الإحتفال بمئوية منظمةرعاية الطفولة بحضور المهدي    شمال كردفان تدخل المعدنين فى التأمين الصحي    مواطنون بالجزيرة يطالبون بالإهتمام بمعاش الناس    المرأة و المجتمع والدين: اشكالية التوافق الاجتماعى فى السودان على خلفية مفاهيم الجندر (1) .. بقلم: عبدالرحمن صالح احمد( ابو عفيف)    إلى الحركات المسلحة: السياسة ليست مهنة .. بقلم: خالد أحمد    السودان وضرورة صيانة ما تحقّق .. بقلم: مالك ونوس    بنك السودانيين العاملين بالخارج .. بقلم: حسين أحمد حسين/كاتب وباحث اقتصادي/ اقتصاديات التنمية    الجز الثاني عشر من سلسلة: السودان بعيون غربية، للبروفيسور بدرالدين حامد الهاشمي .. بقلم: دكتور عبدالله الفكي البشير    شغال في مجالو .. بقلم: تاج السر الملك    هرمنا.... يوم فارقنا الوطن .. بقلم: د. مجدي أسحق    (الترويكا) تتعهد بدعم الحكومة المدنية في السودان لبناء اقتصاد مستقر    خبير إقتصادي: رفع الدعم عن السلع حالياً غير سليم    الكباشي: لا وجود ل"قوى الهامش" في السودان    تَخْرِيْمَاتٌ وتَبْرِيْمَاتٌ فِي الدِّيْمُقْرَاطِيَّةِ وَالسُّودَانِ وَالمِيْزَانِ .. بقلم: د. فَيْصَلْ بَسَمَةْ    "حنبنيهو" فيديو كليب جديد للنور الجيلاني وطه سليمان    وفاة 11 شخصاً من أسرة واحدة في حادث حركة    أسعار النفط تنخفض بفعل مخاوف اقتصادية    هشام مهدي:مركزة المحاسب خطوة نحو الإصلاح    منتدى تدهور الجنيه السوداني السبت المقبل بروتانا    "متعاملون": استقرار في أسعار الذهب بأسواق الخرطوم    السودان ينظم رسميا دوري لكرة قدم السيدات في سبتمبر المقبل    نهر النيل" تعلن رغبتها بتوسيع الشراكة مع "جايكا""    أمر بالقبض على ضابط نظامي متهم بالاحتيال    بلاغات من (6) تجار خسروا شيكات بقيمة (31) مليار جنيه    بدء مُحاكمة المُتّهمين بقتل المُعلِّم "أحمد الخير" وسط إجراءات مُشَدّدة    الذهب يستقر فوق مستوى 1500 دولار    بيونغ يانغ: لا حوار مع واشنطن قبل وقف الأنشطة العسكرية    ترامب: يتعين على دول أخرى تحمل عبء قتال "داعش"    أنقرة: جميع مواقع المراقبة التركية في سوريا ستظل قائمة    أخبار اقتصادية الجاك:الاستقرار السياسي سيعيد التوازن للاقتصاد    اجتماع للجنة مباراتي القمة الافريقيتين غدا بالاتحاد    اليوان يبلغ أدنى مستوى في 11 عام    الدولار الأمريكي يستقر أمام الدينار    الأولمبي يعود للتدريبات صباحاً بالأكاديمية    تحديد موعد الاجتماع الفني لمباراة الخرطوم الوطني وأرتا الجيبوتي    السودان ينظم رسميا دوري لكرة قدم السيدات في سبتمبر المقبل    تنفيذ عروض المسرح التفاعلي بالبحر الأحمر    الهلال يستغني عن خدمات "الكوكي"    فتح (54) بلاغ في مواجهة متهمين بإنتحال صفة “الدعم السريع”    ليالٍ ثقافية بمناسبة توقيع وثائق الفترة الانتقالية    الهلال يخسر بهدفين دون رد امام الوصل الإماراتي    من دكتور البشير ل (دكتور) الكاردينال!! .. بقلم: كمال الهِدي    عقوبة الإعدام: آخر بقايا البربرية .. بقلم: د. ميرغني محمد الحسن /محاضر سابق بكلية القانون، جامعة الخرطوم    الخرطوم تستضيف "خمسينية" اتحاد إذاعات الدول العربية ديسمبر    استقالة رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي    شباب