الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أنتم ؟ نحنُ كادوقلي ! .. بقلم: مجدي إبراهيم محجوب – قاضٍ سابق
نشر في سودانيل يوم 30 - 07 - 2017

" الدم هو أسوأ شاهد على الحقيقة ! " : هكذا تكلم زرادشت – كتاب للجميع ولغير أحد. فردريك نيتشة.
" نيييمنج ألمانْ ...دلنجْ سُودان " ...صاح فرحاً سائق بص النيسان سفريات الميراوي ؛ الأُبيض - الدلنج - كادوقلي و بالعكس ؛ وذلك عندما لاحت لنا في الأفق مدينة الدلنج مثل بستانٍ أخضر ، وتُحيط بها جبال قصيرة ، أنيقة ، ومُعطرة برائحة دعاش أواخر الخريف ، موسم الدرتْ ، وخاصرات الجبال ترفُل في سحبٍ بيضاء كأنها ترتدي فساتين زفاف . كان ذلك في أو حوالي الربع الرابع من العام 1988 عندما كُلفتُ ، وشُرفتُ ، بالقيام في مأمورية لمدة ستة أشهر كقاضٍ مقيم بمدينة كادوقلي ، وقد فرحت بها ، وشرعت في تسليم ما بعهدتي من قضايا جنائية ودعاوى مدنية للقاضي المُقيم بالأُبيض ، وبأسرع ما يكون أنطلقت نحو كادوقلي ، وكأن هنالك مغنطيساً ضخماً يجذبني ، ويشدني ، وبقوة إلى عاصمة جبال النوبة ، وكأني مساقٌ إلى قدري ، وقدري مساقٌ إلى سوقاً.
وبعباراته المختصرة ، والسريعة ، عرفني السائق الذي كنت أركب معه وبجانبه ، وإسمه حمودي ، بمدينة الدلنج ، وهي مسقط رأسه ، كما أنه من قبيلة نوبة الجبال " النيمنج " وحاضرتهم هذه المدينة أو القرية الكبيرة ؛ التربة طينية رملية ..حيثُ فارقنا التربة الرملية الذهبية لعروس الرمال ، وماحولها. والمنطقة زراعية ، تحفها وديان وخيران.. وبالقرب منها يقع مشروع هبيلا الزراعي و منطقة سلارا وكلارا.. جبل أبوزمام..ميدان المصارعة... السينما ... محالج القطن ...الرديف والملكية ..حي المك..المرافيت .. قعر الحجر .. السوق والقشلاق..الخ :
- ويا مولانا لازم تجي تحضر سِبر الِنيِتلْ بعد كم أسبوع . كانت هذه دعوة منه لحضور أضخم مهرجان للحصاد وللمصارعة في السودان ، ويقام في مثل هذه الأيام من كل عام بمنطقة النيتل شرق الدلنج. و حتما ساحضر يا سيد حمودي فأنا مولعٌ بمثل هذه الطقوس و الكجور والأسبار ورقصات الكمبلا.
- ويا مولانا هل حصل أعدمت زول ؟ هذا السؤال تحديداً لدي إجابة جاهزةٌ له إذ أنه مطابق لسؤال جدي ما أن يشاهدني في إجازاتي السنوية بقريتي الصغيرة باقصى الشمال حتى يفاجأني بسؤال كل عام : " ها أجنا أعدمت كم زول ؟".. وساجيب إجابتي المعهودة لجدي :
- ولا واحد ..ما هو أصلاً القانون ما بخليك تعدم زول إلا بعد خبرة عشرين سنة.
كيف يمكنني أن أشرح لهما أن هنالك محاكم كبرى تُشكل من ثلاثة قضاة تنظر في القضايا التي تكون عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد ، ويسبقها تحقيقاتٍ قضائية غير إيجازية لتوجيه التهم عند ثبوت بينةٍ مبدئيةٍ تبرر ذلك ، ويسبقُ هذه التحقيقات القضائية غير الإيجازية إجراءات التحقيق والتحري الجنائي الذي تتولاه الشرطة تحت إشراف ورقابة قاضي الجنايات المختص ، ثم أخيراً هنالك المحكمة العليا التي تُراجع وتفحصُ وتدققُ في كل هذه الإجراءات القضائية والقانونية ، وعموماً فقد إستحسن تماماً إجابتي ، ومثل جدي عقب بقوله : أحسن.
