مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محلة باب الشيخ مركز بغداد التأريخي خلال مائة عام د. سامي حسين عبد الستار الشيخلي

تعتبر محلة باب الشيخ ذات التأريخ البغدادي العريق بإمتياز - منذ نشأتها وخلال تطورها- مركزاًً دينيا واجتماعيا وسياسيا مهما في تأريخ بغداد حتى قرابة نهاية منتصف القرن العشرين؛ تلك المحلة التي قد جمعت سكانها في مساحة وسط بغداد منذ قرون عديدة عبر تتتابع الأجيال؛ وتبدل الأحوال؛ وتكاتف المواقف في أوقات مختلفة؛ وحفظهم الذكريات؛ بطيب العلاقات بينهم وقوة ترابط الصلات الشخصية بالجوار والصداقة والمصاهرة والتآزر الاجتماعي بمواقف معروفة تأريخيا؛ وبوحدة مذهبهم السُّني الحنفي والحنبلي؛ وتسامحهم مع المذاهب والمشارب الأُخرى والعيش معهم بالحسنى؛ وشهرة أسواقهم المعروفة بالصدق في المعاملات كل ذلك قد صهرهم بمعالم تمييزهم بشخصيتهم المتفردة والمختصة بهم عن باقي المحلات البغدادية الأخرى المحيطة بهم؛ عندهم اعتزاز خاص بحب جذرهم الاجتماعي المتشرب في ثنايا شخصيتهم المتفاعلة في أعماق شعورهم المرتبط بهذه المحلة الخاضعة لمؤثرات الثبات والمتغيرات الطارئة عليها من خارجها بفعل أحداث كثيرة عانتها في أزمات الصراع حول العراق عبر التاريخ والجغرافية فبلورت أبرز معالم كل جيل مما سجل أبناؤه تاريخهم بوعي علمي في جغرافية الذاكرة الاجتماعية كحافظة لهم من ضياع وجودهم أو اندثارهم بتربص الآخرين. فمن اضمحل وجوده انتفى أثره اجتماعياً ولله في خلقه شؤون وحِكَم ومساجلات تأريخية.
مدخل: (تعريف وتحديد محلة)
يمكن تعريف المحلة بمنطقة سكنيِّة صغيرة أو كبيرة تضم تجمعا سكانيا تُعرَف بإسم مُعيَّن وحول مسجد أو ضريح إمام أو حسينية أو كنيسة نشأة فيها أزقة وشارع مرتبط بضع فروع تلتقي بالأزقة والدرابين والعكود المختلفة الطول والعرض المتصلة ببعضها البعض وأن قسما منها مغلق أي فيه بضع بيوت وتضم عددا كبيرا من البيوت الغير متجانسة المساحة في البناء والطراز؛ تكون في وسطها ساحة واسعة لتجمع أهل المحلة في المناسبات الدينية أو التجارية؛ توسعت بمرور الزمن من خلال تقديم الخدمات وتطور المهن حسب نوع العمل وازدهاره. تنتشر أهم المحلات البقالية والمقاهي والسوق في اتجاهات تؤدي الى وسط المحلة. وربما توجد أشجار فيها أو في بيوتها لصغر حجمها ويلاحظ أنََّ ساكني المحلة غير متجانسين في الأصول والأعمال والمراتب ولكنهم متحدون في المواقف الدينية والتقاليد والعادات الاجتماعية المتعارف عليها فيما بينهم عبر سنين طويلة؛ تميزهم عن محلات قريبة أخرى بقيم وسلوك وعادات وتعابير لغوية وربما ملابس خاصة بهم وأخلاق عربية أو إسلامية وعادات مختلطة بين بدوية وحضرية. لهم إعتزاز خاص بمحلتهم في الدفاع عنها والحفاظ عليها لتُمثل موطنهم الأصيل. تكون بيوت المحلة مغلقة بجدار غالبا نحو الخارج ولكنها مفتوحة في الداخل أي يكون وسط الدار مفتوح للشمس والمطر والضوء وفي وسطها البقجة (حديقة صغيرة في وسط الدار) كما هو ملاحظ في بناء بيوتها قِلَّة شبابيكها نحو الزقاق ؛ وإذا وُجِدَ ففيه الشناشيل التي تسمح لصاحب الدار أن يرى أهل الزقاق وهم لا يميزونه؛ ولا تسمح عاداتهم إختلاط الغريب بأهل الدار من النساء بل يستقبل الزائر في غرفة للضيوف أو في الدََّوَخَانَه ويُكرم بتقديم الطعام له ومساعدته في قضاء حاجته. وهذا طابعها الاجتماعي المتميز والمتكون خلال الفترات الزمنية المتعاقبة عليها. تحافظ عوائل المحلة على تراثها الديني والاجتماعي المتوارث عبر الأجيال بالتلقين أي أن ساكني البيت يُعرفون بإسم الرجل وصفاته ومواقفه وأهله وعشيرته ليس كشخص بل كرمز عائلي والبيت يضم الجد والجدة + الأب والأم +الأولاد والبنات + المتزوجون الجدد أي أن البيت يضم ثلاثة أجيال منصهرة بتقاليد إجتماعية محافظة كهرم كبير له شبكته الواسعة المرتبطة بعائلات مصاهرة وقرابة داخل المحلة وخارجها وهو مركز قوتها إجتماعيا.
إذا وقعت المحلة ضمن محلات متعددة فتجمعها وحدة المدينة أي بتعبير آخر هي جزء شبه مستقل بذاته في منطقة سكنية لها حدودها المتعارف عليها بين أبناء المحلة والمدينة. يهيمن عليها هرم اجتماعي بسيط التركيب واضح المعالم ربما يأخذ شكلا طبقيا مختلف الاضلاع غير ثابت الجذور اقتصاديا وسياسيا؛ ولكنه ثابت الجذور دينيا واجتماعيا لحد كبير. كان أهل المحلة ذوو أفق يومي محدود الأعمال والتعليم والأفكار ولهم اعتقادهم الديني التقليدي الثابت مخلوطا بطقوس متوارثة تكون جزءا من شخصيتهم الاجتماعية المتميزة بهم لوحدهم؛ يمكن تميزهم عن غيرهم من مفردات كلمات أحاديثهم ونبرتهم وملابسهم وسكناهم . أما اليوم فلا يمكن تعميم هذا الظاهرة لأسباب عديدة منها هجرة أصحابها الأصليين وفقدانها جوها ونظامها التقليدي خلال تمدن همَّش معالمها بغربائها وبدخول الموئثرات من الحضارة الغربية عليها.
ولادة هذا البحث:
نشأت فكرة تأليف كتاب عن "محلة باب الشيخ في القرن العشرين" خلال دراستي لعلوم الشرق و(الأدب العربي الحديث) والاجتماع والأثنولوجيا فإستيقضت محلتي فيَّ بغُربتي تدعوني لشرح تاريخها ومعالم مجتمعها؛ كهديَّة إعتزازي بطفولتي فيها وبتراثها الإجتماعي؛ فجمعت ما كُتِبَ عنها؛ فسار تحققها خلال قصة ظريفة ما خطرت في الحسبان اختصرها بهذه المناسبة: أثناء دراستي بجامعة هايدلبرك في ألمانيا؛ وخلال صيف 1992 خرجت من الباب الخلفي للمعهد الذي كنت أدرس فيه حيث يوجد تحت بنايته كراجاً كموقف عام للسيارات؛ يشترك بابه مع باب المعهد، فسمعت صوت رجل يتكلم باللهجة العراقية مع عائلته يدعوهم للخروج، توقفت وإذا بي أواجه رجلاً أسمر البشرة ممتلئ الجسم يلبس نظارة شمسية فسلمت عليه وسألته باللغة العربية الفصحى: هل أنت عراقي فأجابني: نعم ، وذكر أنه يعرفني. فبادرته: أرجو رفع النظارة الشمسية لأستطيع تشخيصك ، فرفعها عن عينيه وقال: أنت كنت معي في مدرسة ابن حيان بمنطقة الكرادة الشرقية في بغداد فلم أصدق قوله بهذه السرعة ، فعرَّفني بنفسه جواد عبد الرسول علي زميلي في مدرسة ابن حيان في الكرادة الشرقية فجلسنا في مقهى نتبادل الذكريات والعناوين وهو الآن يُقيم في لندن ويعمل بتجارة العقارات وإدارة الفنادق ، كان هذا اللقاء كحلم جميل لم أصدقه ، توادعنا وقلبي مع تلك الذكريات الفريدة لأني لم أره منذ أكثر من ثلاثين سنة. جرت بيننا اتصالات هاتفية فزارني في سويسرا ثم زرته في صيف عام 2002 كانت ذكرى طيبة جداً لا تنسى بكرم ضيافته وتشعب أحاديثه واستعادة ذكريات أيام المدرسة. وخلال حديثنا ذكرت وجود رغبة مُلَّحه عندي في تأليف كتاب عن "محلة باب الشيخ" لحفظ تراثها الاجتماعي وإبراز دورها المميز في تاريخ بغداد في النصف الأول من القرن العشرين واضمحلال دورها في النصف الثاني منه وخاصة منذ عام 1980 لطمس معالمها ووجود هدف القضاء على بنيتها التاريخية والمتوارثة في إطار تخطيط عمراني مدني جديد لم يحافظ على تراثها المعماري التاريخي المميز. فإذا بصديقي جواد يجيبني على الفور بأن قريباً له يسكن في مدينة لندن هو من أهل باب الشيخ وعنده بعض المؤلفات وسوف يفيدني ، فالتقيت بالأُستاذ فهمي محمود شكري لمدة يوم كامل قضيناه بإحساس رائع جداً في أحاديث تنساب منا كما لو أننا كنَّا نعرف بعضنا منذ طفولتنا، فانبثقت فكرة الشروع بتحقيقه فكتب الأستاذ محمود فهمي شكري ذكرياته الثرية المخزونة ومن معين معايشة أحداث المحلة أكثر مني وصادف أن تراسل معي السيد عبد الجليل عواد الشيخلي المحامي – جارنا القديم في باب الشيخ فكنت أطلب منه كتابة ذكرياته عن باب الشيخ للاستفادة منها في توثيق كتابنا وإذا بولده محمد يكتب لي رسالة بالبريد الالكتروني يخبرني بصدور كتاب: "موسوعة تاريخ محلات بغداد وأسرها: الجانب الشرقي 1638 – 1958 محلة باب الشيخ الأولى" تأليف السيد جميل الطائي الطبعة الأولى 1424ه/ 2004م بغداد – البتاويين عدد صفحاته 296 يتضمن ستة فصول فاطلعنا عليه فوجدناه عملاً توثيقياً طيباً ثرياً بمعلوماته المهمة مشكوراً له على هذا التوثيق الجيد وبعد التدقيق بدت لنا فكرة الكتابة عن محور آخر ليس معارضاً ولا مكرراً له ويبقى كتاب الطائي مصدراً للقارئ والباحث لا يُتغاضى عنه. لقد أعاقتني ظروف خاصة عن إكمال ما عزمت على كتابته عن الجانب الاجتماعي كبحث ميداني لمحلة باب الشيخ ، وأن أكتب مُكتفيا حالياً بمقدمة وعرضاً مختصراً لمراحل المائة سنة الأخيرة. لا أدعي أني عرضتها بصورة دقيقة كما أردت – بل كنت أريد البقاء شهراً أو أكثر لجمع المصادر والأحاديث مباشرة من أهل المحلة فلم أستطع في هذا الظرف – فاقتصرت على ملاحظة مميزات كل فترة على حدة وتأثيرها على محلة باب الشيخ. وآمل أن يتصدى لهذا الموضوع أحد الباحثين من شباب هذه المحلة لعمل علمي توثيقي دقيق يليق بمقامها الاجتماعي والتاريخي ويبرز معالم تأثيرها في مجرى الحياة البغدادية وسمعتها في العالم العربي والإسلامي بعد عام 1958 وإلى اليوم والله ولي التوفيق.
