قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصراع على النفط بين الجنوب والشمال

بقراءة المعطيات التي تحيط بالجارين اللدودين جمهورية السودان ودولة الجنوب الوليدة، نخلص إلى نتائج مفادها أن ينشأ بين الدولتين جوار ممتاز، وأن يتم التعاون بينهما في كافة المجالات، سواءاً كانت الداخلية منها، أو التي تربطهما بالعالم الخارجي.
ومن هذه المعطيات أن دولة جنوب السودان دخلت في حالة من عدم إستقرار وتمرد وحرب مع الشمال منذ العام 1955م، أي قبل إستقلال السودان. ولم تخفت الدعوة للإنفصال طيلة تلك السنوات من الحروب. فكل الحكومات التي تعاقبت على السودان منذ الإستقلال وحتى الآن لم تستجيب لطلبات الجنوبيين، ولم تملك الشجاعة للإعتراف بأن للجنوبيين قضية، وتمنحهم بعض ما يطمحون إليه، ناهيك عن الإستجابة لمطلب الإنفصال أو الإستقلال كما يحلو للجنوبيين تسميته، ماعدا حكومة الإنقاذ. والوضع الطبيعي وفق هذه المعطية أن يكون هناك شعور بالعرفان والإمتنان تجاه من إستجاب لمطلب الإستقلال، وهذا وحده كفيل بأن يجعل العلاقة بين الدولة الوليدة والدولة الأم فيها كثير من الإحترام والتقدير والتعاون.
تعتمد دولة الجنوب بصورة كبيرة على إستيراد السلع والخدمات ورؤوس الأموال من الشمال، والتي يتم نقلها عبر أرخص وسائل النقل في العالم عن طريق النقل النهري ، وأنها مطالبة ببناء دولة من الصفر، في جو من الصراع الداخلي والتقاتل القبلي وإستقطابات عرقية وعشائرية حادة بدأت نزر طقسها ملبداً بالغيوم والعواصف والمطبات . هذا بجانب تواضع إمكانات الدولة الجديدة، أو لنقل مظاهر بنيتها التحتية بما فيها تلك القائمة في جوبا، حيث لا يوجد في كافة الدولة الوليدة سوى (60 كلم) من الطرق المعبدة، وتعد الكهرباء عملة نادرة لا تتوفر سوى للقادرين على دفع الفواتير الباهظة، ويتم توليد الطاقة الكهربائية في الغالب بواسطة المولدات العاملة بالديزل ذات التكلفة العالية. وتعد خطوط المياه نادرة أو شحيحة في عموم البلاد، ويعتمد الكثير من السكان على زراعة الكفاف التي لا تستطيع أن توفر سوى لقمة العيش على الرغم من أن مساحة الدولة تبلغ (644 ألف كلم2) معظمها خصبة، ويتمتع معظمها بإمداد مائي وفير عن طريق الأمطار .
هذا يمثل لدولة السودان سوقاً واسعاً لدولة يزيد تعداد سكانها عن أكثر من ثمانية ملايين نسمة، إضافة للإستثمار في مجال البنى التحتية الذي يمثل مداخيل عالية لدعم ميزانية الدولة، بالإضافة للعلاقات التي نشأت بين الشماليين والجنوبيين، وهي كفيلة بأن تجعل الشماليين صمام أمان أو فلّين بين زجاج قبائله لمنعه من الكسر.
الجانبان وقعاً إتفاقية سلام في العام 2005م، بُذل فيها جهد فكري وذهني راقي للبحث عن الحلول لأصعب القضايا كالتمايز العرقي والديني والإثني، وكان العالم شاهداً عليها مما يؤهلها لأن تكون نموذجاً يقدمه شعبا السودان شماله وجنوبه للبشرية لتحتذي به، وتنفيذها يؤهلهما لأن يكونا مثالاً للتعاون والتعاضد بين الدولة الأم والدولة الوليدة، أو الدولة الخلف والدولة السلف. خاصة وأنهما تجاوزا أصعب بنود الإتفاقية وأكثرها حساسية سواءاً كان بإجراء الإنتخابات العامة في الشمال والجنوب، أو التحضير لإجراء إستفتاء حق تقرير المصير والقبول بنتيجته، بل والإحتفال سوياً بميلاد دولة الجنوب في جوبا، وكان رئيس السودان من أبرز الحضور.
