وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ضرورة صون الوجود السوداني بالخارج عن المطامع الحزبية بقلم د.سليمان خاطر.


حواشٍ على متون الوطن
أهل السودان من أكثر شعوب الدنيا حبا للوطن ورغبة في البقاء به مع الأهل والعشيرة والصبر على ضغوط الحياة والمعيشة ولكنهم كغيرهم قد تضطرهم الأوضاع الاقتصادية القاهرة والظروف المعيشية الصعبة والرغبة في تحسينها على الهجرة والاغتراب في أرض الله الواسعة والابتغاء من فضل الله. وعلى قدر الضيق في طرائق كسب العيش عند أهالي كل منطقة تكون هجرتهم واغترابهم عن الأهل الأحباب والأوطان العزيزة، على حد قول القائل :
وكم قائل لو كان ودك صادقاً * لبغداد لم ترحل، فكان جوابيا :
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم * وترمى النوى بالمقترين المراميا
بدأ الاغتراب عند السودانيين يتوسع شيئا فشيئا بسبب شح الموارد الاقتصادية، وقلة الوظائف الحكومية وسوء توزيعها بفعل عوامل المحسوبية القبلية والجهوية والحزبية، وغياب التخطيط الاستراتيجي لمؤسسات الدولة المدارة بتلك السياسات المدمرة وبعض العقليات المتخلفة عن ركب الإنسانية والحضارة والتقدم، وذلك منذ استقلال السودان في الخمسينات من أواسط القرن الماضي؛ مما جعل ثقافة الاغتراب تفشو وتنتشر حتى شملت جميع جهات السودان ومناطقه وفئاته المهنية من العمال حتى المهندسين، ومن الأطباء حتى الرعاة بعد أن كان الاغتراب قاصرا في البداية على أهالي مناطق معينة ومهن محددة، حتى أصبح بحيث لا يخلو بيت سوداني من مغترب إن لم يكن عدة مغتربين؛ إذ صار الاغتراب شيئا مذكورا في القصص ومصادر الرزق والأغاني والروايات. وأخيرا كثرت في العهود الأخيرة الهجرة المزدوجة بحثا عن لقمة العيش والحرية معا بسبب سياسات التضييق على الحريات العامة والطرد الجماعي من الوظائف الحكومية بقصد إحلال أهل الولاء الحزبي محل أهل الكفاءة المهنية، باسم الصالح العام البريء من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب، عليهما الصلاة والسلام.
كثر المهاجرون والمغتربون من أهل السودان في جميع بلاد الدنيا على تفاوت بينها،وتعددت فئاتهم من مهاجرين بصورة نهائية بحثا عن وطن بديل في أروبا وأمريكا واستراليا وغيرها، لا يأتون إلى السودان إلا زائرين في أحسن الأحوال وبين شبه مقيمين بصورة دائمة لا يفكرون في العودة النهائية إلى الوطن الأم إلا مضطرين أو مجبورين وبين باحثين عن بناء السكن وإيجاد وسيلة التنقل للعودة إلى الوطن في أسرع وقت ممكن، وإذا وجدوا إلى ذلك (نقاطة) تعينهم على بؤس المرتب فذلك عندهم غاية المنى ! وهذا غالبا في الخليج والسعودية بصفة خاصة حيث أقيم منذ سنوات سبع وأرى حولي أسرا سودانية كثيرة في أوضاع مختلفة جدا وأحوال متفاوتة، بعضها قد بدأ الجيل الثالث فيها بالظهور والبروز والهيمنة، بمعنى أن الرجل من هؤلاء قد اغترب منذ أوائل السبعينات ثم عاد وتزوج بعد مدة وأخذ معه زوجته؛ فنشأ الأبناء وتعلموا هناك حتى نهاية المرحلة الثانوية ثم ذهبوا إلى