجيل اليوم مِن الشَّباب الفائر الثَّائر، الذي لم يجد ما يملأ به فراغه الرُّوحي والنفسي، فاستجاب – عن جهل وحِسن نيَّة- إلى دعاوى باطلة وتأويلات خاطئة وأفكار هدامة، ملأ أذهانهم بها متعصبون ومتطرفون ليسوا مِن الإسلام الذي تعلمناه على يدِ البنا في شيء، ذلك الإسلام الحق الذي نادى به رسول الله صلى الله عليه وسلم” (ص 5).
ربَّما قصد العساف بالمتعصبين سيد قطب (أعدم 1966)، وهو الذي ضخ في الجماعة روح التَّكفير، لكن الأخير يُعد مِن الأئمة أصحاب القداسة، ومَن يُطالع كتاب الإخواني عبد الله العقيل “مِن أعلام الحركة والدَّعوة الإسلامية المعاصرة”، يفهم منه أن قطب وبقية الإخوان ملائكة!
وإذ حاول العساف تأكيد براءة شيخه، فإن مرتكب الجريمة هو مؤسس “النِّظام الخاص” عبدالرَّحمن السِّندي (ت 1962)، وهو اليد اليمنى للشِّيخ، وبدلاً مِن أن يُسلم السِّندي ويُطبق عليه القصاص، نرى الشَّيخ برر له الجريمة. قال البنا للسِّندي: “إن كان قتلك للخازندار قد تم بحِسن نية فإن علينا الدِّية”(ص 148). تأملوا العبارة! وهذا ما قد يُفسر به اغتيال المعارض لإخوان تونس شكري بلعيد، أي “القتل بحِسن النِّيَّة”!
على أية حال، الاغتيالات بخناجر النَّزاريين أو سيوف الخوارج أو رصاص الإسلام السِّياسي المعاصر، وآخرها اغتيال بلعيد، نفذت بلبوس ديني، وبحسب عرفهم وتوظيف الشَّيخ حسن البنا للآية: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا”! يتم الاغتيال! ولا أوضح مِن هذا اللبوس الدِّيني في الاغتيال السِّياسي! فأي ديمقراطية ستتحقق، وأي رفاهٍ سيجلبه القتل باسم الدِّين؟! للمقال بقية.
الاغتيال الدِّيني … مِن الخازندار إلى بَلعيد!
)رشيد الخيّون - ميدل ايست أونلاين(
لا حصر لحوادث الاغتيالات بين الأَحزاب السِّياسية، أو تبادلها بين السُّلطات ومعارضيها، مثلما حصل بين “الإخوان المسلمين” والحكومة المصرية، قبل (1952) وبعدها، والمؤسس حسن البنا اغتال واغتيل (1949). ومثلما حصل بين السُّلطات السورية و”الإخوان” مِن تبادل اغتيالات (مطلع الثمانينيات)، وما حدث بعد الثَّورة الإسلامية الإيرانية مِن اغتيالات متبادلة وقصصها مشهورات. وما حصل إبان الثورة الروسية (1917) والثورة المصرية (1952)، بل وما حصل للمهاتما غاندي (30 يناير 1948) بالهند، مع أنه كان: سلام في سلام.
الاغتيال درجات، وشرها ما ارتبط بدافع ديني، لأنه فعل فقهي، قد يمارس بعاطفة جماعية، عندما تُكَفَّر جماعة بأسرها مِن قِبل الإسلاميين، وهنا لا يبقى الأمر بحدوده السِّياسية، وإنما يُنفذ دفاعاً عن الدِّيانة. والإسلاميون عادة إذا مارسوا الاغتيال لابد أن يصبغونه بصبغة دينية، فالمطلوب يُغتال لأنه عدو الله!
وإليكم توظيف الدِّيني باغتيال القاضي أحمد الخازندار (1948)، عن محمود عساف مستشار مجلس إدارة النِّظام الخاص للإخوان، في كتابه “مع الإمام الشَّهيد حسن البنا” (القاهرة 1993): “دخل الأستاذ (البنا) وهو متجهم، وجلس غاضباً ثم سأل عبد الرَّحمن السِّندي (المشرف على النِّظام الخاص) قائلاً: أليس عندك تعليمات بألا تفعل شيئاً إلا بالإذن الصَّريح مني؟ قال: بلى. قال: كيف تسنى لك أن تفعل هذه الفعلة بغير إذن وبغير عرض على مجلس إدارة النِّظام؟ فقال عبدالرَّحمن: لقد طلبتُ الإذن وصرحتم فضيلتكم لذلك! قال الإمام: كيف هل أُصرح لكم وأنا لا أدري! قال عبدالرَّحمن: لقد كتبتُ إلى فضيلتكم أقول: ما رأيكم دام فضلكم في حاكم (قاضي) يحكم بغير ما أنزل الله، ويوقع الأذى بالمسلمين ويُمالئ الكُفار والمشركين والمجرمين؟ فقلتم فضيلتكم: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ (المائدة: 33). فاعتبرتُ هذا إذناً”( ص 147)!
هذا ما أكده أيضاً مستشار النِّظام الخاص آنذاك عبدالعزيز كامل (ت 1991) في “نهر الحياة” (المكتب المصري الحديث 2006)، الذي قال تفاصيل أكثر (ص 46-47). أقول: أليس مسؤولية مَن يُقتل برصاص النِّظام الخاص هي مسؤولية منشئه الإمام البنا؟! النِّظام الذي بدأ باسم “أنصار الله”، ثم الخاص ثم السِّري، وعند البيعة يتم القسم على “المصحف والمسدس” وفي غرفة معتمة (العساف، ص 155). فماذا يُرتجى مِن أجيال تربت وتدربت في العتمة؟!