الكلاكلات ينظمون حملة نظافة عامة    (البشير) .. تفاصيل محاكمة (مثيرة)    حزب جزائري يدعو جيش بلاده للتأسي بالتجربة السودانية    علماءصينيون يكملون خريطة جينوم ثلاثية الأبعاد للأرز    بريطانية مصابة بفشل كلوي تنجب "طفلة معجزة    الإفراط في أدوية مرض السكرى يضر بالصحة    مذيعة سودانية تخطف الأضواء في توقيع الاتفاق    عيد الترابط الأسري والتكافل المجتمعي .. بقلم: نورالدين مدني    رسالة إلى الإسلاميين: عليكم بهذا إن أردتم العيش بسلام .. بقلم: د. اليسع عبدالقادر    دراسة تدحض "خرافة" ربط تناول القهوة قبل النوم بالأرق    ماذا يحدث لجسمك حين تفرط باستهلاك السكر؟    مبارك الكودة يكتب :رسالة إلى الدعاة    محط أنظار حُجّاج بيت الله الحرام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صناعة الدستور في السودان: العودة الي منصة التأسيس وتعبيد مسار التحول الديمقراطي .. إعداد/ أحمد عبد الوهاب البدوي
نشر في سودانيل يوم 21 - 11 - 2018

كل تجاربنا السودانية وتجارب العالم من حولنا في صناعة الدساتير، تؤكد على حقيقة، أن عملية صناعة الدستور يجب أن لا تخضع لجهة واحدة وإقصاء الاخرين، والدرس المستفاد منها هو أن التأني مطلوب لبناء التوافق الوطني ومعالجة القضايا الكبرى ومن ثم التعبير عن هذا التوافق في وثيقة تأسيسية تصنع بمشاركة شعبية واسعة حتي تنال الشرعية الكاملة، السودان في حاجة الي عملية تعيده الي منصة التاسيس وتضعه على أعتاب التحول الديمقراطي وتستجيب الي تطلعات السودانيين.
خلال الخمس سنوات السابقة، ظل السودانيون في جدل لا ينقطع حول الدستور ومضامينه وطريقة صناعته، وذلك يرجع الي كثرة التعديلات الدستورية، فكلما مّر النظام (الانقاذ) الحالي بإحدى الأزمات السياسية يلجأ لمعالجتها في نصوص الدستور، فقد عدل دستور 2005م ثلاث مرات في 2015م و2016م و2017م والان منذ بداية 2018م يتحدث عن تعديلات دستورية مرتقبة، ويدعو القوى السياسية للتشاور حول هذه التعديلات، وفي ذات الأثناء يعد العدة لصناعة دستور قادم بعد انتخابات 2020م كإحدى مخرجات حوار الوثبة، مستغلاً بذلك تطلع الشعب السوداني القديم المتجدد في بناء دستور دائم يكفل الحقوق والحريات ويفصل السلطات ويعالج المظالم التنموية ويحقق العدالة الاجتماعية ويحسم الهوية الوطنية وينظم الحياة العامة بين الحاكم والمحكوم. ومستفيداً من دعوة قوى التغيير (المعارضة) لضرورة إقامة مؤتمر قومي دستوري لوضع حداً للأزمة الوطنية المتزايدة. ومعلناً للمجتمع الدولي بأنه نظام قائم على أسس دستورية، ومنفتح في عمليات صناعة وتعديل الدستور.
هذه الورقة تهدف الي الإحاطة بالتجارب السابقة في صناعة الدستور والدروس والعبر منها، ووضع خطوات صناعة دستور دائم وفق المعايير الدولية لصناعة الدساتير . وذلك لمعالجة إشكالية متطلبات التحول الديمقراطي وبناء السلام وفي قمتها التوافق على دستور يصنع بإرادة الشعب ويعبر عنهم، وفي ذات الوقت بناء منظومة ثقافة ديمقراطية كاهم ضمانات سمو وسيادة الدستور وتطور الدولة. وذلك وفق منهج تحليلي ووصفي يخضع التجارب الماضية وفي الدول المشابهة الي ميزان التوفيق ما بين الجانب الفني (القانوني) والجانب السياسي المرتبط بالمناخ السائد وطبيعة المراحل المختلفة.
