تحليل الDNA لتأكيد التأهُّل    هجوم بعد عملية اعتقال ومقتل قائد ثاني للميليشيا    إيلون ماسك يهاجم كريستوفر نولان ويشعل جدلًا واسعًا على السوشيال ميديا    عثمان ميرغني يكتب: وصول "سودانير" إلى مطار الخرطوم..    وليد الفراج ينتقد كريستيانو وبنزيما برسالة لاذعة    3 مكونات مضادة للالتهاب لتخفيف آلام المفاصل ونزلات البرد فى الشتاء    النفط يهبط أكثر من دولار للبرميل في تعاملات اليوم    لقطات ترصد انسيابية حركة المعتمرين في المسجد الحرام وسط خدمات متكاملة    الصحة العالمية: أمراض مدارية مهملة تهدّد 78 مليون شخص في شرق المتوسط    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    السودان وتركيا يبحثان شراكة استراتيجية لإعادة بناء البنية التحتية وقطاع النقل    والي النيل الأبيض يتفقد طريق كوستي–الزليط–النعيم الزراعي ويؤكد اكتماله قبل الخريف    نائب مدير جهاز المخابرات العامة يبدأ زيارة للشمالية    نادي توتيل يؤدي التمرين الختامي استعدادا لانطلاقة الدورة الثانية    الجيش في السودان يقترب من إنهاء الحصار المشدّد    نادي الأعمال الحرة يدعم صفوفه بالخماسي    وزير الداخلية يدشن إنطلاقة العمل بمبانى معتمدية اللاجئين    ريال مدريد يصعق رايو بركلة جزاء في الدقيقة 100 ويخسر بيلينغهام وفيني    بعثة الهلال تتوجه إلى الجزائر غدا لمواجهة مولودية    شاهد بالفيديو.. بالثوب السوداني الأنيق.. عارضة أزياء مصرية ترقص مع شاب سوداني وتؤكد على قوة العلاقة بين البلدين بأغنية: (الما بحبونا زالبكرهونا يموتوا زعلانين)    داليا البحيرى بعد عمليتها الأخيرة: ممتنة جدا لكل كلمة طبطبة وكل دعم    شاهد.. فيديو يظهر فيه ناشط الدعم السريع أحمد كسلا يرقص ويحتفل بمقتل القائد الميداني البارز بالمليشيا "علي يعقوب" على أنغام الأغنيات الأثيوبية    مطار الخرطوم الدولي يستقبل اول رحلة داخلية بعد التحرير عبر الناقل الوطني سودانير    شاهد بالصورة والفيديو.. مطرب سوداني يثير ضجة إسفيرية واسعة ويعرض نفسه لسخرية الجمهور بعد ظهوره في "كليب" بزي الفراعنة القدماء وساخرون: (فرعون كان عنده بودي قادر؟)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد مكالمة هاتفية جمعت والده بنائب رئيس النادي.. الهلال يجدد عقد "دينمو" خط الوسط حتى 2029 وسط احتفال زملائه    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    برشلونة يعلن تعاقده مع حمزة عبد الكريم خلال ساعات    التنظيف الاحترافى المنتظم للأسنان.. 5 فوائد لا تتوقعها    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    نشر صور نادرة للعروس مع والدها الراحل.. شقيق الفنان محمود عبد العزيز يهنئ "حنين" بزواجها من المطرب مأمون سوار الدهب بتدوينة مؤثرة (يا محمود اليوم ده كان حقك تكون واقف تدمع وتضحك في نفس اللحظة)    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    ارتفاع اسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سد مروي: التنمية السراب!!! مشروع الجزيرة: الفردوس المفقود!!! .. بقلم: السفير نصرالدين والي
