"القيادة" السعودية تدعو "حمدوك" لزيارة المملكة    لجنة للتقصي في منح ألفي جواز وجنسية لسوريين    قوى "التغيير": المرحلة المقبلة تتطلب العمل بجدية ومسؤولية لوقف الحرب    700 ألف يورو مساعدات أوروبية لمتضرري السيول    وصول (4) بواخر من القمح لميناء بوتسودان    رسالة جديدة من زعيم كوريا الشمالية لترامب    المتهمون في أحداث مجزرة الأبيض تسعة أشخاص    لجنة أطباء السودان : وفاة طبيب أصيب في أحداث فض الاعتصام    القبض على لصين يسرقان معدات كهربائية في السوق العربي    دعوة للإجتماع السنوي العام العادي لمساهمي بنك الخرطوم    واشنطن تتهم إيران بالضلوع في الهجوم على السعودية    المفهوم الخاطئ للثورة والتغيير!    في أول حوار له .. عيساوي: ظلموني وأنا ما (كوز) ولستُ بقايا دولة عميقة    محمد لطيف :على وزير المالية وحكومته أن يعلم أن الجهاز المصرفي لم يقعد به إلا كبار الملاك فيه    الصورة التي عذبت الأهلة .. بقلم: كمال الهِدي    الهلال السوداني يعود بتعادلٍ ثمين من نيجيريا    "الصناعة": لم نصدر موجهات بإيقاف استيراد بعض السلع    تصريح صحفي مشترك بين حركة/ جيش تحرير السودان والحزب الشيوعي السوداني    مطالبات بتفعيل قرار منع عبور (القلابات) للكباري    السودان: نحو أفق جديد .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    الدكتورة إحسان فقيري .. بقلم: عبدالله علقم    حمدوك يزور مصر وفرنسا قبيل اجتماعات نيويورك    الهلال يتعادل سلبيا ضد انيمبا في مباراة مثيرة بابطال افريقيا    وليد الشعلة: نجوم الهلال كانوا رجالا إمام انيمبا    محكمة مصرية: الإعدام شنقا لستة من الأخوان والمؤبد لستة آخرين    ترامب: نعرف من نفذ الهجمات على السعودية لكن الرد رهن بموقف الرياض    بن زايد يؤكد لبن سلمان وقوف الإمارات إلى جانب السعودية ضد التهديدات    اقتصادي يطالب الحكومة الجديدة بضبط الأسواق    الصحة: ارتفاع ضحايا السيول والأمطار إلى 85 شخصاً    إعفاء المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون    مجلس المريخ يؤمن على قيام جمعيه النظام الأساسي 11اكتوبر    رئيس الوزراء السوداني يقيل مدير الإذاعة والتلفزيون ويعين البزعي بديلا    سينتصر حمدوك لا محالة بإذن الله .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد العجب    إعفاء المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون    بسببها أشعلت ثورة وأزالت نظام: أزمة الخبز في ولاية نهر النيل لاتزال مستفحلة .. بقلم: محفوظ عابدين    الدّين و الدولة ما بين السُلطة والتّسلط: الأجماع الشعبي وشرعية الإمام (1) .. بقلم: عبدالرحمن صالح احمد (ابو عفيف)    الإمارات تمد السودان بالاحتياجات الضرورية لعامين    فتح باب التقديم لمسابقة نجيب محفوظ في الرواية العربية    إقتصادي يطالب الحكومة الجديدة بضبط الأسواق    وفاة وإصابة (11) شخصاً في حادث مروري بكوبري الفتيحاب    قلاب يدهس "هايس" ويقتل جميع "الركاب"    قلاب يدهس "هايس" ويقتل جميع "الركاب"    من هو الإرهابي مدين حسانين.. وهل يسلمه السودان لمصر ؟    تداعيات حروب الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي .. بقلم: د. عمر محجوب الحسين    الصالحية رئة الملتقي السياسي وكشف القناع! (3 - 10) .. بقلم: نجيب عبدالرحيم (أبوأحمد)    إمرأة كبريت .. بقلم: نورالدين مدني    النيابة تبدأ التحري في فساد الزكاة    "أنا والأشواق" - أعود إليك يا وطني .. نظم: د. طبيب عبدالمنعم عبد المحمود العربي    أنا مَلَك الموت .. بقلم: سهير عبد الرحيم    أعظم قوة متاحة للبشرية، من يحاول مصادرتها؟ ؟؟ بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان    العلم يقول كلمته في "زيت الحبة السوداء"            3 دول إفريقية بمجلس الأمن تدعو لرفع العقوبات عن السودان بما في ذلك سحبها من قائمة الدول الداعمة للإرهاب    "الدعم السريع" تنظم كرنفالاً رياضياً ببورتسودان    إنجاز طبي كبير.. أول عملية قلب بالروبوت "عن بُعد"    اختراق علمي.. علاج جديد يشفى مرضى من "سرطان الدم"    وزير الأوقاف الجديد يدعو اليهود السودانيين للعودة إلى البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تقرير تقييم الحزب الشيوعي لانقلاب هاشم العطا 1

دونما جنوح لتبرير القصور الذي نتج عنه تأخير صدور التقييم خلال الفترة التي أعقبت الانتفاضة – إبريل 1985م، وفقما كان مقراً في اللجنة المركزية، يفيد سرد الوقائع التالية: 01 في دوراتها الأولى عقب الانتفاضة، طرحت اللجنة المركزية واجب إنجاز تقييم 19 يوليو ضمن الواجبات ذات الأسبقية قبل انعقاد المؤتمر الخامس. 02 عقب الفراغ من احتفالات العيد الأربعين، شرعت السكرتارية في تجميع وتلخيص وصياغة ما تراكم من مواد وما نشر في أدبيات الحزب خلال سنوات القهر المايوي، وصاغت مسودة التقييم وأفردت لمناقشتها اجتماعات متتالية: 26/1/1989م و5/2/1989م، واكتمال التقييم في صيغته الحالية. الحلقة الأولى 19 يوليو 1971م * الجيش السوداني مؤسسة قائمة باقية لا سبيل إلى إلغائها أو تجاهل أثرها في الحياة السياسية * 19 يوليو ليست ثورة أو انتفاضة لكنها انقلاب عسكري * اللجنة المركزية لم تتحسب مخطط العدائية للسلطة بعد انقسام 1970م * كان يمكن منع اعتقال عبد الخالق محجوب بمواجهة السلطة أو إخفائه * التنظيم العسكري للحزب كان بدون برنامج عمل محدد أو أهداف واضحة مقدمة: دونما جنوح لتبرير القصور الذي نتج عنه تأخير صدور التقييم خلال الفترة التي أعقبت الانتفاضة – إبريل 1985م، وفقما كان مقراً في اللجنة المركزية، يفيد سرد الوقائع التالية: 01 في دوراتها الأولى عقب الانتفاضة، طرحت اللجنة المركزية واجب إنجاز تقييم 19 يوليو ضمن الواجبات ذات الأسبقية قبل انعقاد المؤتمر الخامس. 02 عقب الفراغ من احتفالات العيد الأربعين، شرعت السكرتارية في تجميع وتلخيص وصياغة ما تراكم من مواد وما نشر في أدبيات الحزب خلال سنوات القهر المايوي، وصاغت مسودة التقييم وأفردت لمناقشتها اجتماعات متتالية: 26/1/1989م و5/2/1989م، واكتمال التقييم في صيغته الحالية. 