فينغر يلمح إلى “جشع” سانشيز    بطريقة ذكية.. مصري أعاد آلاف الهواتف المسروقة لأصحابها    بعد استحواذها على مبلغ مالي كبير.. إيقاف موظفة عن العمل بإحدى الفضائيات!    ترامب يوقع قانون تمويل الحكومة الأميركية وينهي الإغلاق    نوع من البصل يساعد في محاربة مقاومة المضادات الحيوية    بالصورة .. هل هذا أغرب زفاف في العالم؟ لن تتخيل من هو العريس    بائعات الشاي يوضحن أسباب زيادة أسعارهن و(يعتذرن) للمواطنين!    سيف الدين الدسوقي: رحيل عن “الحرف الأخضر”    شاهد .. الفيديو الذي خدع الملايين .. «مصنوع بحرفية شديدة»    توقف التخليص بنسبة 90% ميناء بورتسودان.. المصائب لا تأتي فرادى    هذا ما يحدث لجسمك عند التوقف عن شرب القهوة!    كلمة يقولها أغلب المتحدثين أثناء نومهم    طرد رجل آلي من سوبرماركت.. والسبب؟    علماء الفلك: وزن الشمس يقل تدريجيا    إعادة ترشيح البشير .. البحث عن مخرج دستوري    التكنولوجيا .. هل تنهي “كوارث التحكيم” في المونديال؟    قصته تثير الدهشة.. سوداني يأكل ويشرب ويتونس مع القطط .. صور    مدير الشركة السودانية للمناطق والاسواق الحرة: المعرض احد آليات التواصل وتبادل المنافع مع الدول    مفاجأة كبرى .. بعد الحديث عن إستقالة غندور.. وزير الخارجية السوداني يمارس عمله كالمعتاد ويلتقي بالسفير الهندي    البشير يتسلم رسالة من الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي.. ماذا قال سفير الامارات عن علاقات بلاده بالسودان؟    البشير يشارك في قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا    إنذار 6 بنوك وفصل مصرفيين لمخالفتهم لوائح البنك المركزي    مساعد الرئيس: التحدي قائم ما دمنا نتمسك ب "عقيدتنا"    التجارة: نستهدف فتح أسواق جديدة في دول العالم كافة    الزكاة: تخصيص أموال 2017 للفقراء والمساكين    ضبط مصنع عشوائي لتكرير زيوت الطعام غير الصالحة للاستخدام الآدمي    منتخب المغرب يضمن صدارة مجموعته بتعادل سلبي أمام السودان    قائمة بأسماء بعض المعتقلين بمعتقلات وزنازين النظام من جراء حراك الغلاء وتردي الأوضاع المعيشية    عصابات الشباب والمسؤولية المشتركة .. بقلم: نورالدين مدني    اللجوء في دولة الكيان (22) .. بقلم: م. أبي عزالدين عوض    والي الخرطوم يضرب الشيوعيين ويريد محاورتهم !! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    تحديد موعد قرعة الدوري السوداني الممتاز    رونالدو يرفع سقف هوسه بشكله لمرحلة جديدة    (ثري بيلبوردز) يفوز بجوائز رابطة ممثلي السينما الأميركية    البرازيل تعلن حالة الطوارئ الصحية بسبب الحمى الصفراء    اليابان والفلبين تحذران مواطنيهما من طقس سيء    تركيا تدعو (الناتو) لدعم حملتها العسكرية في سوريا    قناة للتراث القومي السوداني قريباً    مساعدو الرئيس يؤكدون الالتزام بحماية بحقوق الإنسان    رحيل الشاعر الكبير سيف الدين الدسوقي    إن لم نتفق السودان باي باي .. بقلم: الطيب محمد جاده    إحذروا فتاوى فقهاء السلطان .. بقلم: اسماعيل عبد الله    القطار (5) .. بقلم: م/ عمر علي عثمان شريف    أنت سألت ونحن نجيب . بقلم: كمال الهِدي    إِيرَان: شِتَاءُ المَلالِي السَّاخِن! .. بقلم/ كمال الجزولي    إنهاء حصار فندق بكابول بعد هجوم مسلح    بصل فارسي يحارب مقاومة المضادات الحيوية    بل يُحرّكني الوطن    الدعم الاقتصادي الحكومي : أسسه العقدية ومظاهره العملية في المنظور الاقتصادي الاسلامى .. بقلم: د. صبري محمد خليل    السودان الأن: حتى لا يحدث مالا يحمد عقباه، ماذا ينتظر الحزب الحاكم؟ .. بقلم: د. يوسف الطيب محمدتوم    صورة "سيلفي" تؤدي إلى إدانة كندية بقتل صديقتها    الشرطة تحقق في مقتل رجل رمياً بالرصاص على يد مجهول بشرق النيل    الصحة تكشف عن 300 إصابة جديدة بالسرطان شهرياً    الاستيلاء على أسلحة ثقيلة وكميات كبيرة من الحشيش    (امسح وادفع إلكترونياً) شراكة ذكية بين البنك العقاري وشركتي "أم دبليو" و"ليمون تاكسي"    (5) شباب يغتصبون صبية عمرها (16)عاماً بمحلية المفازة    داعية إسلامية ترد على سؤال «أعاني من الملل في العبادة وأتكاسل عنها»    المحكمة تتهم متحصلاً زوّر إيصالاً إلكترونياً واستولى على (600) جنيه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





د. صابر محمد حسن: هذه هي متطلبات وشروط كسر الحلقة الجهنمية المفرغة والخروج من المأزق
نشر في سودانيل يوم 17 - 12 - 2017

د. صابر محمد حسن في حوار صريح مع "إيلاف" حول قضايا الراهن الاقتصادي (2 من 2)
*هذه هي متطلبات وشروط كسر الحلقة الجهنمية المفرغة والخروج من المأزق...