نشر في سودانيل يوم 28 - 08 - 2019

في الجزء الأول إستعرضنا فكرة قيام سد مروي، ومشروع الجزيرة وإمتداد المناقل الذي إستند إلي فكرة الري الإنسيابي كمشروع عملاق له غاياته الإقتصادية في الزراعة لمحصول نقدي رئيسي للبلاد أنذاك بغية إحداث النهضة الزراعية والتنموية والإقتصادية لبلد يحلم بأستغلال موارده وهو يخطو خطواته الأولي في مسيرة الإستقلال السياسي. وكذلك تطرقنا لمراحل تطور المشروع المختلفه، والأسس الهندسية والإدارية في إحكام إدارته، وكذا المشاكل السياسية والهندسية والإدارية التي كانت سبباً في فشله بعد سنوات من مسيرته الإقتصادية الناجحة. نعود الأن في الجزء الثاني في متابعتنا لفكرة المقال الجوهرية بالتطرق لمراحل إقامة سد مروي، والقضايا السياسية التي تحيط به الآن، والفساد وسوء وخطل الرؤية التي إرتبطت بمراحل تنفيذ المشروع ككل حتي غدا المشروع (كخيال المآته، ولم يتمخض سوي عن تنمية سراب)، وكذا العقبات السياسية والقانونية ذات الطابع الدولي والإقليمي التي ما تزال تجعل من الإستفادة الكلية من هذا المشروع الكبير مشكلة بحد ذاتها تستوجب إهتمام الخبراء والمختصين وعلماء الرأي، والقانون الدولي والساسة الجدد، والدبلوماسية السودانية في عهدها الجديد، والتي تتطلب في تقديري، ضرورة جمع شتات كل تلك الأفكار في بوتقه واحدة لصهرها في مقاربة علمية وفكرية وقانونية وسياسية ودبلوماسية بغية الخروج بتوصيات هامة وتنفيذية تضع أمام وزير الري ورئيس الوزراء، الذي عين بالأمس، وحكومته المرتقبه في سياق الإصلاح الشامل الذي تنشده تطلعات الشعب السوداني.
وبالعودة لسد مروي، وبالمقارنة مع ما ظلت تنتجه كل الخزانات السودانية من طاقة كهربائية، فكان من المنطقي وبحسابات بسيطة أن يحدث هذا السد طفرة إقتصادية بالغة الأهمية لما تمت أضافته من الطاقة الكهربائية المنتجة للطاقة الكهربائية المولدة من تدفقات مياه الأنهار الثلاث في السودان؛ علاوة علي زيادة الرقعة المروية من الأراضي الزراعية الخصبة والبكر المتوقعه والتي تفوق مشروع الجزيرة أضعافا مضاعفة؛ إن كان يقوم علي فكرة وتخطيط كمشروع يستهدف إحداث طفرة تنموية وصناعية هائلة، ولكن إن حقيقة ما حدث، أن النظام كان يعرف بأن سد مروي بما حشد له من ميزانية وقروض من الصناديق العربية والإسلامية ومؤسسات تمويل ودول عديدة وقروض مؤجله السداد في مدروسة لما سيحققه بشكل دقيق. ولا شك في أن تلك القروض ستستمر في إثقال كاهل المواطن السوداني لعدم سدادها بشكل كامل مع فوائدها المتصاعدة بشكل لايوصف.