الدراسة الجامعية في السودان أو غيره من الدول ثم عادوا فعملوا مع والديهم وتزوجوا من هنا أو هناك أو هنالك؛ فنشأ لهم أبناء هم أحفاد أوائل المغتربين من الجيل الأول، وهذا الجيل الثالث بدأ هو الآخر في الدراسة الجامعية ويفكر في الالتحاق بأسرته الكبيرة في الغربة؛ ليبدأ دورة الحياة من جديد، وهكذا دواليك في تسلسل درامي لا يعلم مداه إلا الله لأناس وجدوا أنفسهم في هذه الحالة لا هم مواطنون لهم كامل الحقوق حيث يقيمون ويعيشون إقامة شبه دائمة ولا هم مواطنون لهم كامل حقوق المواطنة حتى في أوطانهم الأصلية؛ إذ ينظر إليهم بشيء من الدونية والسخرية أحيانا؛ فينظر إلى جيوبهم أكثر من النظر إلى حقوقهم، فهم يعانون حتى في أقل حقوق المواطنة في التعليم الذي يعانون فيه الأمرين من تطفيف درجات أبنائهم التي حصلوا عليها في بلاد المهجر وفرض رسوم مالية لا طاقة لهم بها، هذا إلى جانب طمع الحكومة والمواطنين أحيانا في استنزافهم بطرق ملتوية وأساليب ماكرة تخلو من أي خلق أو دين أو إنسانية، وذلك بتجريدهم من كل ما حصلوا عليه بشق الأنفس هناك.
كثر أنين المغتربين السودانيين واستطالت شكاواهم وتعطلت مصالحهم وتبخرت أحلام أكثرهم؛ فكثرت مطالبهم دون أن يجدوا لها أذنا صاغية إلا من محاولات لذر الرماد في العيون هنا وهناك.
لا ينكر في السنوات الأخيرة وجود مظاهر في الدولة للاهتمام بهذه الفئة المسكينة من أهل السودان، مثل تخصيص بعض البرامج لهم في وسائل الإعلام المختلفة وتخصيص جهاز خاص لرعاية شؤونهم والاهتمام بمصالحهم وحل مشاكلهم الفردية والجماعية في الخارج والداخل، ولكن ذلك كله لم يشف العليل ولم يرو الغليل؛ إذ ينظر أكثر القائمين على أمر تلك البرامج المخصصة للمغتربين في وسائل الأعلام السودانية إليهم كأنهم فئة مترفة لا ينقصها إلا الترفيه بالأغاني السودانية والشوق إلى الأهل أحيانا كما أن جهاز رعاية شؤون السودانيين العاملين بالخارج هو جهاز للجباية والسياسة والهيمنة أكثر من كونه جهازا لتقديم الخدمة والرعاية والحماية؛ فالمستجير به من نار الغربة وظلم بعض مؤسسات الدولة التعليمية والاقتصادية والإدارية كالمستجير من الرمضاء بالنار أو المحتمي من الأمطار بالسيول، فهذا الجهاز أصبح عبئا على المغترب لا حلا لمشاكله، وما يقوم به من نشاطات ديكورية شكلية في شكل احتفالات سنوية ومؤتمرات معدة التوصيات سلفا وتنتهي بانتهاء جلساتها، وزيارات خارجية للجباية والتجارة بعرض فرص استثمارية وهمية ومخططات سكنية بعيدة بغرض اعتصار ما تبقى من مدخرات عند قليل من المغتربين، والحسنة الوحيدة لهذا الجهاز وإنجازه الكبير الذي يقر له به الجميع هو جمعه لجميع الجبايات والإتاوات مع الخدمات القنصلية والإجراءات الإدارية على صعيد واحد مع سرعة إنجازها في السنوات الأخيرة، وهذه خدمة عظيمة بلا شك تشكر عليها الحكومة والجهاز الذي هو مؤسسة من مؤسساتها الإيرادية لا الخدمية؛ إذا لم يعد في الدولة كلها مؤسسة خدمية خالصة، فقد صارت جميع مؤسسات الدولية مؤسسات إيرادية مع مهامها الأخرى.