03 لإلقاء مزيد من الضوء على الشق العسكري وذيوله، كانت السكرتارية قد كونت لجنتين: لجنة من العسكريين المسرحين الذين شاركوا في 19 يوليو لتقييم كل الجوانب العملية العسكرية في فترة التحضير إلى نجاح الانقلاب ثم هزيمته، وتوسيع دائرة الاستماع لتقديرات كل المشاركين، واستكمال ما كتبه بعضهم من السجون ونشر كلياً أو جزئياً في أدبيات الحزب. ولجنة لتقصي الحقائق حول أحداث بيت الضيافة مواصلة لتجميع الشواهد والشهادات التي تعمدت السلطة المايوية التعتيم عليها. ولم تفلح أي من اللجنتين في إنجاز مهمتها حتى منتصف مارس 89 حسبما هو مثبت في محاضر السكرتارية. 04 في آخر دورة موسعة عقدتها اللجنة المركزية 13/4/1989م – قبل الانقلاب – أخطرت السكرتارية الدورة أنها أنجزت تقييم 19 يوليو، وتبقى أن تنجز كل لجنة من اللجنتين مهمتها، التي تضيف إضاءة للتقييم، لكنها لا تمس جوهره، وحثت الدورة أعضاء اللجنتين، وكان بعضهم مشاركاً في الدورة، الإسراع في إنجاز المهمة، وأن يقدم التقييم في الدورة القادمة. 04 قطع 30 يونيو الطريق. ولم تسمح الظروف بعده بعقد دورة مكتملة أو موسعة للجنة المركزية لمناقشة التقييم. لهذا استقر الرأي، بعد التشاور مع أعضاء ل.م المتواجدين، على أن يصدر التقييم كما أعدته السكرتارية في مارس 89. سكرتارية اللجنة المركزية الوضوح النظري والسياسي حول: ثورة، انتفاضة، حركة، انقلاب (الحلقة الأولى) مقدمة: الوضوح السياسي حول الأزمة الثورية والثورة، ليس غائباً عنا، ولا غائبة عنا الفوارق وعناصر التداخل بين الثورة والانتفاضة والانقلاب. ولا نتحرج عن تسمية الأشياء بمسمياتها، ففي تجربة السودان ما يزيد منطلقاتنا النظرية والسياسية وضوحاً- من ثورة المهدي وانتفاضة ود حبوبة إلى الانتفاضة الشعبية العسكرية عام1924م إلى ثورة أكتوبر عام 1964م وإلى انقلاب مايو 1969م وحتى انتفاضة مارس/ أبريل 1985م. إن الجيش السوداني مؤسسة قائمة باقية لا سبيل إلى إلغائها أو تجاهل أثرها في الحياة السياسية والصراع على السلطة، ومن ثم الصراع السياسي بين القوى الاجتماعية والطبقية للتأثير على الجيش وكسبه لصفها، وامتداد هذا الصراع إلى الجيش نفسه مهما حاول رجاله ونظمه وضعه خارج دائرة الصراع أو فوقه، ورغم شعارات الحكام العسكريين التي تصف السلطة العسكرية بأنها لكل الشعب وغير منحازة لطبقة أو فئة، وعلى ضوء هذا الفهم يحدد حزبنا موقفه من كل انقلاب. فقد عارضنا انقلاب نوفمبر 1958م بوصفه انقلاباً رجعياً، وأيدنا وشاركنا في محاولات الانقلاب الأربع التي قام بها ضباط وصف وجنود وطنيون لإسقاط الفريق عبود في أول مارس 1959م وفي 22 مايو 1959م، ونوفمبر 1959م. فلماذا إذن تمسكنا بعناد بمصطلح "حركة" 19 يوليو التصحيحية التي وردت في بيان هاشم العطا، واستخدمنا مصطلح "انتفاضة" فيما بعد وأحياناً "ثورة"؟ كان ذلك نوعاً من الصمود المعاند أمام هجوم وضغط أنظمة البرجوازية الصغيرة العسكرية العربية ، والتي ناصبت حزبنا و 19 يوليو العداء الحاقد، واعتبرتنا مارقين وعملاء وسارقي ثورات لأننا تجرأنا على "ثورة مايو" وكان علينا أن ننصاع لشروط مايو فننصهر فيها، نسلمها مقودنا أو نوصم بالخيانة. كان لابد من تصفية الحساب في هذا الصدد.. أما وقد حسمت انتفاضة الشعب أمر مايو فإننا للذين قالوا أنها "ثورة تقدمية" أن يحصدوا حصيلتها وسجلها وثمارها ويحترموا حق شعب السودان في تقييم حكامه وحكوماتهم. 19 يوليو ليست ثورة وليست انتفاضة. ولا نستخدم مصطلح "حركة" رغم شيوعية لأنه بلا مدلول سياسي اجتماعي فلا يعبر ولا يشرح. وليس صحيحاً ولا دقيقاً بالمعيار العلمي أن نسميها "انتفاضة"، لأن الانتفاضة ليست تحركاً عسكرياً أو انفجاراً جماهيرياً عابراً، ولا هي محصورة في دور ونشاط الطلائع – إنها وبرغم تعدد الأشكال تتسم بعمق واتساع طابعها الشعبي والعسكري وبالنهوض المتصاعد في حركة الجماهير واستعدادها للمقاومة في فترة الانعطاف الحاسم من تطوير الانتفاضة وغير ذلك من شروط ونجاح الانتفاضة أو العصيان المعلومة لكل ماركسي في حالة الانتصار والهزيمة. 19 يوليو انقلاب عسكري، نظمته وبادرت بتنفيذه مجموعة وطنية ديمقراطية ذات وزن وتاريخ من الضباط والصف والجنود الذين ارتبطوا بالحركة الثورية السودانية وتأثروا بها وشاركوا في نشاطها بقناعة ووعي من قبل دخولهم صفوف الجيش، وواصلوا ارتباطهم بها طيلة فترة حياتهم العسكرية – بينهم أعضاء في الحزب الشيوعي، وبينهم ماركسيون دون التزام حزبي.. هذا لا ينتقص أو يراجع تأييدنا ومساندتنا لانقلاب 19 يوليو، ونظل ندافع عن مآثرة وشعاراته وأهدافه الثورية في وجه مفكري البرجوازية الصغيرة والرجعية وأعداء الثورة السودانية. ففشل الانقلاب لا ينسخ جوهره الثوري.. جاء في دورة نوفمبر 1971م في سياق الحديث عن مغزى 19 يوليو أنها خرجت عن الإطار التقليدي للانقلاب العسكري حين حددت أن سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية هي أساس الحكم في كل المستويات في البلاد وأن تنظيم الضباط الأحرار هو واحد من تنظيمات الجبهة، وحين ألغت القوانين المقيدة للحريات وصفت أجهزة الإرهاب والتجسس وأعلنت راية حكم القانون واستقلال القضاء وحددت معالم الممارسة الديمقراطية كحقوق سياسية وكنظام للحكم. إن هزيمة الانقلاب لا تنسخ ضرورة تقييم الأسباب التي أدت إلى هزيمته والخسائر التي لحقت بالحركة الثورية، واستخلاص دروس التجربة لمصلحة تطور الثورة الوطنية الديمقراطية، لمصلحة تنظيم وتوحيد قواها الاجتماعية المتحالفة في جبهة وطنية ديمقراطية ومن بينها الوطنيون والديمقراطيون من الجنود والصف والضباط في الجيش وبقية القوات النظامية. تقييمنا لأي انقلاب عسكري لا ينحصر في الشعارات والأهداف المألوفة التي يعلنها البيان رقم واحد، بل يتعداها إلى الظروف السياسية التي وقع فيها الانقلاب والمصالح الطبقية التي يخدمها والتكوين الطبقي والفكري والسياسي لقادته. وفي كل الحالات نضع في اعتبارنا طبيعية المؤسسة العسكرية والفرز الاجتماعي والسياسي وسط الضباط والصف والجنود، وبهذا الفهم كان موقفنا المعارض لانقلاب 17 نوفمبر، وتأييدنا ومشاركتنا في انقلاب أول مارس والرابع من مارس 59 ومحاولات الانقلاب في مايو ونوفمبر 59 وبالفهم ذاته كان موقفنا من انقلاب 25 مايو 69 وموقفنا من انقلاب 19 يوليو 71. وفي أدبيات حزبنا منذ الخمسينات ما يستجلي القضايا النظرية