*هناك حاجة إلى إرادة سياسية واقتصادية قوية تتحمل مسؤولية الاصلاح قبل فوات الآوان
*لا نملك مقوّمات وشروط تعويم سعر الصرف، وسياسة التعويم ليست مزحة
*لن يتحقق الاصلاح ما لم تبدأ الحكومة بنفسها في دفع ثمنه، وأن يراها الناس تفعل ذلك
*هناك جهات حكومية ذات عضلات تعرقل الاصلاح برفض سريان سياسة التقشّف عليها
*لهذه الأسباب نجح الدكتور عبد الوهاب عثمان في تحقيق برنامج الاصلاح الاقتصادي في عهده
*استقلالية البنك المركزي لا تعني التمرد، بل قدرته على ممارسة مهامه دون تدخل أو إملاء
*كل دولار تشتريه الحكومة من عائدات الذهب، يضخ المركزي مقابله سبعة عشر جنيها مقابل لا شئ، تخيل ذلك!!.
*الآلية التي يعمل بها البنك المركزي في شراء الذهب تؤدي تلقائياً إلى تخفيض قيمة الجنيه
*مهمة البنك المركزي حماية سعر الصرف وليس قيادة تخفيض قيمة العملة، والحل بخروجه من شراء الذهب
*يعوّض البنك خسائره بطباعة العملة،ومنافسوه يعوضونها بتخفيض قيمة العملة
"لا اعتقد أن البنك المركزي من ناحية فنية درس بأجهزته وقرر شراء الذهب، هذا نتاج توجيه سياسي، ومشكلة إدارة الاقتصاد أن القرارات الأساسية فيه لا يتخذها الاقتصاديون".
"المشكلة الاقتصادية تحل أزمتها بطريقة منظمة وعقلانية، وإذا لم يحدث ذلك، فستحل الأزمة نفسها ولكن بالطريقة التي تختارها هي، وأما يترتب على ذلك من عواقب فهذا شأن آخر"
" في حالة الاصلاح الراشد والمنظم ستدفع الثمن، كذلك في حالة حصول الانفجار الاصلاحي قسراً، ولكن في حالة الاصلاح الراشد والمنظم سيكون الثمن الذي ستدفعه أقل من التكلفة التي تدفعها حينما تحل المشكلة الاقتصادية نفسها بنفسها"
"في الاصلاح الاقتصادي للأسف الشديد الناس هم الجهة الأضعف، لأن عامة الناس هي التي تدفع ثمناً أكثر، فالتضخم يضرب الجميع ولكن هناك أطراف قوية تستطيع أن تمتص ضرباته، ولكن الأطراف الضعيفة في المجتمع لا تستطيع تحمل ضرباته، لذلك يجب من البداية أن تكون هناك سياسات حماية اجتماعية فعّالة"

أجرى الحوار: خالد التيجاني النور
لا تزال الحيرة تلف الأوساط السودانية عامةً، ولاقتصادية على وجه الخصوص، بسبب الصدمة التي تراكمت تدريجياً حتى تفجّرت في نوفمبر الأسود بانفلات غير مسبوق وتدهور مريع في سعر صرف العملة الوطنية، لم تفلح الإجراءات الحكومية حتى الآن في الخروج من المأزق الذي خلّفته، وللمفارقة جاءت هذا الانفجار في وقت كان الناس يستبشرون فيها بتحسن الأحوال الاقتصادية بعد الرفع الجزئي للعقوبات الأمريكية.
جلست "إيلاف" إلى الدكتور صابر محمد حسن، رجل الدولة الاقتصادي والمصرفي المرموق، في حوار عميق في محاولة للحصول على تفسيرات وفهم أعمق لما يحدث في عالم الاقتصاد السوداني، من واقع خبرته وتجربته العلمية والعملية، وما كان انفجار سعر الصرف حسب وصفه إلا انعكاساً لحقائق الوضع الاقتصادي في ظل الهروب من دفع تكلفة الإصلاح الاقتصادي الحقيقي.
كان الدكتور صابر صريحاً في طرح تصوراته في قراءة الأوضاع الراهنة وسبل الخروج منها، مع حرصه الشديد على أن يكون الحوار موضوعياً ومنطقياً بصورة لا تدع مجالاً لأية ظلال تأويلات تنشغل بالأشخاص وتترك قراءة وعبرة ما حدث وما يجب أن يحدث للخروج من هذه الحلقة الجنهمية على حد تعبيره.
وإلى الحلقة الثانية والأخيرة من هذا الحوار المهم الذي ننشره مواصلة لما اطلع عليه القراء الكرم في الحلقة الأولى الأسبوع الماضي.
إيلاف: قبل أسابيع نشرت صحيفة (ايلاف) تحقيقاً حول ما وصفته ب"امبراطورية البنك المركزي الموازي" لتجارة العملة التي أصبحت تتحكم في تحديد قيمة العملة الوطنية، في إشارة إلى أن بنك السودان المركزي لم يعد من يملك التحكم في إدارة السياسة النقدية في البلاد، ولكن للمسألة جانب آخر وهو أن تجار العملة هم وجه لعملة وجهها الآخر هو الطلب الحكومي الذي يغذي المضاربة في سعر الصرف بشكل رئيسي..
د. صابر محمد حسن: مقاطعاُ، نعم صحيح..