محلة باب الشيخ في تركيبها الاجتماعي خلال المائة سنة الأخيرة
هدف هذا البحث إبرازمعالم محلة باب الشيخ خلال التاريخ وبالأخص في القرن العشرين باختصار. السؤال ينطرح: هل استطاع أهل هذه المحلة التاريخية المحافظة على مركزهم السياسي والديني والاجتماعي خلال هذا القرن ؟ وما هي المؤثرات الخارجية والداخلية التي أحاطت بهم ؟ ألا يحتاج أهل محلة باب الشيخ من الجيل الثاني والثالث أن يكتشفوا بوعي تراثهم الاجتماعي لإعادة ريادة دورهم التاريخي والاجتماعي المهشم حاضراً وحماية محلتهم من التداعي ؟ بدلاً من ضياعه وسط الأحداث الضاغطة فمن ضاع جذره انتفى أصله. ولعل الجواب يستنتجه القاريء من خلال مُجمل الظروف المحيطة بالوطن الضاغطة عليه خارجيا وغير متجانسة لحد ما داخليا وذلك لإرتباطها بأحداث سياسية هيمنت على تاريخ العراق المعاصر وخاصة على مدينة بغداد العاصمة وبضمنها محلة باب الشيخ فتباينت معالم التغيرات الحاصلة في كل فترة عما سبقتها حيث أن كل واحدة منها لها ظروفها المحيطة بها ولذلك يمكن تقسيم فترات الواقع الاجتماعي/السياسي لهذه المحلة خلال المائة سنة الأخيرة من القرن العشرين أي من 1905- 2005- مع إلمامه بنشأتها – إلى خمسة فترات سياسية/اجتماعية وهي:
1. نشأة محلَّة باب الشيخ ببغداد/الرصافة ما قبل القرن العشرين
2. في فترة الغزو البريطاني وثورة العشرين وتكوين الدولة العراقية الملكية تحت الانتداب في النصف الأول من القرن العشرين.
3. في فترة الحكم العسكري الجمهوري في النصف الثاني من القرن 20.
4. في فترة حكم حزب البعث.
5. في فترة الغزو الأمريكي البريطاني والتحالف الغربي وحل مؤسسات الدولة العراقية الجمهورية.
نبذة عن تأريخ بغداد:
أضحت بغداد عاصمة العراق منذ تأسيسها وتقع في وسطه ونقلا عن المؤرخين إن بغداد مدينة بابلية الاصل؛ اسسها نبوخذ نصر في المكان الذي دارت فيه رحى الحرب بينه وبين اعدائه تذكارا لانتصاره عليهم واسماها "بعل داد" أي مدينة النصر. جاء ذكرها في الفتوحات الإسلامية سنة 13 هجرية، حيث أغار المثنى بن حارثة الشيباني على سوق يسمى آنذاك سوق بغداد بهذا الاسم عرفت بغداد تاريخياً. وعندما جاء الفتح العربي الإسلامي للعراق تأسست مدينة الكوفة عاصمة البلاد ولها تاريخها الإسلامي في فترة الخلافة الأموية؛ اتخذ العباسيون الكوفة باديء الأمر عاصمة لهم ، فكانت أول عاصمة للدولة العباسية قبل بغداد ؛ فلما تسلم الخلافة أبو جعفر المنصور اخذ يبحث عن مكان آخر لنقل العاصمة بدل الكوفه، فوقع اختياره على بقعة تقع في مكان بعل داد وأطلق عليها اسم دار السلام الواقعة بين دجلة شرقاً ومنطقة الدجيل شمالاً وقطربيل غرباً والصراة جنوباً ومكانها في جانب الكرخ. شرع المنصور في بناء بغداد عام 145 ه وعُرفت بأسماء عديدة كمدينة المنصور أو الزوراء أو المدورة، وقال القائلون فيها ما يشبه المثل: تبغدد الرجل إذا تكبر وتعاظم، وفيه ما يشير إلى مكانة بغداد وارتفاع مهابتها بين المدن القديمة. وبغداد- لغوياً تؤنث وتذكر. أقام المنصور حول مركز المدينة سوراً داخلياً عام 149 هجرية ثم أكمل بناء جميع المرافق الأساسية تدريجيا. كان الإمام أبو حنيفة يشرف بنفسه على العمل وتسليم الآجر وتبيان صلاحيته وجودته. فأخذت تتطور بسرعة بلغ عدد سكانها في العصر العباسي أثناء خلافة هارون الرشيد مليوني نسمة وكانت مقسمة إلى سبع عشرة ناحية؛ فأضحت تستقطب الاهتمام في المؤثرات الداخلية وما حولها لعدة قرون بين مد وجزر. وامتازت بغداد خلال حقب طويلة من ازدهارها، بوجود العلماء والفقهاء والمحدثين والأدباء والتجار الظرفاء ، فأشار كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني لذلك وابن عبد ربه في العقد الفريد وأبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة ؛ إذ كثرت فيها وسائل مختلفة في نشرالعلم والدين والأدب والتجارة واللهو الطرب حتى أن الإمام الشافعي سأل يوما" يونس بن عبد الأعلى. قال: يا يونس أدخلت بغداد؟ قال: لا. قال: ما رأيتَ الدنيا ولا رأيتَ الناس. وكان الإمام الشافعي يؤكد بقوله:ما دخلتُ بلدا" قط إلا عددته سفرا إلا بغداد ، فإني حين دخلتها عددتها وطناً ؛ أما الجاحظ فقال: الصناعة في البصرة والفصاحة في الكوفة والخير ببغداد والتجارة بمصر. ازدهرت بغداد كعاصمة الخلافة والتراث لغاية وفاة ابن أبي الحديد (656-1258) ودخول هولاكو ليبدأ عهد الظلام فيها.
نشأة جانب الرصافة:
عزم المنصور عام 152ه-868 م على إنشاء معسكرا للجيش ويكون مكان حراسته للخليفة من أي زحف قادم من الجانب الشرقي من مدينة السلام وسميت بجانب الرصافة (التي تطلق على المواضع التي توجد فيها طرق مرتفعة للدفاع عن المدينة) تكريما لولده المهدي؛ وشيد فيها جامع الرصافة الكبير ثم بنى قصرا لولده المهدي وحوله دور كثيرة ثم أوصلها ببناء جسر الرصافة فتوسعت وازدهرت حيث أقيمت فيها قصور الخلفاء والأمراء ونشأ سوق الثلاثاء الشهير؛ وما لبثت هذه المنطقة أن توسعت بعمرانها وأسواقها وكثرة مساجدها وتزايد نفوسها من كل الطبقات الاجتماعية آنذاك ، وبنيت فيها دار للخلافة وقصور لمختلف طبقات المجتمع العباسي فتأسست فيها مدارس كثيرة وأشهرها المدرسة النظامية التي درست طلبتها المعالم الرئيسية للمذاهب الأربعة: الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي . كان أصحاب المذهب الحنبلي الذي نشأ ببغداد يؤيدون توجهات الدولة العباسية فأضحى العديد منهم قضاةً وهو منصب حساس في قياس توجهات سياسة الدولة عموماً، وانتشر الفقهاء وتلامذتهم لتعليم الفقه الإسلامي في المساجد كل حسب تفقه علماء مذهبه وتلاحم أتباعه في المتابعة والانتشار في الأقطار الإسلامية.
اللبنة الأُولى لمحلة باب الشيخ:
نشأة باب الأُزج كناحية خارج سور بغداد المدورة الواقعة على الجانب الثاني (الرصافة) من المدينة المدورة الذي يفصلها نهر دجلة. تطورت كمسجد تعليمي ديني شعبي لتعليم أصول الدين الإسلامي بعد العصر العباسي الأول. كان القاضي أبو سعيد المخرمي الحنبلي التوجه قد أسس أول مدرسة للحنابلة ببغداد في محلة باب الأزج لتدريس أصول الشريعة والفقه ، ثم سُميت بعد ذلك بمحلة باب الشيخ، كانت هذه المدرسة صغيرة جداً أول الأمر فانضم إليها الشاب عبد القادر القادم من قرية كيلان الواقعة فيما وراء النهر كما كان يقال آنذاك. ولما تبدت نباهته في التعلم الديني وتعليمه وتوجهه التصوفي المقبول من أهل هذه المدرسة (وحدث أن توفى الشيخ المخرمي عام 513ه) فأوصى بإدارتها لعبد القادر.
أشرف عبد القادر على توسيعها وتكوين سمعة صوفية سنية له انتشرت في طول البلاد وعرضها من الهند حتى بلاد المغاربة وأضحت له طريقة خاصة به تسمى "الطريقة القادرية" وأتباعها منتشرون في ربوع الدولة العباسية. كان مسجده مكتظاً بالمصلين وخاصة في يوم الجمعة وخلال المناسبات الدينية. أخذت هذه المنطقة تكتظ بزوارها وتكاثرت أسواقها وتنوعت تجارتها من بلدان كثيرة وكثرت بضاعتها وتنوعت تعاملاتها، فتوسعت مساحة سكنى الناس في هذه المحلة ، ولما توفى الشيخ عبد القادر الكيلاني تمَّ دفنه في غرفة بمدرسته ، فأضحى العامة يتبركون بزيارة مرقده وظلت مدرسته قائمة بعده حتى اليوم.
أمست بغداد في نهاية عهد السلاجقة مهدا للفتن ونهبا للتتار الفاتحين وجاء ذلك تمهيدا لسقوطها على يد هولاكو (عام 629 ه– 1258 م) احتل هولاكو بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية وقتل الخليفة المستعصم بالله وهو آخر خلفاء بني العباس معلنا بدء الحكم المغولي وكانت بغداد حين حاصرها المغول تغص بأهل الأطراف من اللذين قدموا إليها ظنا منهم أنها سوف تحميهم كعاصمة فكانوا لحماً لسيوف المغول الذين لم يرحموا شيخاً ولا طفلاً ولا امرأة. وصل هولاكو إلى بغداد في يوم 12محرم فدخلها في اليوم التالي؛ سكن هولاكو في قصور الخلافة كدار الشجرة والدار المثمنة في جانب الرصافة وهدم الجانب الآخر. فكانت أكبر نكباتها التأريخية. وفي عهد الدولة التترية الثانية عام 1339م قام حسن الجلائري بتأسيس بغداد من جديد. ثم نكبت المدينة مرة اخرى عندما زحف تيمورلنك بجيشه ففتحها بالسيف والنار واعيد بناء ما تهدم منها للمرة الثالثة.
وصلت حالة محلة باب الشيخ وبغداد في فترة الغزو الصفوي بقيادة إسماعيل الصفوي من عام 1509 لمدة 27 عاما لدرجة سيئة كما جاء شرحها في المصادر التاريخية وصفها ابن جبير كالطلل والاثر الطامس. كما تبدو في هذه الصورة مجموعة محلات صغيرة حول نهر دجلة
محلة باب الشيخ في بغداد كقرية صغيرة
بغداد في ظل الدولة العثمانية :
كان العراق في العهد العثماني وحدة إدارية واحدة يسمى ايالة بغداد. يديرها والي يعين من السلطة المركزية في استانبول مع جيش وإدارة تركية وبمساعدة إدارية بسيطة من أهل البلد. تعتبر الفترة العثمانية الممتدة من عام 1538 إلى عام 1917 بعد حسم الصراع الإيراني التركي في السيطرة على العراق لصالح الدولة العثمانية وشمل بعض الأقطار العربية الأخرى حتى إنتهاء الحرب العالمية الأولى قد طبع كل تلك الأقطار بطابع واحد متشابه من التخلف والفقر والأمية. لكن بعض الولاة العثمانيين حسنوا من بناء بغداد الداخلي والخارجي بين فترة وأخرى في حين فتك الوباء والطاعون بأهلها إلى جانب الفيضان في نهر دجلة؛ لما كان الولاة ضعفاء فجائها المهاجرون جماعات من كل حدب وصوب من بلاد الجوار؛ وما كان بين هذه الشعوب معرفة ما ولا كان بينهم صلة وطنية أو حس قومي أو مدني أو ديني موحد؛ بل كانوا غرباء متباعدين بعضهم عن بعض ومعادين غالبا بعضهم لبعض مع أنهم كلهم كانوا مسلمين؛ هؤلاء المهاجرون المتوطنون بغداد هم أجداد سكانها اليوم؛ وما كان فيهم من العراقيين في النسب العربي غير القليل في المدن ومنهم القبائل البدويَّة التي بقيت محافظة على أصولها ونظامها العشائري. منهم أل سويدي وآل سعدون وآل الشاوي وآل جميل وبيت الألوسي وممن لهم أصول عربية معروفة في المصادر التأريخية الموثقة. كل ذلك أضحى ذات أثر كبير على تكوين الدولة العراقية الحديثة فيما بعد.
