بأكثر من لسان وطريقة، ظَلّ المسؤولون في البرلمان يتحدّثون عن إحالة قضايا فساد إلى الجهات المختصة تمهيداً لمحاكمة كل من تَسَوّل له نفسه التلاعب بالمال العام أو استغلال نفوذه لخدمة أجندة شخصية. جميل أن يمضي البرلمان باتجاه الكشف عن كل الذين يقترفون جرائم بحق المال العام، غير أنّ الواضح من خلال رصد هذه التصريحات أن هذه القضايا لا نسمع لها ذكراً بعد ذلك وأن كل ما رشح في هذا الصدد ينتهي بانتهاء مراسم (الدفن). خلال الفترة الماضية لم نسمع شيئاً عن ملفات كثيرة ظل يتحدث عنها الفاتح عز الدين والفاضل حاج سليمان رئيس لجنة التشريع والعدل باستثناء إدانة محكمة المال العام لموظف حكومي قام بتزوير واختلاس مبلغ »1.223.300« جنيه حيث قضت بحبسه »9« سنوات، بعد أن تصرف فيها بدلاً عن تسديدها لديوان الضرائب، ليظل كل الحديث بعد ذلك عن الملفات والقضايا وما تضمنه تقرير المراجع العام ضرباً من الترويج لتحركات تنشط في البرلمان دون أن يكون لها أثر على مستوى الحسم الناجز لمُرتكبي جرائم المال العام. يُخطئ المسؤولون الذين يتصدون لقضايا المال العام كثيراً حينما يجعلون ارتكاب جرائم الفساد فعلاً مبنياً على المجهول.. فطريقة الإعلان عن القضايا والملفات بكثافة مُعمّمة يفقد الناس ما تبقى من ثقة في القائمين على أمرهم، لذا فإنّ أي خطاب لا يعلن بأسماء الجهات والأشخاص المتورطين فإنه ينعكس سلباً على ثقة المواطن في الدولة وأجهزتها، خاصة وان الإعلان يأتي حاملاً لتعميم مُخل. الاثنين المنصرم حملت الصحف خبراً يقول انّ البرلمان حوّل »40« حالة (استغلال نفوذ) وردت في تقرير المراجع العام إلى وزارة العدل، ومضى الخبر إلى القول إن لجنة التشريع والعدل كوّنت عدة لجان فرعية لدراسة تقارير المراجع العام خاصة فيما يلي جرائم الاعتداء على المال العام، والمدينة الرياضية، وشراء السلع والخدمات، والتخلص من الفائض، بجانب تصفية وخصخصة الشركات والتصرف في مرافق القطاع العام. الراجح في الأمر أن (الجعجعة) باتت أكثر من (الطحين) في أمر قضايا الفساد بينما ما زال الناس ينتظرون إحالة رؤوس كبيرة إلى المحاكم حتى يلمسون جدية الدولة في محاربة الفساد.. الألسنة التي تتحدّث في هذه الملفات يلزمها عدم الإكثار من التصريحات في ظل عدم وجود مردود عملي لتصريحاتهم حول ملفات المال العام.. فالحديث بهذه الطريقة يضع الدولة كلها في قفص الاتهام لأنه يتسم بالتعميم.. الأوفق أن تُحال هذه القضايا إلى الأجهزة العدلية بلا ضجيج يضع الناس على حافة الترقب أن يتم الإعلان عن المتورطين عقب إدانتهم بالأسماء والجهات. (مسك العصا من النص) أمر لا يفيد في المسائل العدلية والقانونية وملفات الفساد بالذات لا تصلح لتحقيق المكاسب السياسية لأن الحديث المتواصل غير المسنود بمتابعات توصل المتورطين إلى السجون أو المشانق يشوه صورة الدولة ويطعن في كفاءة العدالة.. انظروا إلى ما تقوله لجنة التشريع في البرلمان: تكوين لجان لدراسة تقارير المراجع العام في ملفات المدينة الرياضية وشراء السلع والخدمات وملفات أخرى.. انظروا إلى (اللولوة) تقرير صادر من المراجع العام ما معنى أن تكون لجان لدراسته.. استغربت لأمرين أولهما أن ما أثاره المراجع العام مازال يتجول في البرلمان.. وعجبت للجان ستمارس دور الجهات العدلية في قضايا فساد ومال عام.