شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عفوا سادتي لن نمضي معكم في هذا الطريق! .. بقلم: تيسير حسن إدريس
نشر في سودانيل يوم 07 - 05 - 2018


المبتدأ: -
(ما زلت أقرأ في السطور فأستبين البعض أو لا أستبين)!!.
لم يدفع شعب في التاريخ الحديث اثمان باهظة نكوص وتقاعس نخبته كما دفع الشعب السوداني.
بارت تجارة الزيف والكذب والخداع لحظة الحقيقة تدنو وحينما تدنو الحقيقة تنهزم مشاريع الوهم.
من المهام المقدسة للنخب الوطنية تغذية دينامية الوعي وتقدُّم صفوف قوى التغيير لإحراز النصر الحتمي.
والخبر: -
(1)
ما فائدة النخب وما جدواها إن لم تكن فاعلةً سياسيا وثقافيا منخرطةً في ميدان رفع الوعي الجماهيري، وتقدُّم صفوف النضال والصراع من أجل التغيير؟ فلاكتساب صفة النخبة لا يكفي التدرج والترقي فقط على درج السلم الوظيفي، أو حيازة الشهادات الأكاديمية دون امتلاك الوعي الحقيقي والإرادة النضالية؛ ودون الانخراط الجاد في صلب قضايا الجماهير والالتصاق الحميم بهمومها اليومية لن يكون لاستصدار أي كتاب، أو مخطوطة فكرية، أو أدبية، أي معنى؛ لأن تقديم الخبرة والمعرفة للجماهير وأنت بعيد عن نبضها وإيقاع حراكها شبه مستحيل، كما انه من العسير على الجماهير هضم المفاهيم والمعارف التي يدفع بها أصحابها من علي، وهم في بروج العزلة يصغون لنبض موجتهم الخصوصية.
(2)
النخب الوطنية في المبتدأ والخبر هي إفراز ونتاج الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي الماثل الذي تتشكل تلك النخب في رحمه، وتسهم من بعد تشكلها مزودة بالمعارف في تغييره والارتقاء به والالتزام بدينامية التغيير المستمر، أما تلك النخب التي ترضخ لشروط الأزمة قانطة، وتعمل على إعادة إنتاج الواقع المعطوب وتكريسه، فهي في نهاية الشوط تنزع نفسها نزعا غير لطيف عن صفوف حراك الجماهير المعلم والمرشد الأصيل، وترتمي بوعيها وبإرادتها أو دونهما في حضن أبراجها العاجية، راضية مِن الغَنيمَةِ بالإيابِ، وهذا البعض -دون شك- سيتجاوزه الواقع كما ستتجاوزه طلائع التغيير، ومن خلفها الجماهير الوثابة والتواقة لكسر قيد المستبد، ورفض إستاتيكا المقولة المغلوطة (ليس في الإمكان أفضل مما كان).
(3)
وتظل الشعوب معلقة آمالها على النخب المؤمنة بعدالة قضاياها، والمنتصرة لطموحاتها، وحقها في الانعتاق من سوء الأوضاع المتعسفة البئيسة، وبناء نظمها المدنية الديمقراطية على أسس مشاريع نهضوية واقعية، لا تتجاهل وضع المعالجات المطلوبة لحل القضايا المصيرية ولا تؤجل مواقيت مواجهتها عبر الحقب كما فعلت وتفعل بعض النخبة السودانية التي عشقت وادمنت (المزاورة التاريخية) التي وسمت نهجها الخائر العزم وأحبطت بذلك انتفاضات وثورات الشعب السابقة بتواطؤها مع القوى المحافظة، وأعادت مرارا عبر تاريخنا الحديث إنتاج الواقع المأزوم، وجعلت من تبرير أو خدمة الاستبداد وظيفة لكسب العيش، وتكديس الأرباح، ونيل الامتيازات، مراهنة على إمكانية (فرزنت) وتجميد الواقع السوداني عند حدود هذه الحلقة التاريخية المعلولة، متجاهلة حتمية ارتقاء الوعي الجماهيري، وحقيقة صيرورة تقدمه، مهما تكاثفت أطروحات التزييف والخداع، وتناثرت مشاريع الغيبوبة والدجل، ففي سياق مثل هذا الصراع والحراك الاجتماعي المحتدم الذي يشهده السودان ستنكشف دون رئب كافة الأوهام، ويظهر زيف جميع المشاريع الكذوبة التي راهنت عليها نخب الإسلام السياسي وغيرها.