أحوال باب الشيخ خلال العهد العثماني الأخير:
احتل السلطان مراد الرابع بغداد فقرر بناء قبة وتعمير المسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني بعد أن تهدم بفعل الغزوات الهدامة والفيضانات المدمرة.
هكذا بدت محلة باب الشيخ كما تصورها هذه اللقطه التاريخية في أواخر فترة الحكم العثماني . شارع رئيسي واحد يجتاز محلة باب الشيخ يربطها بنهر دجلة من جانب سيد سلطان علي وتسمى "الشريعة" للنقل النهري بين بغداد والبصرة والموصل بواسطة "الدوبة" أو البلم.
محلة باب الشيخ في سنة 1917
يتوسط محلة باب الشيخ مقام أو ضريح الشيخ عبد القادر بُنيت فوقه قبة وبجانبه مسجد ومدرسة دينية ويحيط به بيوت عديدة منها بيت النقيب ومن يعمل في المسجد ووجهاء المحلة وبالقرب من وسط المحلة يوجد مركز شرطة يسمى "القلغ".
يتعلق بقاء وجود محلة باب الشيخ بتكوين مدينة بغداد في العصر العباسي الذهبي وتعلق رواد زيارة حضرته من العديد من البلدان الاسلامية ومدرسته الصوفية وسعة انتشارها ؛ رغم كل ما تبع من تغيرات في الأحداث السياسية كغزو العراق ونشأة المذاهب الدينية والطوائف والملل والنحل وتوالي الكوارث الطبيعية كالفيضانات وانتشار الأوبئة التي ساهمت كحقب تاريخية في تشكيل المعالم الأساسية لبنيته الاجتماعية من بدايتها وإلى وقتنا الحاضر.
من الملاحظ خلال حكم العثمانيين معظم البلاد العربية في فترة ازدهار قوتهم، إهمالهم تشجيع اللغة العربية وعدم مواصلة التدوين التاريخي والاجتماعي بها وانتزعوا الحوافز العلمية المحلية المتوفرة فيها، بقيَّ العراق تحت سيطرتها لمدة أربعة قرون الممتدة من عام 1537- عام 1917 في وضع متخلف. كانت محلة باب الشيخ موطن عيونهم بعد بيت الله حرام مكة والمدينة المنورة لعدة أسباب منها السيطرة على بغداد عاصمة الخلافة العباسية لوجود أكثر وأهم مراقد أعلام علماء "المذاهب" كمرقد أبي حنيفة في الأعظمية ومرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني في باب الأزج ، ومرقد موسى الكاظم في شمال بغداد ، ومراقد علماء كبار اندثرت قبورهم جراء فيضان دجلة السنوي([1])، ولأن السيطرة على العراق تسمح للامتداد إلى شبه الجزيرة العربية التي تضم مدينتي مكة والمدينة قبلة المسلمين في الأرض وهذا يدعم شرعيتهم الدينية كدولة مسلمة ، وتسهل لهم التعلق بزيارة هذه المراقد وما يصاحبها من اعتقادات وشعائر تبلورت قبل نهايات الفترة العباسية وتشجيعهم التصوف السني المحافظ والمؤيد لتوجهات الدولة العثمانية بلا نقد ديني واجتماعي حاد أو فعال لإصلاح الأحوال الاجتماعية المتدهورة باستمرار. كانت محلة باب الشيخ على صغرها تعد مركز بغداد المهم في حسابات الدول المحيطة به .
تبلورت معالم هذه المحلة بمرور الزمن لتأخذ نموذجاً مصغراً لمعالم المدينة الإسلامية الأُم بشكل يختزل النموذج المكبر لبناء دار الخلافة العباسية، حيث "ضمت بغداد الملامح الأساسية للمدينة الإسلامية في سبعة عناصر هي:
1. وجود المسجد في وسطها. 2. حي الخليفة والحاشية.
3. حي القلعة والبريد. 4. السوق والصناعة.
5. الأحياء السكنية. 6. السور والمقبرة
7. الضواحي والأحياء الموضوعة خصيصاً للعلماء ورجال الدين([2]).
حدود محلة باب الشيخ في العهد العثماني:
كانت محلة باب الشيخ في جُل فترة الحكم التركي كقرية متوسطة الكثافة السكانية؛ لا تتجاوز مساحتها الجغرافية بضعة كيلومترات. تحيطها البساتين وخاصة من جانب نهر دجلة جهة الباب الشرقي. حدثت محاولات لفتح جادة أخرى كما هو الحال بالجادة الوحيدة التي تربطها بنهر دجلة من جهة سيد سلطان علي وذلك عندما زار بغداد "دوغلج باشا الألماني لقيادة الجيوش العثمانية في العراق وتفقد ربوع دار السلام فوجد شوارعها ضيقة لا تفي بحاجة نقل المهمات العسكرية. إذ ذاك تفاوض مع رئيس البلدية محمد رؤوف أفندي الجادرجي وبعد أن اتفقا أحضرا مهندسي بغداد المٌلكيين (أي المدنيين) والعسكريين وكان بينهم (فوجيل وشكاتيس) وبكربك قائد المدينة وآخرون، فأمروا بوضع مخطط جديد وبعد أن أتموا ذلك المخطط شرعوا بفتح الجادة من الباب الشرقي أولا فهدموا جدران القنصلية الإنجليزية وخرقوا منفذين من الجانبين ويمكن اعتبارها بداية التغيير الجغرافي لمعالم باب الشيخ الأصلية وبداية دخول الآلة المتطورة من أوروبا وبداية فتح شوارع وما صاحب ذلك من تغيرات جغرافية واجتماعية. كان ذلك في نهار الاثنين 20 آذار 1916 والمصادف 16 جمادى الأولى 1334ه"([3]).
أما أهل المحلة فلم يكونوا موافقين على هدم بيوتهم ، ولكن أضحى لأهل محلتهم منفذ آخر من خلال البساتين الواقعة خارج السور والتي تبلورت بمرور الزمن لتنشأ مقهى وملجأ للأنس والطرب على ضفة نهر دجلة من جهة الباب الشرقي وامتداد العمران فيها فيما بعد، وكما ذكرها السيد محمد رؤوف السيد طه الشيخلي كشاهد عيان على عصره: "كانت باب الشيخ في العصر العثماني محلة كبيرة أي عاصمة المنطقة الوسطى تحيطها أسوار تغلق في الليل. ففي الجهة الجنوبية الشرقية القريبة من نهر دجلة متجهة إلى جسر ديالي كانت تسمى قديماً الباب المظلمة أو(فرانلق قبوسي) تسمى الآن الباب الشرقي.
كانت باب الطلسم تقع مقابل بستان النُّكرة ومجاورة لمقبرة الحلبة المسماة مقبرة الغزالي لفترة قريبة وتقع على حدودها "قرية انكري بوز" تقابل الباب الشمالية الغربية لجامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وبستان على ساحل دجلة في محلة المربعة أصلها "اكريبوز" وهو لقب رجل ينسب إلى بلدة "اكريبوز" في آسيا الصغرى، ومن جهة الباب الشرقي الحالية كانت في جانب منها بستان أم الورد في محلة قهوة شُكر([4]). تقع باب الشيخ في جانب الرصافة بين محلات سراج الدين ورأس الساقية والسنك وكان بستان النقيب في محلة السنك وتسمى "السرداحية" أنشئت محطة للقطار فيما بعد حوالي معمل الكوازة سُميت بمحطة باب الشيخ ومحطة شرقي بغداد؛ كان الغرباء الجدد يسكنون خارج حدود هذه المحلة التي تتكون من العديد من "الداربين" مفردها "دربونة "(أي زقاق) وكانت تسمى في التركية "البواديش" مفردها "بادوش" أو "عَكِدْ" وأصلها أن أناساً سكنوا في باب الشيخ من طريق فِضْوَّةْ عَرَبْ سُمِيَتْ بأسماء من سكنها في القديم وهم من قرية بادوش في الشمال الغربي من الموصل أو من قرية في لواء ديالى. كانت العادة في أثناء العصر العثماني "إذا أرادوا بناء محلة للغرباء أنشأوا فيها الخان والحمام والجامع والفُرن قبل كل شيء بدلاً من الكازينوا والسينما والأوتيل والحانة وغيرها"([5]).
يتكون مخطط محلة باب الشيخ مما يلي:
1. مسجد الحضرة الكيلانية والمدرسة الدينية في الوسط.
2. بيوت أعيان المنطقة كالنقيب وقلغ الجندرمة- الشرطة على الجوانب.
3. منطقة السوق وتجارة الجملة والصناعات البسيطة.
4. منطقة سكن الطبقات الفقيرة في بيوتها متلاصقة.
5. الطبقات المتوسطة وبيوت الأغنياء في حارات معروفة.
6. منطقة البساتين والنهر والسفر والخان واللوقنطة لسكنى الغرباء.
7. مراقد ومساجد منتشرة في أنحاء الحي والمحلة
8. "البَقْجَّة" المحلقة بالحضرة الكيلانية المخصصة لدفن أعيان البلد
9. مقبرة المحلة للعامة: مقبرة الغزالي ومقبرة الشيخ عمر.
ترتبط محلة باب الشيخ كجزء جغرافي/اجتماعي صغير من مدينة بغداد خلال شبكة مواصلات قديمة بمحلات بغداد كالأعظمية والكاظمية والكرخ والكرادة الشرقية في الفترة العثمانية ، حيث تفصل كل محلة عن الأخرى إما نهر دجلة يفصل بين جانب الرصافة وجانب الكرخ ويسقي البساتين، وكل محلة كان يحيط بها سور وقلعة ويكون السفر إليها بالعربات والخيل والحمير أو مشياً على الأقدام ، ولكل محلة لها خصوصيتها المتفردة بها عن غيرها لحد ما ولكن يربطها جو بغدادي عام متشابه في أغلب النواحي ، وذلك لأنها كانت منصهرة في كتلة واحدة خلال العصر العباسي الذهبي (حيث إنها كانت قد ضمت سبعة عشر محلة) تناقصت فيما بعد، فيمكن القول إنّ ما وقع على بغداد والعراق من أحداث إيجابية وسلبية يمكن تشخيصها تاريخياً واجتماعياً كما يذهب الوردي لوجود ظاهرتين هما: "موجات تأتيه عن طريق الفتح العسكري، أو عن طريق التسلل التدريجي مما حوله من دول الجوار التي تحاول التغلغل في مختلف فئاته وطبقاته" للإقامة فيه([6]) فانعكست مؤثراتها المتداخلة التأثير كالاتجاه السياسي والديني والمذهبي بوضوح فيما بعد على واقع العراق بصورة عامة حتى اليوم من ضمنها منطقة باب الشيخ. كانت الحياة بسيطة جداً لعامة الناس لانقطاعهم عن تطور العالم في أوروبا ، وشجع الحكم العثماني التدين باتجاه التصوف والدروشة بكل شموليته بين أهل المحلة. كانت طبقة الوالي (الباشا) والجيش التركي والجندرمة (الشرطة) لهم القول الفصل في إدارة البلد وتحت إشراف الوالي يأتي القاضي التركي الذي ربما يجيد اللغة العربية أو لديه مترجم ، كانت لهم بيوتهم الخاصة في معسكرات الجيش ، أما الجندرمة فلهم أماكنهم داخل محلة باب الشيخ ثم يأتي دور أعيان المنطقة الممثلة بالنقيب وحاشيته وهم أشراف المحلة ولهم الجاه في الأمور الدينية والاجتماعية من التي لا تتعارض مع توجهات الباشا وحاشيته؛ ويعتبر النقيب المستشار الأهلي للباشا التركي وأمين إدارة بلدية بغداد (المدني) وله احترامه الديني والاجتماعي والسياسي أمام الحاكم التركي المسلم .