إيلاف: خرج وزير المالية بعد أول اجتماع رئاسي في أعقاب انفجار الأزمة الأخيرة ليعلن حزمة إجراءتها فيمقدمتها إيقاف الشركات الحكومية من شراء النقد الأجنبي من السوق الموازي، وهذا اعتراف رسمي خطير بأن مؤسسات الحكومة نفسها تشكل سبباً رئيسياً في اندلاع الأزمة، وأضاف الوزير أن تنظم مشتروات من العملات الحرة مستقبلاً بواسطة البنك المركزي، السؤال كيف يحدث هذا أن تتسبب مؤسسات الحكومة نفسها في المضاربة بالعملة الوطنية، ثم الحديث عن شركات حكومية تتاجر في السوق، في وقت تعلن السلطات أن بسياستها هي التحرير الاقتصادي ؟
د. صابر: نعم، ولكن الحكومة لديها طلب للنقد الأجنبي،وهو طلب حقيقي ليس لأنهم يريدون تهريب للدولار أو تخزينه، هناك طلب لشراء احتياجات في الظروف العادية هي حاجات حقيقية، ولكن من المفترض اذا كان هناك سياسة مالية وسياسة نقدية راشدة أن يتم تنظيم هذا الطلب الحكومي، وتمويل الطلب الحكومي من أين يأتي؟، بالطبع يأتي من الميزانية، وعندما نتكلم عن الميزانية نتكلم عن الدولة وليس المالية فحسب، نعي ميزانية الحكومة ومؤسساتها المختلفة مجمعة في الموازنة العامة، مهمة السياسة المالية هي ترشيد الصرف في هذه الموازنة العامة، وأن تحدد حجم الطلب الذي يفترض ان يذهب الى السوق، وذلك حسب الاعتمادات المرصودة، ويفترض ان يتم التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية، أي بين وزارة المالية والبنك المركزي، والمفترض أن لدى البنك المركزي رؤية يحدد من خلالها موارده المتوقعة خلال كل فترة معينة، يُقدّر من خلالها أنه ستكون لديه موارد متوقعة، لنقل مثلاً في حدود 400 مليون دولار تتوفر له من عائدات الصادرات، أو القروض، أو المنح المتوقعة. ومن خلال هذه الموارد المتوفرة فعلاً يحدد للحكومة ما يستطيع توفيره لها من نقد أجنبي لتحدد في ضوئه أولويات الصرف على أساسها، ويحددكذلك للبنوك التجارية كمية النقد الاجنبي التي يمكنه توفيرها لها لتمويل أنشطة عملائها، هذه هي السياسات الراشدة المفترضة توفرها لضمان إدارة سياسات مالية ونقدية فعّالة تحقق الأهداف الاقتصادية المرجوة.
إيلاف: حسناً إذاً أين تكمن المشكلة، وما الذي يمنع من وجود تنفيذ هذه السياسات الراشدة؟.
د. صابر: هذه هي مهمة الحكومة ودورها في أن تنظم طلبها لاحتياجاتها ولشركاتها، حسب المتوفر فعلياً لها من النقد الأجنبي وفق أولوياتا، وعليها أن تحجّم الطلب وألا تسمح لنفسها ولا لأجهزتها، ولا لمؤسساتها أن تنافس في سوق النقد الأجنبي مما يتسبّب في ضغوط أكثر على السوق بزيادة الطلب، عليها تحجيم الطلب، ولكن هذا الأمر غائب، هذا التنظيم مفقود.
إيلاف: يفترض أن وزارة المالية هي صاحبة الولاية على المال العام والسياسة المالية، كما أن للبنك المركزي الولاية على السياسة النقدية ، ولكن من الواضح أن الاثنين يفتقران للسيطرة على الولاية المنوطة بهما، فكيف إذاً يقومان بالمهام الموكلة إليهما في ظل هذا القصور؟
د. صابر: صحيح، هذا هو نفسه ما أعنيه، لا أقوله بالوضوح الذي أشرت إليه، حتى لا يُفهم حديثي بتأويلات تجعله وكأنه يستهدف أشخاصاً بعينهم، وشهادتنا مجروحة في الحالتين سواء تحدثنا إيجاباً أو تصويباً للسياسات بحكم تولينا المسؤولية في وقت سابق.
وهذا تحديداً ما يجعلني أقول إننا في حاجة ماسة للاصلاح الاقتصادي، وهذا يعني ان يكون للبنك المركزي رؤيته وسياساته ومسؤولياته والقيام بدوره، وكذلك الحال بالنسبة لوزارة المالية، لكن للأسف الشديد هذا ما لا يحدث في الممارسة الفعلية، وهذا ما نريده أن يحدث، وتحقيقه يعني تطبيق الاصلاح الاقتصادي الذي نطالب به، وهذا ما يجب أن يحدث، وإلا فسوف يستمر الخلل.
وكما هو معلوم لديك فالمشكلة الاقتصادية تحل بطريقة منظمة وعقلانية، وإذا لم يحدث ذلك، فستحل الأزمة نفسها ولكن بالطريقة التي تختارها هي، وأما يترتب على ذلك من عواقب فهذا شأن آخر، وفي كلا الحالتين ستكون مضطراً لدفع الثمن سواء في حالة الاصلاح الراشد أو المنظم، و ستدفع الثمن كذلك في حالة حصول الانفجار الاصلاحي قسراً، ولكن في حالة الاصلاح الراشد والمنظم سيكون الثمن الذي ستدفعه أقل من التكلفة التي تدفعها حينما تحل المشكلة الاقتصادية نفسها بنفسها.