(4)
بينما يغلي مرجل حراك التغيير في الشارع السوداني، تسعى بعض النخب الفكرية والسياسية المتراخية التي لم تهضم حركية التاريخ إلي التشكيك في "ثورية" الحراك الاجتماعي لشعبنا المنتفض على رتابة الفعل السياسي، وكساد أطروحات الإصلاح، وعجز مروجيها الذين نراهم في (ترترة وثرثرة) تاريخية مقيمة، يقدمون قدما ويؤخرون أخرى، متشككون في قدرات شعبهم، وخاضعون لدغدغة أحلام الإصلاح الوردية، ومفاهيمه الغائمة، متسائلين عن جدوى التغيير، وهل تتوافر في حراك الشارع السوداني اليوم شروط ومواصفات "الثورة"؟؟ يا لبؤس هذا النكوص!! إن لم يكن واقع السودان المتفسخ الحالي مدعاة لاندلاع الثورة والتغيير ففي أي واقع يمكن اندلاعها؟! ويا لبؤس هذا الخذلان!!إن لم تكن النخب الفكرية والسياسية هي الداعمة والمكملة لنقص الشرط الذاتي، والمحفزة على إنضاج الشرط الموضوعي للثورة، ومجمل شروط الأزمة الثورية، فمن يا ترى هو المدخر من قبل الشعب الذي صرف (دم قلبه) على التعليم والتأهيل والإعداد للقيام بهذا الدور؟؟!! أم ترى أن الجمع المؤقر ينتظر أن تنغرس بذرة الثورة عفوا في تربة الوطن، وتنمو عفوا، وتورق وتطرح ثمرة أزمتها الناضحة عفوا أيضا فوق الرؤوس لتصحو من غفلتها وتلتقطها مهللة مكبرة؟؟!!.
(5)
تعلم النخب ماهية التغيير الثوري – متل جوع بطنها – وتعلم آلياته وشروطه وسبل تحقيقه التي درسوها أكاديميا، وخبروها عمليا، ثم عاد البعض منها اليوم للتواطؤ عليه، كذلك هي تعلم أن التغيير لا تحققه الجماهير بمفردها؛ بل تخطط له النخب الفكرية، ويضع تكتيكاته وإستراتيجيته الساسة، وتنفذه الجماهير، ولا بد أن تتوفر لها زعامات مخلصة وأمينة، ودعاة رسل صادقين، لا يخذلون ولا يزيفون وعيها، وطلائع شبابية، مصادمة لا تلين قناتها، غير معنية بمخاطر انهيار النظام المتسلط، بقدر حرصها وعنايتها باستنهاض إرادة شعبها، لينهض ويعجل قدره المحتوم، وينعتق من قيد الموروث المعطوب من قيم ومفاهيم مستبدة، ومن حلقات (الترترة التاريخية) والتأجيل و(المزاورة المزمنة)، ممسكا بزمام أمره وشأنه بكلتا يديه، ومنتقلا من مرحلة الحلم والأشواق بالحرية والعدالة والمساواة الديمقراطية لمرحلة تحقيقها على أرض الواقع، مهما تأخرت عملية إنتاجها المعقدة، وارتفعت كلفة إنجاز عملية التغيير.
(6)
المتأمل لموقع النخب الفكرية والسياسية السودانية في خريطة الحراك السياسي والاجتماعي المندلع، يرى بوضوح تمايز صفوف تلك النخب، ويلحظ أن النخب التي رفعت تاريخيا ولا زالت الشعارات الأكثر وضوحا لمعالجة الأزمة الوطنية، تلك التي هي أكثر عطاءً وإسهاما في مقاومة الدكتاتورية الحالية، والأكثر نشاطا وفاعلية في التصدي وإسقاط الدكتاتوريات المستبدة السابقة، قد ظلت دوما تعاني من التهميش والإقصاء حتى في فترات حكم النظم الديمقراطية القصيرة التي حكمت السودان، بينما ظلت النخب الإصلاحية والانتهازية هي المتصدرة للمشهد في الحقب كافة، لما تمتاز به من خصائص زئبقية، ومواقف هُلامية غير مبدئية، تجعل لها القدرة على التلون، وانتهاز الفرص، ونلمس جليا رجرجة هلام مواقفها الغائمة في مقارباتها القاصرة لقضية التغيير، وحيرتها بين تأييد الثورة، أو مساندة الاستبداد، أو التزام الحياد، والترقب، ممارسةٌ في أحسن حالتها نرجسية الحكماء بالدفع بأطروحات المحافظة على كيان الدولة في اللحظات الحرجة من عمر الدكتاتوريات، أو تعضيد حجاوي (التغيير الناعم) و(الثورة الهادئة) وغيرها من مقولات التبرير والالتواء والتأجيل.