والسياسية حول الفارق بين دور القوى الوطنية الديمقراطية داخل الجيش في دعم ومساندة وحماية ظهر الحركة الجماهيرية في مسار تطور الثورة الاجتماعية. وبين الفكر الانقلابي بوصفه التكتيك الذي يخدم مصالح البرجوازية والبرجوازية الصغيرة في تطور ومنعطفات الثورة. وفي أدبيات حزبنا أيضاً السجل الكامل للصراع الفكري داخل ووسط الحركة الجماهيرية بين الفكر الشيوعي وفكر البرجوازية الصغيرة الديمقراطية حول الدور الحاسم للحركة الجماهيرية مهما كان وزن العسكريين وثوريتهم، وحول توازن القوى في لحظة سياسية بعينها، وحول استقلال حركة الجماهير والحزب الشيوعي وحركة الطبقة العاملة، وحول الديمقراطية كحقوق أساسية وحريات ديمقراطية وعلاقات إنتاج في ظل أي حكومة وطنية ديمقراطية. الوضوح النظري والسياسي لابد منه، لتصحيح وتدقيق ما تستخدمه من المصطلحات ومدلولها السياسي، كمدخل للتقييم العلمي الصارم والناقد لتجارب الحركة الثورية ومواقف حزبنا. انقلاب 16 نوفمبر 1970م وما بعده... وقع انقلاب 16 نوفمبر بعد حادثين هامين في مسار صراع الحزب ضد سلطة مايو، وانعكاس ذلك الصراع داخل صفوف الحزب.. وكان الانقلاب وتوقيته نتاجاً منطقياً للحدثين. الحديث الأول، المؤتمر التداولي لكادر الحزب في أغسطس 1970م، وتوحد أغلبية الكادر حول استقلال الحزب وخطة الثوري وإنزال الهزيمة السياسية والفكرية بمجموعة التيار اليميني التصفوي. الحدث الثاني، انقسام مجموعة التيار التصفوي في سبتمبر 1970م، أعدت سكرتارية اللجنة المركزية محاضرة توجز قضايا هذين الحدثين وأصبحت مادة في مقر التعليم الحزبي. كما أعدت السكرتارية وثيقة مستقاة من دورات اللجنة المركزية وأدبيات الحزب، تعرض تطور تكتيكات الحزب بعد المؤتمر الرابع 1967م، ودورة اللجنة المركزية في مارس 1969م وفتح الصراع ضد العقلية الانقلابية، واجتماع المكتب السياسي في مايو 69 ورفض ومعارضة فكرة الانقلاب، والخطاب الداخلي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية مساء 25 مايو 69، وما أعقبه من انفجار للصراع داخل الحزب، وتطور الصراع الفكري إلى أزمة نزاع حادة، حتى انعقاد المؤتمر التداولي والانقسام. المحاضرة والوثيقة في متناول أعضاء الحزب ومرشحيه كمقدمة ضرورية لتقييم 19 يوليو، بما أن السلطة كانت طرفاً فاعلاً في الانقسام – تخطيطاً وتنفيذاً- كان علينا أن نتحسب وبيقظة كاملة للخطوة العدائية التي تليه، فالمجموعة التصفوية خرجت من الحزب مهزومة، ضعيفة، معزولة عن حركة الجماهير وتنظيماتها الديمقراطية والنقابية،وبقى الحزب الشيوعي متماسكاً باستقلاليته وخطه الثوري، وموقفه المبدئي من قضية التحالفات و شعارات الثورة الوطنية الديمقراطية ورفضه القاطع أن يصفى كيانه المستقل في تنظيم سياسي واحد، أو أن يصبح بوقاً للسلطة. الانقسام أدى دوره المرسوم سلفاً في إضعاف الحزب وتبديد طاقته، وتشتيت جهده، وشل حركته وسط الجماهير بالصراعات والنزاعات الداخلية، لكنه فشل فشلاً ماحقاً في تصفية الحزب وتسليم مقوده كمِّاً سائباً للسلطة. ورغم أن اللجنة المركزية قد عالجت هذه المخاطر في أول دورة لها بعد الانقسام – دورة أكتوبر 1970 – إلا أنها لم تفضح دور السلطة في الانقسام كخطوة عدائية موجهة ضد الحزب وتعبير عن موقف متكامل ضد الحزب، ومن ثم لم تتحسب للخطوة العدائية التي تليه. جاء في ص5 من دورة أكتوبر 1970م: " يجب ألاّ ندفن رؤوسنا في الرمال، بل علينا أن ندرك أن هناك دوائر عدة محلية وأجنبية ترغب في إحداث انقسام في الحزب الشيوعي مهما كان وزنه، ونحن نواجه الآن انقساماً منظماً ومدبراً بين صفوف الحزب..." وجاء أيضاً " إن نؤمن تنظيمات حزبنا نفسها، ففي مثل هذه الظروف تلجأ العناصر المنقسمة للاستفزاز ولاستعداء جزء من السلطة ضد الحزب و كادره ، كما هو ظاهر في الخطاب الذي أعلن به الانقسام رسمياً.." وكما يدل على ذلك نشاط بعض موظفي الأمن القومي تأييداً للانقسام. وطرحت اللجنة المركزية برنامج للنشاط السياسي المستقل للحزب والحركة الجماهيرية، وفي الجبهة الاقتصادية وفي ميدان العمل
الفكري والدعائي، والارتقاء بدور وقدرات منظمات الجماهير: " إننا في حاجلة للقيام بحملة تنظيمية بين جميع هذه القطاعات الجماهيرية التي يقع على أكتافها عبء النضال الوطني الديمقراطي قصد تحسين أوضاعها وتهيئتها بالفعل لتكون دعامة من دعائم الجبهة الوطنية الديمقراطية في البلاد". وكان هذا البرنامج، في جوهره وفي مقصده، تصعيداً للصراع الفكري والسياسي والعملي ضد توجهات السلطة لفرض وصايتها على الحركة الجماهيرية وسلبها استقلالها. كما كان، دعماً سياسياً وشعبياً للصراع الذي يخوضه العسكريون الديمقراطيون داخل القوات المسلحة، والتفافهم حول مجموعة هاشم وبابكر وفاروق في مجلس الثورة، وما كان للحزب أن يتجاهل حقيقة وحجم هذا الصراع أو يقلل منه، ولهذا طرحت اللجنة المركزية في نفس الدورة برنامج عمل لتنفيذ الشعارات الديمقراطية – فالصراع لم يكن محصوراً في الشارع فقط أو بين الشارع والسلطة، بل كان ممتداً داخل السلطة وفي قمتها – مجلس الثورة – وفي القوات المسلحة ومرافق جهاز الدولة. وكان طرح هذا البرنامج لتنفيذ شعارات الديمقراطية من خلال العمل المشترك، هو الحل العملي لفضخ توجهات السلطة لإجهاض تلك الشعارات، واستخدامها للتضليل فقط. شمل برنامج العمل تنفيذ الخطة الخمسية وتوسيع رقابة العاملين على الإنتاج وإشراكهم في إدارته، كما شمل ضرورة اختيار قيادات مخلصة وذات كفاءة لإدارة مؤسسات القطاع العام بعد التأميم، وعقد مؤتمرات اقتصادية جماهيرية للتوصل إلى حلول لارتفاع تكاليف المعيشة وتنفيذ إصلاح إداري في مناطق القطاع التقليدي وتحرير المزارعين من قبضة تجار "الشيل" ونفوذ شبه الإقطاع الطائفي القبلي. من حيث التوجه العام ومسار الصراع السياسي في مجمله، كان ما طرحته اللجنة المركزية سليماً وفيه كثير من المرونة لتوحيد أوسع جبهة سياسية خلف الشعارات الوطنية الديمقراطية لمحاصرة القوى اليمينية داخل مجلس الثورة وأجهزة السلطة، ولدعم الصراع الذي تقوده مجموعات الضباط والصف والجنود الديمقراطيين داخل القوات المسلحة وداخل مجلس الثورة بواسطة هاشم وبابكر وفاروق، ومن جانب آخر كان برنامج العمل الذي طرحته اللجنة المركزية بمثابة خط التمايز