ملخص تجارب صناعة الدستور في السودان:
مّر السودان بعدة تجارب دستورية، وتنوعت طرق صناعة الدستور، ومع ذلك هناك غياب للإرث الدستوري الذي يُبنى عليه في عملية الاصلاح أو التطور الدستوري، ويرجع ذلك لسببين هما: أولاً أي نظام سياسي يتقلد السلطة ينسف المجهود الذي بذل في صناعة الدستور ويأتي بدستور جديد يعبر عن توجهاته وطبيعته، ثانياً اقصاء وعزل قوي اجتماعية فاعلة من عمليات صناعة الدساتير، وبالتالي واجهت هذه الدساتير إشكالية عدم الاعتراف بها لانها لا تعبر عن التنوع الثقافي والعرقي والسياسي للمجتمعات السودانية المتعددة.
منذ أن استقل السودان لم يحظ بكتابة دستور دائم، فأول دستور للسودان هو دستور الحكم الذاتي لسنة 1953م وأول دستور للسودان المستقل هو الدستور المؤقت لسنة 1956م وبعد ثورة أكتوبر وفي السنة الانتقالية وضع الدستور المؤقت لسنة 1964م على غرار دستور 1953م ببعض التعديلات، وفي فترة الحكم الديمقراطي الثاني (1956-1969) كونت لجنة قومية للدستور ولجنة فنية للدراسات ووضعت مسودة الدستور الدائم لسنة 1968م وقبل أن يجاز من الجمعية التأسيسية وقع الانقلاب العسكري في مايو 1969م. وفي عام 1973م أقدم نظام نميري على إجازة دستور اطلق عليه اسم الدستور الدائم. وبعد انتفاضة رجب أبريل قام المجلس العسكري الانتقالي بإصدار دستور انتقالي لسنة 1985م لم تتمكن الحكومة الديمقراطية الثالثة من اتخاذ أي إجراء إلا إعداد مسودة للدستور الدائم إلى أن قام الانقلاب العسكري في يونيو 1989م فأبطل كل تلك الإجراءات، وفي عام 1998م أصدر نظام الحكم دستوراً. وأخيراً صدر الدستور الانتقالي لسنة 2005م الذي تمخض عن اتفاقية السلام الشامل، وبعد الإنفصال إستمر العمل به حيث أدخل أول تعديل عليه في 2015م حيث حزفت منه المواد المتعلقة بجنوب السودان، كان ثاني تعديل في 2016م لتضمين مخرجات وتوصيات حوار الوثبة، واجرى ثالث تعديل في 2017م لبناء هياكل حكومة الوفاق الوطني .
السودان الآن يمر بمرحلة خطيرة في تاريخه بعد أن عجز نظام الخرطوم من خلق التوافق السياسي والالتزم بخارطة الطريق الافريقية، بالاضافة الي ضرورة تعديل الدستور لترشيح الرئيس البشير من جديد، مما أعاد الحديث عن صناعة الدستور من جديد داخل أروقة البرلمان والاحزاب والمجتمع المدني. وبالتالي أصبح السياق العام يبحث إمكانية إعادة بناء الدولة في دستور يكتبه أهل السودان بإرادتهم وجماعية مشاركتهم حتى يجدوا أنفسهم فيه ويثبتونه عقداً اجتماعياً ملزماً ووثيقة يهبونها كامل ولاءهم واحترامهم وعهداً يلتقون عنده ويحترمونه ويلتزمون بإنفاذه نصاً وروحاً.
