تنبيه للأفراد والشركات والشراكات التي تعمل في مجال التجارة الإلكترونية    تسلل أجانب وسودانيين من إثيوبيا إلى كسلا دون فحصٍ طبي    دعوة للاجتماع العادي السنوي والاجتماع فوق العادة للجمعية العمومية للمساهمين بالبنك الإسلامي السوداني    تعافي الإسباني المصاب بكورونا في الخرطوم    نقابة الاطباء ترفض مطالب اقالة وزير الصحة    الحوار الفكري حول مدارس الاقتصاد .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن    مقدمة في حسن إدارة مورد النفط .. بقلم: حمد النيل عبد القادر/نائب الأمين العام السابق بوزارة النفط    من أجل برنامج عاجل ومساندة سياسية .. بقلم: سعيد أبو كمبال    نقص حصة الخرطوم من دقيق المخابز بنسبة 50%    رحيل ساحر الكرة السودانية ودكتورها    مش لما ننظف الصحافة الرياضية أولاً!! .. بقلم: كمال الهِدي    حُبُّ المِلِحْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ السَّادسة والثَلَاثُوُنْ. .. جَمْعُ وإِعدَادُ عَادِل سِيد أَحمَد    توفير الوعى الصحى فرض عين!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    فيروس كورونا .. بقلم: بابكر عباس الأمين    الصحة تقر بعدم التواصل مع (50%) من القادمين خلال فترة الاستثناء    حكاوي عبد الزمبار .. بقلم: عمر عبدالله محمد علي    لغويات من وحي وباء كرونا: كحّة أم قُحّة؟! .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    قراءةٌ في تَقاطيع الحياة الخاصة .. بقلم: عبدالله الشقليني    مساجد الخرطوم تكسر حظر التجوال وتقيم صلاة العشاء في جماعة    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    الصحة تعلن عن أكتشاف حالة سابعة لمصاب بكورونا في البلاد    أزمة فايروس كورونا تؤثر على القيمة السوقية للأندية    تيتي : نيمار برشلونة أفضل من باريس سان جيرمان    الموندو : برشلونة يوفر 14 مليون يورو من رواتب لاعبيه    انتحار فتاة بسبب رفض أسرتها لشاب تقدم للزواج منها    الجلد لشاب ضبط بحوزته سلاح أبيض (سكين)    القبض على (12) تاجر عملة ب"مول" شهير بالخرطوم    العراق.. واشنطن تنشر صواريخ "باتريوت" في قاعدتي "عين الأسد" و"حرير"    بيونغ يانغ: سماع خطاب بومبيو السخيف جعلنا نفقد أي أمل    ترامب حول "ممارسة الصين التضليل" بشأن كورونا: كل بلد يفعل ذلك!    إجلاء عدد من الرعايا الامريكيين والكنديين من السودان    تأجيل امتحانات الشهادة السودانية إلى أجلٍ غير مُسمى    الخرطوم: قرار بمنع بيع العبوات البلاستيكية أقل من (1) لتر    يجوا عايدين .. والاقحوانة مروة بابكر .. بقلم: عواطف عبداللطيف    السودان وخارطة الطريق للتعامل مع إسرائيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    سامح راشد : أخلاقيات كورونا    الاستخلاف العام الثانى للامه والظهور الاصغر لاشراط الساعه .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    الموت في شوارع نيويورك..! .. بقلم: عثمان محمد حسن    من وحي لقاء البرهان ونتنياهو: أين الفلسطينيون؟ .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد    أمير تاج السر:أيام العزلة    شذرات مضيئة وكثير منقصات .. بقلم: عواطف عبداللطيف    نهاية كورونا .. بقلم: د عبد الحكم عبد الهادي أحمد    مقتل 18 تاجراً سودانياً رمياً بالرصاص بدولة افريقيا الوسطى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    والي الخرطوم : تنوع السودان عامل لنهضة البلاد    محمد محمد خير :غابت مفردات الأدب الندية والاستشهادات بالكندي وصعد (البل والردم وزط)    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لمحات من التصوف في السودان: جذوره وتطوره
نشر في السودان الإسلامي يوم 31 - 05 - 2008

في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي ، قدم الفقيه الشيخ غلام الله بن عائد اليمني إلى دنقلا . عاصمة مملكة النوبة المسيحية ، وقرر الاستقرار بها لأنها كانت في غاية الحيرة والضلال لعدم وجود القرآن والعلماء بها . فلما حل فيها عمر المساجد وقرأ القرآن وعلم العلوم مباشرة لأولاده وتلامذته ولأولاد المسلمين.
تتفق حالة التيه هذه مع ما ذكر الرحالة يوحنا السوري عند وصفه لنهاية المسيحية في مملكة علوة من أن سكانها ليسوا بمسيحيين ولا يهود ولا مسلمين ولكنهم يؤملون أن يظلوا مسيحيين . ويستشف من هذا الوصف المقتضب وجود تعطش ديني وجذب روحي . وقد وجهت طلائع العلماء من المسلمين جهودها لملئ هذا الفراغ . فتابع أبناء غلام الله بن عائد وأحفاده هذا الجهد لتعميق تعاليم الدين الإسلامي بين المواطنين.
وكان ممن أثروا هذا التوجه ، الشيخ حمد أبو دنانه الذي قدم من المغرب في النصف الثاني من القرن الخامس عشر ، وأستقر بقرية سقادي غرب المحمية . والشيخ حمد هو صهر الصوفي الشيخ أبو عبدالله بن محمد بن سليمان الجزولي (ت 1465) زعيم الطريقة الشاذلية في المغرب ، ومؤلف كتاب "دلائل الخيرات". ولعل الطريقة الشاذلية كانت أول الطرق الصوفية انتشارا في السودان ، ولكن لا نعرف الكثير عن أثرها في تلك الفترة.
ويبدو مما تقدم أن أثر طلائع العلماء والمتصوفة مازال محدودا في تعميق تعاليم العقيدة الإسلامية بين المواطنين عند قيام سلطنة الفونج في مطلع القرن السادس عشر إذ يؤكد ابن ضيف الله ، أنه في ذلك الوقت لم يشتهر في تلك البلاد مدرسة علم ولا قرآن.
بدأ دخول الدعوة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من سودان وادي النيل منذ منتصف القرن السابع الميلادي عندما عقد عبد الله بن سعد بن أبي سرح عهد النوبة مع ملك المقرة وفي ظل هذه الاتفاقية توغل التجار المسلمون إلى أعماق بلاد النوبة وما وراءها . ومع أن جهود هذه الفئة كانت منصرفة إلى المناشط الاقتصادية في المقام الأول إلا أنها كانت بمثابة رأس الرمح في نشر القعيدة الإسلامية بين الوطنيين.
فمنذ القرن العاشر الميلادي أستقر العرب في نوباتيا أو المريس وصاهروا الوطنيين . وكانت النتيجة أن اعتنق المولدون الدين الإسلامي ، وتمثلوا كثيرا من مظاهر الثقافة العربية . وكما توغل النفوذ العربي جنوبا تكررت هذه العملية مضيفة حلقة جديدة لدائرة النفوذ العربي الإسلامي . ولكن في شيء من التدرج.
