معلّم الاجيال فى ذمّة الله بين الصدّيقين والشهداء .. بقلم: الطيب السلاوي    مفرح الفرحان أكبر آفآت الفترة الإنتقالية!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    للعودة لطريق الثورة الشعبيةِ .. بقلم: نورالدين مدني    رجل وجاموسة في قفص الاتهام!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    حمد الريح كان لديه " ازميل" فيداس ويملك "روح عبقرية" !! (1) .. بقلم: أمير شاهين    التحالف النسوي السوداني: توصياتنا بخصوص الموجة الثانية لجائحة كورونا    المريخ يسعى لحسم تأهله لدور ال32 بدوري الأبطال بمواجهة أوثو دويو الكونجولي مساء اليوم الجمعة    يوميات محبوس (11) .. بقلم: عثمان يوسف خليل    غاب الإمامُ .. بقلم: عباس أبوريدة/الدوحة    قصة أغنية بدور القلعة: حسناء القلعة تهزأ بالشاعر أبو صلاح: الأغنية التي أشعلت التنافس بين وردي ومحمد الأمين! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    قراءه منهجيه لإشكاليات الفكر السياسي السودانى .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    زمن التوم هجو ! .. بقلم: زهير السراج    عمليات تهريب في انتاج الذهب بشمال كردفان    بدء الإنتاج النفطي بحقل الراوات    200 مليار جنيه عجز الموازنة الجديدة    وزير الصحة يعلن عن ترتيبات لتوفير الأدوية    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تقرير تقييم الحزب الشيوعي لانقلاب هاشم العطا 4

* هاشم العطا استدعى الشفيع أحمد الشيخ بعد وقوع الانقلاب * عبد الخالق محجوب كلف جوزيف قرنق بصياغة أوامر جمهورية جديدة * قيادات شيوعية حذرت من إقدام القذافي على اختطاف طائرة بابكر النور وفاروق حمدنا الله * الانتصار السريع كان مصدر الضعف القاتل للانقلاب والتحرك المضاد قاده ضباط الصف الوضوح النظري والسياسي حول: ثورة، انتفاضة، حركة، انقلاب (الحلقة الأخيرة) بعد وقوع الانقلاب: كان وقوع الانقلاب ذلك اليوم مفاجأة لكل الحزب بما في ذلك عبد الخالق وأعضاء المكتب السياسي والأمانة العامة واللجنة المركزية وحتى لبعض العسكريين من أعضاء التنظيم وقادته. كان جدول أعمال عبد الخالق والمكتب السياي لذلك اليوم يشتمل على الآتي: لقاء مع هاشم في الساعة التاسعة، لمعرفة وجهة نظر العسكريين في ملاحظات ومناقشات المكتب ومن ثم دعوة المكتب السياسي للاجتماعي خلال ثلاثة أيام. كان عبد الخالق في انتظار هاشم بعد هذا اللقاء مباشرة لمناقشته كي يبذل مزيداً من الضغط على العسكريين لتأجيل تحركهم. كان عبد الخالق ينتظر موعد للقاء التجاني والجزولي وشكاك وتحديد موعد ثان مع الشفيع للتشاور حول ما توصل إليه المكتب السياسي ورأي العسكريين والتحضير لاجتماع اللجنة المركزية. كان لأعضاء المكتب السياسي الآخرين مواعيدهم المسائية للاجتماعات واللقاءات في جبهات العمل المختلفة. أتضح فيما بعد أن هاشم كان قد ذهب قبيل التحرك لاتحاد العمال بحثاً عن الشفيع فلم يجده وأرسل له رسولاً بعد وقوع الانقلاب. أهدرت ساعات غالية بين تنفيذ الانقلاب وإذاعة بيانه الأول، ظل هاشم خلالها يبحث عن صلة بقيادة الحزب للمساعدة في إعداد البيان، وبدأ إعداده في الساعة السابعة والنصف مساء وأذيع بعد التاسعة مساء، وظل الرأي العام ينتظر في توتر وقلق وهو يتابع تكرار إعلان الإذاعة أن الرائد هاشم العطا سيذيع بياناً هاماً. وقد ترك ذلك أثراً سلبياً. بعد وصول هاشم للمقر الذي يختفي فيه عبد الخالق وتحوله إلىمقر لتجمع قيادة الحزب وجه له السؤال: لماذا تعلجتم؟ فكان رده هل ننتظر هل يعتقلوا زملاءنا واحداً واحداً؟ فطلب عبد الخالق من هاشم ومحجوب إبراهيم أن يقدمالاجتماع اللجنة المركزية التقديرات والأسباب التي دفعتهم للاستعجال. في هذه الأثناء تمت دعوة أعضاء اللجنة المركزية لاجتماع طارئ، وصدر عن الاجتماع البيان الجماهيري بتأييد الانقلاب والخطاب الداخلي بتعبئة الحزب وقرار تسيير مواكب في كل أنحاء السودان تأييداً للسلطة الجديدة، وكانت اللجنة المركزية عملياً تتصرف وهي أمام الأمر الواقع ان تصاغ أوامر جمهورية بعد إذاعة البيان واجتماع (ل.