الدروس المستفادة من تجارب صناعة الدستور السابقة في السودان:
1. لم تنجح الحقب الديمقراطية من إنتاج دستور مصادق عليه من البرلمانات المنتخبة وإن نجحت في التوافق على مراجعة الدساتير التي كانت موجودة خلال فتراتها القصيرة حتى تتم صياغة دستور دائم. لم يتح لتلك البرلمانات الديمقراطية قصيرة الأمد وقتاً كافياً للاتفاق على المواضيع الشائكة المتعلقة بالدستور الدائم.
2. فشلت الأنظمة العسكرية في صناعة دستور يحظى بقبول القوى السياسية بالبلاد. لم يحاول الفريق عبود قط صياغة دستور خلال سنوات حكمه الست وانما أدار البلاد بموجب قرارات دستورية. تم إلغاء دستور نميري لعام 1973م مباشرة بعد الإطاحة به في 1985م كما استبدل دستور البشير لعام 1998م بالدستور الانتقالي الحالي بعد توصله إلى اتفاقية السلام في 2005م.
3. بعد انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011م أصبحت صناعة دستور ليتواءم مع أوضاع ما بعد الانفصال، محل نقاش واسع بين الاحزاب والمجتمع المدني والمجتمع الدولي، فظهرت مبادرات التثقيف المدني بالدستور ومناقشة مضامينه لا سيما مشروع جامعة الاحفاد ومركز الايام للتنمية الثقافية والمبادرة السودانية لصناعة الدستور ووزارة العدل، وذلك بغرض إعادة بناء هياكل الدولة، مع تصميم على إقامة دولة يستطيع كل أهل السودان أن ينتموا إليها طوعاً وأن يقسموا سلطتها وثرواتها عدلاً وإنصافاً وأن يديروا شئون حكمها بإدارة رشيدة متمسكين بحكم القانون والتداول السلمي للسلطة والمشاركة الجماعية في صناعة القرار، تحت حكم ديمقراطي يحترم كرامة الإنسان وحقوقه وحريته في مساواة تامة بين أهله رجالاً ونساءاً.
4. رغم أن السودان شهد ثمانية دساتير، الا أننا ما زالنا نبحث عن دستور دائم فقد فشلنا في حسم قضايا الدستور، ويعزى هذا الفشل خلال الفترات الديمقراطية إلى اختلافات الأحزاب السياسية حول القضايا الدستورية الرئيسة، وقد رُفض الدستوران اللذان صيغا من قبل نميري والبشير على أساس أنهما صيغا من قبل أنظمة عسكرية ديكتاتورية ليس لديها تفويض ديمقراطي، كما أن هذين النظامين قد منحا رئيس الدولة سلطات دستورية تعلو على كافة مؤسسات الدولة دون أن يحدها البرلمان أو الجهاز القضائي.
5. فشل صياغة الدستور بالسودان يكمن في أن تلك الصياغة كانت توكل الى لجنة صغيرة مكونة من خبراء في حالة الأنظمة العسكرية أو ممثلين للأحزاب السياسية خلال حقبة الحكومات الديمقراطية. ولم تحاول أي من الحكومات منذ الاستقلال التواصل مع مكونات الشعب السوداني أو استدراج آرائه على نطاق ملموس حول القضايا الرئيسة الخاصة بالدستور. لذلك لم يكن مستغرباً أن لا يعير المواطن السوداني اهتماماً لإلغاء الدساتير العسكرية أو إنهاء عملية صياغة الدستور من قبل الأنظمة الديمقراطية، ببساطة لأنه لم يشارك في أي منهما، كما أن حصيلة تلك الدساتير لم تخاطب اهتماماته الخاصة بالمشاركة في السلطة والثروة بالبلاد.
6. أساس الأزمة في صناعة الدستور تتمثل في إقصاء السواد الأعظم من أبناء السودان من المشاركة في الشأن العام، مما ضاعف الاحساس بالغبن والتهميش وبالتالي ساعد علي حمل السلاح في مواجهة المركز.