وقد اسهم من أداروا عمليات التنقيب عن الذهب والزمرد في الصحراء الشرقية بدور مماثل إلا أن دور التجار ممن اشتغلوا بالتعدين كان محدودا إذا ما قورن بدور الأعراب الذين أخذوا يتسربون إلى السودان منذ القرن التاسع في هجرات سلمية بحثا عن المرعي وهروبا من سيطرة الحكومات المركزية في مصر وبلغت هذه الهجرات العربية ذروتها في القرنيين الرابع عشر والخامس عشر ، وقد أدى دخول البدو في أعداد كبيرة إلى نشر الإسلام بين المواطنين بصورة مبدئية أو أسمية ركزت علي العموميات دون التعمق . وتحقق هذا الإنجاز علي ضآلته ، بفضل الجهود الفردية للتجار والبدو ، وجلهم كما نعرف مما تنقصهم المعرفة العميقة بتعاليم الإسلام.
اهتم الدعاة من التجار والأعراب ومن صاحبهم من العلماء في تلك المرحلة في سعيهم لكسب المسيحيين والوثنيين بالتركيز علي السمات العامة للدين الإسلامي دون التفاصيل المرهقة والتشدد المنفر ، وكانت عملية التحول من المسيحية والمعتقدات الأفريقية إلى الإسلام بطيئة جدا وقد كانت أسمية في كثير من الظروف.
وبقيام سلطنة الفونج الإسلامية (1504 – 1821م) في شراكة مع مملكة العيدلاب العربية (1450-1821م) ولد نوع من الاستقرار والوحدة السياسية في سودان وادي النيل مهد لنشر الدين الإسلامي والثقافة العربية علي نسق أعمق واشمل من الصورة الباهتة التي رسمها ابن ضيف الله عنه . فقد شجع السلاطين والملوك العلماء علي الهجرة إلى السودان . وأجزلوا لهم العطاء وأغدقوا عليهم الهبات وكان قصدهم من ذلك تهيئة المناخ لتعليم القرآن الكريم وعلوم الفقه وتبصير الكبار بشرح أصول الدين وتجنب ما يتعارض معه من الموروثات الوثنية . وتمكن بعض السودانيين من الهجرة إلى مصر والحجاز طلبا للعلم ، ويمثل عهد السلطان عمارة الثاني (7-1558-8-1569) والشيخ عجيب المانجلك (1570-1611م) فترة نشطة حركة الأسلمة التي أجتاحت البلاد بصورة مكثفة وعلي نهج علمي سليم.
وبعودة المبعوثين وتقاطر العلماء الوافدين بتشجيع من الملوك والزعماء تبدأ المرحلة الثانية في نشر العقيدة الإسلامية علي نهج تربوي أساسه كتب الفقه وكان جل الرواد من العلماء المصريين من الفقهاء بينما غلب الأثر الصوفي علي من وفد من الحجاز ، وجمع الأثر المغربي بين الطابع الفقهي والصوفي ونلاحظ أن فترة الأسلمة النشطة في السودان قد تزامنت مع فترة ركود فكري عم العالم الإسلامي إذ حصر العلماء جهودهم في دراسة العلوم النقلية من فقه وشريعة وعلم كلام دون اجتهاد . أضف إلى ذلك أن انتشار الإسلام في السودان قد استغرق زمنا طويلا . كما أن العزلة التي خيمت علي البلاد بسبب صعوبة المواصلات وتفشي الجهل وغلبة الأمية في بلد مترامي الأطراف جعلت مهمة الرواد من الفقهاء صعبة ولذا كرس العلماء جهودهم في تحفيظ القرآن ودراسة علوم الحديث والفقه والتوحيد في إطار المذهب المالكي الذي غاب عن البلاد . إلا أن هذه الثقافة الفقهية القائمة علي الفقه وعلوم الشريعة لم تستهو كل السودانيين بل أن كثيرا منهم آثر الانخراط في طريق القوم والسير علي نهج الصوفية الذي كان في حالة توسع في سائر البلاد الإسلامية ومهما يكن من أمر فإن جهد الفقهاء في نشر العلوم الإسلامية كان سابقا لجهود المتصوفة ، وكانت جهود الأوائل مؤسسة علي تعاليم أهل السنة . ويلاحظ أن السودان لم يتأثر بتعاليم الشيعة أو الخوارج.
لما غلب الإسلام علي السودان وظهرت الممالك الإسلامية فيه كان التصوف قد تبوأ مكانا مرموقا في إطار العقيدة الإسلامية بعد صراع طويل مع الفقهاء وأهل السنة وصار قوة كبرى في نشر تعاليم الإسلام في آسيا وأفريقيا وقوى سلطانه علي الخاصة والعامة . وزادت هيمنته الروحية علي الجيوش المقاتلة في ثغور الخلافة العثمانية فلما توافدت الطرق الصوفية علي سلطنة الفونج وجدت التربة صالحة والجو مهيئا لنشر رسالتها.
ظهرت بوادر التصوف الأولي في نزعات الزهد القوية التي عمت المجتمعات الإسلامية في القرن الأول للهجرة . وكان الداعون إلى الزهد من أشهر أتقياء المسلمين ، وكان بعضهم من طبقات القراء ورجال الحديث وعلماء الفقه مثل: الحسن البصري
(ت. 0270م) ، الذي يعتبره الصوفية واحدا منهم ، وسعيد بن جبير ، وعامر بن شرحبيل الشعبي ، ومحمد بن سيرين . وكانت العوامل التي دفعتهم إلى الزهد هي تفشي الحروب الأهلية وتطرف الأحزاب السياسية ، واستبداد الحكام ، والإسراف في ملذات الدنيا ، فأتجهت أنظار المسلمين للآخرة وغلب عليهم الشعور بالخطيئة والخوف من عقاب الله فدفعهم ذلك للإكثار من التوبة والاستغفار . وكان الزهاد يخشون الانحراف عن جادة الشرع ومع أن الزهاد من العلماء ظلوا يمارسون حياتهم العادية دون انقطاع عن مخالطة الناس . فإن بعض العامة جعلوا ينفرون من زخرف الحياة ويحتقرونها ولجأ بعضهم إلى الكهوف والمغارات.
وقد احتفظت حركة الزهد الأولي بطابعها الإسلامي إلى درجة كبيرة ، بعد قيام الدولة العباسية طغت علي حركة الزهد الإسلامي اتجاهات جديدة وهناك ما يرجع أن رواد التصوف لم يقنعوا بحياة الزهد والعزلة عن الناس بل تطلع من سلك هذا الطريق إلى التبحر فيه والكشف عن أفاقه المترامية في مجتمعاتهم المختلفة . وهذا النوع من التصوف كان إسلاميا في جوهره وأن تأثر بعض الأفكار ذات الجذور النصرانية والهندية والفارسية والأفلاطونية الحديثة ونجد نواة هذه الأفكار أو التوجهات الجديدة في بعض أقوال رواد حركة التصوف في القرن الثالث الهجري ، فمنها المتصل بأحوال الصوفية ، ومنها المتصل بوحدة الوجود والفناء والحب الإلهي ، ولكن أكثر أقوالهم تؤكد سيادة القرآن والحديث . فمن أقوال معروف الكرخي (ت 200ه) "إن معرفة الله شيء لا يكتسب بالتعليم ، وإنما هي هبه من الله وفضل".
