جهاز المخابرات العامة يدفع بجهود لجنة نقل الرفاة للمقابر    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    شاهد بالفيديو.. سيدة سودانية تشكو في بث مباشر: زوجي يخونني ويقيم علاقة غير شرعية مع زوجة إبن عمه التي حملت منه وهكذا جاءت ردة فعلي!!    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إضاءات حول كتاب السفير د.عطا الله"ذكريات وتجارب دبلوماسية" .. بقلم: السفير عبدالله عمر
نشر في سودانيل يوم 30 - 08 - 2017

** كتاب تميز بذخيرة من التجارب والمعلومات والمعارف متكأ على سرد السيرة الشخصية.
** إستغراق الكتاب في تفصيل فترة ما أطلق عليه (الدبلوماسية الرسالية) قد ينحرف بالإهتمام عن الإستفادة من تلك الذخيرة.
رفد السفير عطا الله بشير المكتبة السودانية مؤخرا بسفره المعنون "ذكريات وتجارب دبلوماسية" والذي جاء كواحد من التجارب المتميزة في فن الكتابة بالإتكاءة على السيرة الذاتية لعكس التجربة العملية في مضامين معرفية وتثقيفية تتعدى بفائدتها أهل التخصص المهني إلى من هو أكاديمي أو من هوممارس للسياسة بل إلى المعرفة التثقفية العامة للقاريء العادي.
وقد جاءت تلك التجارب معكوسة بمضامينها ودلالاتها في صياغة من اللغة بدقة كلماتها وتعابيرها بقوالب راقية وموحية ومشحونة بعاطفة، دون أن تنحرف بالمعاني عن مقاصدها.
ولعل مجال الكتابة الصحفية لا يتسع لتناول ذلك الكم الهائل من تجربة ومعلومة وتحليل ورؤية التي ذخر بها الكتاب. فربما أدى ذلك إلى تشويهها بالإختصار.إضافة إلى ان محاولتي شخصيا لإحتواء ما هو إيجابي بالكلمات ربما أخشى أن تكون شهادتي معها مجروحة؛لما يربطني بأستاذي السفير عطاالله من ود وتقدير،مردهما أولا إلى ما تبثه شخصيته بإنسانيتها وقوتها المعرفية من أثر في كل من تجمعه به دروب الحياة، ثم تلك الوشيجة التي تكاد أن ترقى للقرابة بإنتسابنا إلى (عمودية أوربي) بالمديرية الشمالية.
ولقد تكشفت لي من خلال حديث الأخ عطا الله عن بلدته (ملواد) بذاك المخزون الهائل من المعرفة والتجربة وبزخم من العاطفة،فأبانت لي عن دلالات حياتية شكلت شخصياتنا لم أكن منتبها لها،ربما بحكم العادة.
وسأختصر في هذا المقام على ملاحظات وتعليق على بعض جوانب أرى أنها ربما أدت لبعض إنقاص لمادة الكتاب من حيث مقصده لتوصيل ما هو مفيد من معلومات ومعرفة وتحليل إيجابي.
ربما كان ذلك عاملا في الإنحراف بتركيزالقاريء السوداني ومن ثم الإنشغال بذلك الجانب المثير للجدل..خاصة إذا ما كان ذلك الجدل حول ما صار معروفا بالضرورة للكافة مهما كان إختلاف وجهات النظر وقوة حجة كل طرف.إذ أن تلبس إختلاف وجهات النظر بين الأفراد والجماعات بما هو سياسي قد أحال هذا الجانب من الخلاف إلى شكل من أشكال ذلك الجدال الذي يكون بين مشجعي فرق كرة القدم مع تمترس كل طرف بوجهة نظره.
فربما أدى إيراد هذا الجانب الذي أطلق عليه مصطلح (الدبلوماسية الرسالية) بذلك التركيز والتفصيل وبتضمين قوائم من أسماء الأشخاص،ربما أدى لأن يتحول الإهتمام وينحصر بمادة الكتاب ومضمونه إلى إعجاب وتشجيع من طرف معبرا عنه "بالتصفيق" وإستهجان وغضب من طرف آخر "بالصفافير"، تماما كما في ميادين كرة القدم التي ربما لا يستحببها السفير عطالله،حسب قوله.
