قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ليس دفاعا عن عرمان ،،،،،،،،، و لكن حبا لهذا الشعب .. بقلم: الهادي هباني
نشر في سودانيل يوم 22 - 02 - 2010

يواجه شعب السودان علي تنوعه و تعدد ثقافاته و أعراقه بواقعه الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي المعقد منذ منتصف 1989م و حتي يومنا هذا سلطة سياسية تعبر منذ نشأتها، عن فكر ديني سلفي بحت يفسر كل قضايا الصراع الإجتماعي و السياسي في بلادنا علي أساس أنها تمثل صراعا دينيا بين الإسلام الذي يتمثل فيهم و في من هو مؤيد لهم، و الكفر الذي يتمثل في كل المعارضين لهم من جماهير شعبنا، مسلمين كانوا أم غير مسلمين. فالوثنيين، و المسيحيين و غيرهم من الديانات الأخري هم بطبيعة الحال كفرة يمثلون ذراعا للقردة و الخنازير من اليهود و النصاري في السودان. أما المعارضين فلهم تصنيفات عدة. فالشيوعيين و التيارات اليسارية الأخري كفار لا محالة، أما الأحزاب الطائفية الكبري فهم مسلمون مع التشكيك الفكري في مدي صحة إسلامهم الصوفي، بجانب أن الأحزاب الطائفية تمارس الكفر بشكل غير مباشر بتحالفها مع الشيوعيين، الحركة الشعبية و تنظيمات أخري يسارية. لذلك نجد أن دعايتهم في أية إنتخابات نقابية، مهنية، طلابية، أو برلمانية تنصب علي وصف تجمع القوي الديمقراطية بأنه تجمع شيوعي علماني معادي للدين.
و هذا الموقف السلبي المتعالي آحادي النظرة يجعلهم بالضرورة أكثر تشددا و تعصبا في التعامل مع قضايا الصراع القومي و يفسر موقفهم الإستعلائي من القوميات الإفريقية المسلمة و غير المسلمة و يبرر سعيهم طوال السنوات العشرين السابقة لفرض الثقافة العربية الإسلامية دون سواها علي واقع بلادنا حتي لو أدي ذلك إلي بتر بعض أجزائه و محوها تماما من أطلس السودان و جغرافيته.
و لعل الخطاب السياسي لقيادات سلطة الإنقاذ الحاكمة منذ فجر الثلاثين من يونيو 1989م و حتي اليوم بطابعه الإستعلائي المتعصب يعبر عن تلك النظرة الدينية أحادية الجانب التي تميز الفكر الديني السلفي بشكل عام. و لن يمحو شعب السودان تلك الِغدد و المرارات التي ظل يكتمها و يراكمها بصبر و جلد و هو يستيقظ كل صباح، و لسنوات عدة، علي صوت إبراهيم شمس الدين و هو يلقي ببيانه الصباحي المثير للإمتعاض، و برنامج في ساحات الفداء الذي يسعر نيران الحرب و الدمار و يروج لثقافة القتل، مرورا بخطابات السيد الرئيس المشهودة و المحضورة التي لم يسلم من سهامها أحدا في الداخل و الخارج، و هستيريا التهليل و التكبير و الإنشاد علي أنغام الفرقة الماسية المصاحبة، وصولا للسيد نافع، بلسانه الهجائي الذي يضاهي شاعر الهجاء العربي بشار بن برد بجلالة قدره. و حتي قياداتهم الأخري التي تنأي بنفسها عن الهجاء في خطابها لم تستطيع إخفاء الطابع الإستعلائي المتشدد الذي يميز و يعبر عن فكرهم الديني السلفي آحادي النظرة. و هذا الموقف المتعصب و المتطرف من قضايا الصراع القومي في بلادنا ليس غريبا عليهم بل يأتي متسقا مع طبيعة حركة الأخوان المسلمين و التي هي أصلا و منذ نشأتها أحد أهم إفرازات الإضهاد القومي الذي مارسه الإستعمار الغربي علي الشعوب العربية و الإسلامية بشكل عام، و التي نشأت و تطورت كواحدة من أهم تيارات ما اصطلح عليه تاريخيا بحركة النهضة العربية أو البعث الإسلامي و التي تمثل فيها حركة الأخوان المسلمين الذراع الأيديولجي للفكر الديني السلفي الثيوقراطي المتطرف. فهو من ناحية، يفسر و يختزل الصراع بين الغرب و الشرق بكل أبعاده الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية في الجانب الديني فقط لإعتقاده الجازم بأن الغرب يهدف إلي محو الثقافة العربية الإسلامية و طمسها و تشويهها، و من ناحية أخري، يقدم الإسلام كدين و دولة، و كنظام شامل لا مجرد دين نظري منحصر فقط في الطقوس و العبادات و علاقة الإنسان الفرد بربه.