ويروى عن ذي النون المصري (ت 245ه والراجح أنه نوبي من أخميم) قوله عن المتصوفة هم قوم آثروا الله علي كل شيء فأثرهم علي كل شيء . ويقول أن التصوف علم باطن قاصر علي الخواص ويقول أيضا: "أن توبة العوام تكون من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة".
وقال أبو الحسن النووي (ت. 290ه) "ليس التصوف رسما ولا علما ولكن خلق ، لأنه لو كان رسما يحصل بالمجاهدة ، ولو كان علما لحصل بالتعليم ولكنه تخلق بأخلاق الله . ولن نستطيع أن نقبل علي الأخلاق الإلهية بعلم أو رسم" . ومن مأثورات الجنيد البغدادي (297ه) "من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر" (أي التصوف). وقال: "التصوف ذكر مع اجتماع ، ووجد مع استماع ، وعمل مع أتباع".
وباختصار فإن الظروف التي نشأ فيها التصوف كانت محفوفة بعوامل سياسية واجتماعية وفكرية كالفتن والاضطرابات (التي اجتاحت الدولة الأموية والخلافة العباسية) وانتشار لتعاليم غريبة عن الإسلام وموجات الشك والتعصب العقلي التي طغت علي العصر العباسي والتصارع بين أصحاب الفرق (من متكلمين ، ومعتزلة وباطنية) وعلماء السنة وغيرهم.
وأتسم التصوف في القرن الثالث من الهجرة بخضوعه التام للإرادة الإلهية في كل ما يصدر عن أتباعه من فكر أو قول أو فعل . وقد قادهم هذا النهج من الزهد الخالص إلى عقيدة الحب الإلهي والوجد عن طريق الرياضة والمجاهدات الروحية وأخذت ممارسات الصوفية هذه تتراوح بين الاعتدال والمبالغة أو الشطح . وقد ظهر ذلك جليا في موقفهم من الشريعة . إذا أخذ المتصوفة يؤولون نصوص القرآن الكريم والسنة الغراء بما يتفق مع معتقداتهم قائلين أن كل أية في القرآن تحمل معنا باطنيا لا يعرف كنهه إلا الخاصة من عباد الله الذين تظهر هذه المعاني في قلوبهم في ساعات وجدهم . وإنطلاقا من هذا التأويل أخذ تفسيرهم لتعاليم الإسلام إنماط مختلفة وأشكالا متعددة . مع أن أغلبية المتصوفة كانوا يقومون بتأدية الشعائر الدينية بدقة ، فإن بعضهم كانوا يرون أن صور العبادات ليس لها من القيمة ما لأعمال القلوب ، وقال آخرون برفع التكاليف الدينية وجل هؤلاء من المتصوفة الذين تحرروا من القيود الشرعية وهم قلة أما جمهور الصوفية فكانوا يرون أن مراعاة الشرع جزء لا يتجزأ من نظامهم الصوفي العام.
في نهاية المطاف أعتبر الصوفية أنفسهم خاصة أهل الله الدين منحهم الحق عز وجل أسرار العلم الباطن المودع في القرآن والحديث واستعملوا لغة الرمز والإشارات للدلالة علي هذا العلم وانتهى هذا التوجه الديني الذي بدأ زهدا ثم صار معرفة وحبا وفناءا بقيام الصوفية التي سعت في تربية السالكين والمريدين وفق آداب ونظم معلومة.
لما بلغ التصوف مرحلة متقدمة من النضج والانتشار نشأ صراع حاد بين أتباعه من جهة والفقهاء وأهل السنة من جهة أخرى . وكان الفقهاء يرون أن لتحصيل العلم طرقا واضحة تعتمد علي القرآن الكريم والحديث الشريف وما أجمعت عليه الأمة من كتب أهل السنة ، وهو ما يعرف (بعلم الظاهر) ورؤوا في أسلوب المتصوفة لتحصيل العلم عن طريق علم الباطن خروجا عن السنة وإفسادا للعقيدة . ورأي المتصوفة أن الطريقة بما فيها من مجاهدة ورياضة للنفس وسيلة لبلوغ المعرفة أو الحقيقة . ورأوا أن الدين أصبح في عرف الفقهاء وأهل السنة جملة رسوم وممارسات لا حياة ولا روحانية فيها وهذه الرسوم وأن أرضت ظاهر الشرع والقائمين علي أمره لم تكن لترضى باطن الشرع ولا تشبع العاطفة الدينية عند المتصوفة.
ولعل رسالة القشيري (1045م) في التصوف كانت أول رد فعل لهذا الصراع فيها نبه القشيري معاصريه بما كان عليه قدماؤهم من الورع والتقوى في القول والعمل وبينما آل إليه حالهم مؤخرا من زوال الورع وذهاب حرمة الشريعة من القلوب ، والاستخفاف بالعبادات.
بعد 50 عاما وجدت صيحة القشيري تجاوبا من الأمام الغزالي (ت 1111م) أستاذ الفقه والتوحيد بالمدرسة النظامية في بغداد فأعتزل التدريس وتقلد حياة التصوف . وبعد تجربة روحية فريدة استمرت لعشر سنوات اهتدى إلى اليقين . وقد دون الغزالي تجربته في كتابيي "أحياء علوم الدين ، والمنقذ من الضلال" فوضع نظاما متكاملا للتصوف جمع بين العقيدة والممارسة وحوي تعاليم أهل السنة والمعتدلين من الصوفية ، ملتزما بأولية الشرع رافضا لمذهب وحدة الوجود . وكانت انتقاء الغزالي للفرق الدينية من متكلمين ومعتزلة وغيرهم يقوم علي عجز العقل عن الإحاطة بكنه الحقائق الإلهية وقال "إن وراء العقل طورا آخر أساسه الحدس الديني يدرك الإنسان به ما لا يدركه العقل".
كانت خلاصة تجربته هذه التي تجاذبته فيها شهوات الدنيا ودواعي الآخرة علي حد قوله: "أني علمت أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالي وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق .. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة علي وجه الأرض نور يستضاء به".
ساعدت تجربة الإمام الغزالي في تضييق شقة الخلاف بين الفقهاء والمتصوفة بل أن توفيقه بين الشريعة والحقيقة أعطى لحركة الصوفية المعتدلة قبولا عند جمهور الصوفية كما رضي عنها كثير من أهل السنة . وبعد أن كان التصوف وقفا علي الصفوة من المسلمين صار مقصدا للجميع فأنتشرت الطرق الصوفية حتى عمت كل أرجاء العالم الإسلامي ، وقوي نفوذها بين الخاصة والعامة.
وقد ظلت جماعة من الفقهاء ترقب الموقف بحذر إذ لم ترضها ممارسات بعض الصوفية وشطحاتهم مثل اعتبار النوافل في مرتبة أعلي من الفرائض وفي ظنهم أن الشريعة مجرد رمز للعبادة الصحيحة وقد شجع توسع الحركة الصوفية الجهلة والأدعياء علي إفساد هذا النهج التعبدي بإسباغ الكرامات وخوارق العادات علي مشايخهم.