هذا عن أوضاع أهل السودان بالخارج عموما وما يلاقونه من معاملة بالداخل. أما ما أريد أن أتطرق له بشيء من التفصيل اليوم فهو أن أهل السودان في الخارج ظلوا على الرغم من كل تلك الظروف الصعبة والمعاملة السيئة يمثلون وطنهم خير تمثيل ملتزمين بأخلاقهم الكريمة وسيرتهم الحسنة ومعاملتهم الطيبة مع الجميع ضاربين أروع الأمثال في الأمانة والصدق والإخلاص مع الآخرين، والتكاتف والتعاون والتوحد بينهم، لا يفرقهم انتماء إلى قبيلة أو جهة أو حزب؛ فهم في الخارج شعب واحد موحد يسعى بذمتهم أدناهم متشاركون في السراء والضراء متضامنون في الأفراح والأتراح لا يستطيع أحد من غيرهم أن يميز بعضهم عن بعض بشيء أبدا؛ مما أكسبهم احترام الجميع ونالوا إعجاب كل من عرفهم عن قرب أو سمع بهم عن بعد، والشهادات لهم بذلك لا تحصى من جميع شعوب الأرض وكل أمم الدنيا إجماعا لا ينازع فيه أحد كائنا من كان في المشرق والمغرب، والحمد لله، وإن لم يبق لنا من الدنيا غير هذه السمعة الطيبة والذكر الحسن لكفانا شرفا وفخرا. وقد ظلت هذه الصورة المشرقة هكذا إلى وقت قريب حتى بدأت مطامع السياسة اللعينة تخدش هذه الصورة الرائعة وتشوه هذا المنظر السوداني الجميل؛ إذا تسرب بعض مظاهر التشتت والتنازع والتخاصم في الداخل إلى الصورة المشرقة التي كانت تسر الناظرين في الخارج، والله المستعان.
كثرت في السنوات الأخيرة من عهد الإنقاذ محاولات الهيمنة الحزبية الضيقة على الوجود السوداني بالخارج الذي لم يعرف الاختلاف في عمره الطويل؛ فحدث في كثير من المهاجر السودانية ما يشبه الشقاق والاختلاف على كل شيء، الذي أصبح من ديدن أهل السودان بالداخل، كما فصلت ذلك في مقال سابق منذ أسبوعين.
صار الخلاف يدب بين أهل السودان في كل منطقة من الخليج خاصة بسبب تدخل الحكومة لتكوين جالية موالية لها وفرضها بقوة السفارة على الناس بلا أدنى مشاورة لهم، وهذا أمر لم يعد سرا منذ هيمن على سفارات السودان بالخارج بعض حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام ممن اختيروا بالمعايير الحزبية الضيقة لا الأوصاف الدبلوماسية المهنية الوطنية الواسعة؛ فصاروا يحاولون عبثا فرض سياسة الحزب الحاكم في السودان في الهيمنة والسيطرة على كل شيء على أهل السودان في الخارج مثلما فعلوا في الداخل بالنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني عموما، وما ذلك إلا لضيق أفق القائمين على معظم سفارات السودان الذين يرون كل اجتماع لسودانيين دون رعايتهم وإدارتهم وسيطرتهم اجتماعا للمعارضة !