وربما أدى ذلك التركيز على ذلك الجانب مما أطلق عليه "الدبلوماسية الرسالية" إلى إنطباع وكأنما كان الغرض من ذلك التضمين هو الترويج للكتاب بإدراج موضوع هكذا هو مثار جدل.وبالطبع فإني أرباء بالسيد السفير أن يكون شيئا من ذلك قد خطر بذهنه.ولكن ربما يكون مرد ذلك نتيجة غير مباشرة إلى تنازعه بين رأيين أوردهما في معرض "االشكر والعرفان" في مقدمة الكتاب متمثلا في: (نصيحة زميلة سفيرة وإصرارها بإبقاء بعض أجزاء الكتاب كما هو خلافا لما نصح بعض الإخوة بحذفها أو إختصارها).
وبالرجوع إلى ما تناوله الكتاب في شأن ما أطلق عليه (الدبلوماسية الرسالية) نورد الملاخظات الآتية:
- لقد دمج الكتاب وربط بين أمرين ،تمثلا في (التطهير والفصل التعسفي) وفي (تمكين الكوادر الإنقاذية).وهما أمران ربما لا يتطابقان بالضرورة من حيث الدوافع والغايات المستهدفة.وذلك بالطبع بغض النظر عن مدى رشدية وجدوى ودواعي وضرورة أي من الإجراءين،والتي ربما تختلف مقايستها في منطق السياسة عن ذلك المنطق المتعلق بشئون أخرى في الحياة.
وربما كان أكثر فائدة لو أن الكتاب قد تناول ظاهرة (التطهير والفصل التعسفي) بالرصد والتحليل بردها تاريخيا إلى النهج السياسي الذي ساد منذ ثورة أكتوبر وأوائل أيام إنقلاب مايو ثم فترتها مرورا بالإنتفاضة وصولا للإنقاذ.كل ذلك متمثلا في ما أرسته وإنتهجته القوى السياسية السودانية،بحجة إزاحة سدنة النظام السابق،بل بعضا من مؤسسات الدولة،ومن ثم تمكين كوادرها بحجة تنفيذ برامجها بفاعلية.
كما أن التناول كان سيكون أكثر فائدة لو أنه تجاوز مجرد نقد ما جرى من تطهير عقب (الإنقاذ) إلى رصد الملابسات التي أدت لأن يأتي ذلك التطهير بتلك الصيغة التي أطلق عليها الكتاب مصطلح "المذبحة".ولعل أوجه من تلك الملابسات قد تمثلت فيما كانت قد آلت إليه الممارسة والتنافس النقابي بين يدي (الإنقاذ).كذلك قد يتحدث البعض عن ما قد يكون شاب وخالط تنفيذ ذلك الإجراء من تصفية حسابات،قد يكون بعض منها فرديا.سعت (الإنقاذ) لإستدراكه لاحقا بإرجاع بعض السفراء والدبلوماسين الذين كانوا ضحايا كذلك سلوك.
- أما في شأن إرفاد (الإنقاذ) لوزارة الخارجية بكوادرها: فلو أننا تجاوزنا مؤقتا الجدال حول مدى كفاءة تلك الكوادر،وتناولنا الإجراء من وجهة مدى حق أيما نظام حاكم،دعك من نظام بتوجهات كما كانت (للإنقاذ)،في الإستعانة ة بكوادره بحسب تقديره لمدى حاجته لتنفيذ إستراتيجيته وبرامجه،وذلك بالطبع دون الدخول في جدال حول أحقية الإنقاذ في أخذ الحكم إبتداء.
فلو نظرنا بتجرد لهذا الجانب من الحجية،لما رأينا ثمة غرابة أو إستنكار.فهو ليس بالأمر المبتدع؛فمعروف مثلا أن من حق الرئيس الأمريكي دستوريا إستبدال ومن ثم تعيين كل أو بعض السفراء الممثلين للدولة في الخارج،دونما إلزام بأن يكون الإختبار من داخل وزارة الخارجية ،وذلك بحسب تقديره لما هو مطلوب لتحقيق تنفيذ البرنامج الإنتخابي للرئيس الجديد.
- لئن كان الكتاب قد إنتقد ما ظنه الكاتب من طريقة تمت بها إختيار (الإنقاذ) للدبلوماسيين الذين رفدت بهم الخارجية،ولئن كان ذلك النقد قد تركز حول أن ذلك إتسم بعشوائية وإعتمادا على مدى نفوذية وقرب المختارين للتعيين من قبل القيادة الحزبية. فقد كان ممكنا أن بتم التناول لهذا الجانب بنظرة تحليلية أعمق،خاصة من قبل شخصية كالسفير عطالله،الذي ربما كان قد وقف على بعض ملامح ألية الإختيار،بقياس ذلك على الأقل بما حكاه هو نفسه عن إستشاراته في رأيه فيمن هو أنسب لمنصب وزير الخارجية.