ويقيني أن النظام البائد كان يعي ويعرف مسبقاً بأن السد لم يقم علي فكرة زراعة فدان واحد قط، لماذا؟ لأن الأخ الأكبر؛ جمهورية مصر العربية؛ إستخدم حق الفيتو الذي أشرنا له منذ بدء التخطيط الجديد والتنفيذ للفكرة الأولي للمشروع، وتري مصر في إقامة أي مشروع للري في السودان الإضرار بمصالحه في الإستفادة من مياه النيل والتأثير علي الطاقة التوليدية للسد العالي، ولا يخفي علينا جميعاً بأن تأمين مياه النيل بالنسبة لمصر بما يمكنها من النهوض إقتصادياً والإنطلاق نحو التنمية الشاملة، وتوفير العيش للقنبلة السكانية المتفجرة قضية إستراتيجية تستند علي مبدأ الأمن المائي، وهي بالتالي قضية محورية وإستراتيجية لا تساوم فيها. ومن البديهي إشتراط مصر علي ما أعتقد علي الصناديق الممولة وحكومة السودان عدم تمويل لإقامة أي مشروع للري أو مشروع زراعي من سد مروي، وبالضرورة أن تكون حكومة النظام البائد قد خنعت لذلك الشرط، وإكتفت بشعار سياسي فضفاض " السد، السد، الرد، الرد" ولا نعرف حتي علي من سيرد السد؟؟؟؟. فسد مروي ما إنفك ليكون سوي شعاراً سياسياً ماثلاً وظفه النظام البائد للدعاية السياسية وليس لغايات إقتصادية تصب في المصلحة القومية وفق رؤي محددة لزيادة المساحات المروية والزراعية والإنتاج الزراعي لمحاصيل نقدية كالقمح مثلاً من ترعة السد.
وحتي هذا الحلم السراب، قد هزمته قوة الدولة العميقة، (قبل أن تصبح هذه العبارة بعد سقوط النظام البائد متكأً للجميع)؛ إذن الدولة التي فوق السلطة كانت قائمة في السودان حتي قبل سقوط النظام، فهي دولة داخل دولة تدير مقاليد الحكم ولا تكترث بالسلطة المركزية وربما لا تعترف بها، والدولة العميقة ليست السلطة التي تحكم بل التنظيم، فالتنظيم هو من يدير الدولة وليس من كان يجلس علي سدة الحكم، والدولة العميقة في هذا السياق كانت ممثلة في والي ولاية نهر النيل الأسبق، الذي تحدي الحكومة المركزية التي يمثلها بتقسيم مساحات واسعه خصبه تعادل 800 ألف فدان ( وتمثل الأراضي التي حصرت علي أنها أراضي زراعية يمكن ريها) . فقام بتوزيعها دون وجه إستحقاق في شكل عطايا علي محاسيب للحيلولة دون إتخاذ الحكومة المركزية قرار بطرح تلك الأراضي الشاسعة للزراعة ضمن الخارطة الإستثمارية أو إستثمارها في إطار المصلحة القومية، وكان ذلك تحد واضح ومعلن ضد السلطة المركزية التي عينت هذا الوالي الهمام (فقد كان الوالي، هو التنظيم، وهو الدولة العميقه في حد ذاته أمام المصلحة القومية للبلاد) ويشار إلي عدم قدرة أي جهة علي محاسبته علي هذا العمل الأكثر خطورة علي مجمل المصلحة العليا للسودان بل هو التخريب المتعمد لإقتصاد الوطن!!!.
وذلك ربما يقودنا إلي الإشارة إلي أن ما يقعد بالإستثمار الأجنبي في السودان في مجال الإستثمار الزراعي من عوائق ما تزال ماثلة؛ هي العوائق الماثلة ليومنا هذا، والمتصلة بسلطة المركز في تخصيص الأراضي الزراعية الإستثمارية للمستثمرين والوطنيين والأجانب علي حد السواء، فالمركز يصدق والولاية توقف التصديق وتقابل ذلك قوانيين تتعارض مع السلطات المركزية (ومعلوم أن ما من مستثمر وطني أو أجنبي يعطي موافقة من أعلي قمة سياسية في السودان لإستثمار أرض في أي بقعة في السودان الشاسع إلا وظهر أمامه مجموعة من المواطنين المحليين لمنعه من زراعة الأرض التي خصصت له إدعاءاً بأنها "أرض أجدادهم"، ومن ثم يلجأ المستثمر للمساومة التي تنتهي عادة بدفع رشاوي، إما مقابل مبالغ مالية أو إستقطاع أراضي لا حق لهم فيها، مقابل السماح للمستثمر بالعمل). ونخلص هنا، إلي أن