والمثال الحي أمامي ما نشرته هذه الصحيفة الغراء في عددها ذي الرقم(7686) ليوم الثلاثاء 24/5/2011م من كلام غريب كتبه الأخ/ أحمد الفكي في الصفحة الثانية ضمن ملف (وهج الغربة) عن تجديد مجلس شورى الجالية السودانية بحائل ثقته في أربعة أشخاص ذكرهم بأسمائهم في تقرير كله عجب من العجب عن حدث أعجب وأغرب لكل من كان مقيما في حائل من أهل السودان؛ إذ قصة الجالية السودانية بحائل وغيرها من مناطق المملكة خاصة لم تعد سرا بعد أن كثر الحديث حولها في وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، حين استولى قليل من الناس على اسم الجالية بالتآمر مع بعض الحزبيين بالسفارة في الرياض، فجرت محاولات كثيرة لحل تلك المشكلة من أفراد ولجان شعبية وأخرى رسمية، ولكن كل ذلك باءت بالفشل بفعل التعنت الحزبي البغيض الذي يتخفى خلفه بعض من لا يقدر الأمر حق قدره في السفارة والحزب، فما كان من أهل السودان بالمنطقة إلا أن كوَّنوا جاليتهم الوطنية الشاملة وإن لم يعترف بها القنصل الحزبي السابق واللاحق الذي كان أسوأ من سلفه في حزبيته الضيقة حتى ضاق ذرعا بمجرد لافتة ترحيبية بوفد السفارة من الجالية الوطنية؛ فما كان منه إلا أن أصدر أوامره بإزالتها وإبعادها عن مقر إقامة الوفد القنصلي الزائر للمنطقة من السفارة بالرياض.
أغرب ما جاء في التقرير المليء بالتناقضات الكبيرة مفردة (الجمعية العمومية) التي لم يعرفها قاموس الجالية المذكورة في تاريخها الممتد لما يقرب من أربع سنوات بلا لائحة ولا قانون ولا تفويض من أحد إلا اعتراف السفارة المبني على التعليمات الحزبية من هنا وهناك، وغريب أن يتحدث التقرير عن احترام قوانين البلد المضيف، وهي لم تمنع يوما أهل السودان في جميع المناطق من ممارسة أنشطتهم الاجتماعية المفتوحة المعروفة للجميع فضلا عن الجهات المسئولة التي لا تخفى عليها شيء من ذلك؛ إذ من المعتاد عند الجميع عن أهل السودان أن يجتمع خمسمائة منهم في عقيقة (سماية) وألف منهم في مأتم أو دفن ميت وأكثر من ذلك في فرح بزواج أو نجاح، كل ذلك مشهور عنا ومعروف دون نكير من أحد، وهذه رابطة الإعلاميين السودانيين تعقد جمعيتها العمومية في الرياض بأحد الفنادق الفخمة، ومنتدى التوثيق الشامل السوداني يعقد ندواته الدورية في الرياض على مرأى ومسمع من الجميع ودعوة عامة للجميع، والاحتفالات السودانية بكل أنواعها تسير على قدم وساق في كل منطقة وبرعاية كريمة من المسئولين بالبلد المضياف الذي نعده بلدنا الثاني ولا نعد أنفسنا من الأجانب فيه أبدا؛ لما وجدنا عند أهلها من المسئولين والعامة – وهم أهلنا وقرابتنا في الدين واللغة والتاريخ – من كرم الضيافة وحسن الاستقبال والرعاية.
لماذا لم تمنع قوانين البلد المضيف أن يجتمع عدد ضاق بهم المكان الذي هو استراحة عامة، حسب تعبير التقرير كما لم تمنع الجالية السودانية الوطنية بالمنطقة من عقد لقاءين عامين في دورتين آخرهما كان في رمضان من العام الماضي، كل ذلك بموافقة مكتوبة من الجهات المسئولة بالمنطقة، وقد كان الحضور والمشاركة في المرتين يفوق ألف شخص من السودانيين المقيمين بالمنطقة، احتفلوا وتكلموا عن شؤونهم وأوضاعهم وأحوالهم، ودعوا إلى تكاتف الجميع لخدمة الجميع دون تمييز يضر بالجميع، وقدموا كل حل ممكن لمشكلة تعدد الجاليات في المنطقة الواحدة، وأرسلوا إلى السفارة جميع الوثائق والمستندات والتوقيعات مع وفود أرسلوها خصيصا لهذا الهدف، ولكن لا حياة لمن تنادي !