وقد وصل الجانبان بكامل الرضا للحل في أعقد مشكلة كان يمكن أن تنسف إتفاقية نيفاشا من أساسها، وهي مسألة تقرير المصير والقبول بنتائجه، ولم يبق إلا مشكال (تافهة) (Trifle) إذا ما قورنت بحق تقرير المصير، كترسيم الحدود، ومشكلة أبيي، والديون، والنفط، وهي لا تعدو أن تكون إطاراً لإكمال صورة المولود الجديد دولة الجنوب مع حفظ كامل الحقوق للأب الشرعي لهذه الدولة، وهو حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني ممثلاً في الحركة الإسلامية بالتحديد.
والمعطيات كثيرة التي يمكن أن نقف عندها، وبقراءتها وتحليلها تكون نتائجها المنطقية ليست مفضية للتعاون فقط، بل ربما نقول للتماهي التام، وسوف نختار من بين تلك المعطيات قضية النفط حصراً، والتي كانت سبباً وراء كتابة هذا المقال.
حكومة الجنوب تمتلك (73%) من إجمالي النفط السوداني، والبالغ 500 ألف برميل يومياً ، بعوائد تقدر بأربعة مليار دولار، وبإستثمارات تقدر بأكثر من تسعة مليار دولار. لا يعرف لحكومة الجنوب مورداً آخراً غير النفط، عدا مداخيل طفيفة تحصل عليها من رسوم الجمارك لا تتعددى (2%) من إجمالي موازنة حكومتها، أي أن البترول يمثل (98%) من جملة صادراتها .
وإذا كان الجنوب يتميز بأنه يمتلك الحجم الأكبر من حقول النفط والإنتاج، فإن الشمال يمتاز بإمتلاكه لكافة البنى التحتية لخدمات البترول، والتي تتمثل في الخط الناقل للمواد الخام، ومصافي التكرير، وميناء التصدير .
حكومة الجنوب لا يمكنها الإستغناء عن عوائد النفط، أو تأخرها لمدة إسبوع واحد، إذ تشكل إيرادات النفط (98%) من الإيرادات المالية للجنوب كما أسلفنا . وفي المقابل فإن السودان في حاجة ماسة لنفط الجنوب لتوفير الإمدادات البترولية اللازمة لتدوير عجلة الإقتصاد. كما يحتاج السودان لأموال الخدمات التي يقدمها لبترول الجنوب، سواءاً كان في النقل أو التكرير أو التصدير، لتوفير قدر مقدر من النقد الأجنبي لمواجهة العقوبات الإقتصادية المفروضة على الشمال.
الجنوب دولة مغلقة، يرى الخبراء إستحالة تصدير نفط الجنوب عبر ميناء في كينيا لوجود صعوبات عدة، منها التكوين الجغرافي، ومساحة تبلغ (1900 كلم) تمر في تضاريس وعرة عبر الجبال، إضافة للتكلفة المرتفعة التي يقدرها البعض بعشرات المليارات لإنشاء هذا الخط في مدة لا تقل عن ثلاث سنوات . وأن هذه التكلفة العالية يحتاجها الجنوب وبشدة في التنمية الإقتصادية ورفاهة المواطن، فبالتأكيد صرف هذه الأموال على الخط تعطل العمل الإقتصادي في جنوب السودان، وتصبح الدولة في حالة فوضى إقتصادية وسياسية .
وفي المقابل فإن السودان قد صرف أموالاً طائلة على هذا الخط، فعدم إستخدام هذا الخط يجمد تلك الأموال، ويصبح الخط عرضة لأخطار عدم الإستخدام، إضافة لفقدان العائدات التي كان يمكن أن يدرها عليه الخط، والتي يمكن أن تساهم في حل أزمة الإقتصاد السوداني.