أمثلة لتجارب صناعة الدستور المشابهة:
جنوب أفريقيا:
يوجز الرئيس ثابو أمبيكي تجربة صناعة الدستور في جنوب افريقيا في الاتي: (علي الرغم من وجود هيئة منتخبة ديمقراطيا لها الحق في وضع الدستور، الا أنه تقرر عرض الدستور النهائي على المحكمة الدستورية. تتولي هذه المحكمة تقرير ما إذا كانت أحكام الدستور منسجمة مع المبادئ الدستورية. وفي حال وجود أي أحكام دستورية غير منسجمة مع المبادئ المتفاوض عليها فأن الجمعية الدستورية أن تنعقد مجدداً لتصحيحها. ذلك أن إحترام المبادئ الدستورية المتفاوض عليها أمر مهم. ومع ان حزب المؤتمر الوطني الافريقي كان متمتعا بالاكثرية في الهيئة المنتخبة فان هذا لم يكن ليعني أن الحزب يستطيع إستخدام مركزه حتي يفرض على الاقلية شيئا خارج إطار تلك المبادئ، وهاكذا جرى الاتفاق على أن تقوم الهيئة المنتخبة بإنجاز الدستور الذي تقدمه الي المحكمة الدستورية حتي تنظر فيه).
تجربة صناعة الدستور في 1994 بجنوب أفريقيا والتي قامت على توافق الشركاء على الدستور، والتي نقلت البلاد من نظام شمولي الي نظام أكثر ديمقراطية وعدالة وكفالة الحقوق، الاوضاع في جنوب فريقيا تشبه لحد كبير وضعنا في السودان.
بولندا:
بناء دستور جديد وميثاق إجتماعي جديد أمر حاسم في تجارب الانتقال، هذا ما تؤكده التجربة البولندية، حيث أجريت تعديلات علي الدستور الصغير في 1992 ولم يتم غصلاح دستوري الا في 1997م، فقد كانت بولندا على حافة وضع شبيه بوضع شيلي في تلك الفترة (غياب التوافق السياسي) فقد كانت تحكم بدستور الحقبة الشيوعية القديم مع تعديلات متزايدة بإستمرار عليه، لانه كان من الصعب تأمين أغلبية الثلثين الدستورية في الجمعية الوطنية، وكان من السهل فعليا تدبير الدعم عبر إستفتاء. كان مبرر الكفاح من أجل دستور جديد في بولندا واضحاً جداً. وكان كل برلمان يدرس قوانين او مشروع دستور في نهاية دورته وعندما ياتي برلمان جديد يتخلص من كل ما حدث في الدورة السابقة. كان هنالك ستة مشاريع دستور بعضها معد من قبل الاحزاب التي لم تكن في البرلمان ولكن تم مناقشتها، إستغرقت المناقشة زمنا طويلا، كما تم التشاور مع الكنيسة الكاثوليكية التي كانت طرفا مهما حيث أدير حول جيد معها وتم من المناقشات والحوارات التوصل الي مسودة الدستور وتم التوافق عليها في البرلمان بالثلثين ومن ثم طرحت في إستفتاء وطني وتمت الموافقة عليه.
التجربة البولندية تتميز في المشاركة الواسعة في صناعة الدستور من أحزاب وكنائيس ومجتمع مدني واستفتاء شعبي لذلك حقق إجماع علي الدستور، كما يميزها أن صناعة الدستور وفق المبادئ الدستورية في الدساتير السابقة صارمة جداً بحيث لا يتم تعديل أو صياغة دستور الا بموافقة ثلثي البرلمان، وهذا ما لم يتحقق في البرلمانات اللاحقة.
كينيا:
تعد التجربة الكينية نموذجاً للتحول الديمقراطي التدريجي المعتمد على الرافع الداخلي و الضغط الدولي، ففي 1991 أتيحت التعددية الحزبية بنص الدستور، في 2000م تم إعداد دستور جديد، وعند الرفض الشعبي لمسودة دستور 2005م ودخول البلاد في اضطراب أمني في 2007م تمت الموافقة الشعبية علي الدستور في 2010م، دستور 1991م تم بموجب تشكيل لجنة لمراجعة الدستور من قبل الرئيس آراب موى والتي ضمت بجناب اعضاء من البرلمان 42 من قيادات الاحزاب و3 مناديب من كل مقاطعة و125 من المجموعات الدينية والشبابية والنسوية والاتحادات التجارية والمنظمات غير الحكومية، كما أقيمت جلسات إستماع للمواطنين ومن ثم أجازه البرلمان. دستور 2010م تم بتكوين لجنة من الخبراء من ستة كينيين وثلاثة غير كينيين راجعة هذه اللجنة الدستور وتم تحديد 12 شهر لتقديم المسودة للاستفتاء، وتم الموافقة عليه، لتدخل كينيا مرحلة جديدة من الانتقال الديمقراطي.