(7)
هكذا اليوم وفي ظل ذروة الأزمة التي تعصف بالبلاد، وتكاد تذري بكيان الدولة السودانية، وتمحو أثرها، لا تزال بعض النخب تعزف لحنها الخاص معتزلة (جدل العوام)، ومستغرقة في حميتها النظرية الحالمة، ومشاريعها المستعجلة، حيث لم يشهدْ لها المواطن البسيط أيَّ تفاعلٍ ذا شأن في الحراك الاجتماعي، أو أيَّ فعلٍ مؤثر لمقاومة الاستبداد والتصدي له، أو إعلان مواقف داعمة لمشروع التغيير والعزم والإرادة، غير تلك الخجولة التي تملأ الثقوب نسيجها، ويفيض كأسها ب(فزاعات) الهدم وتثبيط الهمم، في تعبير صادق عن هزيمة أصحابها، وعجزهم عن القيام بالدور المنوط بالنخب، في بناء المجتمع وتحرير وعي المواطن من الوهم والدفع به في اتجاه إعمال العقل والفكر ؛ ونلحظ أن الورقاتِ التي تطايرت عبر الوسائط الإعلامية المختلفة بكثافة وقوة مؤخرا أغلبها تصبُّ في اتجاه ذي طريق واحد يصعب اقتفاء أثره، وهي بذلك تعيد التأكيد على خلو جُعْبة كثير من النُّخَب من أيِّ سهام ذي اختراق فكري، أو سياسي له شأن، وتفضح مدى تخلف هذا النوع من النخب عن خُطى الحراك الجماهيري، ونبض الشارع، وواقع مطالبه التي لم تعدْ تقف عند سقف إسقاط نظام الاستبداد وحدة؛ بل وإسقاط كافة قوى (المزاورة والتأجيل) التاريخية، فقد مضى زمنُ النخبة التي تعارض الاستبدادَ ونظمَهُ بلسان غير مبين، وتتواطأ مع ذات الاستبداد وتسهم في استدامت وجوده بدواعي هشة وركيكة.
(8)
المرحلة الحساسة التي يمر بها السودان لا تحتمل وجود نخب متواطئة تستعجل تأسيس ديمقراطية شكلية، تقوم على قواعد ومؤسسات معطوبة ينخرها الفساد، ولا إلى شيوخ وزعماء شعوذة من الذين حولوا السياسة إلى كرامات وأضرحة ومزارات، وغرسوا ألغام الفرقة والعنصرية والمفاسد في البلاد؛ كذلك فخطورة المرحلة لا تحتمل وجود أي تيار نخبوي يلفق النظريات، ويحوّل الأفكارَ إلى أصنام يتنقل بين معابدها بالمزاج، أو عند الطلب، ولا إلى ذلك الباحث عن نجومية ومجد شخصي، فالوطن اليوم أحوج ما يكون للنخب الجادة والملتزمة بمسار النهوض والتغيير دون مساومات فطيرة، نخبٌ نزيهةٌ مهمومةٌ بكيفية الاستفادة من واقع تنوع السودان وإمكانياته العظيمة، وتحويلها إلى مشاريع نهضوية قابلة للتنفيذ، بالشكل الذي يكفل تطوير بنيته المادية والبشرية، وتجديد وتحديد فهم ماهية المصالح العليا للوطن، ومن ثم إبداع نماذج فعالة يقتدي بها لبناء وتنمية الوطن وإنسانه.
(9)
هذا الطرح ليس معنيا بقدح أو ذم تيار نخبوي بعينه، بقدر عنايته بتعرية وفضح نهج التأجيل و(التراترة) الذي ظلت كثيرا من النخب السودانية تمارسه منذ خروج المستعمر، وطوال فترات حكم النظم الوطنية بشكل عام، انحيازا لمصالحها على حساب مصالح الجماهير، ممّا أوصل الوطن اليوم لهذا الدرك السحيق من الأزمة، فراهن الحضيض الذي تقبع فيه البلاد حاليا، هو نتاج طبيعي لعوار ذلك النهج الغارق في الأنانية، والانكفاء المتهور على الذات، وإذ ندلو نحن بدلونا الناقد لمقاربات الإصلاح، ومحاولات تزيف الوعي، ودفع الجماهير بدوافع الخوف، وفزاعات الفزع، لتبني حلول هشة، لا تسهم في معالجة أصل الداء، نهدف في الأساس لتلمس تأثير التناقضات المعرفية على مجمل المطروح من مقاربات مقدمة للحل، دون إهمال قصور مفاهيم ورؤى آيا من التيارات النخبوية، بما فيها تلك الثورية التي لا يخلو خطابها أيضا من بعض اختلال نظري ومفاهيمي يجب تداركه وتلافيها. إنه لمن العسير في واقع التنوع الثقافي والإثني والعقدي للمجتمع السوداني قيام ثورة تستند على نظرية (القطيعة) الكلية مع الماضي، وخبرات تجاربه بضربة قاضية واحدة، ومن المنطق والعقل دراسة تلك التجارب وتمحيصها بحثا عن الإيجابيات، ونفيا للسلبيات، واستيعابَ متغيرات الواقع الاجتماعي الحالي، واللحظة الراهنة؛ لإعادة تكيف وسائل النضال وأدواته، وتنقيتها، مما يعطي لحراك التغيير الديمومةَ والاستمراريةَ، ويجعله مقبولاً، ومحتملاً، ومتفقا عليه من قبل أوسع قاعدة جماهيرية.