من ذلك نجد أن الشمال يحتاج للجنوب للإستمرار في الحصول على دخل من بترول الجنوب للمحافظة على الإستقرار الإقتصادي والسياسي. ومن جهة أخرى فإن الجنوب كدولة مقفولة بلا منفذ بحري وكل البنى التحتية لتسويق النفط متواجدة في الشمال، وكذلك فإن الأيدي العاملة والمدربة معظمها شمالية. لا يستطيع الجنوب الحصول على مداخيل النفط من غير التعاون مع الشمال على الأقل في المدى المنظور .
يشكل الشمال الشريان الأساس لحياة الجنوب، وسيستمر هذا الوضع لفترة طويلة من الزمن. وقد بلغ معدل التضخم في الجنوب أكثر من (60%)، هذا الوضع جعل الحياة لا تطاق من هذه الحالة، وبما أن الناس في الجنوب لن يأكلوا النفط الخام، كما أن الدولة المفتقرة للبنيات التحتية تحتاج للمضي قدماً في مشروعات التنمية، فإن تصدير البترول كمصدر وحيد لموارد الدولة، والحصول على منفذ تجاري للتصدير والإمداد السلعي الضروري تشكل ضرورات لا بديل لها في وضع الجنوب الراهن .
ولا تقل حوجة الشمال للجنوب عن ذلك كثيراً، سواءاً كان في تقديم خدمات البترول، أو شراء البترول نفسه وبأسعار تفضيلية، أو في تشغيل خطه الناقل، أو حتى في إستمرار عمالته المدربة في العمل، فحوجة السودان للموارد للتنمية أو في السوق الواسع في الجنوب أو في المشاريع الإستثمارية التي يمكن أن يقوم بها القطاع الخاص السوداني في أرض الجنوب البكر الواعدة. هذا إضافةً إلى حوجة الشمال الماسة لنفط الجنوب لتوفير الإمدادات البترولية اللازمة لتدوير عجلة الإقتصاد، خاصة وأنه يمر بضائقة حقيقية في النقد الأجنبي، وبالتالي فإن إستيراد مشتقات البترول سيكلفه ما لا طاقة له به. فإن الإستثمار في النفط وبنياته التحتية قد كلف الشمال كثيراً من الموارد، مما جعله يركز لفترة طويلة على تنمية هذا القطاع، وإهمال القطاعات الأخرى .
القراءة لكل هذه المعطيات وغيرها تجعل النتيجة وبلا شك بل من المحتم ولمصلحة الدولتين، ولمصلحة شعبيهما، التعاون فيما بينهما في مجال البترول وغيره، ولكن الذي يحدث ونشاهده ونتابعه غير ذلك، ربما يشير جريان الأحداث وإتجاهات وتصرُّف القادة هنا وهناك إلى أن كل المعطيات التي تشير نتائجها إلى تعاون وتماهي كامل بين الدولتين ربما تكون من أكبر نتائجها الكارثية إندلاع حرب بين الدولتين، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا في عالم اللا معقول.
من خلال المعطيات والقراءة والمنطق والإنصاف يجعلنا نقول ونجزم بأن الحكومة التي وافقت على إجراء حق تقرير المصير وقبلت نتيجته وإعترفت بالدولة الوليدة، بل شارك رئيسها في الإحتفال بإستقلال الدولة الجديدة، لن تكون وراء وخلف التصعيد الأخير، بل نجزم من خلال القراءة والتحليل بأنها غير راغبة في الذي يجري. فالحكومة التي وافقت على إعطاء حق تقرير المصير، وقبلت وإعترفت بالدولة الوليدة، لا يمكن أن يعييها ويستعصى عليها حل إشكال النفط، أو الحدود، أو حتى أبيي. الحكومة التي فعلت كل ذلك لإيقاف الحرب وطمعاً في الإستقرار والأمن لا يمكن أن تكون ساعية للحرب مرةً أخرى. الحكومة التي دفعت جزءاً عزيزاً من وطنها عربوناً للسلام لا يمكن أن يقبل عقلاً أنها تسعى للعودة للحرب مرةً أخرى بسبب النفط، أو الحدود، أو الديون وقسمتها، أو حتى مشكلة أبيي.