وكنا قد تركنا خلفنا المدينة الصغيرة التي أحببت ُ الدلنج ، وأنطلقنا مخترقين منطقة السافنا الغنية، والخضرة تكسو الجبال المحيطة بالطريق من جميع الإتجاهات ، والطريق يضيقُ ثم يتسع ليضيق مرة أخرى ، ويصبحٌ أكثر وعورةً كلما توغلنا أكثر، وبصنا النيساني الميراوي الهمام يرتفع ويهبط ، ويتلوى ويئنُ ، وإلى أن وصلنا لمركز شرطة الكُرقُلْ المدخل الوحيد لمدينة كادوقلي ، وبوابة العبور الوحيدة إلى قلب كادوقلي من ناحية الشمال. وما أنْ عبرنا هذه النقطة حتى لاحت لنا المدينة ودخلناها من ناحية القصر الأبيض ثم مقر محافظة جنوب كردفان وذلك من خلال نفقٍ أخضر محاط بالأشجار الضخمة المورقة ، وتفوح منه رائحة اللافندر المنعشة للروح ، وإلى أن وصلنا السوق الكبير حيث موقف باصات الركاب واللواري السفرية وعندها توقف البص السفري.
أول إنطباعٍ لي ، ولأول وهلة ٍ ؛ وكأننا قد وصلنا إلى مدينة أسبرطة الحربية (ٍSparta) بسبب المظاهر العسكرية المسلحة ، والجنود بكامل زيهم العسكري وسلاحهم يتجولون في سوق المدينة ، و العم" توتو كورو " في كامل أناقته الجسدية وهو عارٍ تماماً كما ولدته أمه ، ولايثير إنتباه أحدٌ ، ونزلت ثم إستلمت حقيبتي الصغيرة وكرتونة كتبي ومسجل وشرايط كاسيت ( عثمان حسين ، وردي) ، وودعت الأخ حمودي بوعدٍ مني أن أعود معه في رحلة العودة إلى مدينة الأُبيض بعد إنتهاء مأموريتي ، وذلك لأنني لا أحبذ السفر بسيارات القضائية الرسمية ، و المملة ، وأستغل مثل هذه الفرص للتحرر من قيود وتقاليد المهنة التي كثيراً ما تكاد تخنقني ؛ ثم غادرت راجلاً نحو مباني محكمة المديرية ومحكمة القاضي المقيم والقريبة من السوق الكبير، وقد إنتابني إحساسٌ طاغٍ بأنني مراقبٌ ، ولم يخب هذا الإحساس.
إنصرفت إلى عملي الذي كلفت به ، وبدأت بترقيات وعلاوات وبدلات الموظفين التي كانت مجمدة لمدة طويلة ، ودبت الحياة في المحكمة ، وأصبحت قلعة لكل مضيوم. وبمرور الزمن أصبحت المدينة أليفة لدي ، كما أصبحت مألوفاً لأهلها ، وأطمان الجميع إلى أنني لست طرفا في نزاعاتهم وصراعاتهم ؛ وما كان يزعجني حقاً ، ويزعج الجميع ، هو الحرب الأهلية الحامية الوطيس التي كانت تدور في جنوب السودان وقتئذٍ ، وسقوط العشرات من الحاميات العسكرية ، وبدأ الجنود ينزحون بالالاف نحو كادوقلي وأقرب منطقة لجنوب السودان ، وقد بدأت عليهم مظاهر الجوع والمرض وهم يلبسون أثمالاً باليةً..وكيف يمكن لحكومة أن تُزج بجيشها الوطني في أتون معارك عسكرية طاحنة وبدون تموين وعدة وسلاح وعتاد حربي..وفي ذات الوقت ترفض السلام ؟ فإما أن تجنح للحرب وتستعد لها وإما أن تجنح للسلم وتحقن دماء الملايين من ضحايا الحرب الأهلية عبر التسويات السياسية ؛ أمران لا ثالث بينهما ، ولكن حكومتنا السنية المركزية في الخرطوم كان لها رأيا ثالثاً ، وغريباً : إذ قامت بتسليح القبائل العربية الموجودة في المنطقة ، عرب الحوازمة والمسيرية الزُرق و الحُمر والرزيقات في مواجهة الدينكا باعتبارهم عماد التمرد والحركة الشعبية ، ووصفت تلك الحكومة مشروع الدمار الشامل هذا بالحزام العربي من أم دافوق بدارفور وحتى الكرمك بالنيل ألأزرق– قوات المراحيل ؛ ويالها من عنصرية ومؤسسيَة وبغيضة ! وقد أثار تسليح القبائل العربية هذا ذعر أبناء نوبة الجبال ، وحدثت عدة مذابح قام بها مسلحون من قبيلة الحوازمة ، وأكثرها ترويعاً تلك التي حدثت في قريتي " فاما" و " كاتشا".