الطبقات الإجتماعية في محلة باب الشيخ:
1. نقابة الأشراف في باب الشيخ:
ظهرت نقابة الأشراف في العراق منذ بداية الخلافة العباسية ببغداد واستمرت إلى وقتنا الحاضر. تُسند إلى شخصية تجتمع فيها شروط مرجعية الأصول والفروع لبني هاشم والصلاح الديني والحكمة لحل مشاكل المجتمع الدينية والدنيوية بمستوى عالٍ بدل المحاكم وتعتبر نقابة الأشراف في العراق ممثلاً اجتماعياً ودينياً ومحلياً (سياسياً)، يحترمها وجهاء المحلة والبلد في حل قضاياهم المختلفة ، فأثرت مواقفهم الإيجابية في المجالات السياسية والاجتماعية خلال تاريخ العراق عبر عصوره المختلفة. تصدرت أسرة نقابة الأشراف الحالية ببغداد من آل الكيلاني منذ عهد يربو على 500 سنة إلى الوقت الحاضر. عايشت هذه النقابة فترات ازدهار وخمول فاعليتها حسب الوضع المتعلق بالبلد في جميع فتراته السياسية/الدينية ومؤثراتها الخارجية على محيط العراق من كل جانب. منح السلاطين العثمانيون النقابة كمؤسسة امتيازات رفيعة مما جعلها تعيش أزهى عصورها التاريخية. يأتي دور النقباء الفاعل في المجتمع بعد سلطة الوالي العثماني الذي يستشيرهم في أمور البلد "وجعل العثمانيون النقيب عضواً طبيعياً في مجلس إدارة الولاية وأعفوا عائلته من الجندية، كما يعتبر النقيب مستشاراً للوالي الذي يتولى ولاية بغداد"([7]) حتى أواخر حكمهم في بغداد. وبقيت محتفظة بسلطتها الدينية خلال النصف الأول من القرن العشرين وإضمحل دورها الفاعل في النصف الثاني من القرن العشرين؛ ولابد له أن يظهر مرة أخرى كفاعل اجتماعي وديني جديد.
2. المُختار:
يعتبر دور مختار المحلة أي المسئول الشعبي عن المحلة وحلقة الوصل بين أهل المحلة والنقيب أمام الإدارة العثمانية لأجل إنجاز مهمات يكلف بها من قبل هذه الأطراف كحل المشاكل الاجتماعية في المحلَّة أو الطَّرَف أو العَكِّدْ لقاء هدايا عينية وتقديم الشُكر له لمواقفه المفيدة. لم يكن المختار متفرغاً لهذا العمل بصورة تامة بل يمارسه بجانب عمله في السوق كبقال أو حلاق أو صاحب مقهى ويرجح بأنه أنف المحلة الحساس. كان المختار يعرف القراءة والكتابة بعض الشيئ ثم أخذ يُعين من قبل أمانة العاصمة في الحكم الملكي وله طمغة أو خَتِمْ مختص به عليه إسمه ومحلته يحملها معه مع الاستمبة أي المحبرة؛ لقد إختفى المختار بعد توسع محلات بغداد الجديدة؛ ثم عاد دوره بعد الغزو الأمريكي/البريطاني/التحالف للعراق كموثق صادق في بيناته حول أهل المحلة ونوثق بشهود من أهل المحلة وذلك لانهيار مؤسسات الدولة العراقية.
3.طبقة أغنياء المحلة المتكونة من تجار السوق وملاك الأراضي الزراعية الواقعة خارج المحلة مثل البساتين المحيطة بالمنطقة وفي بهرز وديالي وسلمان باك ولم تكن لهم سيطرة اقتصادية أو سياسية مؤثرة في تقدم البلاد.
4.طبقة تجار السوق الصغار فلهم أماكنهم المعروفة فتضم بائعي الخضروات واللحوم في سوق الصدرية والبقول والأقمشة وأصحاب الحرف اليدوية في النجارة والحدادة والحياكة وأصحاب العمل اليومي والبائعين المتجولين في الأزقة بواسطة العربات الصغيرة. كانت واسطة التعامل في البيع والشراء تعتمد على الثقة بكلام المتعاملين كأهم دور في معرفة الكاذب والمتحايل في المعاملات بمرونة تعامله ينتشر صيته بين أبناء المحلة وتعرف قيمته الاجتماعية فالسمعة الطيبة تعد أهم كنز معنوي يعتز به رجال ونساء المحلة وبه يحصلون على دور اجتماعي في نظام علاقاتهم في المحلة كالعمل سوية في السوق فالرجال والنساء والشباب يقدمون المساعدة الأخوية في حل المشاكل لأهل المحلة فيُعرفون بالسمعة الطيبة الممنوحة لهم.
5.طبقة الفقراء الذين يجلسون أمام باب المسجد في أوقات الصلاة أو في يوم الجمعة للحصول على كرم وتبرعات المصلين، كان شعور أفراد أيَّة عائلة موسرة يُوجب الكرم عائلة الفقير المجاور لها والذي تعرفه فينتشر الخبر بسرعة بين أهل المحلة بطيب أعمال أهل الخير وهم الكرماء في السراء والضراء وهذه صفة عامة في أهل العراق.
6. طلبة العلم والتصوف وزوار مرقد الشيخ كانوا يقيمون في غرف خاصة في مسجد الشيخ عبد القادر لتعلم علمه وطريقته فيمكثون عدة شهور لأنهم يأتون من أقطار إسلامية بعيدة كالهند والباكستان وتركيا وأندونسيا وغيرها.
شكل العرب السنة غالب سكان محلة باب الشيخ في هذه الفترة ثم جاء الغزو والتسلل من دول الجوار واستوطن خليط من الهنود المسلمين والأتراك والكرد الفيليون عند أطراف باب الشيخ القديمة ثم انتقلوا لأسواقها، كان عدد سكان بغداد آنذاك لا يتجاوز 150 ألف نسمة وكانت باب الشيخ مركز بغداد السياسي والتجاري والاجتماعي . ولما شبت الحرب العالمية الأولى بدأت عوامل التغيير في بنية المجتمع البغدادي والعراقي فجند العثمانيون الكثير من رجال العراق من سكان المدن للدفاع عنهم وأطلق عليها "حرب السفر بر" كانت باب الشيخ في هذه الفترة تعيش منقطعة عن تقدم العالم في أوروبا ؛ يسودها فقر عام ماعدا وجود قلة قليلة من أغنياء المحلة ، فالحياة اليومية لمعظم أهل المحلة لا تتجاوز الإبكار لأداء صلاة الفجر في الحضرة الكيلانية ثم الإفطار والذهاب للعمل في الأسواق القريبة جداً من بيوتهم يذهبون إليها سيراً على الأقدام أو لديهم الحمار لحمل حاجاتهم الثقيلة. كان الحمار والحصان الذي يجر العربة أهم وسائل النقل البرية في المحلة كما في الصورة.
المواصلات في محلة باب الشيخ في الفترة العثمانية
كانت بيوت تلك الفترة صغيرة المساحة في البناء لا تتجاوز مساحتها 50 لحد 100 متر مربع ويحتوي البيت على طابق واحد أو طابقين ويسكن فيه أفراد عائلة أو عائلتين وذلك لقلة دخلهم اليومي. كانت البيوت متلاصقة جداً بحيث يمكنك سماع ما يتصارخ أهل البيت ذوو الصوت العالي، وينام أهل المحلة في الصيف على السطوح فتسمع أحاديثهم.
صورة دربونة أو زقاق في باب الشيخ ببيوتها المتلاصقة
فلم تكن الدرابين نظيفة إلا من خلال بعض البيوت المعروفة بسمعتها وإمكانياتها المادية الجيدة وقوة علاقاتها الاجتماعية بالباشا فيقال هذا بيت فلان بن فلان. أما دورة الحياة في المحلة فكانت رتيبة. فالرجال يخرجون للعمل في السوق أو البناء أو غير ذلك ويرجعون ظهرا للغداء وأخذ قيلولة الصيف الحار ثم يخرجون للعمل بعد العصر حتى المساء ليرجعوا متعبين ليواجهوا سماع مشاكل العائلة اليومية المتعلقة بمشاكل الأولاد في الحارة أو الحالة المعاشيه أو قلاقل العائلة أو الأقارب. لم تكن مواسير نقل المياه متوفرة كاليوم بل كانت نساء العوائل الفقيرة تغسل ملابسها في شاطئ دجلة كما هو مُبيَّن في الصورة التالية:
غسل الملابس في نهر دجلة
يذهب عادة رجال المحلة فقط مساء إلى المقاهي ليشربوا النركيلة والشاي ويتسامروا فيما بينهم بعد رجوعهم من أعمالهم، بعد أداء صلاة المغرب والعشاء غالباً، فالمسجد دلالة رمز التزام وتقوى رجال المحلة والمقهى ناد شعبي يجمع رجال المحلة أو أرباب المهن والمصالح التجارية. كان أول مقهى أُنشئ في بغداد القديمة عام 1590 ثم انتشرت المقاهي الصغيرة فيما بعد وفيها قاعة كبيرة يطلق عليها «الديوان خانة» أي المكان الذي تستقبل فيه الأسر البغدادية ضيوفها بدل البيت، وهي عبارة عن أرائك خشبية تغطيها منسوجات شعبية من البسط والسجاد القديم المصنوع يدويا ويمنع الأطفال من دخولها ومن روادها تسمع أخبار المحلة.
فالمسجد والمقهى والسوق هم مركز الاتصال الاجتماعي وتداول أخبار أهل المحلة من كل جانب. أما النساء فكُنَّ يلازمن البيت ولا يخرجن إلى السوق إلا بصحبة الزوج والأولاد إلى الأقارب أو تتزاور النساء فيما بينهن في المحلة. كانت النساء يتحجبن ويلبسن العباء والبوشي(الخِمار) أسود اللون عند خروجهن إلى خارج البيت أو إلى حمام الحارة ؛ أما الأطفال فكانوا يقضون أكثر أوقاتهم خارج البيت للعب في الحارة أو المحلة فتسمع أصواتهم العالية ومشاجراتهم وألعابهم الجميلة وخاصة في شهر رمضان وغالباً ما كانوا يُرسلون إلى المُلَّا (مُعلِّم روضة الأطفال لتعليم حفظ القرءآن الكريم والكتابة والحساب بمستوى بسيط،)الواقعة في أحد بيوت المحلة القريبة؛ في حين تأسست بعض المدارس المسيحية واليهودية في بعض أحياء بغداد لتعليم الأولاد بصورة منظمة مما جعلهم فيما بعد يحصلون على وظائف جيدة في المؤسسات التابعة لإدارة البلاد. لم تكن هناك من وسائل التسلية للأطفال أو ملاعب رياضية لتفتيق طاقاتهم كاليوم، بل كان جل لعبهم في طرقات الحارة أو أي مكان ذي سعة مناسبة لممارسة ألعابهم الشعبية. يتعلم أغلب الأولاد صنعة أبيهم في وقت مبكر لإعالة أنفسهم وأهاليهم. كانت العائلة متماسكة جداً وتحافظ على أصولها الأسرية والعشائرية المتصلة بها خارج بغداد. يتعاون الأهل والأقارب والأصدقاء في العكد والمحلة فيما بينهم من خلال قيم دينية مثالية إنسانية تندرج من خلالها العلاقات والمعاملات والمصالح. كانت كل عائلة تتفقد أحوال جيرانها في السراء والضراء وتتساعد معها خلال أزماتها أو أفراحها أو فقد عزيز لها. كان أهل الحي يراقبون أحوالهم فيما بينهم كعائلة واحدة ويحافظون على طيب سمعتهم في المحلة. فالرجل أو العائلة الفقيرة تأتيها المساعدة من أهل الحي بصورة مستمرة كرماً أو عطفاً أو كشعور ديني نبيل يربطهم فيما بينهم مع أنهم يعيشون في مستوى الكفاف المادي. وهذا لا يمنع من وجود فساد بعض أفراد أهل المحلة مما يخجل أهاليهم أمام الجيران فسمعة العائلة لها وزن كبير في عُرف أهل محلة باب الشيخ([8]) احتضنت محلة باب الشيخ الكثير من تجمع التجار والحِرَف في العهد العثماني فأسواقها عامرة نسبياً عن أسواق محلات قريبة لها لوقوعها في وسط بغداد. يسكن كبار الموظفين وأثرياء التجار في بيوت مبنية بالآجر مزخرفة بالشناشيل ترتبط المحلة بعدد كبير من العكود والأزقة الضيقة غير المضاءة في الليل وإن وجدت فهي خافتة الضياء ويخيم الظلام عليها طوال الليل ما عدا ضياء القمر في الليالي المظلمة فيخرج الجن ليلاً في أزقتها ويختفي نهاراً كما كانت تقول أحاديثهم وتسودها العصبية المحلية، ولا يوجد فيها إلا شارع واحد حتى عام 1870 عندما أصلح الوالي مدحت باشا بعض الطرق، ثم بدأت الإنارة عام 1879 بفوانيس نفطية في الأماكن العامة. فتح الوالي ناظم باشا في عام 1910 شارعا ببغداد أُطلق عليه بشارع النهر أو المستنصر وتحسنت الإضاءة بعض الشيء([9]).