- بغض النظرعن مدى ضرورة ذلك الجهد الذي بذله الكتاب في إيراد قوائم بأسماء من أطلق عليهم "سفراء الإنقاذ الرساليين المعينين سياسيا"،ربما نشير إلى بعض الملاحظات كرياضة ذهنية ليس إلا؛فالسفير عطالله هو أعلم بتقديره في إيرادها بذلك النسق:
ما أورده الكتاب في صفحة 191 بقوله: "تجاوز عدد أفواج الذين عينتهم الإنقاذ حتى العام 2013 المائة سفير" هو قول ربما فيه شيء من عدم الدقة. فالقائمة المرفقة بتفصيل هؤلاء في صفحتي(294-295) قد ضمت عدد 37 من الدبلوماسين الذين ترقوا لاحقا لسفراء بعد تعيينهم في درجات مختلفة وفقا لسنوات تخرجهم من الجامعة.
جاءت القائمة أعلاه متضمنة في أغلبها أسماء شخصيات عامة غير ذات صلة مباشرة بالممارسة السياسية وأخرى ذات توجهات حزبية وسياسية ليست بذات صلة بتوجهات (الإنقاذ)..وقد جاء ذلك بالطبع ضمن سياسات النظام الحاكم الجديد وتقديراته السياسية الداخلية وما يراه مناسيا لتحقيق سياسته الخارجية برموز وطنية يراها أقدر في التواصل مع دول بعينها.. أنظر إلى أسماء ضمتها القائمة من أمثال:بروفسير عبدالله أحمد عبدالله- د. حسن عابدين- هاشم السيد- التيجاني فضيل– إسماعيل الحاج موسى- العقيد متيانق- شول دينق –أقنيس لوكودو- ريتشارد دوشان– أندرو ماكور- أحمد عبدالحليم- مهدي مصطفى – عبدالله محمد أحمد – جلال علي لطفي-الفريق جوزيف لاقو -الفاتح عروة – نجيب الخير- علي سحلول- فايزة حسن طه- أيمن سلامة .وغيرهم ممن هم الأغلبية الغالبة في القائمة،ولم يكونوا من الكوادر الإنقاذية إبتداء .
لقد أشبع الكتاب ما أطلق عليه (الدبلوماسية الرسالية) نقدا وتجريحا وربما سخرية،إلى حد إيراد تعابير ومسميات من تنابذ الألقاب الذي كان متداولا بين القدامى والقادمين الجدد؛مما يخشى معه أن بكون قد ذهب ببعض وقار الكتاب وجديته وروح تقبل محتواه.
ولكن نجد أن الكاتب،بعد كل ذلك النقد الذي لم يترك للإنقاذ (جنبة ترقد عليها ) قد جاء وأورد في صفحة (200) قوله: "إن الأمانة والحقيقة تلزماني أن أستدرك بالقول إن التعميم والحكم بفشل وكارثية الدبلوماسية الرسالية قد يكون مجحفا في حق كثير من أولئك الدبلوماسين المعينين أو الرساليين؛فهنالك العشرات الذين يحملون مؤهلات علمية عالية ويجيدون اللغة الإنجليزية،كما هنالك الذين صقلوا إمكاناتهم وقدراتهم وتميزوا في أدائهم يل وتفوقوا حتى على نظرائهم القدامى وعلى رصفائهم الجدد"؟!
فلو جئنا نطبق هذا الحكم الذي أصدره الكاتب إبراء لذمته المهنية،(في حق كثير)، وما تبعه من مواصفات إيجابية تفوقية،على أولئك الأفراد من السفراء الذي تعينوا بصفتهم كوادر إنقاذية خالصة. فلنا أن نتسآل ترى من هم الذين لا تنطبق عليهم تلك الصفات الإيحابية التفوقية من أولئك ؟ هل هم (بهاء الدين حنفي أم مطرف صديق أم أنور الهادي أم عمر يس أم يا ترى قطبي المهدي أو ربما إبراهيم ميرغني أو علي محمد عثمان يس أم ربما اللواء صلاح كرار أم...أم ..)..ولو ذهبنا نطبق هذا المعيار على كل القائمة فسنجد أن كافة السفراء المذكورين سيحصلون أقلاه على درجة (ناجح ) بمعيار إمتحان الكفاءة هذا..(ويا دار ما دخلك شر).