خلال القرن الثالث للهجرة صارت الطرق هي آلية تنظم التوجه الصوفي القائم علي الصلة الوثيقة بين المرشد (أو الشيخ) والمريد (أو الحوار) من جهة أخري وكان من الطبيعي أن يتقبل المريد سلطة المرشد وينصاع لتوجيهاته في رضي تام بعد أن علم مبلغ ما ناله مرشده من تدرج في "مقامات" الصوفية وصار من أرباب "الأحوال" . وكان الرواد من المرشدين يهتمون بتدريب المريدين علي نسق تطبيقي أكثر من الاهتمام بالتوجيه النظري وكانوا يرون أن الإرشاد خطوة بخطوة أهم من مطالعة كتبهم موجهين المريدين إلى التأمل في المجالات الروحية . وكان هذا التواصل التأملي الروحي يأخذ شكل تجمعات يتحلق فيها المريدون حول مرشدهم ساعتين لتحقيق الصحبة والدرس والرواية عنه.
في البدء غلبت علي هذه التجمعات السلوكية نزعتان متباينتان تنسب الأولي منها إلى أبي القاسم الجنيد البغدادي (ت 298ه) والثانية إلي أبي زيد طيفور البسطامي
(ت 260ه). وقد أسست جماعة الجنيد علي "التوكل" واقترنت جماعة البسطامي "بالملامة" وإلي هذه تنسب فرق الملامتية . من خصائص النزعة الأولي "الصحو" وغلب علي الثانية "الوجد" أو الانجذاب الصوفي "والسكر". وكلها مصطلحات صوفية . وقد غلبت النزعة الأولي علي معظم الطرق الصوفية التي نشأت بعد ذلك وصار "الجنيد الشيخ" شيخ الطريقة وإليه تنتسب جل هذه الطرق عبر سلسلة "سند" ، وقد أعترف بها المعتدلون من المتصوف وأهل السنة . وكان أتباع البسطامي أكثر تحررا في ممارستهم ولعل من التطورات الهامة التي انتظمت مسار الصوفية ترقي المرشد (أو شيخ الطريقة) وتبوءه مكانة الوالي – ولي الله وما صحب ذلك من تبجيل – ربما بلغ درجة إضفاء الكرامات وخوارق العادات عليه عند البعض.
ومن الطرق الرئيسية التي أسهمت في تطوير الحركة الصوفية السهرودية نسبة إلى ضياد الدين السهرودي (ت 1168م) والقادرية المنسوبة إلى عبد القادر الجيلاني (ت 1166م) والرفاعية المستمدة من أحمد بن رفاعي (ت 1164م) والشاذلية المقرونة بابي مدين شعيب (ت 1197) عن طريق أبي الحسن الشاذلي (ت 1258م). والبدوية المنسوبة إلى أحمد البدوي (ت 1276م). راجل طنطا ، والمولوية نسبة إلى جلال الدين الرومي (1273م) ، والنقشبندية المدرسة الصوفية التي اقترنت بأكثر من أسم ولكن أرتبطت بمحمد بهاء الدين النقشبندي (ت 1389م) وإلي هذه الطرق تنتسب الطرق التي نشأت مؤخرا وتستمد سندها وسلسلتها منها فقد دخلت بعض هذه الطرق السودان كالقادرية ، والشاذلية ، والرفاعية ، وبعض فروع النقشبندية . يبدو أن حركة الصوفية قد بدأت في السودان كتجربة فردية ذات نزعة تطبيقية قوامها الزهد والنسك . وممن ساروا علي هذا النهج الفقيه شيخ اللعسر بن عبد الرحمن بن حمدتو ، وكذلك عبد الرحمن بن جابر (توفي عام 892ه) الذي درس التصوف وألف فيه كتاب: "مرشد المريدين في علم التصوف".
ولكن ما أن سادت الحركة الصوفية في العلم الإسلامي حتى تأثر السودان بها .كانت البلاد آنذاك في فجر الحركة الإسلامية النشطة فبدأ رواد الطرق الصوفية عملهم وكان أولهم قدوما (بعد حمد أبو دنانة) الشيخ تاج الدين البهاري القادري البغدادي في عام 1577 . وكان مجيئه بدعوة من بعض الحجيج السوداني وعندها سلك عددا من المريدين في الطريقة القادرية. وقد أسس هذه الطريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي . وكان من أئمة الحنابلة. وقد دعا الشيخ عبد القادر في كتبه إلى الالتزام بالشرع وإطاعة أوامره والمحافظة علي السلوك الصوفي الصحيح وكان ممن انخرط في سلك الطريقة القادرية محمد الهميم بن عبد الصادق وبان النقا الضرير . وقيل بلغ عددهم أربعين شخصا . ودعا الشيخ تاج الدين الفقيه عبدالله بن دفع الله العركي ، وكان من قضاة ملك العبدلاب الشيخ عجيب ، للانخراط في سلك القادرية ، فأعتذر الشيخ عبدالله متعللا بأنه لا يريد أن ينصرف لغير الفقه ، ولكن لما شاهد ما حققه اتباع تاج الدين من مكانة رفيعة واحترام بين ملوك الفونج والعرب ، وما اشتهروا به من كرامات عند عامة الناس ، أثر أن يلحق الركب . ولكن موت الشيخ تاج الدين جعله يأخذ الطريق علي أحد خلفائه في الحجاز وعاد الشيخ عبدالله العركي إلى السودان مرشدا في علمي الظاهر والباطن.
وحققت الطريقة القادرية نجاحا كبيرا وصارت من أكثر الطرق انتشارا في السودان فحول أمر محمد الهميم وبان النقا الضرير ، وعبدالله العركي والشيخ إدريس ود الأرباب وحسن ود حسونة نمت تلك الطريقة حتى صارت مقصد غالبية السكان.
وشقت الطريقة الشاذلية طريقها من الحجاز إلى السودان مرة ثانية (الأولي في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي) وكان من أتباعها الشيخ خوجلي بن عبد الرحمن
(ت 1055ه). وقد سلك الطريق علي الشيخ محمد بن ناصر الشاذلي وقبل سلك طريق القوم علي الشيخ أحمد التمبكتاوي الفلاني المدني . ويبدو أن الشيخ خوجلي قد جمع بين طريقتي الشاذلية والقادرية وفي ذلك يقول ابن ضيف الله: "وأما أصل طريقته فالأساس قادري والأوراد والأخلاق شاذلي" ، وظاهرة الانتساب لأكثر من طريقة متواترة بين بعض المتصوفة السودانيين . ومن أتباع الشاذلية الشيخ حمد بن المجذوب (ت 11777م) ، وقد كتب لهذه الطريقة التي عرفت بالمجذوبية ، الازدهار بجهود المجاذيب في منطقة الدامر وديار الجعليين.