لغة محلة أهل باب الشيخ وبغداد تأثرت باستخدام الكثير من الكلمات التركية في المعاملات اليومية من خلال ضرورة التعامل مع ممثلي الحكم التركي، ذكر ناجي جواد قسماً منها في كتابه عن "بغداد سيرة ذاتية" واصفاً معايشاته لفترته وما تداول أهل بغداد من بقايا الكلمات التركية ، وهو كتاب قصصي شعبي ممتع جداً لمن يريد التعرف على بعض التأثيرات العثمانية في الحياة البغدادية وبداية تبلور استقلال الشخصية البغدادية منذ فترة الثلاثينيات من القرن العشرين([10]).
طبيعة أهل باب الشيخ:
تميل طبيعتهم في الغالب إلى التسامح والطيبة في المعاملات اليومية في حل المشاكل العائلية بالحكمة والصبر وسرد أمثلة وقصص لتهدئة الجو المتشنج بين الطرفين المتخاصمين بعد صياح عالٍ. يبرز دور العقلاء من الرجال والنساء في طرف من أهل المحلة لحل أعقد الخلافات الشخصية والعائلية والاجتماعية. للنساء دور فعال في إدارة العائلة وتربية الأولاد بقصص تربوية خلقية عالية وتساهم في حل مشاكلهم قبل وصولها لأهل المحلة؛ وللمختار دور إمتياز خاصة فيما يتعلق بإدارة المحلة مع الشرطة والقضاء. وتنتقل الأخبار عن كل حالة من خلال الأحاديث اليومية وفي المقاهي وبين العوائل. وإذا حدث هيجان أو استنكار لشيء سيئ فالكل يقفون سوية كالرجل الواحد ويدافعون عن الحق دفاعاً بطولياً. وهم لا يحبون الإهانة ويدافعون عن الشرف والغيرة والسمعة والكرامة التي تخدش قيمتهم ؛ كلام الرجل فعله سمعته بين القوم ؛ وإذا فقد الرجل سمعته بين أهل المحلة فإنه ينتقل إلى محلة أخرى. ومن صفاتهم الأُخرى أنهم ينفعلون بسرعة ينفعلون، وتعلو أصواتهم أثناء النقاش الحاد ثم يهدؤون بعد فترة قليلة؛ ويعتذرون ممن ارتكبوا الخطأ معه دلالة على الاحترام له.
محلة باب الشيخ في القرن العشرين:
تنقسم إلى فترتين رئيسيتين ؛ إنّ هذا التقسيم يستند على الأحداث السياسية وتأثيرها إلى مجتمع محلة باب الشيخ خلال إطارها البغدادي العراقي:
محلة باب الشيخ خلال النصف الأول من القرن العشرين:
يمكن تقسيم هذه الحقبة إلى فترتين منفصلتين ؛ وكل منهما تنقسم الى ثلاث فترات قصيرة متداخلة نتيجة تأثير الوضع السياسي للعراق وهي:
أ. محلة باب الشيخ في النصف الاول من القرن العشرين :
1. فترة الغزو البريطاني عام 1917، وانبثاق ثورة العشرين لتحقيق الاستقلال عن المحتل.
2. فترة تكوين الدولة العراقية تحت الانتداب 1921 -1941.
3. فترة ما بين ثورة رشيد عالي الكيلاني 1941 وثورة 14 تموز 1958 وإعلان الجمهورية العراقية.
ب. محلة باب الشيخ في النصف الثاني من القرن العشرين:
يمكن تقسيم هذه الفترة إلى ثلاث فترات قصيرة متداخلة كذلك وهي:
1. منذ قيام النظام الجمهوري 1958- 1968:
2. فترة حكم حزب البعث 1968-2003:
3. في فترة غزو التحالف الغربي وحل مؤسسات الدولة العراقية.
1- باب الشيخ في فترة الغزو البريطاني للعراق:
جند العثمانيون عدداً كبيراً من رجال العراق ومن محلة باب الشيخ للدفاع عنهم حينما دخلوا إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. خسرت الدولتان الحرب أمام الحلفاء، ولم يرجع المجندون بعد الحرب من الأسر إلا القليل إلى أهله، ومن ضمنهم بعض رجال وشباب محلة باب الشيخ. دخل الجيش البريطاني إلى بغداد عام 1917 وانتشر "الفرهود" في بغداد وبضمنها محلة باب الشيخ لعدة أيام. سرقت المحلات التجارية ودبت الفوضى أضحت وضاع الأمن وكثرت البطالة، فهبت عاصفة التغيير السيئ على البنية الاجتماعية البغدادية خاصة والعراقية عامة ففقدت عائلات كثيرة مصادر عيشها المادي اليومي أو وجودها الاجتماعي أو السياسي. أما من الناحية السياسية فكانت لم تزل محافظة على وجودها الشكلي المهتز بعد إقصاء السيد عبد الرحمن النقيب من إدارة بلدية بغداد ومباشرة تعيين "عبد المجيد الشاوي" رئيساً لبلدية بغداد وذلك بعد تشكيل مجلس البلدية وجهازها بالطريقة المطلوبة من قبل الحكومة البريطانية في العراق بتاريخ 13 أيلول 1918"([11]). أراد المحتل البريطاني أن يحكم العراق بصورة عسكرية مباشرة بأسلوب التعيين لمن يريدونه ولكنه لم يستطع ضبط الأمن والإدارة فاستخدم القوة والقتل. عندما يئس العراقيون من وعود الجنرال مود الذي لم يفِ بما قال في بغداد صباح يوم 11 آذار 1917 بقوله: "جئنا محررين لا فاتحين" فصدقوه ولكنه أخذ يماطل بالوعود وكانت طبيعته العسكرية حب السيطرة والتسلط على كل الأمور السياسية والعسكرية؛ مما عجل تخلص منافسيه منه بطريقة هادئة(2)
ثورة العشرين:
ثار أهل العراق ثورة شعبية بدأت من الجنوب بقيادة "الشيخ المجاهد مهدي الخالصي والسيد مهدي الحيدري" اللذين يتمتعان بنفوذ شعبي واسع بين الفلاحين والفقراء([12]) وتبعهم أهل الوسط والشمال فعرفت بثورة العشرين الشعبية. فشل مود القائد البريطاني في إخمادها، ومات مسموماً بعد تناوله الحليب في مدرسة الأليانس اليهودية فدفن في مقبرة الإنكليز قرب باب المعظم([13]) ومن نتائج ثورة العشرين المباشرة: تكوين الدولة العراقية الحديثة تحت الوصاية البريطانية بإشراف السير برسي كوكس الذي خلف مود في حكم العراق؛ وكان مستشارا سياسيا لمود فاختلف معه في حكم العراق بالقوة العسكرية المفرطة.
2- فترة تكوين الدولة العراقية تحت الانتداب 1921- 1941:
أجريت جزء من مباحثات تكوين الدولة العراقية بمحلة باب الشيخ بين المحتل الإنكليزي والثوار العراقيين وكان من ضمنهم السيد عبد الرحمن النقيب حيث عرض الإنكليز عليه أن يكون ملكاً على العراق، فرفض بدافع ديني محض وأنه كان كبير السن ومريضاً ولكنه اضطر لتشكيل أول وزارة عراقية انتقالية لحين تولي الملك فيصل الأول السلطة ، وبعد إلحاح برسي كوكس و"المس بيل "على السيد عبد الرحمن النقيب، نقيب الإشراف في بغداد أن يتولى منصب رئاسة الحكومة المؤقته وكان لقبوله هذا المنصب عام 1920 وقع حسن في لندن وبغداد"([14]) ثم ألفها مرتين اسما بلا فعل. أضحى الحكم ملكياً في العراق منذ عام 1921 حسب النموذج البريطاني، ذو اتجاه قومي علماني مُعد له مسبقاً وكان" بعض رجال السلطة في العراق ينحدرون من أصول تركية" فسمحوا بتسهيل ظهور" تجمعات بمناسبة احتفالات بالمولد النبوي على الطريقة التي كانت معروفة آنذاك كتقليد للنصارى وبهذه الاحتفالات يحدث التجمع والأحاديث السياسية التي تتعلق بالبلاد"([15]) كمقدمة لفتح باب تكوين الأحزاب السياسية والنوادي الثقافية فكانت بداية انتشار (الاختلافات أي الفِتَن المخفيَّة) والتيارات السياسية المختلفة مثل القومي والليبرالي واليساري والديني والشخصي والقبائلي والطائفي وتشعب الآراء والمصالح وضياع وحدة المبدأ والعمل في المحلة وفي بغداد والعراق. لم تنضم أول الأمر كل الطبقات الاجتماعية المعروفة سابقاً إلى العمل مع إدارة المحتل الإنكليزي، بل بزغ أفراد من تلك العوائل المعروفة وغير المعروفة لتسلم عروض الوظائف الجديدة، علماً بأنَّ السلطة الفعلية كانت بيد الموظفين البريطانيين فأخذوا من وافقهم من كل الطبقات البغدادية وخارجها وبعض من أهل باب الشيخ للمساهمة في نشوء الوضع الجديد فتقلدوا مناصب في إدارة شؤون البلاد. وانتشرت المدارس بصورة معلومة تمهيداً لبناء كيان الدولة الفتية وكسوق جديد لتصريف منتجاتهم الصناعية وما يتبعها التي يحتاجها أبناء العراق.
نشوء الأحزاب في العراق الحديث:
سمح نظام الدولة العراقية الحديثة المرهونة تحت الانتداب البريطاني بتكوين الجمعيات والأحزاب السياسية منذ بداية قرن العشرين حسب الإطار الغربي بمسميات عديدة وبترخيص من وزارة الداخلية.
أسس محمود النقيب وناجي شوكت. حزب الحر العراقي 1922- 1930 وأسس ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني وكامل الجادرجي ومحمد رضا الشبيبي حزب الشعب عام 1925 وشعاره الإخلاص والتضامن والتضحية لإسعاد الشعب العراقي، وأسس أبو التمن وجماعته (حزب الاستقلال).
أخذت البنية التحتية للمجتمع البغدادي تتسارع في التتغير ففتحت مدارس للجنسين ومدت شوارع وعمرت بيوت ومحلات وبدأت الحياة الاقتصادية تدب في أهل العراق، وتحسنت الحالة الصحية وبدأت حالة تسجيل الولادات والوفيات رسمياً حيث كانت نفوس محلة باب الشيخ فقط خلال عام 1917 كما دون حسب سكن المحلات من دفاتر المختارين 7536 ؛ محلة قهوة شكر ؛ 1983 ؛ ومحلة رأس الساقية 2168 ؛ ومحلة السنك 748 ([16]) وأضحت الحركة الثقافية تنمو بفعل انتشار التعليم وإرسال البعثات الدراسية إلى الخارج وخاصة إلى لندن ثم الرجوع للعمل كل في مجاله وتحسنت أحوال الناس الاقتصادية لحد واضح وانتشرت الزراعة وبعض المجالات الصناعية المتطورة عن الفترة العثمانية. تم إنشاء الشبكات التنويرية في العراق وبغداد وبضمنها محلة باب الشيخ على النمط الجديد منذ تأسيس مصلحة الكهرباء في بغداد والعراق بعد فترة الثلاثينيات؛ ودخلت حياة المحلات البغدادية طوراً جديداً في التقدم الآلي مما لم يألفوه سابقاً. فمثلاً اختفى عمل اللمبجي المسئوول عن إنارة العكود الكبيرة والضيقة والصغيرة واستحدث عمل الكهربائي المتخصص بمد الأسلاك الكهربائية كل في مجال اختصاصه ، فواجهوا مشاكل كثيرة في استعمال التيار الكهربائي لجهلهم بكيفية استخدامه وخطورة مفعوله الخاطيء فيصعقون، من جهة أخرى فرح أهل باب الشيخ بمصابيح الإنارة الكهربائية البيتية المنتشرة في العكود ولكنهم ملزمون بشراء أجهزة جديدة ويتوجب عليهم تعلم استخدامها، وكانوا يواجهون مشاكل مادية في دفع فاتورات العداد الكهربائي لقلة الدخل الشهري للعائلة مادياً ما عدا الطبقة الحاكمة والتجار الجدد وملاك الأراضي من الإقطاعيين.