أما إذا ما طبقنا هذا المعيار الذي وصف به الكاتب الكثير من المعينين بصفة عامة،لو ذهبنا نطبقه على الدبلوماسيين الذين عينوا في درجات ما دون السفير،فسنجد أن (القليل) الذي سيتبقى منهم، (على إفتراض أنهم لم يجتازوا ذلك المعيار)،لا يمثلون ظاهرة شاذة في مجال الأداء الوظيفي.وهو أمر سنجده قد إنطبق أيضا في أحيان كثيرة على دبلوماسيين في وزارة الخارجية على مدى عمرها.كما أورد مثال على ذلك السفير نفسه في صفحة(92) من الكتاب في سياق سرده زيارة لجنة التفتيش الإداري للكويت بقوله: "أن اللجنة وصلتني بالكويت بعد أن فعلت فعلتها في سفارتي أبوظبي وقطر بعقوبات جزائية ضد أحد السفراء وبعض الدبلوماسين).
فلئن كان ذلك القصور هو حال بعض أولئك القدامى ممن تم إختيارهم عبر إختبارات قاسية بحسب تعبير السيد السفير،فما بالنا بحال (القليل) من ذلك (الكثير) من الدبلوماسيين الإنقاذيين من دون درجة السفير، والذين ربما كان لهم عذر في بعض أوجه القصور بسبب الظروف الإستثنائية،وبأسباب موضوعية أورد منها الكاتب متمثلا في "عدم إتمام عملية التجسير بين القادمين الجدد والقدامى من الدبلوماسيين". فلعل القدامى (قد دسوا المحافير)،إضافة إلى توقف ذلك النعيم المجاني الذي كان يتمتع به الكادر الحكومي من حقوق الإبتعاث الأكاديمي والتدريب، وهو أمر قد نفد منبعه وانقطع مدده منذ ما قبل (الإنقاذ).
ولابد من الإشارة هنا إلى عامل كنت قد أشر إليه في مقابلة صحفية سابقة إجابة على سؤال حول أن (البعض يرى في الكادر الدبلوماسيي العامل تقصيرا عن القيام بدوره بالمستوى والدرجة المطلوبة؟ أقتبس منه هنا: "إن هكذا توصيف يعتبر في أغلبه الأعم إنطباعيا..فالكادر العامل بالخارجية السودانية اليوم مؤهل أكاديميا وبقدرات ذاتية عالية، سواء أن كان كادرا أستوعب عبر مداخل الخدمة الروتينية أو وفقا لما تراه القيادة السياسية لأي دولة في زمن او ظرف معين عاملا فاعلا لتحقيق ما تقدره وترمي إليه من أهداف... وربما هنالك عامل ظرفي، كان مؤثرا في سرعة عجلة بروز تلك القدرات إلى أعين المتعجلين..ويرجع ذلك الى ما إعترى السنوات العشرة منذ منتصف التسعينات من تباطؤ عجلة الترقيات في وزارة الخارجية، ما أغلق المسار الطبيعي أمام شباب الدبلوماسية للوصول الى الوظائف العليا، وبالتالي إكتساب الخبرة العملية تدريجيا وفي الوقت المناسب والمطلوب وفى وجود السفراء المخضرمين.. وحينما تمت معالجة ذاك الخلل في السلم الوظيفي، بخروج السفراء الذين كانوا قد تجاوزوا السن المعاشي ولكن بقوا سنوات إضافية سادين أفق التدرج الوظيفي، ربما وجد أولئك الشباب، الذين نالوا حقهم الوظيفي الطبيعي في تلك الدرجات العليا، أنفسهم مواجهين بمعالجة القضايا إعتمادا على ما لديهم من مؤهلات وكفاءة ذاتية ودرجة من التجربة العملية..ولقد نجح أغلب ذلك الكادر الشبابي في تجاوز تلك العقبة الظرفية في وقت قياسي."(إنتهى الإقتباس).