و كما كانت حركة البعث الإسلامي و النهضة العربية (كما يبين الشهيد حسين مروة) تقدمية في حسها القومي المناهض للغرب و رجعية في فهمها القاصر للظروف التاريخية التي قام علي أساسها الإستعمار الغربي، و كذلك في عجزها عن تقديم بديل متكامل متصالح مع شعوب المنطقة و تطلعاتها، فقد فشلت أيضا حركة الأخوان المسلمين منذ نشأتها و حتى الآن في تقديم نظام اسلامي متكامل بأسسه و قوانينه و سماته الخاصة التي تميزه عن غيره من الأنظمة في كافة مناحي الحياة السياسية، الاجتماعية، و الاقتصادية. و السبب في هذا الفشل هو أن حركة البعث الإسلامي كانت مجرد ردة فعل تلقائية و حماس غير ممنهج يعبر عن دافع ديني و شعور قومي لبعض شرائح البرجوازية الصغيرة المتأسلمة (بقيادة حسن البنا) من المعلمين، الأطباء، طلبة و أساتذة الأزهر و بعض خريجيه، خريجي المعهد الديني و كلية دار العلوم و بعض المعاهد الدينية، و الجامعات و الكليات المصرية بضرورة وجود كيان إسلامي للدفاع عن عقيدة الإيمان بالله و إحياء التراث الإسلامي في مواجهة الغرب و في مواجهة المد الشيوعي و انتشاره في مصر عقب اندلاع الثورة البلشفية في روسيا عام 1917م.
و بما أنه و كما أسلفنا (في الحلقة السابقة) من الصعب علي الإنسان إتخاذ موقفا آيديولوجيا معينا من الحاضر و في نفس الوقت إتخاذ موقفا آيديولوجيا مغايرا من التاريخ أو التراث فإن عجز الأخوان المسلمين عن فهم طبيعة الصراع بين الإستعمار و شعوب المنطقة و التعامل معه بردة الفعل العاطفية المدفوعة بالإحساس القومي البحت يفسر عجزهم عن فهم الظروف الإجتماعية التي ظهر فيها الدين الإسلامي و نشأت بمقتضاه الدولة الإسلامية. و لذلك فقد ركز منهجهم السلفي كل إهتمامه علي إبراز السمات الخاصة بالجوانب الغيبية في التراث العربي الإسلامي دون ربطها بالظروف الإجتماعية و الإقتصادية التي شكلت الأساس المادي لمجمل المبادئ السامية التي نادي بها الإسلام من قيم التوحيد، المساواة، العدالة، و غيرها، و لعل في قول الرسول الكريم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" لعبرة فتعبير "إنما" في اللغة يفيد الحصر و القصر فهنالك فرق مثلا بين أن تقول "جئت لمعايدتك" و بين أن تقول "إنما جئت لمعايدتك" ففي الأولي تعميم أما في الثانية تأكيد و حصر. و لم يقل رسولنا الكريم جئتكم بشئ جديد و إنما لأتمم ما هو موجود في واقعكم من مثل و قيم كريمة. فمكارم الأخلاق ليست حكرا علي أمة دون سواها و لا بشرا دون بشر و لا جنس دون جنس و لا لغة دون لغة و لكنها لغة الإنسان، كل إنسان، علي مر العهود و الدهور و الأجيال، يفهمها الصغير و الكبير، الغني و الفقير، الساقي و الأمير. و لو لم تتميز الدعوة الإسلامية في صدر الإسلام بهذه النظرة الواقعية الشمولية ذات البعد الجدلي الذي يربط بين مبادئ الدعوة الإسلامية نفسها و بين الواقع الإجتماعي و الإقتصادي و السياسي الذي يعيشه الناس في جزيرة العرب، لما كتب لها النجاح. و لعل طابع الحكمة هذا هو الذي ميز به المولي عز و جل الدعوة الإسلامية و خص به رسوله الكريم و أكسبه الحكمة و العقل الراجح و البصيرة النافذة و النظرة الشمولية للأمور منذ فترة مبكرة من حياته، و سيرته الكريمة حافلة بالمواقف التي يبرز فيها هذا الطابع. فقصة إحتكام القوم إليه في حادثة الحجر الأسود ليست إلا واحدة من القصص التي تعكس حكمته التي جبل عليها.