بدأ التغيير الجغرافي لمدينة بغداد يسير بصورة مختلفة عما سبق، حيث أن الأنشطة الحياتية كانت مرتبطة بعصر ما قبل التكنيك الآلي ؛ فلم تكن هناك حاجة ماسة إلى شوارع عريضة واسعة ومستقيمة؛ بل كانت أزقة وطرق بسيطة تربط بين مختلف الأنشطة ومواقعها ومتجانسة مع وسائل النقل كالحيوانات والعربات والسير على الأقدام ؛ أخذت طبيعة الحياة في محلة باب الشيخ في هذه الفترة تواكب التطور القادم من الغرب كدخول السيارات والقطار بعد استملاك بيوت كثيرة لأجل شق شارع غازي عام 1935 مع شوارع أخرى ومدت سكة حديد كركوك وخانقين حيث تبدأ من باب الشيخ فتخلخلت عُرى وحدة محلة باب الشيخ التقليدية ، وانتقال بعضا من أهل المحلة ونزوح أعداد كثيرة من الأكراد الفيليين للسكنى والعمل في سوق الصدرية والشورجة وسكن بعض الهنود المسيحيين في السنك ونزوح العديد من المسيحيين من شمال الموصل وسكناهم على طرف باب الشيخ الجنوبي المسمى كمب الارمن وهكذا أخذت منطقة باب الشيخ تجمع خليطاً من أجناس عديدة ، مع أن اليهود لم يسكنوا في باب الشيخ كما هو مدون في المصادر التاريخية، ولم "يلق الغرباء ترحيباً دائماً بعد أن شاع في الريف حديث ازدهار المدينة ونشاطها"([17]) ولكن العراقيين نهضوا لبناء بلدهم كل حسب طاقته ومجال إمكانياته المتاحة له فازدهرت الزراعة تحت ظل الإقطاع والتجارة مع بريطانيا والغرب والصناعة عن طريق الغرب وكثرت الأحزاب حسب النموذج البريطاني بصورة واضحة قياساً بالفترة العثمانية والعشرينات؛ علما بأن نشأة الأحزاب جاءت مع الاحتلال البريطاني للعراق؛ نشأ جيل عصامي يجمع بين تراث أهل العراق وما تعلمه من جديد في أوروبا حسب قوة التأثير وصدى التأثر لخدمة بلده فازدهرت المقاهي العامة والمقاهي الأدبية والمنتديات الاجتماعية في بغداد وظهرت مجالس لأعيان كل محلة وبضمنها في محلة باب الشيخ مثل مجلس السيد عاصم الكيلاني ومجلس الشيخ عبد الله الشيخلي([18]) وقد شرح الأستاذ فهمي محمود شكري أحوال باب الشيخ الاجتماعية الشعبية خلال فترة النصف الأول من القرن العشرين بصورة مفصلة في كتابه الذي نحن بصدَّه.
يلاحظ أنه بدأ تضاؤل دور النقيب في باب الشيخ سياسياً ودينياً وأخذ يقتصر على إدارة أوقاف محلة باب الشيخ وبغداد، في حين ازدهر دور مختار المحلة الذي "تعينه السلطة الرسمية من بين أهالي المحلة وبموافقتهم. والمختار شخص مسئول عن النظام في محلته وهو صديق رسمي لأهلها فهو الذي يوصي على سبيل المثال بإعطاء جواز السفر ويؤيد عريضة طلب تعيين في دوائر الحكومة وله "طمغة"(ختم) باسمه. وازدهر الغناء والطرب([19]) في محلة باب الشيخ فاشتهر قراء القرآن بقراءة المقام مثل نجم الشيخلي ومن المقرئين عبد الستار الطيار وغيرهم كما شرح ذلك الأستاذ فهمي محمود شكري في كتابه عن قراء المقام والقرآن الكريم والغناء والمغنين في محلة باب الشيخ.
كانت فترة الحكم الملكي في العراق تمتاز بهدوئها السياسي نسبياً كالنار تحت الرماد بسبب الوصاية البريطانية وعقد النُخبة الحاكمة المعاهدات الجائرة بحق المصالح العراقية معها وهذا يتوضح من خلال تبدل الوزارات التي لم تستمر لفترة طويلة، وقيام إنقلاب عسكري عام 1936 قاده بكر صدقي وبفشله نحيَّ الأكراد من مراكز قيادات الجيش المهمة ؛ علما بأنَّ بكر صدقي كان قد بطش بتمرد المناطق الجنوبية الشيعية لأسباب سياسية لا مجال لشرحها هنا. كانت محلة باب الشيخ في هذه الفترة لها عالمها الشعبي السَُّني الخاص وتراثها المميز عن كل محلات بغداد. وما زال أهل باب الشيخ يتذكرون أيامهم الجميلة في ليالي أفراحهم وتقاليد الخطبة والزواج والمولود الجديد والطهور وخاصة في إحياء ليالي رمضان حيث لا تنام المحلة بنشاط شبابها مساء وهدير مئذنة حضرة الشيخ عبد القادر الكيلاني بأداء الصلوات وخاصة صلاة الجمعة وصلاة تراويح ليالي رمضان العطرة وحفلات العرس للزواج
الحَفَّافه في باب الشيخ بريشة الرَّسام شاكر حسن آل سعيد رحمه الله رسمها عام 1958 أهداها لي عام 1972 بنسختها الأصلية للذكرى.
وحفلات الطهور الشعبية. كانت الكلمة الصادقة بين الرجال والنساء مقياس قيمة التعامل الاجتماعي والثقة في المحلة. كانت النخوة لها وقعها الأصيل بين الرجال والنساء ومساعدة الجار في فترات الضيق المادي والأفراح والأتراح بفقد عزيز كتقاليد دينية/ اجتماعية.
كانت العائلة متماسكة لحد كبير (علما بأنّّ خلخلتها بدأت بالنمو كما حدثني والدي يوماذاك) ويمتد جذرها بتقاليدها إلى القبائل العربية البدوية خارج بغداد،في حين أن التغير الاجتماعي والاقتصادي للفرد وللعائلة جلب معه المجازفة في عدم مراعاة تقاليد العائلة والمحلة والعشيرة ومباديء الاسلام فانبثقت مشاكل عديدة مَسَّ قسم منها الشعائر الدينية الثابتة فيخجل الجيل الأول أي الوالدين من مواجهة الإشاعة الاجتماعية عندما تعم بين أفراد أهل المحلة فيضطر أهل هذا المشكل المخجل إلى الانتقال إلى محلة أخرى أو وقوع جريمة قتل أو مشادات كلامية وصياح وربما يتطور إلى ضرب بالأيادي فتأتي الشرطة لحل المشكل وضبط الحالة لتقديمهم إلى المحاكم. كان الأمان في المحلة شيئاً عادياً إلا عند وجود عداوات شخصية أو إضطرابات سياسية.
وعلى العموم كانت فترة 1921 إلى 1958 تعتبر أزهى فترات باب الشيخ خلال القرن العشرين بغض النظر عن الكثير من سلبيات تلك الفترة. ولعل أهل باب الشيخ الأصليين وساكنيها الجدد في تلك الفترة يتذكرون حلاوة أيامها وطيب سرائر أهلها ومواقفهم ولكل حالة استثناء.
3. محلة باب الشيخ بين ثورتي الكيلاني وتموز(1941-1958):
نظراً لاختلاف طبقات المحلة في منطقة باب الشيخ وتعدد أطيافها واختلاف حالاتها الاجتماعية والثقافية منذ الغزو البريطاني للعراق فقد تأثرت هذه المنطقة كغيرها من مناطق بغداد والعراق بمؤثرات الأحداث المحلية والدولية والتقلبات السياسية التي اجتاحت العراق وخاصة بغداد وكما ذكر حنا بطاطو:"... والتدفق المفاجئ لأموال النفط بعد عام 1952 وتضاعف عدد سكان بغداد أربع مرات بين عامي 1922- 1957 وكذلك فقد كانت هناك تحولات اجتماعية واقتصادية مفاجئة جرت داخل كل الطبقات صعوداً وانحداراً ولم تكن هذه الحركات والتحولات تطال الأفراد والعائلات فحسب بل إنها كانت تطال مجموعات اجتماعية بكاملها"([20]) وبالأخص محلة باب الشيخ. المتعارف عليه بنشاطهم في اغلب المجالات، فانبثقت أحزاب سياسية بتأثيرات بريطانية وتحفزت مشاركة أعيان العراق كوجهاء محلة باب الشيخ وكوجهاء المناطق الأخرى من بغداد والعراق إلى أن يشاركوا في المسيرة السياسية لكي يدافعوا عن بلدهم وقيمهم ويستيقظوا من سباتهم وتأخرهم عن ركب التقدم الحاصل في أنحاء أخرى من بلدان العالم فانبثقت لديهم فكرة الدفاع الوطني والاستقلال وأضحت كل جماعة تصوغ لها طريق لشعورها حسب ما لديها من مخزون اجتماعي، فنمت المشاعر القومية بتأثير غربي والدينية بمخزون محلي ولكن الشعور في الاتجاه القومي استطاع أن يطغى على ما عداه كما هو مرسوم له من قبل سلطة الانتداب من فكرة مفادها الاندفاع الوطني على أساس أن كل جماعة تتبنى صياغة برنامجها وأهدافها التي رسمتها لنفسها ضمانا لهذا الشعور الوطني ، فانضم العرب في المحلة وهم الأكثرية إلى فكرة القومية العربية وتجسمت هذه الفكرة في مجالات حياتهم السياسية والأدبية كالشعر والغناء وتبناها الأدباء في البلاد حتى وصلت ذروتها خلال تولي ساطع الحصري مركزا مهما في وزارة التربية وتمخضت زيادة الاندفاع بالشعور القومي العربي لدرجة محاربة الاحتلال البريطاني وبفعل الظرف الدولي آنذاك طمحت وحاولت حكومة رشيد عالي الكيلاني الاتصال بدول المحور الذي قادته ألمانيا بزعامة أدولف هتلر في ألمانيا بعد أن نادى المرحوم رشيد عالي الكيلاني الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء ورئيس ثورة الإنقاذ القومية مع ضباط الجيش العراقي في شهر مايو 1941، اً([21]) كتب رغيد الصلح ما يلي: "...فمن المرجح أن نزول رودلف هس في الجزيرة البريطانية حاملاً عرضاً للتعاون مع هتلر قد زادهم اقتناعاً بوجود اتصالات بين الكيلاني وألمانيا. لقد حمل هس أربعة شروط للتعاون بين بريطانيا وألمانيا كان من بينها الانسحاب البريطاني من العراق.... فاقتنعت الحكومة البريطانية".. أنَّه ما لم تتشكل حكومة جديدة يُستبعد منها رشيد عالي الكيلاني فإن العلاقات البريطانية- العراقية ستتدهور حتى تصل إلى مستوى الأزمة". أدي إلى فرض حصار اقتصادي شديد على العراق من قبل بريطانيا نتيجة لهذه الأحداث نزلت القوات البريطانية في البصرة و توجهت نحو بغداد ما حدى بالكيلاني للهروب إلى المملكة العربية السعودية. وبهذا يكون غزو العراق للمرة الثانية خلال أقل من ربع قرن. سبب ذلك: اتجهت غالبية أهالي منطقة باب الشيخ والعراق آنذاك لتأييد فكرة الانضمام إلى معسكر دول المحور وتأييد الفكرة النازية كرد فعل ضد الاحتلال الإنكليزي وحلفائه. فانقسم ساسة الفترة إلى فريقين قسم يؤيد بريطانيا وعلى رأسهم الوصي على العرش عبد الإله (حاكم العراق الفعلي)، أما الفريق الآخر فيمثله رشيد عالي الكيلاني لما يمثله من مكانة دينية وعربية والضباط الوطنيون ومن ورائهم المؤسسة العسكرية ويونس السبعاوي وحزب القوميين العرب الذي كان يمثله "([22]). بعد إسقاط الجيش البريطاني حكومة رشيد عالي الكيلاني وإعدام الضباط الوطنيين القوميين الأربعة وإرجاع الوصي ونوري السعيد إلى حكم العراق كانت هذه نكبة سياسية كبيرة لأهالي محلة باب الشيخ بصورة خاصة ولأهل بغداد عامة. منذ هذه الفترة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اتجهت السياسة البريطانية إلى تشجيع دخول أبناء المناطق الواقعة خارج بغداد إلى الجيش فدخلت أعداد شابة خاصة من الموصل ومن تكريت وغيرها إلى الجيش. وقد تبلورت قيادة جديدة من الضباط القوميين وغيرهم للتحضير للقيام بانقلاب عسكري ينهي الحكم الملكي المؤيد لبريطانيا وفك ارتباط العراق من المعاهدات المبرمة معه لصالح بريطانيا بالدرجة الأولى وهكذا جاءت ثورة 14 تموز عام 1958 لإنهاء الحكم الملكي في العراق وقيام الحكم الجمهوري وعلى رأسه ضباط الجيش ومن ورائهم الأحزاب السياسية وخلافاتها المنعكسة على أهل محلة باب الشيخ والعراق كله.