كان الجانب التطبيقي من التصوف والانصراف إلى العبادة أغلب علي مناشط أتباع هذه الطرق . وكان لبعض كتب التصوف أثر كبير علي عامة المتصوفة في البلاد ، منها كتاب دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في الصلاة علي النبي المختار لأبي عبدالله محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الجزولي ، منشئ الطريقة الجزولية الشاذلية ، ولعله أكثر الأوراد ذيوعا بين السودانيين . ومنها "الوطيقة" وحرز البحر للإمام أبي الحسن الشاذلي ، وكذلك حرز البحر المعروف بالحرز اليماني للشيخ عبد القادر الجيلاني ولكن المناخ العام للمتصوفة قد تأثر بمؤلفات الشيخ عبد الوهاب الشعراني (المصري ، ت 973ه) وتاج الدين أحمد بن عطا الله السكندري (ت 7090ه). ومن أهم هذه المؤلفات الطبقات الكبرى المسماة لواقح الأنوار في طبقات الأخيار ترجم فيه المؤلف لجماعة من الصحابة والتابعين والزهاد والأولياء حتى عهده . وكان قصده تصنيفه علي حد تعبيره: "فقه طريق القوم في التصوف من آداب المقامات والأحوال لا غير وإصداره بمقدمة عن التصوف" ويذخر الكتاب بأخبار الكرامات المنتشرة في مصر . ومن كتبه الرائجة في السودان: "لطائف المنن والأخلاق في بيان التحدث بنعمة الله علي الإطلاق". واشتهر من كتب عطاء الله الاسكندري "مناجاة ابن عطا الله" ولطائف المنن في مناقب أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن الشاذلي.
ولبعض السودانيين مساهمة في هذا المجال منها كتاب "المريدين في علم التصوف" لعبد الرحمن بن جابر ، الذي أسلفنا ذكره ، "وصفة الفقير" لمحمد ولد هدوي – وهو وصف لأخلاق الصوفية "وآداب الطريق" ، وآداب الذكر" للشيخ إسماعيل صاحب الربابة . ويحوي "كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان لمحمد النور بن ضيف الله (1135-1224ه) ذخيرة ثرة عن تاريخ التصوف في السودان لا غنى عنها لباحث . وربما يعكس هذا القدر القليل ضآلة الإنتاج الفكري في تلك المرحلة ولكن إنجاز المتصوفة الأعظم كان في مجال نشر العقيدة الإسلامية ورفع الوعي الديني بين من أتبعوه.
كان هدف الصوفية الأوائل بث تعاليمهم بين المواطنين وكسب أتباع جدد للعقيدة الإسلامية وكانت العمليتان تسيران جنبا إلى جنب في مجتمع مازال حديث عهد بالإسلام ، ومازالت جيوب الوثنية ماثلة فيه ، وكذلك رواسب النصرانية في بعض الممارسات الاجتماعية . أتبع رواد الصوفية الذين حلوا بالبلاد منهجا مبسطا في سبيل نشر الإسلام وتعميق مبادئه بين المواطنين ، قوامه فيما ترجح إلزام المريدين بإتباع منهج تعبدي وسلوك خلقي مع المداومة علي قراءة أذكار وأوراد معلومة . ولتفشي الأمية يبدو أنهم لجأوا إلى التلقين واستعمال الترانيم والمدائح والطبول في الأذكار بغرض نشر تعاليم الدين . وكان لهذا الأسلوب غير المتزمت أثره في جذب العامة وتحبيبهم في حلقات الذكر والالتفاف حول مشايخ الطرق.
كانت درجة نجاح الصوفية في هذا المسمى تعتمد إلى درجة كبيرة علي ما يتمتعون به من علم وخلق وورع وزهد وانقطاع عن الدنيا ، وصلاح وبركة وباعتقاد الأحباب المريدين والأتباع ، أن من يخالف شيخ الطريقة أو يغضبه قد تصيبه اللعنة ويلاحقه سوء الطالع . وكانوا يرون أن في مقدور الشيخ لما يتمتع به من بركة وكرامات أن يكون خير معين للمزيد في دنياه وآخرته . وبسبب هذا الوضع المتميز صار الشيوخ يشكلون قوة روحية ذات سلطان عظيم علي النفوس . وفي نفس الوقت كانوا مصدر خير للفقراء وسندا للضعفاء وحماة من غدر الحكام وظلم السلاطين ونوازل الدهر وساعدت هذه الوشائج الروحية بين المشايخ والوطنيين علي انتشار الإسلام وترسيخ تعاليمه . ولكن قلة المحصول الفقهي عند بعض الشيوخ وقلة العلماء الأفذاذ في بلد مترامي كالسودان أوقع بعض المريدين في الشطط عندما أضفوا علي شيوخهم من الكرامات وخوارق العادات ما لا يقبله العقل ولا يقره الشرع ونجد صدى ذلك كله واضحا في كتاب الطبقات لابن ضيف الله ، لم يكن احترام الصوفية والاعتقاد في الأولياء وفقا علي عامة الناس بل جاراهم السلاطين والملوك في ذلك ، صاروا لا يقدمون علي عمل دون مشورتهم قد أفاد المتصوفة من هذا التبجيل فحظوا مثل العلماء من قبلهم ، بالدعم المادي كما غمرهم المريدون بالهدايا واستثمر الشيوخ هذا الدخل في أداء رسالتهم التي تجمع بين الدعوة إلى الإسلام والإرشاد الديني والهداية الروحية وعلاج المرضى إلى الإنفاق علي الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وطلاب العلم والفارين من بطش الحكام.
في إطار هذا النشاط الصوفي ذي الأبعاد الدينية والاجتماعية تهيأت للبلاد وقاطنيها أسباب الاستقرار والوحدة التي تحول دون الشقاق من جهة وتؤلف بينهم في بوتقة من المحبة والألفة من جهة أخرى . وكان نتيجة ذلك كله تأثر معظم السودانيين بالحركة الصوفية وانخرطوا في سلكها.
استأثر نجاح المتصوفة أنظار الفقهاء خاصة من لم يحسنوا الظن بمشايخ الطرق الصوفية . وأخذ هذا التوجس مظهرين رئيسيين ، أولهما أن قلة من العلماء ظلت تدعو للالتزام بتعاليم الشرع الحنيف وتنبه إلى بعض المآخذ في ممارسات المتصوفة ومن الأمثلة الطريفة في ذلك ما قاله الفقيه ود كنان للشيخ محمد توم اليعقوبابي القادري: "دع الناس يقرؤن الفقه أولا ثم خذ عليهم العهد بسلوك الطريق" فقال له الشيخ محمد "نحن نلهقهم وأنتم اصلحوهم" (والتلهيف أن يقوم النجار بالإجراءات الأولية ، بأخذ الزوائد الكبيرة والتضاريس من الخشبة قبل أن يرسمها رسمها النهائي – وهو الإصلاح) فقال له الفقيه ود كنان "البتلهفوه أنتم ما بصلح" – أي الذي تتولون تقويمه الابتدائي لا يمكن إصلاحه.
ويعيد هذا التوجه إلى الأذهان بعض مظاهر الصراع الكبير الذي احتدم بين الفئتين منذ بضعة قرون ولكن هذه المعارضة كانت في تناقض شديد أو قل أن جذوتها بدأت تخبو.