و إنطلاقا من هذا الفهم فإن النظرة السلفية للإسلام تفقد الإسلام محتواه الإنساني و جوهره المرن، الذي يعطيه القدرة علي التجاوب مع معطيات الواقع الحياتي للناس و الذي هو واقع متجدد و متغير علي مر العهود و الأزمان، و تجعله متصادما مع حقائق الحياة و معرض بالتالي للإصابة بداء الإغتراب و التطرف كتطور طبيعي للنظرة الجامدة آحادية الجانب التي تأخذ من الدين نصوصه فقط و تهمل جوهره و محتواه. و المتابع لميلاد و نشأة الحركات الإسلامية المتطرفة في العالم اليوم (في باكستان، أفغانستان، الجزائر، إندونيسيا، ماليزيا، العراق، مصر ... إلخ و التي تجد نفسها اليوم في مواجهة مع كل العالم مثل القاعدة، جماعة التكفير و الهجرة، جماعة جند الإسلام، و غيرها) يجدها و قد ولدت من صلب حركة الأخوان المسلمين و تفرخت منها و إتسع نطاقها و أصبحت تيارات إرهابية تهدد حياة الناس الأبرياء تحت دعاوي محاربة الغرب، و لا يمر يوم علي العالم إلا و كان هنالك خبرا عاجلا في الفضائيات المختلفة بموت العشرات بل المئات نتيجة لإنفجار ما أو عملية إرهابية هنا أو هناك. و هي بذلك تسئ لسمعة الإسلام للدرجة التي أصبحت معها صورته مشوهة و مقرونة بالإرهاب و القتل و الدمار بالذات في البلدان و المجتمعات التي من المفرتض أن تكون هدفا للدعوة الإسلامية إلي سبيل الله بالحكمة و الموعظة الحسنة من خلال إبراز جانب التسامح و التعايش السلمي و التصالح مع حقائق الحياة و واقع الناس المتجدد و متغيرات العصر.