م) طلب هاشم أن تصاغ أوامر جمهورية جديدة فكلف عبد الخالق جوزيف قرنق بهذه المهمة، فتساءل جوزيف عن تصور العسكريين لهياكل وأجهزة السلطة وصلاحياتها.. الخ، وكانهاشم قد أوضح أن رأيهم قد استقر على اختيار مجلس الوزراء بالتشاور مع الهيئات والمنظمات الجماهيرية والديمقراطية وأن تسهم في اختيار وزرائها،وأنهم قدأعلنواذلك على الجنود والضباط الذين نفذوا الانقلاب، وكان تكوين مجلس الثورة قد خضع للتشاور معهم فطلب جوزيف من هاشم أن يدعوا رجال القانون ليعاونوه في صياغة الأوامر الجمهورية. في اجتماع اللجنة المركزية اقترح عبد الخالق ترك المسائل العسكرية للتنظيم العسكري والعسكريين والتركيز على دور الحزب في الجبهة السياسية والجماهيرية. بعد تنفيذ أي انقلاب عسكري تصحب المهمة المركزية هي كيفية حمايته عسكرياً في المقام الأول بعمليات وإجراءات عسكرية حسامة وصارمة تحدد مداها وطبيعتها الظروف السياسية والعسكرية المحيطة بالانقلاب، مثل إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال وتوجيه الإعلام من إذاعة وصحف وتلفزيون وفي الجانب السياسي إعلانات وقرارات وسياسات لتصفية مؤسسات السلطة القديمة وتأكيد سياسات وبرنامج السلطة الجيددة ما هو متبع في كل الانقلابات فالانقلاب كعمل عسكري له قواعده وقوانينه وأصوله، صرف النظر عما إذاكان الانقلاب يمينياً ام يسارياً، وصرف النظر عما إذا كان مقبولاً من الجماهير أو تواجهه الجماهير بلا مبالاة. هذه المهمة لم توضع في مستواها المطلوب سياسياً وعسكرياً، فاللجنة المركزية كانت في الواقع العملي تتعامل مع الانقلاب من خارجه وبعد وقوعه، ولم تتكون قيادة عسكرية سيساسية تقوم بمهام أشبه بهيئة الأركان للعمل السياسي الجماهيري والعسكري، وتتابع ساعة بساعة تطورات الموقف في الشارع وفي الجيش، وتراجع بدقة تنفيذ خطة وبرنامج عمل محدد، وتقيم أثر كل خطوة تم تنفيذها، والإعداد للخطوة التي تليها لضمان استقرار الوضع العسكري من جهة وفتح الطريق لاستنهاض حركة الجماهير خلف الشعارات والمطالب والأهداف التي تعمل في وجدانها، وتصحيح الأخطاء والتجاوزات التي كانت تعارضها وترفضها خلال حكم السلطة القديمة.. الخ والوجه الآخر للقيام بالمهمة يتمثل بالضرورة في التحسب لأي تحرك مضاد عسكري أو مدني وتنظيم المقاومة الشعبية والعسكرية، وحشد القوى في مواقع المقاومة المتوقعة والثغرات المحتملة، وفي هذا الإطار كان التساؤل عن دوافع التعجل في تنفيذ الانقلاب وثلاثة ممن تم اختيارهم في مجلس الثورة في الخارج، فوجودهم في المجلس لم يكن شرفياً وإنما لنفوذهم وتجربتهم ودورهم القيادي الذي يحتاجه الانقلاب وهو يقدم سلطته للجيش والشعب، وهو أشد ما يكون حوجة لجهدكل فرد في قيادته، وفي الإطار نفسه كانت الملاحظات التي أبداها عسكريون ومدنيون مساء 19 يوليو عن كثرة حركة هاشم العطا في الجبهة السياسية والعسكرية، وأبدى الشيوعيون في مقر قيادة الحزب المحاذير، لمحجوب إبراهيم من إقدام القذافي على اختطاف أي طائرة يعود على متنها بابكر النور وفاروق حمدنا الله ومحمد محجوب، وضرورة الاحتياط لهذه الخطوة. من مجريات الأحداث يتضح أن الخطة العسكرية للانقلاب، بكل ما فيها من ذكاء وقدرات تنظيمية وتنفيذية عالية وجسارة فائقة، ومباردة وابتكار،اعتمدت على الأنتصار السريع، لكن ذلك كله كان مصدر ضعفها القاتل، إلى جانب تغييب معلوماتها عن مركز الحزب، فلم تؤكن انتصارها وتحافظ عليه، ولم تضع احتمال التحرك المضاد والهزيمة. وبحكم الطبيعة الثورية للانقلاب فالدفاع عنه وحمايته كان يتطلب بالضرورة تنظيم مقاومة عسكرية وشعبية لمواجهة تحرك مضاد. وإذا كان الخطاب الداخلي الذي صدر عن اللجنة المركزية مساء 19 يوليو قد أشار لهذا الواجب، إلاَّ أن واقع الحال في تلك اللحظة كان غياب قدرات وإمكانات الحزب لمواجهة أي تحرك طارئ ومباشر، ووارد في الوقت نفسه. وإذا كان تقدير العسكريين سليماً بشكل عام عن عزلة مجلس مايو داخل الجيش، حيث تم تنفيذ الانقلاب دون إراقة دماء، فإن التقدير كان وحيد الجانب، وهو امتداد للتقديرات الانطباعية التي كانت سائدة وسط الضباط