ما وصلنا من أمثلة لتلك الخصومة ينحو إلى نصرة المتصوفة علي العلماء . وفي قصة رأي الشريعة في استعمال التبغ والخلاف حول من زاد عن الأربع من الزوجات والجمع بين الأختين كما رواهما ابن ضيف الله خير مثال وسنكتفي بما أورده عن القضية الثانية.
روى أن الشيخ محمد الهميم عندما كان في حالة الوجد والجذب الإلهي زاد عدد زوجاته عن الأربعة وجمع بين الأختين . فأنكر القاضي دشين صنعه هذا وقال له: "خمست وسدست وسبعت في النساء ما كفاك حتى جمعت بين الأختين" . فتعجب الشيخ محمد الهميم من قوله واستفسره عن قصده . فرد الشيخ دشين: "أريد أن أفسخ نكاحك لأنك خالفت كتاب الله وسنة رسوله" وأجاب الشيخ أن الرسول قد أذن له في ذلك وأن الشيخ إدريس ، أحد رواد الطريقة القادرية في السودان عليم بذلك وتدخل الشيخ إدريس قائلا للقاضي دشين "أترك أمره وخل ما بينه وبين ربه" وقال للقاضي دشين: "الله يفسخ جلدك" ، وقيل أن القاضي مرض مرضا شديدا حتى تفسخ جلده . ويروي ابن ضيف الله أن محمد الهميم من الملامتية.
عند انحسار هذه الخصومة بدأت مرحلة من التوفيق بين الفئتين . فقد سعت فئة من العلماء التي ترسم خطي المتصوفة آملين أن يحققوا شيئا من الحظوة والنجاح الذي حققه المتصوفة بين سائر قطاعات المجتمع . وكان أسلوبهم أن يجمعوا بين علمي الظاهر والباطن. وتحقق لهم ما سعوا إليه ، وينطبق هذا المنحى علي سير كثير من الفقهاء الذين تزخر بهم طبقات ابن ضيف الله ، وبمرور الزمن تمازجت الوظيفتان وتكاملتا وصار من الصعب أن نفرق بين وظيفة الفقيه العالم ودور الفقير الصوفي وصارت كلمة الفكي تدل علي المنشطين دون تفرقة . وندرك نفس التلاحم بين وظيفتي المسجد الخلوة ، ارتبطت الخلوة (وما يماثلها كالرباط والزاوية) بالحركة الصوفية وكانت مكانا للتعبد يخلو فيها العبد إلى ربه في عزله من الناس ، فلما فشي التصوف في السودان ظل المفهوم التعبدي ملازما لها ، وصار دخول الخلوات أمرا شائعا بين المتصوفة . وكان المسجد من نشأته الأولي مكانا للعبادة والتعليم ، وبانتشار الطرق الصوفية صار مكانا لحلقات الذكر ولما جمع الفقرا (جمع فكي) بين تحفيظ القرآن وتدريس الفقه ، وتسليك المريدين صارت المساجد والخلاوي علي حد السواء مواطن لنشاطهم التعليمي والتعبدي . وحول المساجد الكبيرة شيدت حجرات للتعبد ، والتدريس وسكن الطلاب أحيانا وعرفت كلها باسم الخلاوي أيضا ومن ثم جمع لنفس الموضع بين المسجد والخلوة ، كما تشابهت وظيفتهما ، وبعد أن طغت الحركة الصوفية علي الثقافة الإسلامية في البلاد صارت الخلوة ، كالفكي من قبلها أكثر دلالة علي التغيير الجديد.
ومجمل القول أن الحركة الصوفية قد نجحت عبر مؤسستي الفكي والخلوة ، في بسط روح التدين بين المواطنين ، وكان الاهتمام بالنواحي العملية للتصوف دون الجوانب النظر الغالبة علي جهودها حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي . ولكن هذا الحال لم يدم طويلا إذ هبت رياح إصلاح نشطة من المراكز العلمية في الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة فأثرت علي الحركة الصوفية في السودان.
كانت حركة الإصلاح تشكل تيارات متنوعة وتنم عن نزعات فكرية متناقضة وتتكون من ثلاثة عناصر (أو جماعات) السلفية أو الوهابية ، مدرسة أهل الحديث والطرق الصوفية الجديدة . وكانت الجماعتان الأخيرتان وثيقتي الصلة ، وكلاهما يكونان جوهر المجتمع العلمي ذي الصبغة العالمية الذي ازدهر في الحرمين الشريفين ، وتنتسب الجماعة الأولي ، السلفية أو الوهابية إلى الأمام محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م). وتعرف عند أتباعها بالموحدين نسبة إلى التوحيد "جوهر تعاليم الإمام محمد بن عبد الوهاب والتوحيد هو أفراد الله تعالي بالعبادة ونفي العبادة عما سواه" ولد ابن عبد الوهاب ونشا في نجد في أسرة من المعلمين تنتمي إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل . ثم درس علم الحديث علي كبار العلماء ذوي الانتماءات العرقية المختلفة في مكة والمدينة مثل الشيخ محمد حياة السندي المدني ، صاحب الحاشية علي صحيح البخاري . وعبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي.
دعا الإمام محمد بالعودة إلى أصول الدين: القرآن والسنة ، أساس الإسلام الصحيح . وكان هدف دعوته تحقيق التوحيد وتصحيح العقيدة الإسلامية وتطهيرها مما علق بها من أدران الشرك والبدع والخرافات . ودعا إلى إنكار التوسل بالأولياء والصالحين وسائر البدع المنتشرة بين أتباع الطرق الصوفية . رفض الإمام محمد نهج الصفوية التعبدي بإعتباره بدعة منكرة . وبإيجاز دعت حركة التوحيد إلى تطهير خلقي وإجتماعي داخل جزيرة العرب وخارجها.
وأكد (أهل الحديث) ضرورة التشدد النقدي والصرامة اللازمة في دراسة أصول الدين ولكن علي نهج معتدل . وكان علماء الحديث أمثال الشيخ صالح محمد الفلاني (1753-1804) والشيخ محمد حياة السندي ، الذي أسلفنا ذكره مع إنهماكهم التام في هذا المسعى النقدي علي صلة وثيقة بحركة التصوف الجديدة . كانوا يبذلون غاية الجهد والعناية لدراسة (مصادر) الأحاديث السابقة لكتب الحديث الصحيح المتفق عليها . وفي سعيهم الدؤوب هذا بلغوا مرحلة رفضوا فيها ممارسة "التقليد" أو القبول المطلق للنتائج التي توصل إليها العلماء السابقون في تلك الكتب بدون تحليل نقدي . وكان معيارهم في التأكد من صحة الحديث تطابقه مع ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة . هذا النهج الدراسي التدقيقي لأحاديث الرسول وسننه يشكل جزءا من الاهتمام العام الذي يوليه علماء الحديث لرفع المستوى الخلقي للمجتمع وإجتثاث مصادر السلوك التي لا تتفق والقرآن الكريم والسنة.