أما ثالثة الأثافي فقد تمثلت في وجود قوات الأنانيا 2- تو ( القوات الصديقة للقوات المسلحة السودانية والمكونة من أبناء قبيلة النوير) داخل مدينة كادوقلي بقيادة الفريق/ كونق كونق بول ، وهي اصلاً قوات متفلته ، ولا يحكمها قانون أو أعراف أو تقاليد عسكرية ، وقد حدث أن طلب مني قائدها تطبيق قانون القوات المسلحة / المنشور القضائي رقم (19) على أفرادها المتفلتين ومثيري المشاكل ؛ وكان ردي عليه ، وبحسم :
- أنت قوات بتاعك دا مافي قانون بيحكمه وأنا ما بطبق قانون الديش السوداني عليهو ..أنت شيال قوات بتاعك دا وأطلع بره كادوقلي. وقد كان.
ومن ملاحظاتي ، ومن خلال تجربتي إستنتجتُ أيامها أن كل هذه الصراعات و النزاعات و الحروب المدمرة تدور حول موضوع واحد : " الهوية المفقودة " أو " الهوية المتوهمة " أو " الهوية المستوردة " ، وهنالك مشكلة ما حول موضوع " الهوية " ، والجميع يحملون مصابيح " ديوجين " ويبحثون عنها في رابعة النهار ؛ ويا أيها السوداني الحزين .. لا حاجة بك لأن تقطع الصحارى والفيافي و القفار والبحور، و الغابات والأحراش ، بحثاً عن هويتك المفقودة ، والمتوهمة في العقل الجمعي وفقط ما عليك سوى أن تحفر باطن الأرض التي ولدت على ظهرها ، وتمشي عليها ، وتعيش فيها ، وتأكل من غلتها ، وستدفن في باطنها ، وحتما ستجد هويتك وجذورك المفقودة مدفونة هنالك في الأعماق ، طبقة وراء طبقة ، وممتدة لنحو سبع الف سنةٍ ، وهي عمر الدنيا.
كلما أشرقت الشمس على مدينة كادوقلي ، أيامها ، إزداد يقين السكان وكل مسؤولٍ فيها بأن هنالك كارثة ما آتية لا ريب فيها ؛ زلزال ، أو بركان ، أو الإجتياح العسكري للمدينة..الجو العام للمدينة يسوده القلق ، والخوف ، و الترقب لما هو آتٍ. وفي صباح يوم من تلك الأيام العصيبة حضر ضابطان من الإستخبارات العسكرية للمحكمة وأبلغاني بأن الإستخبارات العسكرية بكادوقلي قد إكتشفت تنظيماً سرياً من أبناء نوبة كادوقلي ، ويهدف للقيام بتفجيرات وبإغتيالات للعناصر الشمالية التي تعمل بالمدينة ، وتحديداً ، محافظ المديرية ، وقاضي المديرية ، وشخصي الضعيف ! وأن هذا التنظيم السري مكون من فلان وفلان وإسمه.. " نحنُ كادوقلي "..وكان ردي ، وبهدوء :
- عموماً أنا كلام شفاهي ساكت ما باخد به..انتو لوعاوزين إجراءات قانونية رسمية اكتبوا كل ما ذكرتم من إتهامات في خطاب رسمي موجه للقاضي المقيم وأنا بفتح بلاغ جنائي ..الإشراف على التحقيقات و التحريات ستتم بواسطة الشرطة.. وتحت إشرافي ورقابتي.. أوامر القبض و التفتيش وإخلاء السبيل سُيوقع عليها القاضي المقيم..كل الإجراءات يجب أن تتم وفقا للقانون..