الشيوعيين والديمقراطيين ووسط المثقفين التقدميين أيضاً عن ان "واحد من الجيش لن يرفع رأسه إذا تمت الإطاحة بمجلس مايو" فالخطأ في التقدير أنه أهمل وزن ونشاط القوى اليمينية المعادية للشيوعية والثورة والديمقراطية داخل الجيش، والفرصة التي وجدتها تلك القوى لحرية الحركة وتنظيم صفوفها بعد انقلاب 16 نوفمبر، إضافة للمعلومات التي كانت معروفة للعسكريين عن استعداد تلك القوى وتحييد بعضها بتجريد اللواء الثاني مدرعات من السلاح، وكذلك سلاح المظلات، لكن الانتصار السريع دفعهم للتراجع عن تلك الخطوات والاستجابة لحسن النوايا البعيدة عن التقدير العسكري الصارم، فأعادوا السلاح للواء المدرعات الثاني الذي قاد الانقلاب المضاد. وقد أبدى العديد من صغار الضباط المشاركين في 16 يوليو اعتراضهم على هذا التراجع، كما اعترضوا على بقاء الضباط الأعلى رتبة والذين لم يشاركوا في الانقلاب في مناصبهم، وكان هؤلاء هم الذين اقترحوا إعادة تسليح لواء المدرعات. بجانب استناد العسكريين على تقديرات ذاتية على توازن القوى السياسي والعسكري داخل البلاد، كذلك فإنهم لم يضعوا اعتباراً للمتغيرات الدولية المحيطة بالمنطقة العربية خصوصاً الردة الساداتية في مصر وأثرها على الحركة الثورية العربية ولم يفيدوا من التقديرات والتحايلات التي قدمتها اللجنة المركزية في دورتها بعد 16 نوفمبر. كان هذا أو بعضه يفسر حالة الارتباك التي أصابت قادة 19 يوليو وقواتهم في مواجهة التحرك المضاد. من الأخطاء الجسيمة في الخطة العسكرية، ان تنظيم الضباط لم يشرك معه تنظيم الجنود الشيوعيين والديمقراطيين في التحضير والتنفيذ وما بعد التنفيذ، وهو تنظيم له وزنه وتقاليده، وقد أثار شكاك هذه المسألة مع هاشم فور وصوله لمقر قيادة الحزب مساء 19 يوليو، ودار بينهما حديث قصير عن لقاء كان مفترضاً أن يتم بينهما مساء الخميس الماضي... الخ وأمام الأمر الواقع اضطر تنظيم الجنود لإصدار بيان لتعبئة أعضائه ومؤيديه، وجرى توزيع البيان بطريقة مكشوفه مما أدى إلى كشف عضوية التنظيم ومحاكمة بعضهم وطرد الآخرين بعد الردة، كما كان لأعضاء تنظيم الجنود العديد من الملاحظات والانتقادات على الوضع العسكري بعد الانقلاب مثل اعتراضهم على طريقة تجريد السلاح من لواء المدرعات دون مراعاة أن بعض الجنود والصف من أعضاء التنظيم والمؤيدين له كان يمكن أخذ رأيهم والاستفادة من مواقعهم، كما كانت لهم اعتراضات على توزيع الحراسة وتأمين المواقع. فداحة هذا الخطأ تتجلى في الحقائق التالية: تجاوز تنظيم الضباط لتنظيم الجنود وتخطيه في التحضير والتنفيذ، مهما كانت المبررات التي ساقها الضباط حول الأسباب التي دفعتهم للاستعجال بالانقلاب، تجاوز خاطئ عسكرياً وسياسياً، فقد أهمل الضباط أهم الدروس التي استخلصها الحزب من تجارب انقلاب عام 1959م ومن التحولات السياسية والاجتماعية العميقية التي حدثت بعد ثورة أكتوبر 64، وصاغها في وثائقه عن أن الجنود ما عادوا مناقدين بالرابطة العسكرية لضباطهم في التحركات السياسية والانقلاب، وان الجنود والصف لهم تنظيماتهم ورؤيتهم السياسية. الانقلاب المضاد بادرت به وقادته في جميع مراحله مجموعات من الصف ولم يكن للضباط دور يذكر فيه رغم محاولاتهم فيما بعد للحاق به وإدعاء بطولات تنظيمية وقيادته. القسم المنظم والفاعل في المجموعات التي قادت الانقلاب المضاد في 22 يوليو، كان هدفها الأول ضرب الشيوعيين، وليس إعادة نميري ومجلس مايو للحكم، وقد تجلى هذا في قصف القصر الجمهوري على الجناح الذي كان يحتجز فيه نميري، وعلى بيت الضيافة حيث كان الضباط الموالون للنميري رهن الاعتقال، ودارت الأيام لتقود نفس المجموعات انقلاب 5 سبتمبر 1975م ومعها عدد قليل جداً من الضباط – إذا استثنينا الذين ترقوا من الصف بعد 22 يوليو 1971م. أدى الانتصار السريع إلى اضعاف اليقظة وسرعة الحسم، فقد وصلت لقادة يوليو بلاغات عديدة عن تحركات لتنظيم انقلاب مضاد ووصلت لمركز الحزب بلاغات عن هذه التحركات لرفعها لهم. لا فائدة بالطبع من معالجة التاريخ بحرف الشرط لو – غلا من حيث استخلاص الدروس والتجربة واتخاذها زاداً للمستقبل، وإلا تجمد العقل عند أحداث بعينها وبقى رهين جدرانها، وفي هذه الوجهة للاستفادة من التجربة تدخل التفاصيل والأحداث التي لا تحصى – ما كان يجب اتخاذه من خطوات لتأمين وحماية الانتصار عسكرياً وشعبياً: اختطاف الطائرة وهل كان يجب الإعلان عنه في الموكب؟ واتخاذ إجراءات جديدة في الجانب العسكري، واتخاذ خطوات تعبئة عسكرية وشعبية لمواجهة التدخل الوارد خاصة بعد اختطاف الطائرة ووجود خالد حسن عباس وزير الدفاع والقائد العام وأحمد عبد الحليم قائد المدرعات في الخارج. وهل كان ضرورياً إعلان أسماء أعضاء مجلس الثورة؟ ونوعية الضباط والجنود المكلفين بحراسة نميري وأعضاء مجلسه،والقصر كمكان للاعتقال...الخ. التفاصيل مفردة أو مجتمعة أصبحت جزء من التجربة التي نتعلم منها لمستقبل تطور الثورة السودانية الوطنية الديمقراطية. التجربة والدروس: قرار التحضير للانقلاب وتنفيذه للإطاحة بدكتاتورية مايو، لم يتخذه عبد الخالق محجوب أو الأمانة العامة أو المكتب السياي أو اللجنة المركزية – ذلك شرف لا ندعيه، لكننا لا ننفي حقيقة أنالعسكريين عرضوا علينا فكرة الانقلاب – وهم ليسوا أول عسكريون يعرضون على حزبنا فكرة انقلاب – وإننا نقاشنا الفكرة في المكتب السياسي وطرحنا عليهم وجهة نظرنا وملاحظاتنا وتحفظاتنا، وطلبنا منهم مناقشتها وإبداء رأيهم حولها، تمهيداص
لطرح الأمر على اللجنة المركزية – تلك تهمة لا ندفعها، أما إعلان عبد الخالق أمام جلادية في المحكمة، عن ان الحزب الشيوعي ولجنته المركزية لا علاقة له بالانقلاب، وأن هاشم اتصل به في المعتقل وأخطره بالانقلاب ومن ثم يتحمل المسؤولية وحده فتلك شهامة وفداء – لكن عبد الخالق لم يتخذ القرار، بل اصر على طرح الأمر على قيادة الحزب. ومع ذلك فإن قيادة حزبنا تتحمل بلا وجل أو تردد أو تبرير مسؤوليتها في المسائل التالية: - مواطن الغموض والقصور في تكتيكات الحزب بعد انقلاب 16 نوفمبر 1970م. - المكتب لم يتخذ موقفاً حاسماً قاطعاً عند مناقشته ما طرحه العسكريون. - ضعف الإشراف القيادي الحزبي على التنظيم العسكري والتأكيد و اليقين من استيعابه وقناعته باستراتيجية الحزب وتكتيكاته، وعلاقة الشق العسكري بالنضال السياسي الجماهيري، وخضوعه له، باعتباره مكملاً ومساعداً لدور الجماهير – رغم استنتاجنا السليم ان انقلاب 16 نوفمبر فتح الباب لصراع التصفيات والانقلاب. في ملاحظات ومناقشات المكتب السياسي لم نعالج بدقة المتغيرات في الوضع في المنطقة العربية والأفريقية والوضع الدولي، ولم نطرح أونسأل عن التركيب السياسي للقيادة العسكرية للانقلاب ومدى تعبيرها عن التحالف الوطني الديمقراطي، وضرورة توسيعه ليشمل قوى سياسية معادية لدكتاتورية مايو، وتحييد قوى سياسية أخرى. بعد وقوع الانقلاب كأمر واقع لم نقدم قيادة سياسية عسكرية في مستوى شروط ومتطلبات العصيان أو في مستوى تنظيم مقاومة شعبية عسكرية في وجه الهجوم المضاد. على أن الأزمة التي واجهتنا في 19-22 يوليو، لم تكن وليدة لحظتها، وإنما كانت نتاجاً لسلسلة من القصور والاهتزاز في تكتيكاتنا وموقفنا منذ 25 مايو 1969م. أولها: إن اللجنة المركزية لحزبنا أجازت بالإجماع الوثيقة التي قدمها عبد الخالق، في اجتماعها مساء 25 مايو 1969م في تحليل طبيعة الانقلاب المايوي وموقف الحزب منه، وقد دخلت تلك الوثيقة تاريخ وأدبيات حزبنا باسم خطاب دوري رقم واحد لكن اللجنة المركزية نسخت جوهر تلك الوثيقة التاريخية عندما اعرتضت أغلبيتها على اقتراح عبد الخالق بعدم الاشتراك في حكومة الانقلاب، كان قرار اللجنة المركزية بالاشتراك في الحكومة قراراص خاطئاً، كان رضوخاص عملياً لتكتيك الانقلابيين ووصايتهم، ونسخاً لجوهر الموقف المبدئي، ونسفاً لمبدأ استقلال الحزب وحقه في اختيار ممثليه لأي حكومة أو هيئة أو تحالف. قرار الاشتراك في حكومة الانقلاب المايوي، جعل اللجنة المركزية أسيرة لتكتيك الانقلابيين – فأصبحت طرفاً في صراع التصفيات والانقلابات الكامن في طبيعية انقلاب مايو منذ يومه الأول، وليس فقط بعد 16 نوفمبر 70. وفي ذات الوجهة، كان من الخطأ قبول تعيين بابكر النور وهاشم