ب. محلة باب الشيخ في النصف الثاني من القرن العشرين:
1. منذ قيام النظام الجمهوري 1958- 1968:
عقب ثورة 14 تموز 1958 أعلن النظام الجمهوري بسيطرة ضباط الجيش العراقي على هرم السلطة السياسية والاجتماعية للمرة الثانية أو الثالثة في تاريخ العراق الحديث. بدأت الهجرة الريفية المكثفة من سكان الريف والمدن الصغيرة إلى العاصمة بغداد طلباً للرزق وتحسين أحوالهم الاقتصادية، فنشأت حركة إعمار واسعة النطاق ساهم مجلس الإعمار بمشاريع أعدت سابقاً لشق شوارع جديدة وتم تنفيذها في أوائل الستينيات حتى فترة نهاية الثمانينيات، فتضخمت مشاريع البناء السكني في داخل بغداد وضواحيها، ونتيجة لاستملاك العديد من المساكن المحيطة في باب الشيخ من جهة الجنوب والشرق لمد شوارع جديدة كشارع الجمهورية الذي قضى على أغلب المحلات التجارية والتراثية التقليدية والفروع المتعلقة بها فاضطر قسم من أهل باب الشيخ وأهالي تلك المحلات البغدادية القديمة للانتقال من مساكنهم وسط بغداد إلى مناطق جديدة وبيوت حديثة الطراز مثل بغداد الجديدة والمشتل والصليخ ومناطق حديثة النشأة، وبذلك أخذت البنية الاجتماعية والسكنية لأهل المنطقة تتغير بشكل كبير فتبعثرت عوائل باب الشيخ أكثر مما سبق وقل الترابط السابق بينهم بفعل التغيرات الحاصلة في عموم المجتمع البغدادي حيث أضحى السكن يبعد عن مكان عمل الموظف والضابط والعامل والطالب وغيرهم ، فنشأت حركة مواصلات كثيفة في البلاد وغير منظمة بصورة جيدة لقلة الشوارع وضيقها وعدم تنظيمها بما يلائم تقدم علم تنظيم المواصلات داخل المدينة وخارجها مما يضيع الوقت في الانتقال بين أماكن العمل والبيت فلا يبقى وقت فائض للذهاب إلى مقهى، علماً بأن المناطق المشيدة حديثاً هي خليط من أنحاء العراق ولا توجد مقاهٍ تقليدية كما كان هو الحال في باب الشيخ حيث كل بيت يعرف الآخر بصورة جيدة ومنذ فترة طويلة ، وإن وجدت فإنها لم تتمكن للقيام بدورها السابق في المحلة بل أحضت أماكن لقاء استراحة وشرب شاي ولهو في لعب الدومينو للشباب لضيق بيوتهم الصغيرة ولمحاولة تصريف الوقت كدليل على البطالة ؛ وشيوع الاتجاهات السياسية المختلفة في حدَّة طروحاتها في صلب العائلة الواحدة وأقاربها وأصدقائها فحطمت مبادئ الاعتقاد والقيم الراسخة والثقة والألفة بين أبناء المحلة وعلاقاتهم التقليدية الطيبة فنشأت سلوكية مختلطة تعتمد على المصلحة النفعية والثقة الشخصية والاتجاه السياسي والقبلي واللقب الذي يدل على إنعدام وحدة أهل المحلة إلا ما ندر.
لم يبق من بيوت باب الشيخ التراثية إلأ بيتين هما دار آل القُشلي ودار آل الكيَّاره الواقعة بعد مقهى الفسلان فقامت أمانة العاصمة بترميمها عام 1980 بواسطة شركات أجنبية ومن هذا يدل علىعدم وجود وعي تراثي عند مخططي محلات بغداد القديمة ولم يبذل جهد لمحاولة تطويرها والمحافظة عليها كما هو الحال في بلدان أخرى صانت تراثها المعماري القديم بإبقائه وترميمه والتوسع في مناطق أخرى، بدل هدمها وإحلال بناء جديد بديلاً عنها، ولذلك فقد تغيرت معالم المجتمع العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين عموماً وبالذات معالم باب الشيخ الجغرافية والاجتماعية عما كانت عليه في فترة الحكم الملكي بصورة شبه كاملة وهذا مؤشر واضح من مخططي السياسة الجغرافية لمدينة بغداد يكمن في تغيير المعالم الأساسية لمحلات بغداد القديمة ذات البيوت الصغيرة المتلاصقة ببعضها المغلقة نحو الخارج أي نحو الزقاق أو الدربونه ما عدا الباب وهذه هي خصوصية بناء البيت البغدادي التقليدي ويمكن القول أن صاحب هذا المخطط قام بتهديم البنية التحتية للبيت البغدادي بكل تقاليده العريقة، ولأن هذه المحلات البغدادية القديمة كانت تمثل الجانب الرافض لسلطة الدولة المحتلة في الفترة العثمانية والملكية والدكتاتورية كذلك فإنها كانت تخرج منها المظاهرات وفيها تختفي التنظيمات السياسية المناوئة للسلطة الحاكمة ولا يستطيع جهاز الأمن والشرطة الدخول إليها لضيق أزقتها وكثرة التواءاتها وتكاتف أهلها عند حدوث فزع من أحد ساكنيها أو ممن يدخل عندهم طالباً الحماية والأمان حسب تقاليد المحلة كما هو الحال في تقاليد القبائل العربية ولأن أصول ساكني هذه المحلات قبائلية أصلاً حملوها معهم إلى المحلة وأضحت جزءاً من تقاليدهم المشروعة، في حين أن أهل محلة باب الشيخ لم يحملوا تقاليد محلتهم معهم إلى مناطق سكناهم الجديدة كمجتمع ثابت معروف بكيانه كالسابق بعكس تجمعات منطقة الثورة وغيرها لأسباب عديدة لعل من أهمها عدم تكون تنظيم سياسي وديني شعبي قادر على لَمْ شمل أهل محلة باب الشيخ في بودقة واحدة منصهرة كما هو الحال في المحلات الشيعية في بغداد وخارجها. ومن الملاحظ في هذه الفترة اضمحلال سلطة النقيب والمختار وتمزق تقاليد العائلة والمحلة التراثية لأهالي باب الشيخ خاصة ، ومناطق أخرى ببغداد وربما في العراق خلال هذه الفترة بصورة كبيرة لأسباب سبق ذكرها؛ أما مسجد باب الشيخ أي الحضرة الكيلانية فبقيت شاخصة لم تستطع الدولة المساس بها حتى فترة الثمانينيات كما سيأتي ذكره فيما بعد. وكما تهدمت بيوت محلة باب الشيخ في هذه الفترة كذلك تناثرت عوائل وتقاليد أهل محلة باب الشيخ بفعل التغيرات السريعة والمتلاحقة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع البغدادي والعراقي عموماً وتكاثر التأثيرات التكنولوجية الغربية واستيرادها من دول أوروبا وما يصاحبها من توابع كل في مجاله. في الواقع لقد بدأت مرحلة إنشاء أحياء جديدة طرفية في بغداد بعيد الحرب الثانية،وأنشأ حي بغداد الجديدة مثلا على يد مخطط مصري بشكل تجريبي، ثم أنشا مجلس الإعمار في بواكير الخمسينات الذي أخذ على عاتقه توسعة المدينة وارساء بنيتها التحتيه. ثم جرت عمليات ترقيعية لتوسعتها، حتى جاء مشروع مخطط بغداد الحديث على يد اليوناني- الاميركي دوكسياديس والذي نشط في تنفيذ خطته إبان سلطة الجمهورية عام 1958 حينما أراد أن يبعد التوسعة عن النواة التاريخية للمدينة ، وشق قناة الجيش في وتر مستقيم بين شمال بغداد على دجلة ونهر ديالي قبل التقائهما جنوب بغداد، ليتسنى عبر ذلك نقل الأحياء الجديدة بعيدا عن المركز التاريخي.وجاء فتح قناة الجيش وإحياء نهر الخير في الكرخ بمبرر حب البغداديين الجم للمكوث والعيش قريبا من الأنهار. وأهتم بحي الثورة تحديدا، الذي أريد منه أن يلغي بها الأحياء الهامشية البائسة على أطراف بغداد. وقد بذل الزعيم عبدالكريم قاسم جهدا كبيرا في ذلك، لكن خطته توقفت بعدما حلت سلطة البعث بعد انقلاب 8 شباط 1963. وشهدت المدينة عنفا جديدا ضد تراثها. فاستبيحت أحياء بغداد المركزية في الرصافة والكرخ بحجج واهية كانت مخادعة لسكانها الذين أغووا بتركها أو أجبروا عليه، وكان منهم من رفض تركها فاخرجوا مكرهين لمقتضيات (المصلحة العامة) والوعد بترميمها وإعادتها إليهم.
الواقع السياسي: بدأ باستيلاء ضباط الجيش العراقي على مقاليد إدارة البلاد فغير هرم المجتمع السياسي والاقتصادي الذي كان سائداً في العهد الملكي فالجيش هو حاكم العراق بلا منازع وظهر دور صراع الأحزاب اليسارية واليمينية لأجل دعم السلطة أو ضدها أدى إلى انحياز الكثير من ضباط الجيش العراقي لإتجاه أو ولاء لحزب ينتمي له سراً أو علانية ، وفتح المجال لدخول المدرسة العسكرية لأهل المحافظات والقرى للطبقات الفقيرة بصورة أكثر من السابق ؛ منذ هذه الفترة أخذ دور أهل محلة باب الشيخ تفقد مكانتها ومناصبها في المساهمة بقيادة البلد بصورة أكثر وضوحاً عما سبق وخاصة بعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني، ونتيجة لانتقال عدد كثير من أهالي باب الشيخ في هذه الفترة إلى المناطق الجديدة فبنوا مساجد لإقامة الصلاة كما كانت عاداتهم الدينية في باب الشيخ ومحاولة جمع شملهم، ولكن في هذه الفترة انقسم المجتمع العراقي بعوائله ومحلاته إلى شقين متطاحنين سياسياً تمكن أنصار الحزب الشيوعي العراقي من الاحتفال بعرض قوتهم لمدة حوالي أربع سنين بدعم المحيطين بالزعيم عبد الكريم قاسم قائدا عاما للقوات المسلحة ورئيس الوزراء فصدرت جريدة اتحاد الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي من محلة باب الشيخ، حيث إن مقرها كان لا يبعد عن الحضرة الكيلانية إلا عدة خطوات، والملاحظ أن مجتمع باب الشيخ كان يضم كل الاتجاهات السياسية والثقافية المتكونة خلال العهد الملكي ولكن بصورة غير علنية صارخة كما هو الحال بعد عام 1958 وما تبعها من تغيرات جذرية في بنية المجتمع العراقي عامة وبضمنها محلة باب الشيخ ومحلات بغداد الأخرى. لقد توزع أو انضم معظم أهل باب الشيخ إلى الأحزاب التي تأسست خلال الحكم الملكي المتواجدة بعد ثورة 1958 وهي: الحزب الشيوعي العراقي الذي دعم عبد الكريم قاسم، وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي دعم عبد السلام عارف ومعهم حزب القوميين الناصريين وجماعة من أهل السنة والشيعة الرابط بينهم هو إزاحة المَّد الشيوعي وثأثيره العنيف على الحياة الشعبية العراقية بعد حوادث الموصل وكركوك؛ ولم يكن دور فعال لحزب الإخوان المسلمين، لحزب التحرير وانسحب آخرون من الحياة السياسية لظهور انفصام الشخصية السياسية العراقية منذ هذه الفترة بدأ احتدام الصراعات على السلطة بين القيادات العسكرية في الجيش العراقي والتنظيمات السياسية المدنية المسيطرة على الشارع العراقي الملتهب حماساً للمشاركة السياسية الغائبة عن يديه فعلياً. وظهور فئات انتهازية همها المحافظة على مصالحها الخاصة بأي وسيلة متاحة لها فأضحت البلاد تدور في صراعات داخلية طاحنة ومؤثرات خارجية ضاغطة برداء الشعارات وبلا قرار فعلي حاسم ؛ فحدثت أربع انقلابات ناجحة وأربع أخرى فاشلة ؛ فتهيأ ظرف مناسب مبرمج خارجيا لفترة سياسية جديدة.