- وأما فيما يخص خطة إغتيالي .. شخصياً أنا حقي عافي منه. ولم تنطل علي الخدعة والكذبة البلقاء. وحدث تماماُ ما وجهت به وتم فتح البلاغ الجنائي الأشهر في تاريخ مدينة كادوقلي " بلاغ نحنُ كادوقلي". ومضت ثلاثون يوماً وعدد أوامر القبض و المتهمين في إزدياد ولم تقدم أية بينةٍ تفيد بطريق مباشر أو غيرمباشر بأن أياً من المتهمين قد شرع في شن الحرب ضد الدولة أو ..أو .. أو حتى التحريض على ذلك ، ولا حتى أن مانسب إليهم يرقى لدرجة الأعمال التحضيرية لإرتكاب جريمةٍ ما ؛ لا سلاح ولا منشورات ولامعروضات ، وكل ما حدث أن بعضاً منهم كان يفكر بصوتٍ عالٍ تحت أحد أعمدة إضاءة مدينة كادوقلي؛ ومتى كان التفكير جريمة ؟؟
وفي يومٍ ما ، حدث ما كنت أخشاه تماماً ، الكارثة ، إذ نما لعلمي أن متهمي بلاغ " نحن كادوقلي " قد تم نقلهم لحامية كادوقلي العسكرية ، وهرعت نحو الحامية ، مفزوعاً ، وبدون تفكير ، وجدت نفسي داخل حامية مدينة كادوقلي العسكرية : هاهو شبح الموت بدأ يُحلق ويحوم حول " الدروة " وما أدراك ما الدَروة .. هل تعرفون ما الدَروة ؟ حسنا إنها حائط مستطيلٌ من الأسمنت المسلح/ الخرساني إرتفاعه حوالي أربعة أمتارٍ وعرضه حوالي عشرة أمتارٍ. وهل تعرفون ما هي مهام هذا الحائط الأسمنتي المسلح : الإعدام.
هنا حيث تزهقُ الأرواح البريئة ..هنا حيثُ ُينتزع الحق في الحياة خارج نطاق القضاء والقانون ! وحشٌ خرافي متشحٌ بالسواد القذر ، ويكشر عن أنيابه ، وغطى بصدره مباني حامية كادوقلي العسكرية ، مثل سحابةٍ سوداء ، ويُقطر منها دم أحمرٌ قاني. وهاهي الأرواح البريئة ، والهائمة ، وقد بلغت الحلقوم ، بعد أن أيقنت أن لا مفر من هذا الوحش الخرافي ، ولا نجاة. فأين المفر ؟ وإستسلمت تماما لقدرها في أن ترحل ، الأرواحُ ، وكانت غاية الأماني الأخيرة ، ولكل روحٍ ؛ رحمتك يا أبا ساطور ..هب لنا بضع لحظات إنتظارٍ يا أبا ساطور .. قف تمهل يأ أبا ساطور ؛ في أن ترحل بدون تعذيب ، وبدون ألم... وبدون صراخ أو عويل ، أوليس في مثل هذا الموقف تُختبرُ عزائم الرجال؟ بلى. وسُتغني لهم غداً الحكامات ، ويستدعى أرواحهم الكجور .أسرعت وخاطبت الضابط ، قائد حامية كادوقلي ، أبو ساطور، هؤلاء المتهمين مسؤوليتي ..أنا الوحيد المسؤول عنهم أمام الله وأمام ضميري وأمام القانون .. هنالك بلاغ جنائي مفتوح ضدهم ، وأنا الذي أشرف عليه ، وليست لديك سلطة عليهم ، ورد بصلف وغرور :
- يا مولانا بلاغات شنو ؟ العبيد ديل متمردين ..متمردين.. وحنفسحهم ( نقتلهم) ! وكان ردي سريعا وغاضباً :
- عبيد ! أنا ايضاً عبدٌ....تعال فسحني معاهم !
- يامولانا دا كلام شنو !
- وأشار لىشعر رأسه بأصابع يده اليُمنى ، بخبثٍ وخسةٍ ودناءةٍ ، وبما يفيد بأن شعر رأسي ليس مفلفلاً (قُرقٌدْ) ومعناه بأنني لست بعبدٍ – إذن هذا هو المعيار هنا ؛ فعلقتُ بدون تردد ، وبصوتٍ عالٍ :
- نعم عبدٌ حبشي وله زبيبة في رأسه كمان..عجبك ولا ما عجبك ! هل فهمها ؟ لا أظن !