العطا في مجلس قيادة الثورة المايوي، وفاقم الخطأ ان قبول التعيين تم دون أخذ رأي تنظيم الضباط الأحرار، أو على الأقل قيادته، أو التشاور بين أعضاءه لوضع شروط متفق عليها للمشاركة والاختيار وتوزيع الأعباء والمسؤوليات وكان ذلك ممكنا ميسورا خلال الساعات الأولى للانقلاب المايوي في يومه الأول، حيث احتياج الانقلابيين للدعم واستنادهم للرصيد الأدبي والسياسي لتنظيم الضباط الأحرار في الجيش، فضلاً عن أن قبول التعيين من مواقع التنظيم وبشروط متفق عليها، كان سيطوق الانقلابيين، ويضعهم في حجمهم الطبيعي، أو يدفعهم لأن يسفروا عن وجههم الحقيقي منذ اليوم الأول. ويبقى السؤال: لماذا قبول التعيين أو الاشتراك بشروط أصلاً في مجلس الثورة بعد نجاح الانقلاب، إذاكان رفض الإسهام في تنفيذ الانقلاب مبنياً على المعارضة المبدئية لفكرة الانقلابات؟ ظلت الوثيقة التي قدمها عبد الخالق وأجازتها اللجنة المركزية بالاجماع في مساء 25 مايو – خطاب رقم (1) محصورة التداول داخل صفوف الحزب، ولم تصدر للجماهير، كما لم يصدر بيان مستمد منها يوضح للجماهير موقف الحزب من الانقلاب، فمخاطبة الجماهير وتبصيرها بموقف الحزب من التغيير الذي حدث في السلطة، كان ضرورة سياسية، ليس فقط في حيز تقاليد الحزب والتزاماته تجاه الحركة الجماهيرية ، بل ولتبديد غشاوة الشك والحيرة التي غشيت وعيها وغدراكها لحقيقة علاقة الحزب بالانقلاب، تجاه الواجهة والشعارات اليسارية التي قدم بها نفسه، ومازالت تلك الغشاوة تحجب رؤية واستبانة أقسام واسعة من الجماهير لحقيقة موقف الحزب. ثانيها: اجتماع المكتب السياسي، الذي انعقد في 9/5/69، ناقش اقتراح العسكريين بالانقلاب ورفض الفكرة استناداً إلى ما توصلت إليه اللجنة المركزية في مارس 69، حول التكتيك الانقلابي، لم تتبعه دعوة سريعة للجنة المركزية لعرض الأمر عليها، وليس فقط لوضعها في الصورة أو لإعلامها بتطورات الوضع السياسي، بل لتعبئة وتوحيد مجموع الحزب في مواجهة الفكر الانقلابي والتكتيك الانقلابي، وحتى إذا أعلن بعض أعضاء اللجنة المركزية تأييدهم لفكرة الاقنلاب، فإن الصراع كان سيتخذ منحى أكثر وضوحاً، ويوفر على الحزب جهداً وطاقة ووقتاً وتضحيات. ثالثها: التحالف مع الانقلابيين خطر يهدد مصير الثورة، ويرتهن مستقبلها للتقديرات الذاتية لأوئك الانقلابيين الذين يتدخلون في أي لحظة من لحظات تطور الحركة الثورية ويقطعون مسارها في لحظة يقدرونها ذاتياً من موقع نجاح العملية العسكرية لا ستلام السلطة بلا تقدير لتوازن القوى أو مستقبل الثورة. لقد اتسم موقف حزبنا بالتهاون والتساهل وحسن النية، تجاه الخلل الذي طرأ على تحالف القوى الاشتراكية القائم على "ميثاق القوى الاشتراكية" الذي خضنا به معركة انتخابات 1968م والتمهيد لإعلان مرشح ثالث لرئاسة الجمهورية في حالة قيامها إلى جانب مرشحي القوى التقليدية، فعندما طرح الانقلابيون في ذلك التحالف فكرة الاقنلاب، واعترض عليها حزبنا في دورة مارس 69 ثم في اجتماع المكتب السياسي وفي 9 مايو 69، كان الواجب إعلان فض التحالف للجماهير بالأسلوب المناسب، وترك الانقلابيين وشأنهم يتحملون مسؤولية تقديراتهم ومواقفهم. هذا على الصعيد الشعبي، أما في الشق العسكري، فقد كان تنظيم الضباط الأحرار، تنظيماً يسع تيارات سياسية شتى تلتقى في أهداف عامة، لكنها بالضرورة تختلف في وسائل وتكتيك الوصول لتلك الأهداف وأساليب تنفيذها، وكان التكتيك الانقلابي غالباً على التنظيم، وما كان لاشتراك الضباط الشيوعيين فيه أن يغير طابعه ذلك ، لهذا ما كان مجدياً طرح موضوع الانقلاب للتصويت، فرغم موقف الأغلبية المعارض للانقلاب ماكان ذلك مانعاً للأقلية الانقلابية التي تسيطر على الأسلحة الضاربة الكافية لتنفيذ الانقلاب، وأن تخرج على قرار الأغلبية وتفرض تكتيكاتها وتنفذ الانقلاب، وتضع الأغلبية أمام الأمر الواقع. التحالف مع الانقلابيين المايويين كلف الحزب خسائر كبيرة، لأنه تحالف بالضرورة مع أقليات سياسية صفوية، لا جذور لها في حركة الجماهير، ولا قناعة لها بدور الجماهير في ثورة التغيير الاجتماعي، وبحكم أنها أقليات