وتأجيل عملية الاصلاح ناجم عن الخوف من العواقب، يتم التأجيل المستمر لمتطلبات الاصلاح، يقولون لنترك اتخاذ الإجراءات هذه المرة، لأن الأمور ماشية، وهي في الحقيقة لا تمشي، لكنها تسير ببقية الروح أو بفعل الدفع الذاتي الذي سيأتي وقت يتوقف فيه تماماً، لذلك علينا إدراك العلاج عندما لا تزال هناك بقية للروح، لأنه لن تكون هناك فائدة من العلاج إذا أسلم المريض الروح، يجب تنفيذ ما يمكن فعله قبل فوات الآوان، ولذلك نحن بحاجة إلى إرادة سياسية واقتصادية قوية تتحمل المسؤولية وتدفع الأمور الي الأمام.
إيلاف: ولكن لماذا يمنع الخوف من دفع الثمن إلى تأجيل الاصلاح؟.
د. صابر: لأن الجزء الأكبر من هذا الثمن يدفعه المواطنون، الحكومة لا تدفع إلا الجزء الأصغر، في الاصلاح الاقتصادي للأسف الشديد الناس هم الجهة الأضعف، لأن عامة الناس هي التي تدفع ثمناً أكثر، فالتضخم يضرب الجميع ولكنها هناك أطراف قوية تستطيع أن تمتص ضرباته، ولكن الأطراف الضعيفة في المجتمع لا تستطيع تحمل ضرباته، لذلك يجب من البداية أن تكون هناك سياسات حماية اجتماعية فعّالة، وإجراء معالجات بتوفير شبكات حماية وضمان اجتماعي للفئات الأضعف في المجتمع، بالطبع لا تستطيع أن تحقق لهم حماية كاملة، ولكن تساعد في تخفيف وقع الاصلاح عليهم بحيث لا تتسبب تبعات الاصلاح في القضاء عليهم، بل تحاصر لتقتصرعلى وجع يمكن تحمل آثاره.
إيلاف: وأين موقف الحكومة من دفع فاتورة الاصلاح؟
د. صابر: من الجانب الآخر على الحكومة أن تري الناس أنها تدفع أيضاً ثمن الإصلاح، فالتجربتان التي شهدتهما وأنا خارج موقع المسؤولية أن أية عملية اصلاحية يضعها الاقتصاديون هي عبارة عن حزمة جزء منها يدفع ثمنه المواطنون، وهناك جزء متعلق بالحكومة، والمنطق يفترض أن تبدأ الحكومة بنفسها في دفع ثمن الاصلاح، وأن يراها الناس تفعل ذلك تقشفاً وضبطاً في إنفاقها ، ومن ثم تقوم بتطبيق ما يلي الناس من حزمة التطبيق، وحينها يمكن أن يكون هنالك قبول نسبي لهذه الإجراءات، لكن ما حث في المرتين أن الحكومة تبدأ بالإجراءات التي يدفع ثمنها المواطنون، في حين لا تدفع ما يليها من ثمن الاصلاح فحسب بل يراها الناس تزداد ترهلاً في وقت تفرض فيه التقشف على المواطنين، وبالتالي من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى ردة فعل قوية.
إيلاف: هذا ما حدث بالضبط في 2013 حين أعلنت الحكومة إجراءات قاسية أدت لأحداث دامية، تعهدت الحكومة حينها بانها ستفرض على نفسها تقشفاً وتخفض الانفاق الحكومي بنسبة 25%، وجاء تقرير المراجع العام لاحقاً ليكشف مفارقة كبرى أن الإنفاق في الحكومي إزداد في الواقع بنسبة 40 % بدلاً من أن ينخفض، والسؤال لماذا تعجز الحكومة وتجد صعوبة في الالتزام بما تتعهده به وتعلنه من تقشفية لدفع نصيبها في ثمن الاصلاح؟ سياسة
د. صابر: لأن المسألة ليست سهلة، وتحتاج لإرادة سياسية قوية، لأن التقشف يعني تخفيض الانفاق الحكومي، وهذا يعني تقليص نفقات بعض الجهات الحكومية، وهذه الجهات لديها قوة "عندها عضلات" ولذلك ترفض عدم المساس بنفقاتها أو تخفيضها لمقابلة متطلبات التقشف، وحتى تستطيع الجهة المسؤولة من الولاية عن المال العام أن تفرض تنفيذ سياسة التقشف يجب أن تحظى بدعم إرادة سياسية أقوى منهم، ولكن ذلك لا يحدث لأن تلك المؤسسات الحكومية ذات نفوذ أقوى لا تسمح بتنفيذ هذه الإجراءات عليها، ولذلك هذا هو السبب في أن الحكومة تعلن سياسات اصلاح وتقشّف، وعندما تأتي لتنفيذها على نفسها لا تستطيع بفعل هذه المعادلة، وهذه هي المشكلة لأن التقشف وتخفيض الإنفاق ليس سهلاً، وسياسة الاصلاح صعبة جداً.
إيلاف: ولكن هذه لعبة خطرة على النظام نفسه، فالمنطق يفترض ان يكون هناك حدا أدنى من الاصلاح على الأقل ليحافظ على وجوده؟.
د. صابر: هذا هو الواقع، لأن بعض الجهات التي يمكن أن تتأثر بالتقشف لديها نفوذ قوي، وترفض الامتثال لسياسة الاصلاح ودفع تكلفته، طبعاً لن يقولوا لك لن نتقشف، لكنها لديها طرقها الخاصة في قول ذلك وفي رفض الخضوع لهذه السياسة، والنتيجة العملية هي أنها تستطيع أن تمنع تقليص حجم إنفاقها وفق ما يقتضيه برنامج الاصلاح وتطبيق التقشف بتحجيم الانفاق الحكومي.