التجربة الكينية تميزت بإستخدام عدة آليات في صناعة الدستور، المناقشات مع الجمهور والاستفتاء واللجان الفنية المتخصصة، كما أن عملية التوافق السياسي سبقت أعداد الدستور، والانتخابات عقبت إقرار الدستور، لذلك العمليات المتدرجة وضعت كينيا على أعتاب التقدم والاستقرار.
السياق السياسي والمناخ العام لصناعة الدستور:
طلب تلاميذ أرسطو منه أن يضع لهم دستوراص نموذجاً فأجابهم (صفوا لي أولاً الشعب الذي تطلبون اليه دستوراً مع تحديد زمانه ومكانه وظروفه الاجتماعية والاقتصادية فأضعه لكم).
تتأثر صناعة الدستور بالتاريخ السياسي للبلد، كما ان عملية إستصحاب التجارب السابقة والمشابهة مهم للغاية، بالاضافة الي معرفة مميزات البلد، والشعب، وحراكه الاجتماعي والسياسي. إن عملية إجترار تجارب الماضي بكل إيجابياتها وسلبيات يمثل تطويل الازمة ويعقدها.
تختلف صناعة الدستور من بلد لأخر .. بعض البلدان تصنع دستور في ظل إستقرار سياسي فيكون تطوير وإصلاح دستوري ليواكب متطلبات المستقبل، في ظل حالة إنتقال من الشمولية الي الديمقراطية، وفي حالة التحرر من الإستعمار، وبضعها في حالة الخروج من الحرب الي السلام. السودان يمثل حالة مزدوجة ما بين الانتقال من الشمولية الي الديمقراطية وفي حالة اللا حرب واللا سلام.. لذلك فإن تطلع الشعب السوداني لصناعة لدستور كآلية للتحول الديمقراطي وكمدخل لإحلال السلام ووقف الحروب التي أنهكت مقدرات الوطن.
لذلك فإن معظم القوى السياسية تتحدث بقناعة راسخة بأن أهمية الدستور القادم تكمن في إعتباره فرصة لإعادة تأسيس وبناء الدولة السودانية، وانه ليس مجرد وثيقة قانونية جامعة وإنما عقد إجتماعي جديد يؤسس للحوكمة الديمقراطية، لذلك فإن مشاركة الجميع في صياغتها أهم ضمانات التوافق عليها. وفي ذات الوقت فإن أي عملية تلاعب في صياغة دستور آحادي فيه عزل لمكونات الشعب السوداني ستكون نتائجه مخيبة ومحبطة ومن ثم ستزيد الصراع والحروب والإستقطاب. كما أن القوى السياسية تكاد تُجمع على أن صناعة الدستور تتطلب المناخ الحر للعمل السياسي والبيئة القانونية المعافاة وحيادية السلطة القضائية بإعتبارها تمثل راس الرمح في صناعة الدستور.
يؤكد كثير من المثقفين بأن بناء الدولة وإعادة الوطن لمنصة التأسيس يتمثل في دستور دائم يكتبه السودانيون وكل مواطن يحس بأنه منتمي ومشارك في هذا الدستور، هذا ما ظل يقول به الدكتور الطيب زين العابدين والاستاذ شمس الدين ضوء البيت والدكتور إبراهيم الامين وغيرهم.