(10)
أدى عجز النخب عن صياغة مشروع وطني نهضوي، بعد مضي أكثر من ستين عاما من الاستقلال، لتحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية، انتقل أثرها بالطبع لذات النخب، وخلق حالة من المشاكسة المزمنة بين تيار الإصلاح البراغماتي والتيار الثوري، ممّا قاد إلى الفشل في إنجاز أيّ مساومة تاريخية تخاطب جذور الأزمة، وقضايا الوطن المصيرية، فتراجعت أولوياتُ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة، وعكفَ المجتمع السوداني ونخبُه في مراوحة دائرية غير منتجة، أفرزت واقعَ ما عُرف في الأدب السياسي السوداني ب(الحلقة الشريرة) – انتفاضة شعبية/نظام ديمقراطي/دكتاتورية عسكرية – وقد انعكس ذلك بالطبع على مجمل خطاب النخب السياسية والفكرية، وأنتج قاموسا سياسيا وفكريا غائمَ المفاهيم، فولجت عوالم الممارسة السياسية مصطلحات توافقية كمصطلح (التوالي والتراضي والهبوط الناعم)، بينما تراجع وبحّ صوتُ المصطلح الثوري القاطع الدلالة في سياق التحولات الأيدلوجية العاصفة، وما أفرزته من هزات فكرية ومرجعية لأجزاء مقدرة من النخبة السودانية ، خاصة بعد الانهيار المدوي للتجربة الاشتراكية، وقد كان من الطبيعي في ظل هذا التنافر الحاد بين تيارات النخبة السودانية، وعدم توافقها على مفاهيم الممارسة السياسية، أن يفضي كل ذلك إلى العجز في صياغة إستراتيجية وطنية، تحوي أهداف التغيير ومضامينه، وإلى الفشل في استيعاب المتغيرات الإقليمية والدولية، أو إدراك مدى خطورتها على استقرار الوطن، مما سهل على الدوائر الإمبريالية أمر اختراق بعض النخب الوطنية واستغلالها لخدمة أجندة تتناقض والأجندة الوطنية، وقد تمظهر جليا هذا الاختراق والخضوع لأجندة الدوائر الإمبريالية في السهولة التي تم بها فصل جنوب السودان، وهو من الأخطاء القاتلة والمخجلة التي عمقت شقة الخلاف النخبوي، وخلقت أزمة ثقة متبادلة بين تيارات النخبة السودانية المختلفة، وبين النخبة السودانية مجتمعة وشعبها.
(11)
تفاقم أزمة النخبة السودانية أفضى لعجز معظم تياراتها عن أداء أي دور إسناد إيجابي للمجتمع، كما عمقت الأزمة من عزلة النخبة وغربتها، فابتعدت تدريجيا عن الجماهير، وفقدت من ثَمَّ القدرة على تلمس احتياجاتها، والتفاعل الحميم مع آمالها وطموحاتها، وأضمحل بالتالي تأثيرها التعبوي، مما خلق حالة من الفراغ الثقافي والقيمي استغلته نخب الظلام، وتمددت بمشاريعها المدمرة لتكتب آخر فصول مأساة شعبنا المستمرة حتى اليوم، لقد نكصت معظم النخب السودانية باكرا عن مواصلة أداء دورها التوعوي تجاه المجتمع، وألقت عِن عاتقها ثقلَ مهام تغيير المجتمع وتحديثه، مبتعدة عن مكابدة العمل الذهني، ورهق إنتاج الأدب والعلوم، وإبداع الفنون، وانصرفت بكلياتها لملاحقة احتياجاتها وامتيازاتها المادية، والتأسيس لمجد نجوميتها الخاصة، فارتبطت بالسلطة، وخضعت لابتزازها، وفقدت بهذا روح الاندماج المجتمعي، ونكصت عن أداء دورها النقدي التنويري.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 06/05/2018
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.