في نطاق هذه الجماعة من علماء الحديث وضعت أسس الطريقة الصوفية الجديدة ، ذات النهج التصوفي ، وقوامها طرق كبيرة الحجم ذات نسق تعبدي ، وكان ممن وضعوا أسس "الصوفية الجديدة" وتأثروا بجو الإصلاح المتفشي في الحرمين الشيخ مصطفى البكري (1689-1749) أحد كبار المجددين في الطريقة الخلوتية في المدينة المنورة ، وعلي الشيخ مصطفي البكري تتلمذ الشيخ محمد عوض الكريم السمان (1718-1775) مؤسس الطريقة السمانية . ومن أسهموا في ذلك الجهد الشيخين المغربيين أحمد التجاني (1738-1815) والشيخ أحمد بن إدريس الفاسي (1750-1830) ، وكان لهما أثر كبير علي حركة البعث الصوفي التي إجتاحت بلاد السودان.
ومن الحرمين الشريفين نقل الطلاب والحجيج السوداني ودعاة الطرق الصوفية آثار البعث الصوفي الجديد إلى السودان في العقود الأخيرة قبل سقوط سلطنة الفونج الإسلامية.
وكان من أول الدارسين قدوما إلى السودان الشيخ أحمد البشير الطيب (1742-1823) الذي قضى سبع سنوات في الحرمين الشريفين وأخذ الطريقة السمانية من الشيخ محمد عبد الكريم السمان ومن عام 1800 بدأ الشيخ أحمد البشير يدعوا إلى الطريقة الجديدة بين أتباع القادرية والشاذلية في السودان . وكانت دعوته ودعوة رصفائه من دعاة الصوفية الجديدة من المجذوبية والختمية أكثر تشددا في تطبيق تعاليم الدين . فقد سعى إلى تعميق الممارسات التعبدية من ذكر ، وتأمل وتفكر في التصوف . كسب الشيخ أحمد البشير أتباعا كثر بين أهله الجعليين والكواهلة والحلويين واليعقوقاب . وأشتهر أحفاده بالعلم والاهتمام بالتأليف في التصوف والعلوم الإسلامية . وقام السمانية بدور نشط في نشر الإسلام في منطقتي أعالي النيل الأزرق وجنوب كردفان ، ومن خير روادهم في هذا المنشط الشيخ بدوي أبو صفية (1848) الذي اسلم علي يديه وإخوانه جماعات من النوبة في جنوب كردفان . وقد أولي السمانية في السودان (ويعرفون أيضا بالطيبية) كسائر الطرق الصوفية السودانية ، أدب المدائح مدح الرسول (ص) والأولياء مكانا خاصا في ممارستهم الصوفية . ولعل هذا يعكس المكانة التي تبوأها الرسول (ص) في تعاليم الصوفية الجديدة.
والشيخ الثاني هو محمد المجذوب الصغير (1796-1832) من أحفاد الشيخ حمد المجذوب (1693-1776) مؤسس المجذوبية ، فرع الطريقة الشاذلية في السودان . وبعد أن درس الشيخ محمد المجذوب علي علماء الحرمين الشريفيين وتتلمذ علي المصلح الديني الكبير الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي ، كالسيد محمد عثمان الميرغني ، عاد إلى السودان وهناك دعا إلى تعاليم الصوفية الجديدة بين أتباع الطريقة المجذوبية من الجعليين ، كما نجح في مد نفوذها لديار البجا في شرق السودان ، وللشيخ محمد المجذوب وأحفاده اهتمامات علمية وفكرية.
وكان الداعية الثالث للصوفية الجديدة السيد محمد عثمان الميرغني (1793-1853) هو من أشراف مكة . وفي عام 1818 أرسله أستاذه الشيخ أحمد بن إدريس ليبصر بأمور دينهم وليدعوا للإسلام بين من لم يعتنقوه بعد . وقد لاقت دعوته هذه قبولا من شمال السودان وشرقه . وقد عرفت دعوته هذه في السودان بالختمية وصارت طريقة كبيرة ذات تنظيم مركزي ، ولم يصبها ما أصاب الطرق الأخرى من تفكك . وربما رأي البعض أن الطريقة الختمية اقل الطرق صرامة في الإصلاح وقد أستقل عنها الشيخ إسماعيل الولي (1793-1863) وأنشأ طريقة باسم الإسماعيلية في عام 1846م.
عند نهاية سلطنة الفونج علي يد الجيش التركي – المصري عام 1821 فقد رجال الطرق الصوفية المكانة السامقة التي كانوا يتبوأونها بين الحكام والعامة وأحتل مكانهم العلماء الرسميون الذين تخرج جلهم من الجامع الأزهر . ومن هؤلاء وجدت الدولة التأييد الرسمي والعون الذي أعانها علي إدارة البلاد . وكان أتباع الطريقة الختمية ممن تعاونوا مع العهد الجديد ، أما المتصوفة والعلماء التقليديون فقد كانت وطأة الحكم الأجنبي ذي النزعة الاستعمارية ثقيلة عليهم إذ أتسم العهد بالقهر والفساد ، والبدع ومنها تعيين بعض المسيحيين في وظائف قيادية.
ولما زاد الظلم وأحس الناس بوطأته ثاروا عليه وكانت ثورتهم بقيادة محمدأحمد المهدي ، نتاج البحث الإسلامي الذي بشرت به الصوفية الجديدة الوافدة من الحرمين الشريفين.
نشأ محمدأحمد في جو سوداني تقليدي تغلب عليه تعاليم الصوفية ، حفظ القرآن ، ودرس الفقه ، والتوحيد والنحو وتبحر في العلوم الإسلامية ثن انخرط في سلط الطريقة السمانية وتتلمذ علي يد زعيمها ثم تدرج في سلمها حتى صار شيخا مرموق المكانة . أخذ محمدأحمد نفسه بمسلك صوفي قاس توجه بالانقطاع إلى العبادة في الجزيرة أبا وكان لا يخشى في الحق لومة لائم.
كان الإمام محمدأحمد واسع الاطلاع في العلوم الإسلامية وقد قرأ ما كتبه المتصوفة عن المهدية كالإمام الغزالي ، وابن خلدون ومحي الدين بن عربي والشيخ أحمد بن إدريس . وكانت فكرة المهدي المنتظر رائجة في السودان وعرفت بين الطرق الصوفية كالسمانية والختمية والقادرية والمجذوبية . وقد بشر بها الشيخ عمار دان فوديو وشجع أتباعه بالهجرة إلى صاحبها الذي سيظهر في المشرق . قرأ محمدأحمد هذه المؤلفات وسمع ما كان متداولا بين الناس فتأثر بذلك كله وهو في نهاية القرن الثالث الهجري حيث شاع قرب ظهور المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا.
في هذا المجتمع المفعم بالصوفية عقيدةً وممارسةً وفي غرة شعبان 1289ه/ 1881م ، أفصح محمدأحمد عن مهديته . وأخبر أصحابه أن النبي (ص) قد نصبه مهديا في "حضرة نبوية" أمها الخلفاء الراشدون والأولياء . أكتسب الحضرة النبوية دعوة المهدية شرعية وأبانت ما تمتع به من تأييد رباني.
سعى المهدي لإجتثاث الفساد وإقامة العدل وخلق مجتمع إسلامي سليم علي نسق أمة الرسول (ص) والخلفاء الراشدين . ووجدت الدعوة تجاوبا عظيما من قطاعات كبيرة من الشعب وخاصة أتباع الطرق الصوفية كالسمانية والمجذوبية والإسماعيلية الذين لبوا نداء الجهاد.