النتيجة المنطقية لتفسير الذي يحدث ويقود البلدين للحرب مرةً أخرى هو الطرف الآخر، وهو الحركة الشعبية. ولكي نكون منصفين فإن بعضاً من الحركة الشعبية وتحديداً من يسمون بأولاد قرنق هم الذين يقفون خلف الذي يجري بكل تفاصيله المملة والمقيتة و(البايخة)، وما يتخلله من سوء أدب وعدم إحترام وتقدير في حلقة التفاوض المفرغة التي تتراوح بين التصعيد والتهدئة والتفاوض والإنفضاض والتأزم ثم العودة لإعادة اللعبة من جديد للمربع الأول.
والشواهد والتفاصيل على ذلك كثيرة، سواءاً كان أثناء مفاوضات نيفاشا، أو أثناء إنفاذها، أو ما يجري الآن. وقد كتبت في ذلك كثيراً، ويضيق المجال للتكرار. وخلاصة الأمر أن هذه المجموعة إرتبطت بمجموعة خارجية تريد إنفاذ أجندة خاصة في السودان، هذه القوى تتمثل في بعضاً من الإدارة الأمريكية بقيادة سوزان رايس، مستجيبةً لضغوط اللوبي الصهيوني، واليمين المسيحي المتطرف بقيادة منظمات مجتمع مدني بقيادة بندر قاست (أنقذوا دارفور) وكلوني وروجر ونتر وغيرهم، وقد نجحوا أخيراً في حمل الإدارة الأمريكية على تبني وجهة نظرهم، خاصة وأن موسم الإنتخابات الأمريكية قد إقترب. الذي يجري ليس في مصلحة السودان ولا مصلحة الجنوب، فما كان مواطن الجنوب ولا غيره محل إعتبار لهذه القوى. ولكن للأسف فإن هذه القوى قد وجدت في بعض أبناء الجنوب من يعمل على تحقيق أهدافها.
والشواهد التي بين أيدينا والأحداث التي حدثت خلال الأشهر القليلة الماضية لا تجعلنا نبذل عناءاً فكرياً أو تحليلاً لنعرف أهداف الولايات المتحدة، والتي تقوم بإنفاذها لمصلحة اللوبي الصهيوني ولمصلحة اليمين المسيحي المتطرف ومن خلفه شركات البترول التي تسعى لإستعاده حقها المسلوب من بترول الجنوب والتي تدعي ملكيتها الحصرية له، لأنها قد قامت بإكتشافه.
فقد أصدر السيد أوباما قراراً برفع الحظر عن تصدير السلاح للجنوب، والذي يعني ما يعني، كما أوضحنا في مقالنا السابق. وقد تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بتسديد كل منصرفات الفجوة المتعلقة بإيقاف نفط دولة الجنوب عبر الأراضي السودانية لمدة خمسة سنوات قادمة، والمساهمة بنسبة (40%) من تكاليف إنشاء الخط الناقل الجديد عبر ميناء (لامو) في كينيا. كما تعهدت الولايات المتحدة بأن تتحمل بعض الدول الغربية (50%) من تكاليف الإنشاء. كما إجتمعت اللجنة الفنية التي بعث بها أوباما عقب قراره الآنف الذكر مع قيادة الجيش الشعبي لتقدير الإحتياجات التسليحية والتنظيمية .
ثم كان تصريح المبعوث الأمريكي الخاص للسودان (برنستون ليمان) للصحفيين حيث قال: يتوقع حدوث مجاعة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وأن الحكومة السودانية قد أصدرت قراراً بمنع منظمات الإغاثة من تلك المناطق. فقال ليمان: (نواجه ضغطاً كبيراً لبحث سبل نقل المساعدات عبر الحدود دون موافقتهم إذا لم يفتح الباب لتدخل دولي) . وأضاف: (نعلم أن الحكومة ستعارض ذلك، إذا كنا نريد أن نفعل شيئاً قبل مارس، أو بحث نقل مواد غذائية أو ما إلى ذلك فالأمر سيستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن لم يحل إجتماع الإتحاد الإفريقي هذه المشكلة بحلول نهاية يناير فسنصبح في موقف خطير) .