سياسية صفوية، فهي إما أن تعتمد على دعم وغطاء خارجي، أو على أجهزة القمع في الداخل، أو على الاثنين معاً، وتخشي تطور واستاع حركة الجماهير، وترى في استقلالها ومبادرتها تمرداً عليها وتهديداً لسطوتها، لأنها تعتبر هدف الثورة الأول والأخير هو بقاؤها في السلطة وليس استخدام السلطة أداة رافعة لتطوير وتوسيع دور الجماهير في الثورة، أنها تختط، ومنذ يومها الأول، بوعى كامل أوب دافع غريزي، منهجاً لتعزيز حكم الفرد – كمؤسسة سياسية- وتهميش دورالجماهير في الحياة السياسية، في إدارة شؤون البلاد والإنتاج، وتسلك طريق القرارات والإجراءات الفوقية والحلول الإدارية لمشاكل المجتمع المعقدة، وتستند إلى الأجهزة البروقراطية وعناصر التكنوقراط، وترفع أجهزة الأمن والتجسس والقمع إلى مستوى دولة داخل دولة، تعلو على كل أجهزتها، وتترجم مفاهيمها وتصوراتها عن التحالف مع الأحزاب والحركة السياسية من منطلق التطويق والإلحاق والتصفية. ومن منطلق الوصاية، والفهم المبتذل للثورة، يلجأ الانقلابيون قبل الانقلاب وبعده إلى تشويه واقع الحركة السياسية، ونشر مفاهيم وأوهام شائهة عن توازن القوى واستعداد الحركة الثورية ومزاج الجماهير – سواء بتهويل هذه العوامل ليصبح الانقلاب خطوة منطقية وحتمية وثورية، أو استخدام أسلوب آخر للتشويه، بنشر أجواء اليأس من قدرات حركة الجماهير ليصبح الانقلاب هو المخرج الوحيد وتصبح حماية سلطة الانقلاب الواجب الوحيد لحركة الجماهير، وفي الحالتين يستنزف الانقلابيون طاقات الحركة الجماهيرية من أجل الانقلاب، ثم الاستقرار سلطة الانقلاب، ثم يسخرون السلطة الانقلابية المستقرة وأجهزة قمعها لضرب وإرهاب أي نزعة مستقلة في الحركة الجماهيرية. إن تحويل التغيير السياسي في قمة السلطة، الناجم عن انقلاب عسكري، إلى ثورة شعبية، ديمقراطية وبالتدرج، وإن توفرت معطياته كفرضية نظرية، لا يعتمد على رغبة الحزب الشيوعي والحركة الثورية، فالانقلابيون بحكم فكرهم وتكوينهم الطبقي الاجتماعي ونزعاتهم الاستبدادية، والقوى الاجتماعية التي تساندهم يستميتون في عرقلة ومنع التحول، ولا سبيل لتحقيق تلك الفرضية النظرية إلا إذا خرج الانقلاب من جلدته ونسخ ذاتية وتوقف عن أن يكون انقلاباً، أو بهزيمة الانقلاب وسحقه وتجاوزه من جانب القوى الثورية. الانقلاب والفكر الانقلابي والتكتيك الانقلابي، يعبَّر عن مصالح وتطلعات البرجوازية الصغيرة، وهذا طبيعي لا يتسطيع الحزب الشيوعي مهما أوتى من نفوذ جماهيري سياسي وفكري أن يمنع تلك الطبقات من خياراتها السياسية التي تخدم مصالحها ولا يحق للحزب الشيوعي، مهما كان وزنه أن يتوهم في أي لحظة، أنه أكثر وعياً بمصالح تلك الطبقات، أو أكثر منها حرصاً عليها. الحزب الشيوعي يصارع سياسياً وفكرياً كيلا يسود الفكر الانقلابي والتكتيك الانقلابي داخل صفوف الحركة الثورية، لأنه فكر وتكتيك يجهض الثورة ويجمدها، فكر لا يخدم مصالح الطبقة العاملة والكادحين في الريف والمدينة. وفي الفترات التاريخية المتعاقبة التي نجحت فيها البرجوازية الصغيرة، في إنجاز تغيير سياسي اجتماعي عن طريق الانقلاب مثل 23 يوليو في مصرى، و 14 يوليو في العراق، و 26 سبتمبر في اليمن، فإن الحزب الشيوعي لم يذكر ذلك الإنجاز ولم يقلل منه بل بادر وسارع لدعمه وتأييده، لكن الحزب الشيوعي لم يعتبر ذلك الإنجاز بمثابة النهاية للثورة كما تدعى البرجوازية الصغيرة. صراع الحزب الشيوعي ضد الفكر الانقلابي، لا ينفي بل يؤكد الضرورة الموضوعية لرصيد وطني ديمقراطي للحركة الشعبية داخل القوات المسلحة وقد أكدت تجربة ثورة أكتوبر 1964م وانتفاضة مارس / إبريل 1985م، تلك الضرورة الموضوعية وآفاق تطورها. رابعها: خطة تصفية الانحراف اليميني الذي طوح بالحزب عام 1966م لم تصل نتائجها المنطقية ومن ثم لم تقتلته من جذوره، فأثقل خطى الحزب، وتحول إلى رصيد يستند إليه ويتغذى به الاتجاه التصفوي اليميني المنشق وفي ظروف غير مواتية للحزب بعد انقلاب مايو. استنتاج سليم تماماً ما توصل إليه المؤتمر الرابع – أكتوبر 67 في ص53 من (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) الطبعة