ساد المكان صمتٌ رهيب ، العيون تُحملق نحوي ، وفي ذهول ، وفي رجاء ، وأمل. وحالات تبول لاإراديٍ ، وإنهيارات عصبية ، ورائحةُ عفونةٍ تملأُُ المكانْ. وترًاخت يدا الضابط ، وتعرًقت يداه ، ما الذي حدث لأبي ساطور؟ فقد تجمد في مكانه ! عيونٌ كأنها جمرٌ أحمر ، وأكثر من أربعمائة جمرةٍ حمراء ، وفي إتساع الفنجان. تحدقُ فيَ..وفي الأمل والرجاء ، وفي آخر ثانية . وهنا توقف الزمان. كفت الأرض عن الدوران حول نفسها ، وحول الشمس ، وهاهي و قد أصبحت ثابتهٌ تماماً تحت قدمي ، وزمجر الوحش الخرافي ، ويريد أن ينهي مهمته ، فليس لديه وقتٌ للإنتظار ، ولا لهذا الجدل العقيم. وحدث ما لم يكن في حسبان أحد ، ولا في حسباني ، أو حساباتي ، ولست أدري كيف حدث ذلك ، وأنا أعزل وسلاحي قلم حبر بيق أزرق ، والمهم حدث ما حدث :
- في لمحة البصر أسرعت نحو صنبور المياه/الحنفية النحاسية التي تبعد مني حوالي ثلاث خطوات ، حنفيةٌ ضخمة ، ومتسخة ، وبها أثار دماء ، وتحتها حوض للمياه مربع الشكل بحوالي متر في متر وبإرتفاع نصف مترٍ؛ وقمتُ بفتحها بقوة ، وتدفقت المياه مع صوت شخيرٍ ؛ ثم غسلت يدي جيداً ، وقفزت فوق الحوض بحيث أصبح المشهد أمامي مكشوفاً تماما ..الدروة وامامها الصف الطويل ..هنا أكون أو لا أكون .. فرقة الإعدامات متأهبة ٌ ..الجلادون بالبنادق الآلية سريعة الطلقات ، والأصابع جاهزة للضغط على الزناد ..وفي بداية صف الموت ، وفي مواجهة الدروة تماماً، وقف المتهمون : تلفون كوكو ، كافي تيه ، كوكو طيارة ، أبو جلحة ، صندوق الماشا جلامي ، كودي ، تيه ، دانيال ، كوكو ، و...و... الخ.. وفي نهاية صف الموت كان يقف ولا يقف المتهم هارون إدريس كافي - نائب دائرة كادوقلي الغربية والرُحلْ بالبرلمان- الديمقراطية الثالثة..بعد أن غسلت يدي جيداً ؛ صحت بأعلى ما لدي من صوت ، وكأني في يوم القيامة و أمام الله ، وخُيل لي بأن بي صممٌ ، وأريدُ أنْ اسمع صوتي مباشرة للمولى عزً وجلً :
- لقد غسلتُ يديً تماماً من دماء هؤلاء الأبرياء .. أنا بريءٌ من دمكم أيها الناس ! ..ساذهب إلى مكتب وقاية النباتات التابع لوزارة الزراعة وأرسل من جهاز اللاسلكي التابع للوقاية برقية عاجلة لرئيس القضاء ولقائد الجيش السوداني.. بأن المتهمين في البلاغ الجنائي الموصوف ببلاغ " منظمة نحن كادوقلي " رقم .. تحت المواد ...لسنة 1988..وقيد التحقيق والتحري..قف.. وجدت الآن الضابط فلان والملقب بأبي ساطور ، في حامية الجيش بكادوقلي وقد قيدهم بالسلاسل وأخذهم للدروة لتصفيتهم / ليفسحهم/ لقتلهم...قف.. يداي بريئتان..ذمتي بريئة من دماء هؤلاء الناس ..مائتان و أكثر من الأرواح..الأنفسُ البريئة .. بريءٌ أنا من دماء هؤلاء الأبرياء..قف .. نُحمًل الضابط فلان ، والملقب بأبي ساطور ، بحامية كادوقلي المسؤولية كاملة عن أرواحهم..قف.. تحركوا عأجلاً لإنقاذ أرواح هؤلاء الأبرياء....قف.. القاضي المقيم بكادوقلي.
وأسرعت نحو لاندروفر المحكمة وكان خلفي تماماً ، وانطلقت به خارجاً من الحامية نحو مباني وقاية النباتات ، والمسافة ما بين حامية كادوقلي ومبانى الوقاية لا تتعدى العشرُ دقائق كنت قد قطعتها في عشر ثوانٍ ، أو هكذا خُيل لي. وما أن أوقفت اللاندروفر وانطلقت نحو بوابة مبنى الوقاية حتى لحقت بي ثلاث سيارات لاندروفر تابعة للجيش ق.ش.م. ، لحامية كادوقلي ، وخرج من الأولى أبو ساطور ، وصاح بصوت مبحوح :
- سعادتك نحن الناس دي خلاص خليناهم...وما في داعي لإرسال برقية !!