وإذا قرأنا هذه المواقف الأمريكية نخلص منها للآتي، الإنحياز الكامل لدولة الجنوب ودعمها في تصعيد موقفها تجاه الشمال، وإستعداد أمريكا لتعويض الجنوب في حالة عدم إستجابة الحكومة السودانية للتسوية وفق شروط دولة الجنوب. ويمكن أن تكون الولايات المتحدة جادة في الإيفاء بتعهداتها تجاه دولة الجنوب وتعويضها خسائرها، لكن واقع الولايات المتحدة يكذب ذلك، فالولايات المتحدة تعيش في أزمة إقتصادية طاحنة، وقد خفَّضت حتى ميزانية البنتاغون والذي لم يحدث خلال عقود طويلة، ولن تستطيع الدول الأوروبية دفع شئ لأن موقفها إقتصادياً لا يختلف عن موقف أمريكا الأقتصادي. يبقى الإحتمال الوحيد هو الضغط على الحكومة وإجبارها للقبول بمقترحات حكومة الجنوب. أما التدخل الدولي فيكفي أمريكا ما تعيشه من جراء تدخلها في العراق وأفغانستان وباكستان، فلن تستطيع أن تكرر ذلك في السودان، لا هي ولا المجتمع الدولي، فالأمر لا يعدو أن يكون ضغوطاً على الخرطوم، وتقويةً لموقف الحركة التفاوضي.
وما يؤكد ما ذهبنا إليه تصريح الناطقة بإسم الخارجية الأمريكية السيدة (فيكتوريا نولاند) حيث قالت: (إننا نشجع الطرفين على مضاعفة الجهود من أجل التوصل إلى إتفاق حل دائم، وإن واشنطن تدعم وضع خارطة طريق في الإتحاد الإفريقي من أجل التوصل إلى إتفاق لحل الأزمة، لأنه بات من الضروري التوصل إلى إتفاق في صالح البلدين حول الأزمة الحالية) .
وعلى الرغم مما ذكرنا أنه ليس لحكومة الخرطوم ما يجعلها تسعى للذي يحدث، فإنه لا يمكن توجيه النقد واللوم لطرف واحد فقط، وأن الطرفين قد إرتكبا قدراً من الأخطاء في التعامل مع حل المشكلة، وإن كان الخطأ الأكبر والفادح من دولة الجنوب. وأن الخسارة إذا حدثت سوف تكون من نصيب الطرفين والخسارة الأكبر لدولة الجنوب. فإن نقل بترول الجنوب عبر الشمال أمر منطقي وإقتصادي، وأي حل مؤقت أو دائم لن يكون في مصلحة دولة الجنوب وشعبها.
وعليه من الضروري أن يكون هناك حوار هادئ في المفاوضات بقيادة فنيين وإقتصاديين من الطرفين، مع الإستعانة بالخبرة الدولية والشركات العالمية وإبعاد الساسة من الحوار، وأن تُراجع الصيغ الدولية المشابهة في هذه الحالة، وأن توضع تشريعات نفطية تُفِّصل وتسمح بإستعمال عقود البترول الموحدة (The Unitization Agreement)، والعقد الموحد العابر للحدود (Inter-State Unitization Agreement)، وعقود تنمية المناطق المشتركة (The Joint Development Area).
كما أن تعاوناً من هذا النوع يحتاج لدرجة من الشفافية والوضوح في الحسابات وشروط العقود، والبعد عن الرشاوي والفساد المالي والإداري من الدولتين، كما أنه يحتاج لدرجة من الثقة المتبادلة بين الطرفين بجانب وضع التشريعات والعقود مستفاداً من التجارب الدولية المشابهة. وأن يكون هنالك نظام مراقبة يتمتع بشفافية عالية يكشف عن شروط التعاقد، ويخضع للتمحيص ولمراقبة مستقلة، ولتكن الإتحاد الإفريقي، كما يجب أن يتضمن آلية لفض النزاعات بين الطرفين، وأن يبدأ بمراجعة وإعداد حسابات للأمر الجاري الآن الذي حوله خلاف، وأن يحتفظ كل طرف بسجلات وثيقة للمنح والمراحل، ولا يعتمد على أرقام الشركات.