الثانية : "إن فكرة الدمج بين الحزب الشيوعي و القوى الاشتراكية الأخرى لا تعني سوى تذويب الحزب، أي إغراق دور الطبقة العاملة بين تيارات البرجوازية الصغيرة، وحرمان الحركة الجماهيرية من الطليعة السياسية المجربة". وبما أن المؤتمر الرابع عجز عن حسم قضية القيادة، وتطبق المعيار الثوري الموضوعي في تقييم أداء الكادر المرشح للجنة المركزية الجديدة، بما في ذلك معيار مدى اقتناعه بتكتيكات الحزب، وبالتالي مدى قدراته علىممارسة الدور القيادي الثوري اللازم لتطبيقها وتطويرها، فقد ظل استنتاج المؤتمر الرابع مشلولاً أعرج، بلا قيادة موحدة الفكر والإرادة والنشاط لترجمة واقع الممارسة جاءت اللجنة المركزية التي اختراها المؤتمر مثقفة باتجاه تصفوي يتحين الفرص لتذويب الحزب وإرغراقه في تيارات البرجوازية الصغيرة، وان ظل ذلك الاتجاه صامتاص خافت الصوت أما وحدة قاعدة الحزب حول استنتاجات المؤتمر الرابع، وأمام الأغلبية في اللجنة المركزية المدافعة عن استنتاجات المؤتمر، فإن انقلاب مايو، وصعود شريحة من البرجوازية الصغير للسلطة وانتماء تلك الشريحة لتصورات وأفكار القوميين العرب ولاتجربة النصارية، والتنظيم السياي الواحدة، فقد فك عقدة لسانه
وحقنة بجرعة الإفصاح والبجاحة ليعلن موقفه التصفوي ومن مواقع السلطة ومشاركتها في الصراع داخل الحزب والحركة الجماهيرية، مستنداً إلى إفرازات الانحراف اليميني التي لم تحسم ولم يستأصل الحزب جذورها. ظلت النواة الثورية داخل الحزب ومنذ نشأته، بقيادة عبد الخالق تتعامل بذكاء وذهن مفتوح وبجرأة وشجاعة في ارتياد التجارب والتجريب والصواب والخطأ مع الإمكانية الموضوعية لتوسيع نفوذ الحزب، وإنشاء كيان واسع لتوحيد كافة القوى الثورية والديمقراطية الراغبة في التغيير الاجتماعي الوطني الديمقراطي، لكن عبد الخالق ورفاقه كانوا ينطلقون دوماً من مبدأ استقلال حركة الطبقة العاملة وحزبها في كل تجربة أو محاولة لابتداع الكيان الواسع، وكانوا على ضوء ذلك المبدأ يقيمون ويصححون الخطأ والانحراف ويعيدون النظر، ويدخلون في تجارب جديدة، ومن ذلك المبدأ كان صراعهم ضد الاتجاهات والقيادات الانتهازية اليمينية واليسارية داخل الحزب وفي الحركة الجماهيرية. هكذا اجتاز الحزب فترة تكوينه الأولى وهو يحمل اسم الحركة السودانية للتحرر الوطني، حتى المؤتمر الثالث في مطلع 1956م، واجتاز فترة الجبهة المعادية للاستعمار حتى فترة الانقلاب العسكري الأول في نوفمبر 1958م، وخلال الفترة 56-1958م قدم عبد الخالق للجنة المركزية مشروع حزب العمال والمزارعين كشكل تتطور نحوه هذه الجبهة المعادية للاستعمار. وفي ذات الوقت نشأت تجربة الحزب الاشتراكي عام 1966م، وسبقته فكرة تحويل جبهة الهيئات إلى جبهة ديمقراطية تتحمل عبء النضال من أجل المهام الثورية، وفكرة تطوير سلطة أكتوبر إلى سلطة ديمقراطية تستند إلى قوة النفوذ الوطني المناهض للاستعمار والعناصر الديمقراطية، وحزب طليعي ثوري يوحد طلائع الثورة (ص3 المرجع السابق). تبلور الانحراف اليميني في تجربة الحزب الاشتراكي عام 1966م في التراجع عن مبدأ استقلال حركة الطبقة العاملة وحزبها وتذويبه في تيارات البرجوازية الصغيرة، وكانت العوامل الذاتية والموضوعية التي ساعدت على تبلور الانحراف تتمثل في التقديرات الذاتية للبرجوازية الصغيرة لآفاق ثورة أكتوبر 64 وأسباب انتكاسها وتأثير تلك التقديرات على الحزب، حيث ظللنا طيلة الفترة منذ سقوط حكومة أكتوبر الأولى في فبراير 1965م وبداية تحول ميزان القوى لمصلحة القوى التقليدية، ومن ثم تراجع المد الثوري، حتى انعقاد المؤتمر الرابع 67، نتساءل عن طابع الحركة الجماهيرية الواسعة في البلاد، هل هي ثورة متراجعة تدافع عن نفسها وتقاوم خلال تراجعها، أم هي نهوض ثوري جديد؟ وكان هذا التساؤول يعبَّر بقدر أو آخر عن تأثير التقديرات الذاتية لفئات البرجوازية الصغيرة التي تولت قيادة أكتوبر في جبهة الهيئات، ولم تقنع بأن الثورة انتكست، وأن فترة سياسية جديدة قد بدأت، ولابد من صياغة تكتيكات ملائمة لها، بل ظلت تراودها أحلام بعث أكتوبر، واستكمالها بانقلاب عسكري، يتولاه الضباط الذين ساندوا أكتوبر برفضهم نزول الجيش للشارع لضرب الجماهير، ووضغطهم على المجلس الأعلى للقوات المسلحة للاستقالة وتسليم السلطة للمدنيين..