كان اغتيال المعارض السِّياسي لحركة النَّهضة الإسلامية شكري بلعيد، أمين عام حزب “الوطنيين الديمقراطيين”، الأربعاء (6 فبراير 2013)، يطابق هذا النَّوع مِن الاغتيالات، اجتمع فيها السِّياسي والدِّيني. أُطلق عليه الرَّصاص عند عتبة داره ولاذ الغَوْل، أي منفذ الاغتيال، بالفرار. مِن جانبها وجهت زوجة بلعيد الاتهام إلى زعيم حركة النَّهضة، بوصفها حامية العنف.
فقبل ذلك بُث (يوتيوب) بالصَّوت والصُّورة لخطباء إسلاميين هددوا بلعيداً بالقتل، وكان المفروض أن يحتجز هؤلاء في وقتها. فبلعيد كان خصمهم السِّياسي، ومَن يتابع مقابلاته يفهم أنه الخصم اللدود لهم، وقف ضد تجنيد الشَّباب في معسكرات إسلامية، وضد تدخل الإسلاميين في حياة النَّاس. ويوصف “بلعيد” أنه كان لدوداً أيضاً لنِّظام بن علي. ردت النَّهضة مِن جانبها، لإبعاد الشُّكوك، باتهام أعوان النِّظام السَّابق، لأنهم يريدون إجهاض الثَّورة!
على أية حال، الوقائع ستظهر آجلاً أم عاجلاً، وما فعله المشِّيعون لجنازة بلعيد عين العقل، لِما حذروا زعماء “النَّهضة” وبقية الإسلاميين مِن حضور التَّشييع، فإن كانوا هم الفاعلين أو الحاثين بأسلوب مباشر أو بإيماءة، حسب الأُسلوب الذي كان يمارسه مؤسس “الإخوان المسلمين” مع الخصوم، فهنا يصعب تقبل المشهد أن يسير القاتل بجنازة المقتول وعلى رؤوس الأشهاد! أو أن منع أقطاب “النَّهضة” مِن حضور التَّشييع لدفع الأذى عنهم، فقيل هي الجنازة الأكثر مشيعين في تاريخ تونس المعاصر، وفي مثل هذه الأحوال مِن الصَّعب السَّيطرة على المشاعر والانفعال الجمعي الطَّاغي.
عودة إلى محمود العساف ومذكراته، وكان مِن المخلصين لشيخه البنا، حتى أنه اعتبر ليلة رقوده إلى جنب شيخه، على سرير واحد، محنة لم يأت الدَّهر بمثلها لغيره، يقصد ما له مِن خصوصية في نفسه، ففارق النَّوم جفنه حتى صلاة الفجر، حذراً مِن إيقاظ الشَّيخ، وهو يقول في المقدمة: “كنت أعمل أميناً للمعلومات عنده”(ص 5).
بمعنى أن المريد حاول قدر الإمكان تبرئة شيخه مِن دم القاضي الخازندار، وما قبله وما بعده مِن دماء. وأراد في مذكراته التي سجلها عام (1992)، وهو يقيم عند ابنته ببرلين، أن يُبين “لجيل اليوم مِن الشَّباب الفائر الثَّائر، الذي لم يجد ما يملأ به فراغه الرُّوحي والنفسي، فاستجاب – عن جهل وحِسن نيَّة- إلى دعاوى باطلة وتأويلات خاطئة وأفكار هدامة، ملأ أذهانهم بها متعصبون ومتطرفون ليسوا مِن الإسلام الذي تعلمناه على يدِ البنا في شيء، ذلك الإسلام الحق الذي نادى به رسول الله صلى الله عليه وسلم” (ص 5).
ربَّما قصد العساف بالمتعصبين سيد قطب (أعدم 1966)، وهو الذي ضخ في الجماعة روح التَّكفير، لكن الأخير يُعد مِن الأئمة أصحاب القداسة، ومَن يُطالع كتاب الإخواني عبد الله العقيل “مِن أعلام الحركة والدَّعوة الإسلامية المعاصرة”، يفهم منه أن قطب وبقية الإخوان ملائكة!
وإذ حاول العساف تأكيد براءة شيخه، فإن مرتكب الجريمة هو مؤسس “النِّظام الخاص” عبدالرَّحمن السِّندي (ت 1962)، وهو اليد اليمنى للشِّيخ، وبدلاً مِن أن يُسلم السِّندي ويُطبق عليه القصاص، نرى الشَّيخ برر له الجريمة. قال البنا للسِّندي: “إن كان قتلك للخازندار قد تم بحِسن نية فإن علينا الدِّية”(ص 148). تأملوا العبارة! وهذا ما قد يُفسر به اغتيال المعارض لإخوان تونس شكري بلعيد، أي “القتل بحِسن النِّيَّة”!
على أية حال، الاغتيالات بخناجر النَّزاريين أو سيوف الخوارج أو رصاص الإسلام السِّياسي المعاصر، وآخرها اغتيال بلعيد، نفذت بلبوس ديني، وبحسب عرفهم وتوظيف الشَّيخ حسن البنا للآية: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا”! يتم الاغتيال! ولا أوضح مِن هذا اللبوس الدِّيني في الاغتيال السِّياسي! فأي ديمقراطية ستتحقق، وأي رفاهٍ سيجلبه القتل باسم الدِّين؟! للمقال بقية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.