الحزب الحاكم في السودان أجرى عملية حوارية (الوثبة) هدفت وفق الوثيقة الوطنية ومخرجات الحوار الوطني الي التأسيس الدستوري والسياسي لتوافق أهل السودان لإنشاء دولة راشدة ونظام فاعل، والتوافق علي دستور وتشريعات قانونية تكفل الحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية، والاتفاق على نظم مستقلة لحماية الحقوق، وإقامة إنتخابات حرة ونزيه، هذه الإلتزامات تشكل محل جدل بين الحزب الحاكم وحلفائه ومن حاوروه كأساس لأي عملية دستورية أن يكون هناك توافق بين كافة الاطراف.
للمجتمع المدني دور رئيسي في عمليات التثقيف المدني ورفع الوعي بالقضايا الدستورية وطرق صناعته، وقد إنتظمت عدة ورش عمل وندوات في هذا المجال، وإن ظهرت مطالبات بأن يلعب المجتمع المدني دوراً أكبر من ذلك للإسهام بتقديم مبادرات على كاشلة ما حدث في تونس، بينما يرى الكثيرون أن ذلك هو دور الاحزاب وعلى المجتمع المدني حصر نفسه في الدور التثقيفي والتوعوي. ربما أرجع البعض هذه المرافعة الي ما رسخه د. عزمي بشارة، فبالرغم من إعترافه بفالية المجتمع المدني في الدفاع عن الديمقراطية والمواطنة فإن أكد موقفه بأن عملية بناء الدولة الديمقراطية والعدالة والحريات لا يتم الا بالنضال السياسي.
يعتبر الدستور بمثابة المجتمع العقد الاجتماعي Social Contract الذي يتطلب مشاركة كافة المواطنين بما في ذلك القوى الحيوية الجديدة لا سيما الشبابية والنسوية والمطلبية، وذلك لضمان تضمين قضاياهم وحقوقهم والنص عليها ضمن القضايا التفاوضية.
المجتمع الدولي شهد أنواعاً كثيرة من الدساتير منها ما هو مكتوب كمعظم دول أروبا ومنها ما هو غير مكتوب كما في المملكة المتحدة، كما شهد طرق مختلفة لصناعته، ووقف على تجارب عدة، وتفضل التجربة السودانية جديرة بالنظر اليها بمنظار مختلف، ثمة مطالب بأن يساعد المجتمع الدولي السودانيون في صناعة حقيقية لدستور دائم، بدلاً أن يدعم عمليات ترقيعية تزيد من أزمات البلاد.
كل مؤشرات السياق السياسي في البلاد تؤكد بأن إمكانية صناعة دستور متوافق عليه ممكنة، كما أنه هناك تجارب ماثلة في الديمقراطية الدستورية تأسست علي التمثيل الشعب في غانا وتونس وأثيوبيا وغيرها، فهل سينجز السودانيون دستور بصورة شفافة ومتوافق عليها؟.
تحديات صناعة الدستور في هذه المرحلة المفصلية:
1. التحول الديمقراطي الدستوري يطلب ثقافة ديمقراطية، وهذا يطلب زمن طويل في مسح أثار التمكين والاستبداد والشمولية.
2. المشاركة الواسعة للمواطنين بالذات في الريف في الشأن العام وفي صناعة الدستور.
3. النزاعات والاقتتال القبلي والمليشيات المسلحة وطوحاتها السياسية والمغامرات الانقلابية.
4. التوافق السياسي بين أحزاب المعارضة أولاً والتوافق بين أحزاب الحكومة ثانياص، الانشقاقات داخل الاحزاب وداخل التحالفات من أكبر التحديات أمام التوافق علي الدستور.
5. النظام الحالي هو الأكثر إختراقاً للدساتير التي وضعها بنفسه.
6. تناقض الاجندات الدولية والاقليمية وموقفها من الدستور والانتخابات.
7. حزمة القوانين المقيدة للحريات السارية المفعول الإ دليل قاطع بأن النظام يستخدم الدستور فقط عند الحوجة لإكتساب شرعية ما ويتجاهله ويتجاوزه عندما يرتبط بحقوق الآخرين.
الطريق الي صناعة الدستور القادم:
لقد تطور مفهوم صناعة الدستور وأصبح عملية تشاركية يقوم بها كل الشعب ويحدد مرتكزاتها ويناقش تفاصيلها بكامل الحرية والشفافية وجماعية المشاركة ليكون الدستور وثيقة تعبر عنه وعن مطلوباته وتعكس روحه وثقافاته المتعددة وتحظى بقبوله وولائه.