الخلل الإستراتيجي المتمثل في عدم الملكية والسيطرة الكاملة للسلطة المركزية علي كافة الأراضي في البلاد سيظل عائقاً اليوم (وفي المستقبل المنظور) أمام غايتنا في جذب الإستثمار ورؤوس الأموال الأجنبية أو الوطنية بغرض الإستثمار الزراعي، وكان ذلك بالضبط ما فعله والي ولاية نهر النيل الأسبق الذي قصد بوضع السلطة المركزية في صدام ومواجهة مع السلطة الولائية في ملكية الأراضي بتوزيعه لأراضي الدولة علي عدد من المواطنيين ليمنع الدولة من إقامة مشروع يعود ريعه للدولة!!!! شيء عجيب وربما عصي علي الفهم!!! ولكنها ببساطة الدولة داخل الدولة العميقة. وماتزال عبارة وجه الرئيس أو وزير الإستثمار بتذليل عقبات الإستثمار في الأراضي الزراعية من أمام المستثمر تتصدر شريط الأخبار الرسمية الرئيسية. فإن وقعت عينك يا عزيزي المواطن وأنت تتابع أخبار بلدك الغالي علي التلفاز، علي هذه العبارة فأعلم أننا لم نهييء بيئة الإستثمار في السودان ودعوة المستثمر الوطني والأجنبي علي السواء للإستثمار في وطننا بعد، وإن هذا الأمر سيظل أحد العوائق الأساسية أمام نهضة وطننا في هذا المنحي الهام.
وبالنسبة للطاقة الكهربائية فإن الأدهي والأمر أن الطاقة الكهربائية الضخمة التي يولدها سد مروي كمشروع، قصد بإنشاءه زوراً، دعم عجلة الإقتصاد في السودان، حيث كان منطقياً بالإمكان أن تسد حاجة البلاد من شماله إلي جنوبه ، فللأسف لم تصل تلك الطاقة الكهربائية المهولة لأي من المستهلكين، لماذا؟ لأن الطاقة الكهربائيه الضخمة المولدة من السد ربما لم تقابلها دراسة هندسية وفنيه لتوزيعها للمستهلكين ، فالمحولات القديمة لم توائم الطاقة الكهربائية الهائلة المنتجة من السد، بل أن المحولات التي جلبت لم يراعي فيها المواصفات الفنية الملائمة لتوصيل التيار الكهربائي المولد من السد، فإزدادت إنقطاعات التيار الكهربائي بشكل متكرر في كل أرجاء العاصمة وبقية المدن بشكل شبه مستدام. لماذا؟ لأن من أوكلت له مهمة إنشاء مشروع السد منذ أن كان وحدة للسدود (حتي أصبحت أهم وزارة لا تخضع للرقابة المالية للدولة، بل له وحده)؛ ويشاع بأنه شخص بمؤهلات لا تتناسب مع طبيعة إنشاء السدود، أو التخطيط أو التنفيذ لها أو إدارتها، ويشاع بأنه للم يكمل حتي تعليمه الجامعي، وليس له أي علاقة بالهندسة، و رصيده الأساسي هو القربي والنسب (أو كما نقول نحن عديل الرئيس المخلوع)!!؟ كما قام بفرض وضع الإستقلالية المالية لوحدة السدود التي أصبحت وزارة ليست كلل الوزارات عن ولاية وزارة المالية علي المال العام لتنضم لوزارة النفط التي سبقتها في نفض يدها من وزارة المالي، فأصبحتا الوزارتان الوحيدتان اللائي لا تخضعان لسلطة وولاية المال العام في السودان، لتنضمان إلي ركب من سبقهما في ذلك (جهاز الأمن) الذي نفض يده من وقت طويل، وأصبح يحوز وفقاً للمراقب علي أكبر ميزانية في السودان تفوق ميزانية مرافق هامة للغاية كوزارات الصحة والتعليم بأضعاف مضاعفة. كما لكم أيضاً أن تتصوروا، أنه قد قيل أن هذا الشخص الهمام قد ظل يحلم بأن يكون هو خليفة الرئيس المخلوع البشير، فجلس وفكر وقدر وبدأ في الإستعداد لهذا اليوم، فقام بتخصيص ميزانية من ملايين الدولارات من أموال الشعب السوداني لتدريب ما أسماه طاقمه للحكم في السودان لأكثر من خمسمائة شخص قام بإنتقاءهم، (وبالطبع هم من ذوي الولاء للتنظيم) فبعث بهم إلي ماليزيا وبريطانيا وإثيوبيا وغيرها من الدول لتلقي تدريبات في أسس الإدارة والحكم ليكونوا نواة حكومته المرتقبه. وهم ربما لا يختلفون عنه كثيراً في التأهيل.