إيلاف: هل ترفض هذه الجهات المتفذة التقشف لأن ذلك يتسبب في عرقلة عملها والقيام بواجبها، أم لأن ذلك يمس الامتيازات التي تحظى بها ؟
د. صابر: دائما في الأوضاع مثل أوضاعنا، فإن الجهات الحكومية المستأثرة بالصرف لديها "شحم كثير" أي لديها موارد أكثر ما هو مطلوب لمقابلة احتياجاتها، وعندما يُطلب منها ترشيد النفقات فان تأثير ذلك لا يصل الي "العظم" أي واجباتها الأساسية، بل يظل في حدود منطقة "الشحم" أقصد مواردها الزائدة.
فالوزير المختص عند تنفيذ ساسية الاصلاح لا يحدد لأي جهة تفاصيل أولويات صرفها، أو ما يجب أن يطاله التقشف، بل يرسم لها الملامح العامة لحدود سياسة الانفاق، ويترك لها تحديد تقليص ما تراه مناسباً في إطار ما هو مرصود لها من موارد مالية في إطار برنامج الاصلاح، وبالتالي متروك للجهات المعنية إعادة هيكلة صرفها وفق هذه المرجعية، وبوسعهم الحفاظ في الصرف على جوهر واجباتهم وفق الأولوية التي يحددونها. ولكن في الواقع كما أشرت ترفض هذه الجهات مجرد تحمل أقل ألم في سبيل الاصلاح، وتصر على بقاء صرفها كما هو، وهذا غير صحيح لأنه لا يوجد اصلاح من غير تحمل تبعاته ودفع ثمنه، ولذلك العملية صعبة جداً وليست بسهولة الحديث عنها.
إيلاف: يا دكتور أنت شخصياً كنت جزءاً من فريق الدكتور عبد الوهاب عثمان، رحمه الله، الذي ُيذكر له أنه استطاع خلال فترة ولايته كوزير المالية بين عامي 1996 – 2000، في فرض برنامج اصلاح اقتصادي ناجح، ولا يزال الناس ُيقدرون المهمة التي قام بها، ما هي أسباب نجاح تلك التجربة في رأيك؟.
د. صابر: هذا سؤال جيد، نعم حدث ذلك لأنه أولاً كانت هناك إرادة سياسية تضافرت مع عوامل أخرى في تحقيق أهداف الاصلاح، هذه العوامل هي أولاً: الفهم، فقد كانت الادارة الاقتصادية حينها فاهمة وواعية بطبيعة المشكلة الاقتصادية، ومدركة لما هو مطلوب منها القيام به. وكان السبب الثاني هو وجود الرغبة والحرص الشديد على انفاذ العملية الاصلاحية، والسبب الثالث: توفر العزيمة والاصرار على تنفيذ برنامج الاصلاح، ليس كواجب وظيفي فحسب، بل كذلك كتحدي ومسؤولية شخصية من أجل الحفاظ المصلحة العامة. والسبب الرابع: قوة الشخصية والاستقامة والقدرة التي تمتع بها الدكتور عبدالوهاب في تنفيذ برنامج الاصلاح بكل حسم بدون مجاملات ولا تردد دون أي اعتبارات غير تحقيق المصالحة العامة.
لقد عملت قريباً من الدكتور عبد الوهاب كوزير دولة بالمالية ثم محافظا للبنك المركزي، وهو من طلب مني الانتقال من وزارة المالية بعد استقرار الوضع إلى البنك المركزي من أجل العمل على إحكام السياسات والتنسيق بين السياستين المالية والنقدية، ولقد عايشت عن كثب الكثير من المواقف التي لا تحصى ولا تعد، بدون ذكر تفاصيل، التي تؤكد ما ذهبت إليه إعلاه من أسباب نجاح تنفيذ برنامج الاصلاح في تلك الحقبة تحديداً، فقد كان لا يسمح بترك أي خطأ مهما كان صغيراً أن يمر هكذا دون حسمه ومعالجته مهما كان مرتكبه سواء كان وزيراً أو حتى صديقاً مقرباً، إضافة إلى ذلك فقد حظي بالدعم السياسي الذي وجده من السيد الرئيس. هذه المعادلة التي حققت ذلك النجاح المشهود في تلك الفترة، لم تتوفر عناصرها فيما تلاها من تجارب.
إيلاف: هذه المعادلة توفرت لك أيضاً يا دكتور من خلال توليك مسؤولية محافظ البنك المركزي لفترة طويلة، وقاد ذلك إلى تميزه بوضعية استقلالية ونفوذ طاغ في القطاع الاقتصادي، وأدى أحياناً إلى مشّادات وعدم تنسيق بين السياسيتين المالية والنقدية، كيف تنظر لهذه التجربة؟.
د. صابر:- في النظرية الاقتصادية هناك وضع أمثل للبنوك المركزية في كل العالم، وليس في السودان فحسب، ولكن هناك أيضاً وضع في أرض الواقع، الوضع الأمثل هو الاستقلالية في أي مكان، والاستقلالية لا تعني تمرد أو كذا، بل تعني أن يكون له أهداف معينة، وسياسات معينة، وحسب قانونه يمارس هذه المهام باستقلالية ودون تدخل امن أية جهة أخري، والبنك المركزي مسؤول أن يقوم بواجباته دون ان تملي عليه ذلك أي جهة، ومن صميم مسؤولياته الحفاظ على استقرار الأسعار واستقرار سعر الصرف وطرق الدفع ضمن مسؤوليات أخرى، ولديه السياسات والآليات لتحقيق أهدافه. وعندما نقول استقلالية البنك المركزي نعني أنه لا يجب لأي جهة أن تتدخل وتؤثر علي قدرة البنك المركزي في توظيف هذه الآليات والسياسات لتحقيق أهداف الاستقرار الاقتصادي.