لم يفعلوا كل ذلك للحصول على ما تقدمه السفارة لجاليتها الحزبية الخاصة من دعم مالي سنوي - هو كل ما تملكه للجاليات - هو من أموال أهل السودان كلهم، وإنما من أجل وحدة الكلمة وتوحيد الجهود وضم الصفوف كافة من أجل خدمة المواطن السوداني المقيم بالمنطقة بكل خدمة ممكنة في جميع الظروف. والله أعلم بالنيات مطلع على المقاصد يعلم السر وأخفى.
بل كيف نسي الأخ معد التقرير ما حدث قبل أقل من شهر هنا في حائل من دعوة عامة لجميع أعضاء الجالية وغيرهم في استراحة مفتوحة للاستماع إلى حديث القنصل العام مع وفد السفارة والعشاء، لماذا لم تكوَّن الجالية في ذلك الاجتماع المحضور من السفارة رسميا ؟ وما الذي يمنع السفارة التي يتبجح الأخ كاتب التقرير بمعرفتها بما يجري في دوائر الجالية أن تشرف بوفد أو مندوب منها على تكوين جالية جامعة لجميع أهل السودان في كل منطقة؛ حتى تختفي جميع الخلافات والنزاعات والصراعات التي أضرت بأهل السودان في الغربة كثيرا ولم يستفد منها أحد ؟
عجائب هذا التقرير الغريب لا تنتهي في هذا المقال، ولعلي أخصص لها مقالا آخر الأسبوع القادم، إن شاء الله، بعنوان( تفنيد أحاديث المهازل عن الجالية السودانية بمنطقة حائل).
وأختم بأن السفارة إذا وافقت هذه المرة على جالية تكونت بهذه الطريقة الغريبة وفي غياب تام عن أهل السودان في المنطقة فإنها بذلك تدق آخر مسمار في نعش وحدة أهل السودان بالمنطقة، وعلى من يفعل ذلك أن يتحمل مسئوليته في الدنيا والآخرة؛ إذ أصبحت المسألة أوضح من أن تحتمل مزيدا من مواعيد عرقوب. وإلى الله المشتكى.
وليس الكلام عن الأشخاص في ذواتهم؛ فهم من جملة أهل السودان الطيبين، لكن عن المسئولين بالسفارة ومن ولَّوهم أمر الجاليات بفرمانات من عندهم لا اختيار أهل المنطقة المغلوبين على أمرهم،وقد ظللنا نحدثهم عن الأضرار الفادحة لهذا السلوك الحزبي،على صورة الوطن العزيز في الخارج وأوضاع المواطن المقيم في الغربة، فنجد عندهم كل ترحيب وحسن استماع وكلام يسرك ويضحكك ثم لا شيء إلا أفعالا تبكيك وتحيرك، فكل واحد منهم :
يعطيك من طرف اللسان حلاوة * ويروغ منك كما ويروغ الثعلب !
من المؤكد أنه لا مصلحة للمؤتمر الوطني الحزب الحاكم في السودان ولا لغيره في تشتيت الوجود السوداني في الخارج خاصة في هذا الظرف الدقيق واللحظة التاريخية الحاسمة في السودان بعد انفصال جنوبه وبقاء بقية مشاكله التي لا يمكن حلها وبناء وطن جامع مستقر ينمو ويتطور إلا بالوحدة التامة والتكاتف والتعاون بين جميع مكوناته في الداخل والخارج. وهذا ما لا نمل الدعوة إليه ولا نيأس من الاستجابة لها والمصير إليها من الجميع، بل المصلحة كل المصلحة في السعي الجاد إلى توحيد أهل السودان الباقين بكل السبل.
وهذا أمر مهم سأواصل الكتابة فيه كما أدعو كل صاحب رأي إلى الإدلاء بدلوه فيه حتى تتلاقح الأفكار وتتجمع الآراء على ما يجمع ولا يفرق، وينفع الجميع ولا يضر أحدا. والله المستعان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.