وتلك هي فرصة أخري تضيع علي المستحقين من الشعب السوداني في دعم إقتصاد بلاده، وكما توقفت عجلات الإنتاج من قبل في مشروعات حيوية، لم تتحرك هذه العجلة الإنتاجية وتدر قط في هذا المشروع "أو الدعاية السياسية إن صح الوصف"، وهذا لا يشمل بالطبع ما أقيم من مشروعات لا جدوي لها ضمن مشروع سد مروي، كالطريق الذي يربط الخرطوم بمروي، والطريق الأخر يربط مروي بمدينة بورتسودان، وكذا المطار الدولي الذي إنشأ والذي تفوق مواصفاته وقدرته الإستيعابية مطار الخرطوم الدولي في الهبوط والإقلاع للطائرات، حيث توفر المواصفات الدولية له السماح بهبوط طائرة الجامبو العملاقة، ويصاف إلي ذلك المستشفي الدولي بطاقته الإستيعابية النوعية والكبيرة، التي لا تتناسب مع حجم السكان في المنطقة أو الحاجة الفعلية، وهذا المستشفي يقف مهجوراً، ومعداته الطبية ذات القيمة العالية تظل بحاجة إلي صيانة حتي دون إستخدام بسبب الظروف المناخية والأتربة والحرارة ، (و يشاع أن المستشفي أصبح المأوي لمعالجة جرحي الحرب في اليمن من اليمنيين)، ولا أدري مدي صحة ذلك؛ ولا تقدم في المستشفي خدمات علاجية مستدامة. علاوة علي المأساة الإنسانية بترحيل وتهجير أكثر من خمسين ألف من المواطنيين السودانيين من ديارهم وبيوتهم دون رغبة منهم أو تعويضهم بشكل مجز، حيث جاء تهجيرهم كضرورة لتوسيع الطاقة التخزينية للسد كما فعلت الحكومة العسكرية في عهد الرئيس الأسبق الجنرال إبراهيم عبود من قبل عندما قبلت ووافقت بتدمير مدينة وادي حلفا التاريخية والعريقة لتمكين مصر من إقامة أكبر سد في تاريخها، السد العالي، الذي أرخ لبداية نهضة مصر الصناعية الكبري، حيث تم تهجير وتشريد سكان مدينة حلفا قسراً إلي مدينة حلفا الجديدة التي حولت لتكون سكناهم الجديدة. ودمرت حضارة عريقة وأغرقت آثار عظيمة وإندثر تاريخ عظيم للسودان.