أما الأقسام الأخري التي ظلت باقية في حركة الأخوان المسلمين في كثير من الدول العربية فقد إنتهي بها المآل للتحول إلي كيانات إقتصادية كبري مدفوعة بتحالفها مع الرأسمالية الإسلامية الخليجية في حقبة السبعينات التي شهدت تحولات كبيرة في تركيبة المجتمع العربي و الإسلامي ساعدت علي صعود طلائع البرجوازية الصغيرة ممثلة في أقسامها الحاكمة في مصر و السودان و بعض البلدان الإسلامية في سلم الصراع الطبقي و تحولها و تحالفها مع الطبقة الرأسمالية الإسلامية المدعومة و المتحالفة مع الرأسمالية الخليجية إبان حكم الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود (1964- 1975) و ما نتج عنه من سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر و السودان بعد حرب أكتوبر 1973و التحول نحو الغرب و إبرام اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978م و إطلاق دور القطاع الخاص، و تصفية علاقات الإنتاج الاشتراكية و تدمير مؤسسات القطاع العام و حدوث تقارب بين السادات و النميري و بين الملك فيصل بن عبد العزيز الذي نجح في إحداث تقارب بين السادات و النميري من ناحية و بين الإخوان المسلمين بقيادة عمر التلمساني في مصر و حسن الترابي في السودان من ناحية أخري مستغلا حاجة النظامين الحاكمين في مصر و السودان لفوائض دول الخليج، و في نفس الوقت كان الأخوان يتطلعون إلي بناء مؤسساتهم الإقتصادية و التحول إلي كيان إقتصادي كبير و مؤثر. و قد ساعدهم هذا التحالف مع نميري عقب المصالحة الوطنية عام 1977م علي تدفق رأس المال الإسلامي الخليجي و الذي تم تتويجه بتأسيس بنك فيصل الإسلامي و مهد فيما بعد لفرض قوانين سبتمبر و أسلمة النظام المصرفي و نمو الرأسمالية الإسلامية الطفيلية و إتساع مؤسساتها الإقتصادية التي وظفت لتمويل و تقوية تنظيم الأخوان المسلمين و المنظمات و الأجهزة التابعة له مما ساعدهم لحد كبير علي إستلام السلطة السياسية في منتصف 1989م.
و برغم كل هذه السلطة و الجاه اللتان أنعم الله بهما علي حركة الأخوان المسلمين في بلادنا لما يزيد عن العشرين عاما، و برغم الدعم المادي و المعنوي الذي وجدوه و لا زالوا يجدونه من دول منظمة العالم الإسلامي إلا أنهم فشلوا فشلا جليا في إقامة الدولة الدينية و في تحقيق مشروعهم الإسلامي الحضاري الذي يحلمون به و يسعون إلي تحقيقه منذ أكثر من ستين عاما برغم التنازلات الكبيرة التي ظلوا يقدمونها طوال السنوات السابقة تحت ضغط و مقاومة الجماهير بمختلف مستوياتها التنظيمية، لأنه مشروع غير قابل للتطبيق يتعارض مع واقع بلادنا متنوع الثقافات متعدد الأعراق و الأنماط الإجتماعية و الإقتصادية متباين القوي السياسية و التنظيمات الجماهيرية و كلما نشطت محاولات الأخوان المسلمين في بلادنا لتنفيذ مشروعهم الحضاري كلما إتسعت و إشتدت مقاومة الجماهير له.
و من الثابت أن شعب السودان قد رفض الدولة الدينية منذ دخول العرب المسلمين السودان فبرغم تفوق قوتهم العسكرية إلا أن واقع مملكة النوبة بشكل خاص و السودان الشرقي بشكل عام حال دون فرضهم للدولة الإسلامية و لجأوا لعقد إتفاقيات سلمية مع النوبة و البجا دامت لأكثر من ستة قرون شهدت فيها المنطقة نموذجا فريدا من التعايش السلمي إنتشر خلالها الإسلام و تحولت الممالك المسيحية بشكل طوعي إلي الإسلام. و لذلك فإن قبائل النوبة في الشمال و البجا في شرق السودان برغم دخولهم الإسلام إلا أنهم حافظوا علي لغاتهم و ثقافاتهم المحلية و هذا يعتبر أحد أهم الجوانب التي تبين عبقرية و عظمة شعبنا. و في هذا يورد الدكتور فرانسيس دينق في مولفه القيم (دينامية الهوية أساس للتكامل الوطني في السودان "ترجمة محمد علي جادين" في الصفحة "24") إشارة للمؤرخ جاك ماندلسون (Jack Mendelssohn) مفادها (أن السودانيين الشماليين "قد مارسوا عبقريتهم من أجل الإستيعاب، و ذلك عن طريق إعادة تشكيل دين الرسول محمد بشكل يتناسب مع أذواقهم أكثر من رغبات علماء اللاهوت" "غنوا و رقصوا فيه، و وثنوا جزءا كبيرا منه، و لكنهم إلتزموا، دائما، الحقيقة الخجولة بوحدته المتأصلة تحت حكم الله الواحد الأحد") و في هذا قدر كبير من الفلسفة و الفهم الصوفي لإسلام السودانيين لذلك شكل المجتمع السوداني تربة خصبة لنمو و إذدهار الطرق الصوفية و التي لعبت دورا كبيرا في نشر الدين الإسلامي في السودان و هذا في حد ذاته دليلا إضافيا يعزز رفض السودانيين للفكر الديني السلفي.