ولو أن الكتاب كان قد تابع نفس النهج بإيراد قائمة بتفصيل أسماء أولئك الدبلوماسيين من دون درجة السفير،ربما كنا قد تمكنا من أنصافهم بإخضاعهم للمعيار فردا فردا كما إنتهجنا مع قائمة السفراء الإنقاذين.وإن المرء ليتسآل إما كان هؤلاء وهم سودانيون شاءت الضرورة والظروف أن يشتهروا بإنتمائهم الأيديولجي،هل كان في الإمكان خلال الفترات التي سيطر فيها اليسار فعليا بطريقة مباشرة وغير مباشرة،أن يجدوا ثمة مجال للعمل إعتمادا على تخصصاتهم الأكاديمية وكفاءتهما النظرية على الأقل، في مجال كالخارجية؟!.وبالطبع فلسنا هنا في مجال تناول أثار آفة الإستقطاب الأيديولجي في السودان يسارا ويمينا وأثره السلبي على مجمل اإدارة العمل التنفيذي في السودان.
ولا أغادر هذه النقطة دونما إيراد ما قد يبدو للبعض وكانه مفارقة أو قل عقدة تحليلية تنظيرية، تتمثل في التسآول حول ما هو الموقع من تجربة (الدبلوماسية الرسالية) لأولئك الذين إنتسبوا للإنقاذ وحزبه لاحقا ومن قبل ذلك أولئك الذين أسهموا بالتنظير والتخطيط منذ مبتدأ مجيئها وأولئك الذين أضحوا من مجموعة (أصدقاء الإنقاذ)؟! وواضح بالطبع أن هكذا تسآول لا يأتي تعيبا أو إنتقاصا،إنما هو من باب الرياضة الذهنية ليس إلا.
لقد أورد الكتاب كما هائلا من النقد فيما رصده في الصفحات (190 إلى 198) تحت عنوان (هجمات الإحلال والتمكين).وأخشى أن يكون قد شاب الرصد والنقد بعض الخلل في مدى دقة الوقائع المذكورة وما تبع ذلك من تفسير. وإحدى أمثلة ذلك ما ورد عن (منح الانقاذ الصفة الدبلوماسية لكل منظماتها وتنظيماتها)! وأخشى أن يكون الراصد قد خلط بين الإمتيازات التي تمنح للمنظمات الطوعية(NGO) وبين تلك الدبلوماسية. وهو حق ظلت تتمتع به منظمات مثل (منظمة الدعوة الإسلامية)
و(الوكالة الإفريقية للإغاثة)،منذ ما قبل مجيء (الإنقاذ) في السودان،بل في بعض الدول الإفريقية.ربما لنا بالطبع أن ننتقد ما شهده هذا الجانب وصار إليه من إنتشار عدد مهول لهذه المنظمات اليوم بمردود سسلبي على الإقتصاد.ولكن توجيه الكتاب النقد لها بأنها قد منحت صفة دبلوماسية فهو ما كان مستغربا. وينطبق ذلك النوع من القصورأيضا على ما أورده الكتاب عن ما وصفه "بإستحداث الإنقاذ لممثلين للمؤتمر الوطني في بعض الدول يرفعون علم السودان". فهو أمر على غرابة ومدى صدقيته،ولكن هو بالطبع أمر تسأل عنه الدول التي سمحت بهكذا تمثيل وممارسة فوق أراضيها،وقد أشار الكتاب ضمنها إلى مصر!
ويمتد العجب إلى ما أورد الكتاب عن ما أسماه "إستشراء ظاهرة القنصليات الفخرية وتضاعف عددها بصورة جنونية بالسودان".بحسب تعبيره!.. وربما كانت تلك ثلمة في كتاب حاول التميز بالدقة والحصافة والرصانة في تعابيره ومعلوماته السياسية والدبلوماسية والمعرفية. إذ أنه مما هو معروف بين العامة من الناس أن القنصليات الفخرية إنما تنشئها الدولة الأجنبية المعنية بحسب رغبتها وتقديرها ولا تنشئها حكومة السودان. أما ما ورد عن "تسابق الشخصيات الإسلامية النافذة للفور بتلك القتصليات الفخرية،سعيا للإمتيازات والسيارات الدبلوماسية الفاخرة"،فأخشى أن يكون محض خيال شعبي سواء في جانب حقيقة عدد وإنتماء الذين تسابقوا وفازوا واستحوذوا على الغنيمة، أو في جانب ما سمي من إمتيازات.إذ أن كل ذلك أمر متاح إدراكه نوعيا من خلال منظور الممارسة والمراسم الدبلوماسية والوقوف عليه كميا من خلال المعلومة الإحصائية!.