واقع المشروع الأن:
لم يقدم هذا السد المعجزة أي عائد إقتصادي، ولم يحرك أي عجلة للإنتاج في السودان بالمنظور الإقتصادي البسيط، وتبخر دوره الإقتصادي المأمول، فغدا شعاراً سياسياً بتبعات مالية ضخمة علي عاتقنا، مثلما ضمر الصادر من الحبوب النقدية والثروة الحيوانية، وكان بالإمكان حدوث نهضة للصناعات التحويلية للمنتجات الزراعية والحيوانية كناتج للمشروع الزراعي لما يقارب 800 ألف فدان قيل أنها صالحة للزراعة ومن قم رفع القيمة المُضافة لمنتجاتنا وعدم تصديرها كمواد خام، كل ذلك يضم لذبول عائدات النفط في السودان، وتبخر عائدات الذهب، ليس لأن الأخيرة صادرات غير ذات قيمه، بل لأن طرق تصديرها لم تتبع المعايير التي تراعي فيها المصلحة القومية للبلاد، فلقد أحدث فاقد عائدات النفط فجوة هائلة تقدر بما يقارب سبعين مليار دولار، لأنها ببساطة لم تدخل خزينة الدولة، وكان بالإمكان أن يكون للذهب مردود أكبر من ذلك إذا قدر لتلك العائدات المالية للدخول لخزينة الدولة أيضا، ومن ثم تضخمت مديونية البلاد من فوائد وأصول القروض التي تم التعاقد لإقامة المشروعات والمرافق البترولية وأضحت هي الأخري عبء علي المواطن السوداني، لأنها دخلت بالمقابل إلي جيوب القطط السمان من رموز النظام البائد والأجهزة، التي تحتفظ بالنقد من العملات الصعبة وتدبره كيف تشاء، بل طفقت توظفها خارج البلاد في شركات وهمية في دبي وماليزيا وبعض الدول الإفريقية تحت مظلة وهمية لمشروعات كشركات بدعوي التحايل علي العقوبات الأمريكية، وبالتالي فإن هذه الأموال والإستثمارات لا تمثل مصلحة قومية للسودان ولن تعد عائداتها لتلك المصلحة المختطفة قط، بل هي عين المصلحة الشخصية التي أقعدت وتقعد بالبلاد. فمشروع سد مروي أصبح رمزاً للفساد في التخطيط والتنفيذ، ولم يعد سوي مزاراً سياحياً لوفود أجنبية وسودانية تنظم لهم زيارات بطائرات وبصات سياحية فاخرة للوقوف علي الإنجاز كل فترة ليستضافوا في إستراحات فخمة ولكن لا للوقوف علي الغاية الإقتصادية من إنشاءه!!!.
* من جهة أخري، فإن إشتداد القهر والفقر بالمواطنين السودانيين وضاق بهم وطنهم الفسيح بما رحب وقتر عليهم النظام البائد رزقهم وعيشهم وحاربهم في قوتهم طفقوا يهيمون ويسيحون في أرض بلادهم، في شمالها وغربها وتاهوا في صحاريها وفيافيها يقلبون تراب الأرض و يبحثون ظاهرها وباطنها عن الذهب المفقود، وسمعت ساخراً "بمرارة وحزن يعصر القلب" يقول بأن تلك الهجرة الداخلية خلقت نحو 54 مهنة مختلفة في مناطق التعدين العشوائي كما أصطلح علي تسميته، مهن تبدأ بشحن الهواتف النقالة وتقديم الطعام والماء بما في ذلك وظيفة تسمي بيع الكرته (والكرته في العامية السودانية القديمة عبارة قديمه، كانت تعني بقايا الأكل). والمقصود هنا ليس بقايا الطعام بل بقايا التراب الذي يتبقي من عمليه الغربلة والتنقية من الشوائب لإستخلاص الذهب، وبما أن تلك العملية تتم بطرق بدائية نوعاً ما، فإنهم يبيعون بقية التراب (الكرته) للشركات ذات القدرات الفنية الكبيرة والتي تمتلك الأجهزة والمعدات الحديثة لإستخلاص الذهب بكميات أكبر من الذهب الذي حصل عليه المعدنون التقليديون؛ وتلك