الإيديولوجي الواضح بين موقف الحزب من طبيعة السلطة، ومن الدور المستقل للحزب والحركة الجماهيرية في النضال الثوري خلف الشعارات الوطنية الديمقراطية في صراع ضد توجهات السلطة لإفراغ تلك الشعارات من محتواها، وبين موقف المجموعة التصفوية والمنشقة التي أرادت أن تضع الحزب والحركة الجماهيرية في موضع التابع الذليل للسلطة، وتبرير تراجعها وانقلابها على الشعارات الثورية ، وفرض وصايتها وانفرادها ودكتاتوريتها. لكن اللجنة المركزية لم تضع في اعتبارها أن السلطة تعادي كل توجه مستقل للحركة الجماهيرية، وتعادي الحزب الشيوعي وترفض استقلاله، وتواصل تنفيذ عدائها بخطوات محددة ومحسوبة توجتها بالانقسام، وتتآمر لتنفيذ خطوات أخرى متى ما سنحت لها الفرصة. لهذا لم يكن لها استعداداً أو رغبة في عمل مشترك يكون الحزب فيه طرفاً مستقلاً وفي غمار حركة جماهيرية حريصة على استقلال تنظيماتها، فالسلطة ومنذ يومها الأول ما كانت تقبل التأييد من موقع حزبي مستقل، يضاف إلى ما تقدم أن اللجنة المركزية لم تسارع بعد حدوث الانقسام، إلى مخاطبة الجماهير – وفق تقاليد الحزب وعلاقته بالحركة الجماهيرية – لتوضيح قضايا الصراع وأهداف الانقسام وكشف قادته بالاسم كما حدث في انقسام 1952م وانقسام 1964م، وكان لمثل هذه الخطوة أهمية في الوزارات ومواقع السلطة وبعض التنظيمات الجماهيرية كاتحاد العمال واتحاد المزارعين والحركة النسائية، كان مثل هذا التوضيح ضرورياً كيما تتعرف قطاعات أوسع من الجماهير على دور السلطة في الانقسام، وأهدافها ومراميها من ورائه، تتعرف على حقيقة موقف الحزب الشيوعي وتمايزه عن مواقف السلطة ومواقف المجموعة اليمنية المنشقة. هكذا لم تتحسب اللجنة المركزية بالقدر الكافي – وبصفة خاصة على مستوى الحركة الجماهيرية – للخطوات العدائية التي ستتخذها السلطة بعد خطوة الانقسام، ولم تطرح للمناقشة والتقدير الدقيق قدرات ومستقبل ونتائج صراع القوى الديمقراطية في مجلس الثورة وداخل القوات المسلحة. لم تتأخر في اتخاذها خطوتها العدائية – بتحريض وإلحاح من المجموعة المنشقة ودعم وتشجيع السادات والقذافي – قبادرت بالانقلاب 16 نوفمبر 1970م، إبعاد المجموعة الديمقراطية من مجلس الثورة هاشم العطا وبابكر النور وفاروق حمد الله، تسريح عدد من الضباط الديمقراطيين من القوات المسلحة، اعتقال عبد الخالق وعز الدين، شن حملة إعلامية متهالكة ضد الحزب الشيوعي والحركة الديمقراطية الجماهيرية، مع تكرار الإدعاء الكاذب أن السلطة تواصل نهجها الثوري وخيارها الاشتراكي وخطها التقدمي. البيان الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية مساء يوم الانقلاب كان سليماً في وجهته العامة من حيث طبيعية الانقلاب وتوجهاته وأهدافه، وكونه تتويجاً لخطوات محسوبة في منهج السلطة لفرض وصايتها على الحركة الجماهيرية، وموقفها المعادي للحزب الشيوعي واستقلاله، وإصرارها على استخدامه كواجهة، وإفراغها لشعارات الثورة الديمقراطية من محتواها. وكان البيان واضحاً وقاطعاً في تأكيد بقاء الحزب وتأييد التمسك بشعارات وأهداف الثورة الوطنية الديمقراطية، وتأكيد الدفاع عن عبد الخالق محجوب قائداً ومناضلاً للحزب، واستطاعت اللجنة المركزية أن توحد مجموعة الحزب في موقف امتاز بقدر عال من الشجاعة والاستعداد لمواجهة السلطة، التي كانت تتوهم أنها بمساعدة المجموعة اليمينية المنشقة ستقضي على الحزب بعد اعتقال عبد الخالق. برغم ذلك شابت عملنا القيادي في تلك الفترة بعض مظاهر القصور والغموض، تركت آثارها السلبية على تطور الحركة الجماهيرية، وعلى وضوح مواقف الحزب وسطها في الفترة اللاحقة. صحيح أن اللجنة المركزية تجاوزت بعض مواطن القصور، وأزالت بعض الغموض في وثائق دوراتها اللاحقة، لكن الآثار السلبية ظلت باقية. ويمكن حصر أوجه القصور والغموض في الموقف والقضايا التالية: أولاً: لم نمنع اعتقال عبد الخالق وبكل السبل، وقد كان ذلك ممكناً في تلك الظروف سياسياً وجماهيرياً ولو أدى ذلك إلى مواجهة مع السلطة، فضلاً عن إمكانية إخفائه. فنوايا السلطة لتعطيل دوره القيادي معروفة لدينا منذ اعتقاله الأول في أبريل 70، سواء بتوجيه ضربات للحزب في شخص عبد الخالق، أو تصفية دوره السياسي والفكري أو تصفيته جسدياً. كان منع اعتقال عبد الخالق في ذلك اليوم على الأقل ضرورياً ولازماً، حيث كانت اللجنة المركزية ستعقد اجتماعاً خاصاً ذلك المساء وصدر بيان بموقف الحزب من ميثاق طرابلس والاتحاد الثلاثي وتوزيع البيان للجماهير، وما يترتب على ذلك من خطوات عملية بالنسبة للحزب والحركة الجماهيرية. ثانياً: رغم التقييم السليم الذي توصلت إليه اللجنة المركزية لطبيعة الانقلاب وأهدافه، إلا أن البيان لم يوضح للجماهير أن الانقلاب حسم الصراع داخل مجلس الثورة والقوات المسلحة لمصلحة شريحة القوميين العرب وتنظيمها العسكري – أحرار مايو – وهي أضعف مجموعة عسكرية سياسية في القوات المسلحة رغم سيطرتها على المواقع الأساسية في السلطة وفي قيادة الجيش، وان الانقلاب وضعف شريحة القوميين العرب، فتح الطريق أمام جعفر نميري للانفراد بالسلطة استناداً إلى دعم العناصر العسكرية المحافظة التي التفت حوله منذ البداية بدعوى أنه شخصية قومية لا تنتمي للشيوعيين أو القوميين العرب، وأنه يمثل استقلال الجيش. ثالثاً: طالب البيان بإلغاء الإجراءات التي تمخض عنها الانقلاب مثل إبعاد هاشم العطا وبابكر النور وفاروق وغيرهم، ومع سلامة المطلب ومنطقيته من الناحية السياسية العامة، لكنه من الناحية العملية لم يكن واقعياً، لأنه يفترض إلغاء الانقلاب نفسه، كموقف متكامل لقوى اجتماعية ذات مصالح ومخطط ومنهج، وكبرنامج سياسي اجتماعي لفئات البرجوازية الصغيرة العسكرية والمدنية وتطلعاتها الرأسمالية – أو ما نطلق عليها مصطلح الطبقة الجديدة – لفرض سيادتها السياسية والاقتصادية بواسطة مواقع السلطة وجهاز الدولة والقطاع العام للتراكم الرأسمالي، واستخدام شعارات الاشتراكية والتغيير الاجتماعي والحسم الثوري والشرعية الثورية كغطاء أيديولوجي لتزييف وتغبيش وعي الجماهير. ومن جانب آخر، ترك هذا المطلب ظلالاً من أمل غير مؤسس وكأنما التحالف مع السلطة بأي مستوى ممكن بعد الانقلاب، وكأن السلطة يمكن أن تواصل التزامها بشعارات وأهداف الثورة الديمقراطية، لم يرتق البيان لمستوى الوضوح القاطع بطبيعة السلطة وأكاذبيها أنها ملتزمة بأهداف الثورة الديمقراطية الاشتراكية وأنها حريصة على وحدة وتحالف القوى الثورية وأن عبد الخالق وعز الدين وأعضاء مجلس الثورة الثلاثة ومجموعة الضباط المسرحين كانوا يعوقون تطور الثورة. رابعاً: ماعاد برنامج العمل الذي طرحته دورة ل.