إن الإتفاق بين الطرفين يمكن أن يجعل الطرفان يحسان بأهمية عدم الذهاب للحرب، حيث أنها أسوأ السيناريوهات للطرفين، وأن الحرب في هذه المرة لن تكون كسابقاتها، فأول أهدافها سواءاً كان في الجنوب أو الشمال هي المنشآت النفطية، ولذلك سيفقد الطرفان كل شئ وسيذهب ما كان سبب القتال ويبقى القتال يحصد في الأرواح ويدمر الجسد المنهك من الدولتين من جراء الحرب التي إستمرت منذ العام 1955م إلى 2005م.
كما يمكن إتاحة الفرصة للآلية الإفريقية برئاسة ثابو أمبيكي في الوصول إلى حلول نهائية للأزمة بين الدولتين، والإتفاق على ترتيبات تجارية فعالة، ونظام منضبط لتفعيل الإستحقاقات المتعلقة بشأن النفط.
من الواضح أن أياً من الطرفين لا يمكنه تحمل نتائج وقف البترول، وإن إختلفت درجات التحمل، فذلك يعني أهوالاً إقتصادية لا قبل لشعبي البلدين بها، بل يشكل تهديداً جدياً لبقائهما، غير أن النفط ليس هو الأمر الخلافي الوحيد، فهنالك قضايا الحدود، والجنسية لمواطني البلدين، والمناطق المتنازع عليها في الحدود، والنزاع الدموي في جبال النوبة والنيل الأزرق. وأن يتم النظر إلى تلك المشاكل العالقة كحزمة واحدة والتفوض عبرها جميعاً، وتقديم التنازلات المؤلمة والضرورية لبعضهما البعض، حتى لا يتم هدر أرواح وموارد عزيزة يحتاجها الطرفان كثيراً.
وذلك يشير إلى دلالة واضحة، أنه لا مفر من الإتفاق مهما كان الثمن باهظاً لأياً من الطرفين، هذا أقل ثمناً وأكثر فائدة من المضي في إستفزاز بعضيهما.
فإن أبى أولاد قرنق غير ذلك، فسوف تكون الخرطوم في هذه الحالة في حل من إفشال المشروع الأمريكي بقيام دولة الجنوب لإيذاء الشمال، والخرطوم قادرة على ذلك من غير أن تطلق طلقة واحدة.
عبدالجليل زيد المرهون: تطلعات الدولة في جنوب السودان، جريدة الرياض العدد 15915 بتاريخ 20/1/2012م، http://www.alriyadh.com.
النفط عقدة الشمال والجنوب بالسودان، http://www.hurrassudan.com ، 11/1/2012م.
عبدالجليل زيد المرهون: تطلعات الدولة في جنوب السودان، مرجع سابق.
محمد عبد الحميد: البترول.. مسمار جحا بين شمال السودان وجنوبه، http://www.rnw.nl ، 21/7/2011م.
محمد عبد الحميد: البترول.. مسمار جحا بين شمال السودان وجنوبه، مرجع سابق.
همام سرحان: التفاهم حول تقسيم نفط السودان بين الشمال والجنوب هو الحل، http://www.swissinfo.ch ، 6/1/2011م.
النفط.. الخطر الأكبر لاشتعال الصراع في السودان، http://www.egyday.com، 8/7/2011م.
المرجع نفسه.
هنادي النور: الخرطوم وجوبا.. النفط صراع المصالح، صحيفة الإنتباهة العدد 2115 بتاريخ 28/1/2012م، http://alintibaha.net .
محمد البشرى: مآلات صناعة البترول في السودان بعد 2011 في ظل الوحدة أو الإنفصال، http://www.sudanile.com ، 2/11/2010م.
د. حسن بشير محمد نور: دلالة حرب النفط بين دولتي السودان، http://www.sudanile.com، 1/12/2011م
المرجه نفسه.
الإنتباهة العدد 2114 بتاريخ الخميس 26 يناير 2012م.
تحذير أمريكي من مجاعة بالسودان، الجزائر نيوز بتاريخ 25/1/2012م، http://www.djazairnews.info .
المرجع نفسه.
واشنطن تحض الخرطوم وجوبا على التوافق بشأن النفط، 23 /1/2012م، http://www.albayan.ae/


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.