عملية شاقة وتشوبها وتحيط بها مخاطر جمة علي المواطن المعدن، وصنوف من العنت والمعاناة في وطنه بحثاً عن الذهب، فإن الموت يحصد أؤلئك الغلابة العاملين بالتعدين العشوائي إختناقاً داخل الأنفاق الضيقة، وبفعل إنهيارها أيضاً، أو لتعرضهم لمضار الزئبق وغازاته السامة. بجانب مضارة الكبيرة علي البيئة في مناطق التعدين؛. وبرغم كل ذلك تفتقت عقلية النظام وإتجهت لإحتكار ناتج الذهب مما سمي بالتعدين الأهلي من أؤلئك الغلابة ، فأصبح يجمع ما يحصل عليه المعدنون بالطرق البدائية بل والمدمرة للبيئة، بأموال يخرجها من بنك السودان لشراء الذهب بأسعار أكثر من الأسعار التي يمكنهم الحصول عليها في حالة تهريب الذهب إلي دبي للحيلولة لذهابهم إلي دبي بأنفسهم، وذلك بغرض إحتكار النظام للذهب، فتجمع الأجهزة القابضة علي مفاصل الدولة الذهب الذي يجلبه المعدنون كل يوم لتحتكر شراءه وبيعه لتاجر ذهب واحد في دولة واحدة، وإعادة قيمة الذهب المباع بعد تحويلها في دبي إلي إحدي العملات الصعبة سواء دولار أو يورو ليوضع تحت إمرة النافذين في النظام، ومن ثم يتبخر ذلك العائد الضخم من هذه السلعة القيمة ولا يصل لخزينة الدولة.
خلاصة قابلة للرأي الآخر:
*ومما تقدم نري أن المشروعات العملاقة والتي كانت تمثل العمود الفقري للإقتصاد السوداني تمثل لسودان المستقبل ولحكومته المرتقبه، أولوية تقتضي مراجعة شاملة وعاجلة لما يحيط بها من أسباب هندسية وفنية وإدارية ومالية أفقدتها قدرتها كمشروعات رائدة في السودان في الإضطلاع بدورها الذي أنشأت من أجله،
*ولوضع المعالجات الفورية بواسطة فرق من المختصين وبيوت الخبرة السودانية والأجنبية وبمساعدة الدعم التنموي المستحق من مؤسسات (Bretton Woods) وما نتطلع إليه من المجتمع الدولي من الشراكات (لا الدعم المالي) التي ستنشأ في إطار السياسة الداخلية والخارجية الجديدة للسودان الجديد حتي نتمكن من بلوغ أهداف الثورة بإعادة بناء السودان والنهوض بإقتصاده من أجل رفاهية المواطن السوداني ومصالحة القومية.
توصيات:
*يتوجب علينا أولاً إجراء المحاسبة للفاسدين في تنفيذ سد مروي وإستعادة مال الشعب المبدد، والتقصي إن كان هناك فعلاً فساد صاحب العقود التي أسست لقيام السد، ومراجعة القروض والفوائد التي ترتبت عليها، ولم تسدد بسبب قصور إداري أو وظيفي للمتابعة لإيجاد الحلول الإقتصادية في إطار البرنامج الإقتصادي الإسعافي، والوقوف علي الصرف غير المرشد في المشروع، والذين كانوا قائمين علي أمره، وإجتثاث أوجه الفساد المتعددة والمقننة التي كانت أو ماتزال بالمشروع ، والعمل علي إسترداد ملايين الدولارات التي أهدرت من المال العام دون رقابة وولاية وزارة المالية عليه ، وإسترداد كل قرش من حق الشعب السوداني من كل من أخذه بغير وجه حق، ووضع البداية الحقيقية والجادة لمبدأ المصلحة القومية كمبدأ لا مساس به قط، ليس في هذا المشروع، وإجتثاث وإقتلاع ثقافة المصلحة الشخصية أو للشخصية الإعتبارية أو الوزارات أو المؤسسات التي تضع يدها علي المال العام وتتصرف فيه دون ولاية ولا رقابة لوزارة المالية وفقاً للأطر المحاسبية الراسخة والمتعارف عليها في حكومة السودان.