ما ورد من أن "الكوادر الإنقاذية قد تمتعت بمعاملة تجاوزت قوانين الخدمة المدنية وذلك فيما يتعلق بسن التقاعد وفترة البقاء بالبعثات الخارجية".وتجاوزا لإختلاف وجهات النظر حول مدى سلبية أو إيجابية هكذا إجراء،فإن القول في أخر المطاف هو أن ذلك أمر متروك خاصة في حالة رؤساء البعثات لتقديرات القيادة العليا.وهذا الجانب أمر على محدوديته نرى أنه قد تمتع به فعليا عدد من كل من القدامى ومن القادمين الجدد،على حد سواء.
وبالنظر إلى الخبرة والدقة التي يمتاز بها السفير عطالله، فربما يكون مرد ذلك المستوى الذي جاءت به تلك المعلومات المرصودة أعلاه،توصيفا وتفسيرا، ربما قد جاءت نتيجة لملابسات متعلقة بنوعية جهد من يكون قد عمل مساعدا في تجميع هكذا معلومات للكتاب.وليس في ذلك ثمة مطعن.فديدن الذين يمارسون الكتابة في مثل هذا المجال،الذي تضمنه هذا الكتاب،هو أن يستعينوا بمساعدين من أهل القدرات في المجال المحدد..وهو ما صارمعروفا ومطلوبا ضمن أليات التأليف،ومثال على ذلك هنري كيسنجر ومحمد حسنين هيكل وغيرهم،بل نحن في السودان قد صرنا نستعين بأبنائنا وبناتنا في تجميع وربما تحليل المعلومات في مجال محدد،نبتغي تناوله بشمولية وتفصيل ودقة.
- لعل هنالك الكثير مما يمكن تناوله بالتشريح فيما أورده الكتاب في فصل ما أطلق عليه مصطلح (الدبلوماسية الرسالية)،ولكن ربما كان مجاله ساحات قلمية أو منبرية أخرى.
ولكن قبل أن نغادرساحة الحديث،لا بد من تعليق: وذلك حول ما ورد في الكتاب من تعليل ما تعرض له السودان من إستهداف من قبل الدول والمؤسسات الغربية وبالتالي الدولية ومقاطعة الدول العربية وردود الفعل السلبية من جانب الدول الإفريقية للسودان،بأن ذلك إنما كان بسبب تلك (الدبلوماسية الرسالية).
فذلك ربما لا يكون صحيحا بمقياس التحليل السياسي أو الدبلوماسي أو التنظيري البحت. إذ أن هكذا تفاعل ومن ثم توجه في العلاقات الدولية إنما يكون نتيجة لموقف الدول من طبيعة وتوجهات النظام المعين الحاكم في بلد أخر.
فقد تأسست المواقف الدولية والإقليمية حيال السودان بسبب وإعتمادا على ما رأته من توجهات (ثورة الإنقاذ) وإختياراتها السياسية فكريا وعمليا..وهو أمر،ومن دون الدخول في الجدال حول مدى رشده من عدمه،والذي هو شأن تقديري، ما كان يمكن تجنبه،بغض النظر عن نوعية الكادر الذي يتولى وزارة الخارجية،والذي كما أشار السفير عطالله إنما هو منفذ للتوجهات والسياسات العليا للدولة.
ولعل مصداق ذلك ما شهدته مواقف تلك الدول من تحول بدرجات مختلفة وفقا لما قامت به الإنقاذ،ولا زالت،من تحولات وتحورات وربما عمليات جراحية في سياساتها، حينما أختبرتها واقعا. وكذلك لما وجدته تلك الدول أو قدرته من مصلحة في التعامل مع (الإنقاذ) واقعا،بعد أن تطاول بها الزمن مكوثا وبقاء.
- ختاما أرجو ألا يكون ما أثاره الفصل المتعلق بالدبلوماسية الرسالية،وهو أمر ربما لا يكون الكاتب قد إستقصده،من تجادل بين فئات الدبلوماسيين نتيجة لما تركه من إعجاب تمتعي،متبوع بالتصفيق لدى طرف أو غضب متبوع بالصفافيرلدى آخر،أرجو ألا يكون ذلك سسببا في عدم قراءة بل دراسة وتدارس هذا الكتاب،تزودا بالمعارف التي تضمنته.وألا ينصرفوا عنه كسلا وإكتفاء بالتصفيق من قبل المعجبين أوالإعراض عنه وإسقاطه،غضبا وإستهجانا من قبل المصفرين.
- والله المستعان وهو من وراء القصد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.