- أحضروهم الآن الى المحكمة..سلموهم لي داخل قاعة محكمة القاضي المقيم بكادوقلي.كان هذا ردي. وقد كان ؛ حيث قمت بفتح أبواب المحكمة حوالى الساعة الخامسة مساءً ، وتقاطر الموظفون والشرطة ، و عشرات المئات من أهل كادوقلي نحو المحكمة ، وأُحضر المتهمين من حامية الجيش إلى قاعة المحكمة ، وتأكدت تماما من إحضارهم جميعا ...ثم بدأت في تلاوة قرارتي القضائية امام كل متهم منفرداً بأن لا بينات أو أدلة مبدئية قد قدمت في مواجهته في ما يخص الإتهامات الموجه له ، وذلك بعد أن إنقضت ستون يوماً من التحريات والتحقيقات ، وبإشرافي ورقابتي ؛ وقد قررت انا قاضي الدرجة الأولى والقاضي المقيم بكادقلي ، والمشرف على التحريات و التحقيقات الجنائية ، وبناءً عليه شطب الإتهامات في مواجهته وإطلاق سراحه فوراً ونهائياً ، وهكذا الواحد تلو الاخر..وكان آخرهم السيد / هارون إدريس كافي. ونطقت بآخر عبارتي والجميع في حالة صدمة وذهول : من أراد أن يستانف هذه القرارات فدونه محكمة المديرية في المبنى المجاور لي. ولم يسانف أحدٌ – و المقصود الشاكيين في البلاغ.
وصلتُ إلى منزل القاضي المقيم بحي الموظفين الغربي حوالي العاشرة مساء ، وما أن جلست في أقرب كرسي مسترخياً حتى سمعتُ أصوات رقصات الكمبلا... كشكٌ...كشكٌ...كشكٌ..أمام باب المنزل تماماً.. ليست رقصة واحدة ، ولا بضعة راقصين ؛ كشكٌ...كشكٌ ...كشكٌ ؛ بل المئات من راقصي الكمبلا حول منزلي.. وشاهدتُ منظراً لم يشاهده إنسٌ ولا جنٌ من قبلي ، ولن يشاهده إنسٌ أو جنٌ من بعدي ، ومن حيث لا حيث ، ومن بعد لا بعد ؛ تم إشعال الملايين من أعواد قصب الذرة اليابسة في جميع أحياء كادوقلي : حجر النار ، حجر المك ، حجر بليلة ، قعر الحجر ، كليمو ، كُلبا ، الجكو ، الفقرا ، مرتا ، الرديف ، الملكية ، السرف ، تلو ، وحي السوق الخ...وبدت المدينة التي تحيط بها سلسة من الجبال ، وأبرزها جبل إسمه كادوقلي ، ومنزلي في مركز هذه الدائرة ، كما لوكانت كُرةً بلوريةً متوهجةً تحفها الأغاني والأهازيج ورقصات الكمبلا كشكٌ...كشكٌ ...كشكٌ و رقصات وأغاني إبره ودر.. رقصت جميع قبائل نوبة الجبال ، ولكل قبيلة بكجورها ، ومع صيحات الكجور ، وكما لم ترقصُ من قبل : نوبة هيبان ، فاما ، كاتشا ، كاشا ، شفر ، تيرا ، كاركو ، كنجورية ، كرتالا ، فندا ، ليري ، و ميري ، ألخ...المدينة كلها إنغمست في حفل صاخب ، وراقص ، ومضاءٌ بآلاف الثريات ، والأنجم ، والمنبعثة من وهج أعواد القصب المشتعلة في الجباريك.. فإذا بها تدور.. وتدور ؛ كشكٌ...كشكٌ ...كشكٌ ، و في غمرة نشوتها وفرحها تنطلق وبجبالها الراسيات ، وتنفك من إسارها المغروس ومن سلاسل قيودها في باطن الأرض وتدور ..وتدور وتنطلق نحو السماء ، نحو الفضاء اللانهائي ، الكون ، وكأنها كوكبٌ دريٌ ، وكجورها يصيحُ مبتسما ً:
نحنُ كادوقلي ؛ فمن أنتم ؟
مجدي إبراهيم محجوب – قاضٍ سابق.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.