وهذا ما نعنيه بالاستقلالية وهو الوضع الأمثل، إضافة إلى وجود تنسيق وتناغم بين وزارة المالية والبنك المركزي، والتنسيق لا يكون إلا بين جهتين مستقلتين، فإذا كانت جهة واحدة فليس هناك ما يدعو للتنسيق.
إيلاف: وماذا عن التجربة السودانية؟.
دج. صابر: في السودان شهدت التجربة مراحل وظروف مختلفة، ففي بعض المراحل كان البنك المركزي جزءاً من وزارة المالية حيث يكون خاضعاً فيها لتوجيهات وزير المالية، وجاءت ظروف أخرى كانت هناك استقلالية وتنسيق، وفي أحيان أخرى شهدت العلاقات شد وجذب، والوضع السائد في السودان عموماً يعتمد علي شخصيات الوزير فإذا كانت شخصياتهم قوية ومتناغمة يتحقق الوضع الأمثل، وإذا كان أحدهم ضعيفاَ وهناك استقلالية تحدث غلبة السيطرة لطرف أو المشّادات بينهما، في بداية فترتي كان هناك تناغم كبير بيني وبين د. عبد الوهاب لأن الفهم المشترك كان متوفراً بيننا، ولذلك كانت هناك استقلالية وتنسيق واستقرار.
ولكن في الفترات اللاحقة بعد عهد د. عبد الوهاب، وبدون ذكر أسماء، كانت هناك محاولات من وزارة المالية لإلغاء دور البنك المركزي أو التأثيرعلى وضع البنك المركزي في قدرته على الاستمرار في ممارسة سياساته، ولذلك حدثت المشادات، وكما أسفلت فإن الوضع الأمثل هو أن يكون المسؤولان في المالية والبنك المركزي على قدر من الفهم والاستقلالية والتنسيق.
إيلاف: لنعد إلى المأزق الحالي، وعملية إغراق الاقتصاد بسيولة ضخمة على نحو غير مسبوق، وهو ما يقود إلى سؤال إن كان وجود مطبعة العملة أسهم في ذلك بتسهيل طباعة النقود بلا معايير اقتصادية تبعاً لأوامر الحكومة، حتى تحولت من نعمة إلى نقمة، كيف يمكن حل الانفلات في عرض النقود الذي يسهم بصورة مباشرة في تراكم التضخم؟.
د. صابر: حسناً السؤال هو كيف تعمل السياسة المالية والنقدية؟، في مثل هذه الأيام من كل سنة قبيل بداية السنة المالية والعمل بالموازنة الجديدة التي تبدأ في أول يناير من كل عام، تجتمع وزارة المالية والبنك المركزي لوضع إطار لمؤشرات الاقتصاد كلي يستند على على أربعة أركان أساسية، أولها معدل النمو الذي يمكن تحقيقه فعلاً وفق معايير اقتصادية موضوعية، والمسألة هنا ليست اعتباطاً تقوم على التمنيات بل وفق معادلات اقتصادية منطقية، والركن الثاني معدل التضخم في حدود معقولة، والثالث سعر الصرف المعقول، والرابع حجم عجز الموازنة، مؤشرات هذه الأركان الأربعة يجب التوصل إليها بالتوافق بين وزارة المالية والبنك المركزي وفق معادلات اقتصادية تتحدد للبنك المركزي بموجبها حجم النقود المطلوب توفرها في الاقتصاد والمتناسقة مع تحقيق هذه الأهداف، وفق موازنة محسوبة بلا إفراط ولا تفريط، وهي مؤشرات تقديرية تضع في الاعتبارات توافير العوامل الموضوعية تحقيق الأهداف الاقتصادية حسب مؤشرات الاقتصاد الكلي التي تم الاتفاق عليها.
إيلاف: من ناحية عملية كيف تتحول هذه السياسة إلى ممارسة فعلية محققة لهذه الأهداف وفق المؤشرات المتفق عليها؟.
د. صابر: عندما تحدد المعادلات حجم النقود المفترض توفيرها في الاقتصاد بما يتفق وتحقيق الأهداف المرسومة وفق هذه المؤشرات الاقتصادية الأربعة، فإن الفرق بين حجم النقود الموجودة أصلاً والنقود التي يجب توفرها يُسمى "النقود المولّدة"، أي التي يجب ضخها خلال السنة المالية للموازنة، ويجب على البنك المركزي أن يقوم بتخطيط خارطة لضخ السيولة الجديدة الإضافية على مدار العام حسب الاحتياج المطلوب لخدمة أهداف الموازنة، ولنفترض مثلاً انها خمسمائة مليار جنيه، ومع الأخذ في الاعتبار طبيعة الاقتصاد السوداني الموسمية، موسم الزراعة، موسم الحصاد، موسم الصادر إلخ، وتبعاً لهذه الحاجة الموسمية لعرض النقود يحدّد البنك المركزي كمية السيولة التي يتم ضخها في الاقتصاد تبعاً لذلك على مدار العام.
والبنك المركزي لديه آليات لمعرفة حجم النقود الفعلية الموجودة في الاقتصاد في كل فترة محددة، في عهدنا كانت لدينا إدارة تقدم تقريراً كل أسبوعين، تأتي بالمعلومات من وزارة المالية والمصارف وحجم الضخ من المركزي، وعليه نظل نراقب الوضع، وما إذا كنت وصلت إلى هدف توفر عرض نقود بالحجم المحدد في الوقت المحدد حسب الخطة، فإذا كان بعيداً عن الهدف نعمل على تسريع عملية الضخ لأن الاقتصاد يحتاج إلى المزيد من السيولة، ويحدث ذلك بأن يعطي المركزي البنوك ودائع، أو يشتري سندات من الحكومة، أو أن يسلف الحكومة أكثر.