تقوم صناعة الدستور على:
1. المشاركة الجماعية.
2. الحوار المتصل.
3. التوافق الوطني.
4. الشفافية التامة.
5. إصدار قانون يضمن حياد ونزاهة لجنة الحوار الدستوري.
ولتنظيم حملة لصناعة الدستور هناك إجماع من قبل منظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية وأكاديميين على الخطوات التالية:
1. تشكيل لجنة قومية للحوار حول الدستور تكون مستقلة سياسياً وإدارياً ومالياً.
2. حملة توعية قومية تشمل كل السودان وتسهم فيها الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني لتشرح للناس مفهوم الدستور.
3. فتح الحوار الجامع حول الدستور ورصد أفكار الناس وآرائهم ومقترحاتهم بكافة وسائل الاتصال والرصد. يشترك في الحوار كل القوى السودانية السياسية المدنية والمسلحة والأهلية.
4. يتم الحوار في جو ديمقراطي حر ليعبر الجميع بكل حرية وشفافية عن رؤاهم. تدير هذا الحوار آلية قومية متفق عليها.
5. تشكيل هيئة فنية تحول لها المعلومات والأفكار والمقترحات لدراستها وتحليلها وتحديد المواقف والخيارات والتوصيات الواردة من كل أنحاء السودان.
6. تحول تلك النتائج إلى مفوضية مستقلة متوافق عليها للدستور لتتولى صياغتها ملتزمة التزاماً كاملاً بمخرجات لجنة الحوار.
7. تطرح لجنة الحوار المسودة مرة أخرى لحوار جامع ملتزمة بقواعد الشمول والشفافية وتجري تعديلات على المسودة على ضوء ذلك الحوار العلني.
8. تقديم المسودة إلى جمعية تأسيسية منتخبة انتخاباً حراً ونزيها ومراقباً للنظر فيها وتجرى تعديلات على المسودة على ضوء ذلك الحوار العلني.
9. تقدم المسودة إلى جمعية تأسيسية منتخبة انتخاباً حراً ونزيهاً ومراقباً للنظر فيها واعتمادها.
خاتمة:
كتب أرسطو في مجلده السياسة ما يلي: ( الأنظمة الارستقراطية معرضة بشدة لتغيرات غير محسوبة من خلال إسترخاءات متدرجة وان سببا غير وجيه قد يكون مصدر إضطرابات عندما يستغني عن بند من الدستور يصبح من السهل قبول تغيير أخر أكثر أهمية حتي زعزعة كل البنيان السياسي). صناعة الدستور عملية ليس أقل من أهمية من مضامين الدستور وقضاياه وربما تكون الاكثر أهمية، كما ان المشاركة الواسعة من قبل الشعب في عملية الصناعة هي الضامن لديمومة الدستور والمحافظة عليه والالتزام به وبالتالي يصبح سموه وسيادته من المسلمات. الصناعة السليمة سوف تعيد البلاد الي منصة التأسيس وتضعه في سلم التحول الديمقراطي، الإصرار على تكرار تجارب الماضي وإقصاء الاخرين ستعقد الاوضاع في السودان بصورة كارثية، السودانيون أمام إمتحان صناعة دستور متوافق عليه فهل سيجتأزونه؟ هذا ما ستكشف عنه الشهور القليلة القادمة.
المراجع:
1. الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة – الامام الصادق المهدي.
2. دراسات في السياسة السودانية – الطيب زين العابدين.
3. دراسات حول الدستور – تحرير محجوب محمد صالح.
4. تجارب التحول الي الديمقراطية- تحرير سيرجيو بيطار وابراهام لوينثال.
5. قضايا سودانية معاصرة – د. الطيب حاج عطية.
6. المجتمع المدني دراسة نقدية – عزمي بشارة.
7. مقال الخطوط العريضة لمتطلبات صناعة الدستور – نبيل أديب- يوليو 2018م
*******
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.