و علي الرغم من ظهور التصوف في القرن الثاني الهجري مع مشاهير الزهاد مثل إبراهيم بن آدم، وداود الطائي، معروف الكرخي، أبو سليمان الداراني، ذو النون المصري، إلا أن القرن الثالث الهجري مثل العصر الذهبي للتصوف حيث بدأ الانقسام والضعف يدب في جسم الدولة الإسلامية وامتد حتى القرن الرابع الهجري، و من ثم تحول التصوف إلي مدرسة لها قواعدها وأصولها و أصبح لها دور بارز و فعال في تطور الفكر الفلسفي الإسلامي حيث كانت حسبما بين الشهيد حسين مروة في موسوعته الضخمة (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية) تمثل الشكل الآخر الجديد للفلسفة العربية لدي خروجها أول مرة في إطار البحث الكلامي حيث يقول المؤلف: (أن ما دعاه لتناول ظاهرة التصوف ضمن دراسته للفلسفة العربية الإسلامية هو ما لحظه في تراث الفكر الصوفي من بحوث ذات أسس وأصول ومفاهيم فلسفية، ومن اعتماد للنظريات الفلسفية في بناء نظرية التصوف حول مسألتي الوجود والمعرفة. لذلك استقر الرأي عنده أن الفكر الصوفي هذا هو جزء من الفلسفة العربية الإسلامية لكنه جزء تميز منها بطابعه الخاص، ونظريته الخاصة).
و في الثورة المهدية وجدت دعوة المهدي الصوفية قبولا و ترحيبا من قبل كل شعب السودان بمختلف سحناته و أعراقه بما في ذلك القبائل غير المسلمة في جنوب السودان و التي أيدت الثورة المهدية و تحمست لها لمعاناتها من وحشية الحكومة التركية، مثل قبيلة الدينكا التي أعجبت بشخصية المهدي الصوفي و نظرت إليه كمصلح إستوعبته في دينها الخاص، و إعتبرته روحا مقدسة، ينظر إليه كإبن دينق الروح العظيمة التي يقدسها الدينكا و قد تغنوا له بترنيمة أوردها الدكتور فرانسيس دينق في مولفه (السابق ذكره: الصفحة "38") و التي تقول:
أنه المهدي بن دينق نصلي له نحن النمل علي الأرض دينقنا
نتضرع لآلهة العشيرة و كذا دينق قد ظل الرجال التعساء ثماني سنوات
ما ضرنا و أساءنا هو في الماضي الذي تحدث عنه الأعظم من أعلي
إنه المهدي بن دينق نصلي له علي الأرض دينقنا نتضرع لآلهة القبيلة طويلا طويلا
و لكن سرعان ما تراجع الدينكا عن تأييد المهدية بعد إنتصارها و إقامتها للدولة الدينية المتشددة و قاوموها مثل ما قاومتها كثير من القبائل الشمالية مما أفقدها أحد أهم مصادر قوتها، و هو، وحدة الشعب السوداني، و الذي ساعد فيما بعد علي هزيمتها.
كما حاولت حركة الأخوان المسلمين من خلال تحالفها مع السفاح نميري إقامة الدولة الدينية فبايعته إماما و فرضت قوانين سبتمبر 1983م غير الإنسانية و التي أعدم بموجبها الشهيد محمود محمد طه أحد أبرز رموز الفلسفة و الفكر الصوفي في بلادنا، كما صلبوا ما صلبوا، جلدوا ما جلدوا، و قطعوا من خلاف و لكن في مارس/أبريل كانت لشعب السودان كلمته الفاصلة و خياره الديمقراطي الرافض للدولة الدينية و المشروع الحضاري و هو قادر علي هزيمتها في كل زمان و مكان.
Alhadi Habbani [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.