وإذا أشار التقرير إلى أن هناك سيولة زائدة على الحاجة وفق الأهداف المحددة، يعمل البنك المركزي على عكس العملية أعلاه، فيعمد إلى امتصاص السيولة الزائدة، ويقوم باستدعاء أو استرجاع ودائعه من البنوك، ويقوم ببيع الشهادات للحكومة، وللبنوك والأفراد بهدف تحجيم السيولة في الاقتصاد، بالإضافة إلى ذلك هناك هدف يتعلق بمعدل التضخم، وكذلك سعر الصرف، ومن خلال متابعة التقارير الدورية المختلفة يعمل البنك المركزي على توظيف آلياته على تحقيق التوازن المطلوب، وليس بالضرورة أن تكون النتيجة المتحققة من ذلك دقيقة بالضبط، وقد لا تتحقق الأهداف المرجوة تحديداً بالمعدلات المطلوبة بالضبط، ولكنها تكون في إطار المؤشرات المعقولة.
إيلاف: إذاً ما الذي يمنع البنك المركزي من القيام بهذا الدور البديهي؟.
د. صابر: إذا البنك المركزي لم يكن حراً ويتمتع بالاستقلالية الضرورية فإنه لن يستطيع القيام بهذا الدور، فإذا كان تأتيه توجيهات وينفذها، في تناقض مع مسار خطة ضخ أو امتصاص السيولة، بمعنى أن يكون أن تكون آليات البنك المركزي في وقت معين تهدف إلى امتصاص السيولة، ولكن يأتي توجيه يأمر بضخ سيولة، فذلك يعني أن تأثيراً عكسياً سوف يحدث في عملية تنظيم السيولة.
لذلك لكي يقوم بدوره يجب أن يكون البنك المركزي مستقلاً في سياساته هذه أولاً، ثانياً ضرورة معرفة البنك المركزي للشئ المطلوب، وثالثاً قدرته على تنفيذ الشئ المطلوب، ورابعاً عدم تدخل أي جهة في مهامه.
إيلاف: ولكن هنا عامل أدى إلى انفلات ضخ السيولة يتعلق باللجوء إلى شراء البنك المركزي للذهب لتعويض عائدات النقد الأجنبي التي كان توفرها عائدات تصدير النفط؟.
د. صابر: هذه سياسة أخرى، أنا لدي موقف واضح ومعلن في ما يختص بسياسة الحكومة بالدخول في شراء الذهب، وأختلف مع هذه السياسة، فالبنك المركزي ليس تاجر ذهب، وهذا ليس شغله، البنك المركزي جهة رقابية منظمة، ومهمته تنظيم تجارة الذهب ووضع الضوابط، والأسس والمعايير وطريقة المتابعة وطريقة التدخل، وتعزيز قدرته على تنفيذ السياسة التي اتخذها في هذا الخصوص، ويترك القطاع الخاص يشتغل، ولا يشتري الذهب بل حصيلة صادرات الذهب.
إيلاف: وما الذي يفعله البنك المركزي في تجارة الذهب؟.
د. صابر: السياسة المعلنة أن يشتري البنك المركزي الذهب بأي ثمن، في هذه العملية البنك المركزي ليس وحده في السوق، يأتي التجار، والمهربون ليشتروا كذلك لا تستطيع أن تمنعهم، فإذا حاولت منعهم بالأمن يفروا ويختفوا، وبدل أن يكون التداول في مكان معلوم عمارة الذهب، يختفي في الحواري والبيوت، المهم هذه المنافسة على شراء الذهب تجعل من يملكونه يبحثون عن السعر الأفضل، ويبيع لمن يدفع أكثر إن كان البنك المركزي أو التجار أو المهربين، والمنافسة على السعر هي بالجنيه، وهذا التنافس يزيد من سعر الجرام بالجنيه السوداني، لكن سعر جرام الذهب الذي يرتفع سعره بالجنيه السوداني في هذه المضاربة يظل سعره في البورصة ثابت، لنقل مثلاً مائة درهم في بورصة دبي، وهنا في الخرطوم لنقل مثلاً ثلاثمائة جنيه، بالمنافسة ارتفع حتى أربعمائة، إذاً ما الذي حدث، ان المائة درهم التي كانت بثلاثمائة جنيه أصبحت بأربعمائة جنيه، ما هذا؟.
إيلاف: وما تأثير ذلك؟.
د. صابر:هذا تخفيض لقيمة العملة الوطنية، الآلية التي يعمل بها البنك المركزي في شراء الذهب تؤدي تلقائياً إلى تخفيض قيمة الجنيه، ليس بالضرورة لأن البنك المركزي يريد ذلك، بل لأن هذه هي طبيعة الأشياء، فتخفيض قيمة العملة يحدث كنتيجة مباشرة لهذه السياسة.
وهذا يعني أن البنك المركزي المنوط به حماية سعر الصرف يتحول إلى قيادة تخفيض قيمة العملة، لذلك أقول هذه السياسة خطأ، لأن البنك المركزي يدخل في حلقة جهنمية مفرغة، وهذه الحلقة إذا لم يتم كسرها سوف تستمر هذه النتيجة المترتبة عليها، والطريقة الوحيدة لكسرها هي أن يخرج البنك المركزي من هذه المنافسة في شراء الذهب، ويتركها ليتنافس عليه التجار، وأن يقتصر دوره على شراء حصيلة الصادر.
إيلاف: وكيف يعوض البنك المركزي خسائره من هذه المضاربة؟.