م في أكتوبر 70 ملائماً لظروف ما بعد الانقلاب – كان لابد من برنامج عمل جديد يتمشى والوضع السياسي الجديد. فلم تبادر اللجنة المركزية باتخاذ قرار واضح بإلغاء البرنامج أو تعديله أو صياغة برنامج عمل جديد. إذ كيف نتوقع من السلطة بعد الانقلاب أن تنفذ الخطة الخمسية مثلاً ن وتنفذ إصلاحاً زراعياً جذرياً وإصلاحياً إدارياً ديمقراطياً في الريف التقليدي، أو تنفذ إصلاحات ديمقراطية في القطاع العام.. أما في جانب الحركة الجماهيرية، فقد طرحت ثورة أكتوبر واجب تعبئة وتنشيط الحركة الجماهيرية ودور الحزب وسطها في وجهته: " إننا في حوجة للقيام بحملة تنظيمية واسعة بين جميع هذه القطاعات الجماهيرية التي يقع على أكتافها عبء النضال الوطني الديمقراطي في البلاد" هذا الواجب يظل كما هو من حيث الجوهر قبل الانقلاب وبعده، لكن الإطار الذي يطرح فيه بعد الانقلاب لابد أن يتغير ويتخذ شكلاً جديداً، لأن الانقلاب كان يستهدف على وجه التحديد قطع طريق الحركة الجماهيرية والحزب الشيوعي نحو توحيد القوى الوطنية الديمقراطية ويستهدف تصفية النضال الوطني الديمقراطي. خامساً: لم تتوقف اللجنة المركزية عند الشق العسكري للانقلاب بحثاً عن الإجابة للسؤال المشروع، لماذا تم الانقلاب بتلك السهولة وكأنه إجراء إداري عادي؟ لماذا غفلت القوى الديمقراطية في مجلس الثورة وبين القوات المسلحة عن مقدماته وإرهاصاته، وما الذي حال دون تجميع قواها وتصديها له أو مجرد التحسب لوقوعه؟ فالشواهد كلها تشير إلى أن السلطة قد واجهت موقفاً صعباً ودقيقاً داخل الجيش، أجبرها أن ترفع حالة الاستعداد لدرجتها القصوى ولأكثر من أربعة أسابيع متتالية، مع أنها هي التي دبرت الانقلاب! سادساً: البحث عن الإجابة على ذلك السؤال المشروع، كأن يقدم ضمناً إجابة لتقديرات الوضع داخل الجيش قبل الانقلاب وبعده، ففي ظل أي سلطة عسكرية لا يستقيم أو يكتمل العلم السياسي دون المتابعة الدقيقة للوضع في الجيش، لأنه السند الرئيسي لتكل السلطة مهما تعددت واجهاتها المدنية والسياسية أو اتسعت قاعدتها الشعبية . ومن جانب آخر ، كان الصراع السياسي داخل الجيش في تلك الفترة يدور بخطى ووتائر أسرع من الصراع في الشارع – بدليل الانقلاب نفسه. فهاشم العطا وبابكر النور وفاروق ما كانوا يمثلون أنفسهم ولم يصلوا لمجلس الثورة كشخصيات عسكرية صرفة ذات وزن مهني لدى بقية الرتب. كان فاروق المنظم والمنسق لانقلاب 25 مايو، وكان دوره فيه أكبر من دور جعفر نميري، وكان مع هاشم العطا وبابكر يمثل قوى سياسية ديمقراطية وسط الضباط والصف والجنود لها جذورها وتاريخها السياسي – العسكري في الجيش ، وفي توجهات التحالف مع الحركة الديمقراطية الجماهيرية. وهي قوى كانت لها تحفظاتها واعتراضاتها على انقلاب مايو قبل وبعد وقوعه، كانت لها تحفظاتها واعتراضها على سياسات ومواقف مجلس الثورة العسكرية والسياسية . وللحقيقة والتاريخ ما كانت العناصر الشيوعية الحزبية وسط تلك القوى قليلة العدد – كانت قوى واسعة من ضباط وجنود وصف تميزت طوال تاريخها بالحس الوطني والتوجه الديمقراطي، والتجاوب الصادق العميق بطموحات الجماهير في التغيير الاجتماعي وتجديد الحياة. ما كان كافياً أن تلك القوى متفقة في العموميات مع تحليل وموقف الحزب الشيوعي من الانقلاب، كان عليناً ان نتعرف على تقديراتها للوضع داخل الجيش، وعلى تصوراتها لمسار الصراع ومستقبله،
وعلى تكتيكاتها ومقترحاتها لمواصلة الصراع وبالتعرف على تقديرات هذه القوى، كنا وبالضرورة سنتعرف على مواقف القوى السياسية – العسكرية الأخرى والتي كانت بشكل عام تتجمع أو تعبّر عن موقفها من خلال التنظيمات والجماعات التالية. القوميون العرب: نظموا أنفسهم في تنظيم (أحرار مايو) الذي ضم قوميين عرب ملتزمين بالتجربة الناصرية أو متأثرين بها، إلى جانب شتات غير متجانس من القريبى الصلة بأعضاء مجلس الثورة، وكان هذا التنظيم يسيطر فعلياً على المواقع الأساسية في الجيش، لكنه في الوقت نفسه مخترقاً من جانب كل التنظيمات العسكرية السياسية. تنظيمات القوى اليمينية: رغم انحسار نشاطها في الأشهر الأولى بعد انقلاب 25 مايو وتطهير كبار القادة التقليدين، استطاعت التنظيمات الأربعة أن تحافظ على هياكلها وعضويتها – مع تفاوت مستوى شكلها التنظيمي، وأسلوب عملها. وقد استفادت هذه التنظيمات من الطبيعة المحافظة للجيش، كما استفادت من إعلان ولاء خاص لجعفر نميري بدعوى أنه غير منتم حزبياً، وأنها لا تعارض الثورة، ولكنها تعارض زج القوات المسلحة في صراعات القوميين العرب والشيوعيين كانت تضاعف نشاطها وضغطها عقب كل خطاب يلقيه نميري يهاجم فيه الأحزاب والحزبية والذين يريدون احتكار الثورة. وتتعاطف بدرجات متفاوتة مع ما تنادي به تلك الأحزاب من أنها لا تعارض الثورة لكنها تعارض وجود ونفوذ الشيوعيين لكنها كانت لها طموحاتها الخاصة بها في الصراع العسكري السياسي داخل القوات المسلحة، وفي الصراع حول السلطة. القوى العسكرية الغالبة عدداً ووزناً، وذات الروح والتوجه العسكري المهني، ظلت على موقفها في الترحيب بتحدث الجيش ورفع كفاءته، والخروج من الأطر التقليدية. فأبدت حماساً فائقاً لبرنامج وشعارات الإصلاح العسكري الذي أعلنه مجلس الثورة. لكنها أصيبت بخيبة أمل من تركيبة المجلس ومن القيادات التي فرضها المجلس ، ومن تمييز بعض وحدات الجيش على بعضها – كالمدرعات والمظلات. ولم تنتظم هذه القوى في تنظيم بعينه، لكنها كانت ذات أثر ونفوذ في تكوين الرأي العام والمزاج داخل الجيش، خاصة مزاج التذمر السلبي وعدم الاقتناع. التنظيمات الإقليمية: رحبت بالانقلاب ترحيباً حاراً في الأشهر الأولى بعد مايو وإعلان 9 يونيو لحل مشكلة الجنوب، وإعلان محاربة العطش، وحملات تطوير المناطق المختلفة، وأن الأقاليم لن تحكم وتدار من الخرطوم، والحملات الدعائية الديماجوجية عن تصفية الطائفية والقبلية والحزبية والعنصرية، وبرنامج "طواف الثورة على الأقاليم" ومهرجانات الخطابة التي وعدت بكل شئ ولم تنجز وعداً. تعاملت هذه التنظيمات مع السلطة بعقلية إقليمية ريفية صارمة، تقيس نصيبها بمعيار ما ناله أفرادها من مناصب ورتب في الجيش وأجهزة الدولة، وما أنجزت السلطة من وعود لتغيير وتجديد حياة أهلها في مناطقها ورفع الظلم والغبن عنهم، وبهذا المعيار أخذ حماسها ينحسر ويفتر. القوات المتواجدة في الجنوب: على اختلاف مواقفها السياسية، والانتماء السياسي أو عدمه، إضافة إلى ما هو سائد ومعروف من تظلمات وشكاوى القوات المتواجدة في الجنوب كان لتلك القوات في تلك الفترة تحفظاتها وتقديراتها الخاصة للتناقض والتباين بين السياسة المعلنة في بيان 9 يونيو وبين واقع الحال سياسياً وعسكرياً، والعديد من التساؤلات حول كيفية الوصول لتحقيق أهداف البيان. مجموعة الضباط التي شملها التطهير، ومن مختلف الرتب، واستمرار علاقاتها بالتنظيمات وجماعات داخل القوات المسلحة وارتباط بعضها بالأحزاب السياسية والبعض الآخر بالتحضير لعمليات انقلابية. انقلاب 16 نوفمبر كان نتاجاً لصراعات سياسية عسكرية ساهمت فيها بهذا القدر أو ذاك هذه القوى من تنظيمات وجماعات عسكرية على اختلاف أهدافها القريبة والبعيدة، وقد اشتدت حدة الصراع بعد الانقلاب. أخطر مواطن القصور في عملنا القيادي في تلك الفترة، أننا تابعنا الصورة العامة للوضع داخل الجيش دون التقدير الدقيق للنتائج المتوقعة أو المحتملة لصراعات القوى المحتدمة في داخله في ظل سلطة عسكرية انقلابية، وتنظيمات عسكرية انقلابية. لم تنجز ذلك التقدير الدقيق. ولم نطلبه من الشيوعيين وسط القوى الديمقراطية العسكرية ولم يبادروا به من جانبهم في تلك الفترة التي كانت بمثابة انعطاف حاد في مسار الصراع العسكري وفي مسار الحركة الجماهيرية. نتج عن تلك القصور أننا لم نضع الشيوعيين وسط القوى الديمقراطية العسكرية – تنظيم الضباط الأحرار- أمام مسؤولياته استناداً إلى تقديرات مع الديمقراطيين للوضع في الجيش بعد الانقلاب، ومقترحاتهم لوجهة وواجبات نشاطهم في الظروف الجديدة مع الاعتبار اللازم الكافي لخصوصية مجالهم والقدر المطلوب من الاستقلالية، ومن ثم صياغة برنامج عمل محدد للنشاط داخل الجيش مكملاً وخاضعاً لتطور الحركة الجماهيرية. نتج عن ذلك القصور أن سار نشاط التنظيم العسكري داخل الجيش في وجهة عامة مع خط الحزب، دون برنامج عمل محدد وأهداف واضحة محكومة بمسؤولية وقيادة الحزب. هذه مسؤوليتنا في قيادة الحزب وليست مسؤولية العسكريين الشيوعيين والديمقراطيين، ولا نسعى لتبريرها أو طمس معالمها، بأن الحزب في تلك الفترة كان يواجه أسبقيات إعادة تنظيم صفوفه واستجلاء وتوضيح القضايا السياسية، وتصفية الانقسام وتعبئة الحركة الجماهيرية أو أن ضرورة وتقاليد السرية في التعامل مع التنظيم العسكري جعلت قيادة الحزب تكتفي فقط بما يصلها من معلومات أشبه بالتنوير العام، أو بحقيقة أن العديد من العسكريين الديمقراطيين، بمن في ذلك الشيوعيين بدءوا يتحفظون في التعامل مع قيادات الحزب بعد أن تكشفت لهم المعلومات والأسرار الحزبية التي كانت تنقلها المجموعة المنقسمة لنميري وجهاز الأمن القومي. فوق هذا وذاك، لا نسعى للتبرير أو التنصل من مسؤوليتنا، بحقيقة أن الحزب لم يطرح لا في تلك اللحظات أو في بقية الفترة فكرة أو شعار التحضير لانقلاب عسكري، فالتقدير الدقيق للوضع داخل الجيش كان ضرورة سياسية لا يستقيم أو يكتمل بدونه تقدير الوضع السياسي العام، وطرح مهام سليمة للحركة الجماهيرية. سابعاً: أجازت اللجنة المركزية في اجتماعها مساء 16 نوفمبر، قراراً بعقد مؤتمر شعبي يضم كافة القوى السياسية والنقابية التي تعارض الانقلاب. وكانت حملة الاحتجاج والرفض للانقلاب واسعة ونشطة ومستعدة لمزيد من المواجهة، وكانت تسندها حركة تضامن عالمي ذات وزن وتأثير – رغم تحفظات بعض الأحزاب الشيوعية الكبرى وبعض أوساط القوى التقدمية العربية على موقف الحزب الشيوعي من انقلاب 25 مايو، ووصف تكتيكات الحزب بأنها جامدة أو يابسة. لم تتابع اللجنة المركزية تنفيذ هذا الواجب بمثابرة وإصرار، ولم تحسم أساليب المماطلة التي لجأت إليها العناصر الانقسامية والعناصر الانتهازية في قيادة اتحاد العمال وقيادة بعض النقابات، فعقد ذلك المؤتمر كما تصورته اللجنة المركزية كان بمثابة منبر تتوحد حوله الحركة الجماهيرية للتصدي لهجوم السلطة، بدل التراجع غير المنتظم. وفي هذا الصدد، كان البيان الذي أصدره تنظيم الضباط الأحرار إيجابياً من حيث تأكيد وجود التنظيم رغم الانقلاب، ومن حيث التعبير عن وجود معارضة عسكرية للانقلاب. لكنه من جانب آخر، كان يعبر عن سير العسكريين في وجهة موازية، فالحركة الجماهيرية والقوى الديمقراطية داخل الجيش كانت أحوج ما تكون لبيان يصدر من هاشم العطا وبابكر النور وفاروق يوضح قضايا الصراع وتطورها، والأسباب الحقيقية للانقلاب، وكشف كل الحقائق للشعب والجيش. وقد ظل هذا الاقتراح مطروحاً منذ اليوم الأول للانقلاب وبعد رفع الاعتقال المنزلي عن ثلاثتهم. انقلاب 16 نوفمبر كان نتاجاً لصراعات سياسية عسكرية ساهمت فيها بهذا القدر أو ذاك هذه القوى من تنظيمات وجماعات عسكرية على اختلاف أهدافها القريبة والبعيدة. وقد اشتدت حدة الصراع بعد الانقلاب. أخطر مواطن القصور في عملنا القيادي في تلك الفترة، أننا تابعنا ملامح الصورة العامة للوضع داخل الجيش دون التقدير الدقيق للنتائج المتوقعة أو المحتملة لصراعات القوى المحتدمة في داخله في ظل سلطة عسكرية انقلابية، وتنظيمات عسكرية انقلابية. لم ننجز ذلك التقدير الدقيق. ولم نطلبه من الشيوعيين وسط القوى الديمقراطية العسكرية، ولم يبادروا به من جانبهم في تلك الفترة التي كانت بمثابة انعطاف حاد في مسار الصراع العسكري وفي مسار الحركة الجماهيرية خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 70 وحتى يونيو71، تمت أربعة لقاءات مع العسكريين الشيوعيين شارك فيها من قيادة الحزب الشفيع وشكاك ونقد، وشارك فيها من جانب العسكريين هاشم العطا وبابكر في ثلاثة لقاءات ومحجوب إبراهيم في لقاءين ومحمد محجوب في آخر لقاء. تناولت المناقشة في اللقاء الأول في يناير موقف الحزب من الانقلاب والتقديرات العامة للوضع السياسي، وطرح بابكر أنهم