الخ. ومن العوامل التي ساعدت على تبلور الانحراف اليميني تأثير أنظمة وتجارب البرجوازية الصغيرة العسكرية والمدنية في المنطقة العربية والأفريقية، وآسيا وأمريكا اللاتينية – ناصر، نكروما، موديبوكيتا، كاسترو وانتقاله للماركسية، وانتقال طلائع حركة القوميين العرب، وفي تنظيمات المقاومة الفلسطينية، وحل الشيوعيين المصريين لتنظيماتهم بأمل تكوين تنظيم طليعي داخل الاتحاد الاشتراكي العربي وتأييدنا لتلك الفكرة. وكانت هذه العوامل وغيرها، محاطة بالتقديرات المتفائلة – والذاتية مع ذلك – السائدة في الحركة الشيوعية العالمية آنذاك عن دور وقدرات البرجوازية الصغيرة وحركاتها وأنظمتها، كما تعبَّر وثائق اجتماع الأحزاب الشيوعية والعمالية عام 1960م – وعام 1969م. صدور قانون حظر نشاط الحزب الشيوعي في نوفمبر 1965م، لم يكن سبباً في تبلور الانحراف اليميني، فقد كان حماس الشيوعيين للدفاع عن بقاء حزبهم، والحركة الجماهيرية الواسعة التي نهضت للدفاع عن الحقوق الديمقراطية، وصدور قرار المحكمة العليا ببطلان القانون، حافزاً للعودة لمبدأ استقلال الحزب، لكن صدور القانون كان عاملاً مساعداً للبحث في شكل قانوني يمارس الحزب نشاطه من خلاله. رغم البداية السريعة نسبياً لتصحيح الانحراف اليميني في اجتماعات اللجنة المركزية في النصف الثاني من عام 1966م، وصدور وثائق تلك الاجتماعات في مجلة الشيوعي العدد 126 والعدد 127، بعد أن بدأت الإجراءات العملية لقيام الحزب الاشتراكي وانعقاد مؤتمره التأسيسي، ورغم ما توصل إليه المؤتمر الرابع من استنتاج، ظلت عقابيل الانحراف اليميني عالقة بنشاط الحزب ونشاطه، فقد أهمل تنفيذ قرار هام أجازته اللجنة المركزية خلال اجتماعاتها آنفة الذكر لتصحيح الانحراف اليميني، وهو تكوين لجنة لدراسة جذور الانحراف اليميني وظلاله ورفع الحصيلة للجنة المركزية، إذ أن تنفيذ ذلك القرار، كان سيقترب بالحزب من النتجية المنطقية لحملة تصفية وتصحيح الأنحراف اليميني، وفي مقدمتها تجيدد الكادر القيادي أو أعضاء اللجنة المركزية الذين يرفضون أو يقاومون تصحيح الانحراف، أو على الأقل يحتفظون بوجهة نظرهم في تبني أفكار ذلك الانحراف. على أن أهم الخطوات العملية في النضال الفكري العملي ضد الانحراف اليميني فرضتها الممارسة الثورية لتنظيم الحزب في العاصمة، حيث طرح كادر وأعضاء وقيادة الخرطوم السؤال المحدد أمام المكتب السياسي: ما هي طبيعة تكتيكات الحزب ووجهتها وآفاقها؟ كان ذلك نهاية عام 68، فقدم عبد الخالق محاضرة لمدرسة الكادر بدار الحزب في الخرطوم (2)، حول التكتيكات الدفاعية ومراكمة القوى، ثم طورها في الوثيقتين المقدمتين لدورة اللجنة المركزية في مارس 69، الأولى بعنوان (الوضع السياسي واستراتيجية وتكتيك الحزب الشيوعي السوداني) والثانية بعنوان: (في سبيل تحسين العمل القيادي بعد عام من المؤتمر الرابع). طرحت الوثيقتان أزمة الحزب، أو ما أشارنا إليه بالتناقضات بين الاستنتاجات السليمة التي توصل إليها المؤتمر الرابع، وعجز المؤتمر عن حسم مسألة القيادة ومعاير حسمها في المؤتمر الخامس. وأوضحنا طبيعة التكتيكات الدفاعية ومراكمة القوى، وكشفنا مخاطر التكتيك الانقلابي في الحركة الشعبية كتعبير. تلك باختصار أهم معالم التجربة، الدروس، في درب الآلام والطريق الدامي الذي اختاره حزبنا بعد ردة 22 يوليو، صموداً ودفاعاً عن بقائه واستقلاله، استيعاباً لدروس التجارب، وصراعاً سياسياً وفكرياً ونظرياً لإصلاح وتخطى وتجاوز مواطن القصور والغموض والاهتزاز في مواقفه وتكتيكاته، ونقداً ذاتياً صريحاً للخطأ والتقصير، وعودة لأصول استراتيجية وتكتيكاته، واستيعاب المتغيرات والمستجدات لتطوير تلك الأصول بعد انتفاضة مارس/ إبريل التي فتحت رغم الاخفاقات والاجهاض، آفاق جديدة لتطور الثورة الوطنية الديمقراطية السودانية. الجمعة 7 أكتوبر 1988م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.