د, صابر: وهذه مشكلة أخرى وهي أن البنك المركزي لكي يعوض خسارته ماذا يفعل؟، يلجأ إلى طباعة العملة، أما الذي ينافس البنك المركزي فيعوض خسارته بتخفيض قيمة العملة، والبنك المركزي عندما يشتري الذهب فإنه يشتريه بسعر صرف غير معلن، بالنسبة للتاجر فهو ينظر كم يعادل سعر الجرام بالدرهم مقابله بالجنيه السوداني، وهذا التحويل من الدرهم للجنيه السوداني هو ما يحدد قيمة سعر الصرف، وبالتالي فهو سعر صرف غير معلن لكن يشتغلون به، وهذا معروف ليس للتجار فحسب بل حتى لعامة الناس.
إذاً البنك المركزي يشتري دولار الذهب بسعر صرف معين، وبعد أن يصدر ويتسلم عائداته بالدولارات، يبيعها للحكومة كأكبر زبون لشراء البترول وخلافه، يبيعه للحكومة ب 8 جنيه، وهو كان اشتراها بما يعادل 25 أو 26 جنيه، والفرق بين قيمة البيع للحكومة وقيمة الشراء الفعلي للدولار، هي سيولة زائدة يضخها البنك المركزي بلا مقابل، وهذا يعني أن كل دولار يبيعه البنك المركزي من عائدات الذهب، يضخ مقابله سبعة عشر جنيها مقابل لا شئ، فقط تخيل ذلك!!. لذلك أنا لا أوافق على سياسة شراء البنك المركزي للذهب.
إيلاف: لماذا يمارس البنك المركزي هذه السياسة وهو يعرف سلفاً آثارها المدمرة؟.
د. صابر: لا اعتقد أن البنك المركزي من ناحية فنية درس بأجهزته وقرر ذلك، هذا نتاج توجيه سياسي، وهذه هي مشكلة إدارة الاقتصاد أن القرارات الأساسية فيه لا يتخذها الاقتصاديون. سياسة شراء الذهب تؤثر على معدلات التضخم وسعر الصرف، وهذه أساس أهداف البنك المركزي، وهو ما يعني أن سياسة البنك المركزي النقدية غير فاعلة، وأن التأثير المترتب على ذلك نتاج طبيعي لعدم تمكينه من القيام بدوره.
إيلاف: هناك من ينادون بأن الحل لأزمة سعر الصرف المزمنة تتم بتعويم قيمة العملة الوطنية، كيف ترى الأمر؟
د. صابر: نظرياً هناك ثلاث أنظمة بشأن سعر الصرف، النظام الأول سعر الصرف الثابت، ويتم فيه تثبيت سعر العملة المحلية مقابل عملات الاحتياط، مثل الدولار والاسترليني واليورو والين، وهو سعر ثابت لا تغيير فيه، وهو معمول به في دول الخليج، وهو سائد دائماً في الدول التي تتمتع باحتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، وتمثل الصادرات فيها نسبة ضخمة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا النظام أنسب لها.
النظام الثاني في سعر الصرف هو التعويم، وهو يحتاج لمتطلبات معينة، إذا توفرت يمكنك أن تعوّم سعر الصرف، وأهمها أن يكون هناك طلب عالي على عملتك، اي أن يكون هناك طلباً كافياً محلياً وعالمياً، وهذه ميزة لا تتمتع بها إلا دول عملات الاحتياط، وهي الدولار الاسترليني واليورو والين، وهي عملات مرغوبة وعليها طلب دائم، لذلك تستطيع أن تعمل بنظام التعويم، والشرط الثاني لإمكانية التعويم أن يكون لديك احتياطي كافي لمقابلة هذا الطلب، وأن يكون لديك القدرة على سد هذا الطلب، احتياطي كافي ليس من عملتك فقط، بل أيضاً من العملات الأخرى، بمعنى إذا أعيدت عملتك وطلب منك استبدالها بعملة أخرى يكون لك القدرة على مقابلة ذلك، وهذا هو المقصود بالاحتياط الكافي سواء من عملات الاحتياط أو من الذهب.
وهذا لا يعني بالضرورة أن تكون هذه الاحتياطيات الكافية موجودة في حوذتك، بل يكفي ان يكون لك دعم من جهة ما يغطي الحاجة متى ما طُلبت، مثلاً أن يكون عندك خطوط تمويل، أو جهات توفر لك ما تواجه به الطلب، ثم أن يكون لك سياسة نقدية نشطة تستطيع أن تتدخل وأن توثر، إذا توفرت هذه الشروط تستطيع أن تعوّم، وإذا لم تتوفر لا تستطيع ذلك.
إيلاف: إذاً ما هي الخيارات المتاحة أمام السودان؟
د, صابر: نظام سعر الصرف الثابت لا تتوفر لنا شروطه، وكذلك نظام التعويم لا نملك مقوماته ولا نستطيع مقابلة متطلباته، لذلك أقول إن الخيار المتاح لنا هو النظام الثالث الوسط وهو نظام سعر الصرف المرن المدار، لا تثبّت ولا تعوّم، تتركه مرن متحرك وراقب، ثم يتم التدخل حسب مقتضى الحال لموازنة العرض والطلب، من يقوم بهذا الدور هو البنك المركزي، ولذلك من وجه نظري إن أفضل نظام لنا في السودان هو المرن المدار.
السياسة المعلنة الآن هي نظام سعر الصرف المرن المدار، ولكنها غير مطبقة، والذين يتحدثون عن التعويم هكذا كحل لا يدركون ما هي مقومات ومتطلبات تعويم سعر الصرف، فسياسة التعويم ليست مزحة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.