يواجهون ضغطاً من الضباط الديمقراطيين لتنظيم عملية عسكرية متكاملة للإطاحة بالسلطة، وأنهم يواصلون مناقشة أولئك الضباط عن ضرورة الارتباط أكثر بالحركة الجماهيرية وتجميع أوسع قوى ممكنة داخل الجيش. ووعد بتقديم تقديراتهم لتطورات الوضع العسكري بداخل الجيش لقيادة الحزب. ثم تعرضت المناقشة للوضع داخل مجلس الثورة وضعف مجموعة القوميين العرب في مواجهة نميري دع عنك عزله، وعن ضعف القيادات الموالية لهم في وحدات الجيش، ولم تتطرق المناقشة لوضع التنظيم العسكري وبرنامج نشاطه. وتم اللقاء الثاني في مارس عقب الأزمة السياسية التي نشأت عن خطاب نميري في 12 فبراير ودعوته لتحطيم الحزب الشيوعي، وانحصرت المناقشة في تقديراتهم وتقديرات العديد من الضباط عن الخطر على حياة عبد الخالق بعد خطاب نميري، وعن اتساع نشاط المجموعات اليمينية داخل الجيش تحت مظلة خطاب نميري، وعن أزمة القيادة العامة وضعفها في مواجهة الوضع العسكري، وعن فقدان ثقة العسكريين فيها أو احترامهم لها لكثرة وعودها وضعف إنجازها، وان الأزمة ليست جديدة وظلت مكان مناقشة المجلس قبل إبعادهم، لكن الحقائق كانت تشوه والقرارات تصدر من خارج المجلس. كما تعرضت المناقشة للسؤال: هي يبقى جوزيف قرنق في الوزارة أم يستقيل؟ – حيث كان الوزير الشيوعي الوحيد في الحكومة. وكان جوزيف نفسه قد تقدم باقتراح الاستقالة منذ اليوم الأول للانقلاب – لكن اللجنة المركزية لم توافق، (فالسلطة هي التي عينته، ولا داعي لمساعدتها بتقديم الاستقالة). وتم الاجتماع الثالث في أبريل، وشملت المناقشة تطورات الوضع السياسي، ورسالة من عبد الخالق عن خطورة المحاولة التي قام بها محجوب إبراهيم للاتصال به في معتقله، واستفسار عما يقصده نميري في خطابه بالمؤامرة التي تحاك ضد السلطة، وضرورة معرفة القوى العسكرية التي يقصدها. كما تطرقت المناقشة للإشاعات عن احتمال تحركات وتمرد وانقلاب، والمشاكل والأزمات داخل مجلس الثورة، والمعلومات عن نشاط المجموعات التي ارتبطت بنميري وبدأت تتخطى القيادة العامة والقيادات المباشرة في الاتصال به والتنسيق معه، والمعلومات والإشاعات عن إمكانات انقلاب تحضر له القوى اليمينية، وأخيراً السؤال المحدد عما إذا كانت القوى الديمقراطية تحضر لانقلاب فنفوا ذلك، ولم يطرحوا تصريحاً وتلميحاً ما يشير إلى أنهم يحضرون لانقلاب أو يطلبون رأي الحزب في التحضير لانقلاب. وأخيراً أحيطوا علماً بأن الحزب يواصل خطواته لتهريب عبد الخالق، عندما أثاروا مرة أخرى خطورة ترك عبد الخالق تحت رحمة نميري، مع تأكيد أن هذه مهمة يتولاها الحزب ولا داعي لتدخلهم في تنفيذها، وتم الاجتماع الرابع في يونيو، حين وصلت لمركز الحزب معلومات عن ان جهاز الأمن القومي والمخابرات العسكرية يفرضان رقابة لصيقة على تحركات هاشم العطا ومجموعته، وقدموا من جانبهم معلومات عن أن نميري ومجلس الثورة يشتبهان في أن الحزب قد تمكن من خلق صلة بعبد الخالق في معتقله، وبدأ التفكير في ترحيله إلى مكان آخر، وكان تقديرهم أن المعتقل قد يكون في جهة نائية أو في الجنوب تمهيداً لتصفيته، واقترحوا الإسراع بهروبه. ثم قدموا معلومات عن التحضير لانقلاب تقوم به القوى اليمينية، ويطلبون أن ينقاش مركز الحزب هذه القضية ويمدهم بتقديراته وما يتوفر له من معلومات في هذا الصدد ثم أكدوا استفحال الأزمة في الجيش وحالة الضجر والمناقشات المفتوحة دون تهيب عن عجز السلطة. ثم قدموا معلومات عن أثر البيان الذي أصدرته اللجنة
المركزية في 30 مايو، وأن مجلس الثورة والأمن القومي والمخابرات العسكرية اعتبروا البيان إعلاناً للعداء والسافر من جانب الحزب ضد السلطة، ووصفها بالديكتاتورية العسكرية والعمل على إسقاطها. خطورة الثورة المضادة: كان طبيعياً أن يتابع الحزب خطر الثورة المضادة كخطورة ماثلة وواردة لكن في تلك الفترة بالتحديد في تلك اللحظة السياسية الملموسة، كان على اللجنة المركزية أن تقدم إجابة شافية لمصدر خطر الثورة المضادة، مصدر الخطر المباشر على الحركة الثورية، وتحديد القوى التي تمثل ذلك الخطر ومن هم الأشخاص الذين يقودونها ويمثلونها سواء في السلطة أو خارجها، في القوات المسلحة أو خارجها. فالسلطة والمجموعة المنقسمة، ابتذلتا شعار (خطر الثورة المضادة) واستخدماه بانتهازية وعن قصد لشل حركة الجماهير القاصدة تطوير النشاط الثوري، ولإخماد صوت الانتقاد والمعارضة لسياسات ومواقف السلطة، بل ولتبرير عجز السلطة وتراجعها عن الشعارات والأهداف التي أعلنتها. فكلما رفعت الجماهير صوتها مطالبة بحقوقها المشروعة السياسية والاقتصادية، سارعت السلطة والمجموعة المنقسمة لإدانة تلك الأصوات باعتبارها أداة في يد الثورة المضادة أو تخدم مصالح ومخطط الثورة المضادة. وكلما أشارت الجماهير لعجز وتراجع السلطة، لجأت السلطة والمجموعة المنقسمة للتبرير بأن جهد السلطة مستنزف في مواجهة الثورة المضادة. لقد طرح السؤال نفسه وسط جماهير قريبة من الحزب وفي اجتماعات اللجنة المركزية أو وسط النقابات: هل خطر الثورة المضادة المباشر على الحركة الثورية يتجسد في الأحزاب التقليدية اليمينية، أم في سياسات ومواقف مجلس الثورة الذي يواصل توجيه الضربات للحركة الثورية وتصفية أهداف الثورة؟ وهل الحزب ملزم بالدفاع عن سلطة متراجعة عن شعارات الثورة، ومتهالكة أما ضغط القوى اليمينية؟ وكان السؤال يزداد إلحاحاً كلما صدرت بيانات أو ووثائق من قيادة الحزب تتحدث عن دور ونشاط القوى اليمينية داخل السلطة وخارجها في تعميم مبهم، دون ذكر الاتجاهات وتحديد الأسماء في مجلس الثورة أو الجيش أو الحركة السياسية. فنحن لم نركز على فضح نميري ودوره الذي أخذ يتبلور ويزداد وضوحاً مع الأيام كمدافع عن مصالح قوى اليمين الجديد الأكثر خطورة في تلك الفترة – قوى الرأسمالية الطفيلية الجديدة الصاعدة في صفوف قيادات البرجوازية الصغيرة المدنية والعسكرية. لم نفضح بالقدر الكافي دور المرحوم عمر حاج موسى والمجموعات الملتفة حوله داخل الجيش وخارجه ودور منصور خالد كمستشارين وشركاء للنميري في تمهيد الطريق لنظام الحزب الواحد والجمهورية الرئاسية وحكم الفرد. وعلاقة كل ذلك بتوجهات القوى الخارجية من ليبيا إلى مصر إلى غرب أوروبا إلى السعودية إلى أمريكا. على أن الحياة قدمت الإجابة البسيطة والحاسمة: لم تكن الأحزاب اليمينية والقوى الموالية لها في الجيش الخطر المباشر على الحركة الثورية في تلك الفترة، في تلك اللحظة السياسية، كان خطر الثورة المضادة، الخطر المباشر على الحركة الثورية، على أهداف وشعارات الثورة السودانية، هو النميري ومجلس الثورة والفئات الرأسمالية الطفيلية الجديدة. لجنة الميثاق: بعد انقلاب 16 نوفمبر، أعلنت السلطة قانون العمل الموحد للنقابات ، وتكوين لجنة لوضع الميثاق الوطني، لتمتص المعارضة والرفض، وتوحي للعاملين والحركة الجماهيرية أنها تسير في الاتجاه التقدمي وتنحاز للعاملين. لكن مناورتها سرعان ما تكشفت، إذ سحبت قانون العمل الموحد بعد شهر من إعلانه، وضربت حصاراً إعلامياً على جلسات ومداولات لجنة الميثاق، التي سارت في وجهة معارضة تماماً لتصورات السلطة المنقولة من التجربة المصرية. مشروع الميثاق الذي قدمته السلطة للجنة، ابتعد تماماً عن فكرة ومبادئ الميثاق الذي شاركت في مناقشته وصياغته وتطويره الحركة الثورية السودانية منذ ثورة أكتوبر 1964م عبر تجارب ومعارك النضال السياسي. فاتضحت معالمه وقسماته في "برنامج القوى الاشتراكية" الذي صدر قبل الانتخابات البرلمانية عام 68 ووقع عليه ممثلو الاشتراكيين الديمقراطيين والقوميين العرب والشيوعيين، ثم عاودت هذه القوى جهد تطوير ذلك البرنامج مطلع عام 69، وظلت تواصل مشاوراتها حوله ولم يكن قد تم الاتفاق على صيغته النهائية عندما وقع انقلاب 25 مايو وضمن بابكر عوض الله المبادئ العامة في خطابه ذلك الصباح كبرنامج لحكومته، دون استشارة أو موافقة بقية الأطراف. وعادت المشاورات والمناقشات من جديد بعد الانقلاب، وتوصلت تلك الأطراف إلى صيغة ميثاق يستند إلى تجربة وتقاليد الحركة الثورية السودانية ويختلف عن ميثاق التجربة المصرية في قضايا جوهرية، كقضية الجبهة واستقلال الأحزاب والتنظيمات المشاركة فيها بدلاً عن التنظيم السياسي الواحد – الاتحاد الاشتراكي – إلى جانب قضايا دور الجيش وضمانات الديمقراطية والحقوق الأساسية... الخ لم تطرح اللجنة الممثلة للأطراف المشاركة ما توصلت إليه، لأحزابها وتنظيماتها لإقراره، ولم تطرحه للحركة الجماهيرية للمناقشة العامة، بل أرجئ ذلك لأن مجلس الثورة طلب الإطلاع عليه ليشارك في المناقشة وكانت النتيجة موت ذلك الميثاق – أو كما عبّر الشفيع وعبد الخالق فيما بعد، إجهاض مبدأ الميثاق نفسه وطابعه الشعبي الجماهيري وفقدان المبادرة السياسية في الحركة الجماهيرية. المشروع الذي طرحته السلطة، كان البرنامج السياسي للحزب الواحد والمبرر الأيديولوجي لقيامه. كما أن مبدأ تعيين أعضاء لجنة الميثاق من جانب السلطة كان إقراراً بحق السلطة في التعيين للحزب الواحد نفسه – لا يغير من هذه الحقيقة أن بعض النقابات والتنظيمات انتخبت من يمثلها في اللجنة. مشاركتنا في أعمال اللجنة حسب قرار اللجنة المركزية، كانت قبولاً لما أقدمت عليه السلطة، وإضفاء شرعية سياسية عليه رغم المواقف الجرئية التي اتخذها الشيوعيون في مناقشات اللجنة حول سياسات الميثاق حيث أكدوا موقفهم أن (مايو) انقلاب وليست ثورة، وأن الثورة السودانية أفرزت صيغة الجبهة وليس صيغة الحزب الواحد، أكدوا فشل تجربة الاتحاد الاشتراكي في مصر، طالبوا بإقرار مبدأ الحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية وحكم القانون، هاجوا الاتحاد الثلاثي وإقحام السودان فيه دون استشارة أهله. ولم يكن موقف الشيوعيين معزولاً داخل اللجنة فقد أعلن أغلب المشاركين موقفهم بوضوح صحيح أن للعمل السياسي بين الأحزاب والجماعات قواعد وأصولاً تنفذ بها كافة أشكاله بما فيها المفاوضات. لكن الممارسة السياسية أفرزت أسلوب البيانات المشتركة أو التصريحات المتزامنة للإعلام عن المفاوضات في مراحل معينة من مراحلها. ما كان للتفاوض مع السلطة في تلك الظروف أن يتعدى استطلاع الآراء، أو عرض وجهات النظر في الأحداث، فالسلطة التي فرضت أسلوب الإملاء والانفراد، ورفضت أي مستوى من العلاقة القائمة على قواعد وأصول التحالف في ظروف نهوض الحركة الجماهيرية، ما كانت لتقبل به بعد 16 نوفمبر، بل ولما أقدمت على الانقلاب نفسه. وهل كان وارداً أصلاً أن يتم التوصل إلى مستوى من التحالف أو التعاون بعد إقصاء بابكر وهاشم وفاروق من مجلس الثورة – السلطة الفعلية؟ وأي قيمة لأي تحالف سياسي لا يتجسد في موقع السلطة. مع قبولنا لمبدأ التفاوض كان يجب حسم هذه الأسئلة أمام عضوية الحزب والجماهير حتى تتبين وجهة التفاوض، وإعلامها بنتائجه بالأسلوب الملائم، لإحباط المناورات ومراوغة السلطة وأعوانها المنشقين، وكذلك الموقف من الجبهة الخارجية حيث كانت الأحزاب الشيوعية والحركة التقدمية تتابع موقف الحزب وصراعه مع السلطة باهتمام سواء من موقف التضامن، أو موقف الإشفاق، أو موقف الناقد والمعارض لموقف الحزب. شعارات العزلة: عالجت اللجنة المركزية ومن بعدها المكتب السياسي في أكثر من اجتماع قضية تصحيح بعض الشعارات الانعزالية والحلقية التي رفعها الشيوعيون في مظاهرات ومواكب عيد الاستقلال مطلع عام 71، وفي عدد من الندوات في المعاهد العليا والجامعات: مثل شعار (شيوعيون صامدون) وشعار (عائد .. عائد عبد الخالق)، وهتافات بحياة الحزب الشيوعي، فهي شعارات عزيزة على الشيوعيين، وتعبّر عن ضيقهم وتبرمهم تجاه التعامل والتفاوض مع السلطة التي تنكرت للشعارات الثورية. كما كانت تلك الشعارات تعبّر عن الصراع الذي كان محتدماً قبل الانقسام وبعده ضد المجموعة التصفوية المنشقة التي كانت تبرر كل موقف خاطئ تتخذه السلطة وكل سياسة خرقاء تعلنها، وكل ضربة توجهها للحزب. كان رأي ل.م والمكتب السياسي أن هنالك مطالب وشعارات عامة وهامة تعتمل في نفوس الجماهير وواجب الشيوعيين تفجير تلك الشعارات، وأن يرتبط الفضح لمواقف السلطة وتوجهاتها بقضايا ومطالب الجماهير، كيلا يبدو أمام الجماهير وكأن الشيوعيين مهتمون فقط بقضية حزبهم والتحالف مع السلطة، صرف النظر وشجاعة وضد توجهات مشروع الميثاق، فلجأت السلطة إلى التعتيم الإعلامي على مداولات اللجنة، ثم تجاهل كل مقرراتها وتوصياتها، ورفضت قرار تكوين لجنة فنية من المشاركين لإعادة صياغة الميثاق وإدخال التعديلات والمقترحات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.