غلبت روح التصوف علي الدولة الجديدة وعاشت أيامها علي نمط طريقة صوفية ، كما يوضح البروفسور محمد إبراهيم أبو سليم ولكن بمنتصف عام 1301ه كان قد منع الطرق وحظر نشاطها . ولعل مرد ذلك أن نظرية المهدي المنتظر وتعاليمه تقول أنه سيلغي المذاهب والطرق ويوحد كلمة المسلمين ، ولكن المهدي لم يعش طويلا لينفذ برامجه هذا ودخل خليفته في حروب مهلكة مع جيرانه ومشاكل داخلية أنتهت بسقوط دولته علي يد الجيش الإنجليزي المصري عام 1898م.
ورغم قصر تجربتها فقد تركت دولة المهدية بصماتها واضحة علي سجل الإسلام في البلاد إذ قامت صلة وثيقة بين الدولة والعقيدة كما تمكنت من تطبيق شرع الله . وهما تجربتان لا يمكن لساسة المستقبل تجاهلها في يسر.
ببداية العهد التركي الإنجليزي المصري (1898-1955) تفتح صفحة جديدة من تاريخ التصوف في السودان . فقد شهدت البلاد بين سنة 1899 و 1918 سلسلة من حركات المقاومة الدينية والقبلية . وكان الإنجليز علي قناعة أن التطرف الديني كامن بين المواطنين وأن المهدية ما زالت تمتلك من الحيوية ما يمكنها من الثورة . عندها أدرك الإنجليز أهمية الإسلام في المجتمع السوداني وخطورة الثورات التي يؤججها أتباعه وطلب اللورد كرومر مهندس الاتفاقية التي رتبت مستقبل السودان ، من الحكام ألا يتدخلوا في مشاعر الناس الدينية وأن يحترموا العقيدة الإسلامية ، ولكنه وجههم بعدم السماح لزعماء المتصوفة بممارسة نشاطهم الديني السابق ، إذ أنهم في رأيه السبب الرئيسي للثورة المهدية.
ميزت الإدارة البريطانية بين نوعين من الإسلام في السودان ، إسلام صوفي رمزوا له بالإسلام الشعبي ، وآخر سني خصوه باسم الإسلام التقليدي . وشمل الإسلام الشعبي المهدويين وأتباع الطرق الصوفية . ورأت الإدارة في إتباع الإسلام الشعبي خطرا علي الدولة لأنهم مصدر القلاقل والتطرف الديني ومن ثم طبقوا إجراءات رادعة علي من جنحوا للمعارضة . وسعت الإدارة لإستقطاب عون أتباع الإسلام التقليدي ، كالعلماء الرسميين ، في إستتباب الأمن . لكن سرعان ما أدركت الإدارة البريطانية أن نفوذ العلماء والقضاة وأمثالهم محدود وليس في مقدورهم التأثير علي الرأي العام ، مقارنة بقادة الطرق الصوفية الذين يتمتعون بنفوذ شعبي كبير.
كانت وجهة الحكومة أولا إلى الطرق الصوفية التي عارضت حركة المهدية كالختمية، ثم أتجهوا إلى السمانية والإسماعيلية واسهم الختمية بقيادة السيد علي الميرغني بدور فعال في تحقيق الاستقرار المنشود وقول الحكم الجديد . واستفاد الختمية من مساندتهم للحكومة في دعم طريقتهم ببسط نفوذها في المدن بين التجار والموظفين . كما أعانها تنظيمها المركزي الدقيق حتى صار أوسع الطرق إنتشارا.
أما الأنصار ، أتباع الإمام المهدي ، الذين يشكلون قطاعا كبيرا من المجتمع السوداني فلم يكونوا طريقة بالمعنى الدقيق . لكن إذعانهم لإمامهم السيد عبد الرحمن المهدي وإتباع توجيهاته وإرشاداته ينزله منزلة الشيخ في التنظيم الصوفي . كما أن الإدارة البريطانية ، وهي تناصبهم العداء أنزلتهم منزلة الطرق الصوفية . وكانت ترى أن التطرف الديني كامن فيهم ولكن فشل حركات المقاومة الدينية التي فجرها الأنصار علي نسق جهادي عفوي ، كان مدعاة للبحث عن بديل لمواجهة الحكم الأجنبي ذي الإمكانات التقنية والجبروت ، لما أدرك السيد عبد الرحمن المهدي عدم جدوى المصادمة مع الإدارة البريطانية آثر التعاون معها ليسترد الأنصار نفوذهم في المجتمع . ففي البدء أظهر مرونة وحسن نية ليكسب ثقة الحكام . فعارض كل الحركات الدينية التي أدعت المهدية . ثم نظم جماهير الأنصار علي أساس ديني سلمي ، وذلك بعد أن أفرغ معتقدهم الديني من مدلوله الجهادي وأتخذ "راتب الإمام المهدي" الذي كان محظورا ، أداة توحيد يتلوها الأنصار كأوراد الصوفية في أوقات معلومة . وباختصار عزز التنظيم الجديد التعاون مع الحكومة . وعرف جوهر هذا التغيير في الدوائر الحكومية باسم المهدية الجديدة.
يتضح من هذا أن بعض زعماء الطرق ذوي الثقل الأدبي أسهموا بدور فعال في دعم الحكم البريطاني في السودان.
"... وظل هذا التعاون يقوم علي أساس شخصي دون أن يكون للطرق الصوفية مكان في النظام الإداري" علي حد تعبير الدكتور محمد سعيد القدال.
وحقيقة الأمر ظل إتباع الطرق الصوفية بعيدين عن المشاركة في العمل العام بصورة فاعلة طوال العهد الثنائي وظلت السلبية غالبة علي كثير من هذه الطرق حتى إشتداد معركة الحركة الوطنية ، وكان الهدف الأساسي من ذلك الاستقطاب كسب أصواتهم في الانتخابات البرلمانية.
ومع أن بعض الباحثين يرون إنتشار التعليم المدني الحديث وهجمة الثقافة الأوربية ربما قللتا من إنخراط المتعلمين في تلك الطرق ، فإن أعداد كبيرة من هذه الفئة ينخرطون في سلكها بعد أن يتقدم بهم العمر . ومهما يكن من أمر فإن تعاليم الصوفية ما زالت تكون جزءا أساسيا من معتقدات السودانيين بخاصة والثقافة السودانية بعامة . ولعل عدم الإفصاح عن أثر الصوفية بصورة قاطعة في المجتمع السوداني يعود لقلة الدراسات العلمية المفصلة.
أبنت في هذه الورقة المعالم الرئيسية لتاريخ التصوف في السودان وتطوره . وقد كشفت لي هذه المحاولة الحاجة للإجابة علي أسئلة كثيرة لقد أولي العلماء الغربيون ورصفاؤهم من السودانيين بعض الاهتمام بالبحوث الصوفية . ولكن ما نحتاج إليه بذل قدر أكبر من طاقاتنا العلمية للكشف عن ماهية التصوف ، دراسة أدبياته ، تحليل معتقدات مريديه ورصد ممارستهم التعبدية.
المصدر: مجلة دراسات سودانية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.