2. فترة حكم حزب البعث 1968-2003:
استلم قسم من حزب البعث الاشتراكي العربي السلطة في عام 1968 بانقلاب غير دموي ولأجل تثبيت سلطته التحق في صفوفه أغلب العراقيين قسراً أو اضطرارا ومنهم من أهل باب الشيخ فتسلموا مناصب في إدارة الحزب والدولة كأدوات منفذين لما تأمرهم به القيادة الجديدة للحزب أي نفذ ولا تناقش.
ولو تأملنا مفهوم ابن خلدون حول أهل الحضر وتغلب البدو عليهم بالغزو؛ أو التسلل إلى الداخل كما يرى علي الوردي؛ فان قيادة حزب البعث كانت مخلطة ثم شيعية ثم سنية بدوية وقروية قدمت إلى بغداد ودخلت إلى الجيش العراقي تحت غطاء الحكم الملكي ؛ والتحق العديد منهم بتنظيمات متعددة ومنها حزب البعث الذي نشأ في لبنان وسوريا وامتد إلى العراق من خلال الطلبة وبتسهيل خفي من السلطة الملكية الخاضعة للمملكة البريطانية المتحدة ؛ والذي ظهر إلى العلن بعد 1958 كمناوئ للتيارات والأحزاب الدينية و لليسار.حيث كان اليسار له سيطرة في محلة باب الشيخ بعد عام 1958.واصل صدام حسين التكريتي استملاك البيوت المحيطة بالحضرة الكيلانية بعد أن تسلم قيادة الحزب والدولة في فترة ازدهار قوته منذ عام 1980 لأجل إقامة شوارع جديدة والخط البري السريع.
محلة باب الشيخ صورة مأخوذة من الجو عام 2007
الذي قضى على بقايا الحياة التراثية والتقليدية في محلة باب الشيخ وأهلها، فاندثرت مقاهيها الشعبية وتشردت العوائل وتبدلت الخارطة الجغرافية لهذه المحلة التراثية العريق ، فانتشرت فيها شوارع عديدة وغزت أرصفتها أنواع عديدة من باعة البضائع الشعبية بالمفرد وأضحت مركزاً شعبياً رديئاً ومهملاً من كل النواحي وخاصة خلال فترة الحصار الدولي وهذا تحطيم لقيمتها الفعلية والرمزية فأدّى ذلك لترك قسم من الجيل الثاني من عوائل هذه المحلة موطن جذرهم وجذر آبائهم والسكن في أنحاء بغداد والعراق لا بل الانتشار في العالم بفعل ظروف الحرب العراقية الإيرانية وإجتياح الجيش العراقي إمارة الكويت ثم انسحابه منها بحرب مأساوية للمنطقة ثم أعقبها الحصار الدولي على العراق لمدة 13 عاماً وانتشار النتائج السيئة على الشعب العراقي كله.
لقد شمل تغيير آخر على مساحة وأبنية ملحقة بمسجد الحضرة الكيلانية بتوسيع المساحة السابقة وتغير في أبنية جديدة شملت مكان المكتبة فانتقلت إلى الطابق الأرضي وبمساحة أوسع والصورة الحديثة الملتقطة من الجو تبيّن جانباً من المحلة والحضرة الكيلانية بحالتها الحاضرة.
صورة جانبية للمقبرة الخاصة لباب الشيخ المسماة البقجة
تبين الخريطة القادمة تحت التغيرات الجغرافية لمدينة بغداد وبضمنها محلة باب الشيخ في عام 1980، تمركزت السلطات الرئيسية على ضفاف نهر دجلة بجانب الكرخ الجنوبي، علماً بأن مركز الدولة في الفترة العثمانية والملكية كان منحصراً في جانب الرصافة الممتد بين باب الشيخ والميدان وباب المعظم، تمركزت السلطة في فترة الجمهورية العسكرية في وزارة الدفاع بميدان باب المعظم . لقد بُنِيَّتْ بنايتين خلال الحكم الملكي في منطقة كرادة مريم إحداهما لمجلس الأمة والأخرى القصر الملكي فكانت أن مركز السلطة ببغداد أخذ في الزحف من منطقة لأخرى حسب اهتمام قيادة السلطة الحاكمة ليتجمع في جنوب بغداد.
بغداد في 1980
لقد غادرت العراق عام 1974 إلى ألمانيا لمواصلة دراستي ولم أستطع متابعة التغيرات الجغرافية والاجتماعية لمحلة باب الشيخ بصورة أدق مما عرضته خلال هذه الصفحات؛ آمل أن يسد هذه المجال ممن لهم معرفة جيدة لإكمال شرح هذه الفترة.
3. باب الشيخ في فترة غزو التحالف الغربي وحل مؤسسات الدولة:
بعد حصار اقتصادي دولي دام 13 عاما أنهك العراق في كل مجال شنت عليه حرب بمشاركة دول غربية كثيرة بدأت الجيوش المتحالفة بتعدد جنسياتها غزو الجمهورية العراقية من جهة الجنوب بحرب غير متكافئة بدأت 20. 03. 2003 وانتهت بدخولهم بغداد بتاريخ 09. 04. 2003 حيث تم سقوط نظام حزب البعث وأرخ حل مؤسسات الدولة العراقية الحديثة (2003-1921) بما فيها إدارة كل الوزارات والمؤسسات الرسمية الملحقة بها كالجيش وقوات الأمن فأضحى العراق بلا إدارة فانتشرت الفوضى في عموم العراق وساد "الفرهود" أي نهب ممتلكات ومؤسسات الدولة العراقية – ماعدا وزارة النفط – ثم امتد الفرهود والتخريب لبيوت ومحلات مختلفة وانتشر القتل الثأري . وانتشرت التصفيات الجسدية العدائية للثأر (القبلي) أو الانتقام ممن سبب لهم ضررا كبيرا أيام سلطته في حزب البعث؛ فإنتعش الإرهاب والإرهاب المضاد ودخل العراق كله في دوامة الفوضى والهدم الاجتماعي/الاقتصادي والاختلال السياسي والاجتماعي والديني لحد كبير. فأُنشأت أحزاب كثيرة أضعافا كثيرة عما أنشأت بعد الاحتلال البريطاني للعراق ؛ وتطورت هذه الظاهرة لدرجة انتشار التصفيات الشخصية والعرقية والمذهبية إلى محلات بغداد القديمة والجديدة فمحلة باب الشيح تعرضت فيها المكتبة القادرية في جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني لهجوم من جماعة لديهم شاحنة كبيرة حاولوا كسر أبواب المكتبة لسرقتها فتصدى لهم رواد الحضرة القادرية والمصلون فحصلت مشادات ومناوشات بين الطرفين حسب رواية شاهد عيان فتجمهر أهالي المحلة بسرعة في ساحة الحضرة الكيلانية .خشي المهاجمون من أهل محلة باب الشيخ استخدام السلاح فهربوا بسرعة. أسرع أمين المكتبة وزملاؤه لنقل كتب المكتبة إلى صناديق أودعوها في مكان أمين لحين انتهاء فترة الفوضى والتخريب وسيادة الأمان الاجتماعي. لقد أضحت محله باب الشيخ خلال هذه الفترة ملاذا للفقراء للتسول أمام باب الحضرة الكيلانية لجمع تبرعات من الزائرين الموسرين ومكانا لباعة مختلف الأشياء كسوق شعبي عام ، بذلك تضاءلت معالمها التراثية ذات القيمة الطيبة مما ساد وتعارف عليه أهل هذه المحلة الأصليين عبر صروف الزمن. خرج معظم أهل باب الشيخ ذوي الأصول المعروفة من محلتهم وحملوا معهم لقبهم "الشيخلية" ثم دخل أناس إلى هذه المحلة للسكنى في بيوتها القديمة المتواضعة المعروضة للإيجار والقريبة جدا من أماكن الأعمال اليومية فأخذوا يَدَّعون بأنهم شيخلية، لكن الأصل هو – غير المكتسب – وفروع الأصل بأجياله ينعقد عليهم أمل الحفاظ على تراث وقيم هذه المحلة بل تجديده بين أبنائهم رغم هول الصدمات المختلفة التي تدعو للتحلل من القيم الاجتماعية والدينية المتجذرة بتقاليد محلتهم عبر التاريخ ورغم اضطراب خارطتها الجغرافية والتراثية لأجل إعادة ربيع هذه المحلة كمجتمع مسئول في التزامه التراثي الاجتماعي بتعاون وتحابب وتكاتف أهل العراق لبنائه، فالمحلة تحيا بمواقف رجالها ونسائها وأولادهم بتآزرهم في السراء والضراء رغم كل الظروف الطارئة الضاغطة لتفتيت وحدة أهل العراق ومحلاتها بما هو غريب عن طبيعتهم الطيبة ؛ ولكن الأمل ينعقد على أهل باب الشيخ مِمن بقي على قيد الحياة والنشاط من الجيل القديم وأبنائهم من الذين أخذوا يستيقظوا من هول الصدمات السياسية والتحلل من القيم الاجتماعية والدينية لتقاليد محلتهم وتفشي الظلم ودخول الاحتلال وتخلخل الساحة السياسية العراقية وخاصة في بغداد.
لقد أخذ بعض أهل باب الشيخ تجميع معارفهم في تجمع سياسي ويلاحظ كل متتبع لوضع العراق تحت الاحتلال باستبعاد مشاركة معظم أهل السنة في المشاركة السياسية الفعلية في إدارة البلاد وهي تحت الاحتلال؛ بل أضحى برنامج محاربتهم سياسيا وعسكريا لأجل القضاء على دورهم التأريخي في حكم العراق الممتد لحوالي خمسة قرون. فدور باب الشيخ وأهلها أضحى في هذه الفترة في شبه شتات. فمحيط باب الشيخ أضحى مكانا للباعة الشعبيين وأماكن بيع الحشيش؛ وهذا دليل واضح على تهميش القيمة الدينية والاجتماعية والسياسية لدورهذه المحلة المتمثلة بدور أهلها الريادي في إدارة البلاد عبر تلك القرون. ومن المؤسف عدم تواجد تنظيم سياسي واجتماعي مستقل يحتويهم ويلم شملهم كما كانت تقاليد محلتهم في عهودها السابقة؛ وفشل الحفاظ على تقاليدهم الاجتماعية بالمقارنة مع محافظة التقاليد الشيعية في محلة الكاظمية أمام تطور المجتمع العراقي خلال القرن العشرين رغم كل الضغوط الممارسة عليهم من قبل هرم إدارة الدولة من العلمانيين المتعاونين مع المحتل البريطاني خلال النصف الأول من القرن العشرين والمندمجون تحت لواء الأحزاب السياسية التي لعبت دورا استقطابيا لكل أهالي محلات بغداد وخاصة بعد عام 1958 ولحد دول الاحتلال الأمريكي البريطاني وتكوين أحزاب سياسية زادت على المائة حزب كما هو معلوم للشعب العراقي الذي أخذ يعاني من أزمة التشرذم السياسي بين خدمة الوطن المختل وخدمة المحتل للحصول على منصب للحكم او لكي يقي نفسه وعائلته من الجوع المنتشر بعد حل إدارة المؤسسات وتسريح جهاز الدولة بكاملة وبقائهم بلا رواتب وفي مستقبل مجهول والمحتل يبرمج إدارة البلاد بصورة جديدة ودخول البلاد في دوامة الفوضى وضياع الأمن.
صورة الحضرة تحيطها الشوارع في وقتنا الحاضر وضجيج السيارات
محلة باب الشيخ كما تبدو من الجو في وضعها الحالي
د. سامي حسين عبد الستار الشيخلي المغترب في سويسرا 2013.4.10


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.