*وبما أنني لست متخصصاً في هذا المجال والفضاء الإقتصادي والتقني المرتبط بهذه المشاريع والعقود وحساب فوائدها، فإنني أدعو بأن يتقدم العلماء والمختصين والخبراء في مجال الهندسة المائية، والري، والزراعة، والتنمية الزراعية والقانون الدولي، والتخطيط الإقتصادي الإستراتيجي ، والإتفاقيات الدولية وثيقة الصِّلة بالأنهار الدولية، والمهتمين بهذا الجانب بطرح رؤاهم والدلو بدلوهم في مجمل القضايا بشأن المواضيع التي حاولت إثارتها في هذا المقال .
*إنشاء مركز ذَا صلاحيات سياسية وإستراتيجية للدراسات لمفهوم الأمن المائي كأمر هام، وذلك للمبررات التالية:
1- إن الأمن المائي يجب أن يأخذ مكانه في صلب سياستنا الخارجية كقضية إستراتيجية.
2- إن السودان الجديد بجب أن يبني علي أسس علمية حديثة، وهذا ما يقتضي إستقطاب ودعوة الخبراء السودانيين في الحالات المرتبطة بتلك المشاريع الهامة، وفتح باب التسجيل للسودانيين من الكفاءات الوطنية بالخارج للإنضمام لعضوية المركز المشار إليه للإستفادة من خبراتهم وأفكارهم العلمية والتقنية الكبيرة وتوظيفها لخدمة الوصلة القومية للوطن.
3- إجراء دراسات مستفيضة لاتفاقية مياه النيل، وبحث سبل تفعيلها والإستفادة منها علي الوجه الأكمل، والنأي بالبلاد عن المحاور السياسية الناسئة في إطار الإتفاقية، إعلاء قيم حقوق السودان في توظيف الإتفاقية في إطار المستجدات السياسية المتجددة والحاجة الملحة للأمن المائي للبلاد علي نسق ما يؤرق مصر؟
4- هناك تساؤل ربما يطرح نفسه، ويظل المواطن بحاجة لفهمه، الري المصري (ماذا يفعل في السودان؟ ولأي غاية يستمر تواجده في السودان؟).
5- تساؤل أخر، الطلمبات وازالة الإطماء بمشروع الجزيرة، وإعادة التفكير بصيانة أو إستجلاب الأليات الخاصة التي صممت وأستجلبت لدي لهذا الغرض لدي إقامة مشروع الجزيرة ؛ حصاد المياه، الذي له كرسي في اليونسكو، ولدينا مركز له في البلاد، هل من دعم وميزانية مقدرة تخصص له لأهميته؟ كل تلك الشواغل، أليست قضايا يجب أن تحظي بأهمية أكبر لدي السودان؟
6- قناه سد مروي للزراعة (أين إختفت) ؟ ألسنا بحاجة للنظر فيها بغية الإستفادة القصوي من مياه نهر النيل؟.
7- هل من الممكن النظر في شق ترعه رئيسية من خزان الروصيرص كتكمله لمشروع التعلية الثالثة الذي أنجز ووفرت ما يقارب 7 مليار متر مكعب من المياه ، وربما إعادة التفكير بإقامة مشروع زراعي جديد (بعيداً عن الفكرة العبثية الداعية لحفر ترعه يدوياً وتوقفها بعد شهرين)؟.
*ملاحظة:
*كافة الأرقام والإحصائيات من الويكيبيديا ومصادر أخري مفتوحة.
مرفق قائمة بالمهندسين ووزراء ووكلاء الري في السودان الذين وضعوا بصمة في مشروع الجزيرة وتخطيط مشروع المناقل بغية تكريمهم بما إضطلعوا به من جهود وطنية خالصة ولو من باب ذكرهم:
وهم ذكراً لا حصراً ( وأعتذر مسبقاً إن سقط سهواً أي من الأسماء لأؤلئك الرجال الذين تركوا بصمة لا تخطئها العين الفاحصة في مسيرة العمل الوطني في هذا الجانب في تاريخ بلادنا وندعو الله أن يمد في أيامهم بالنفع والخير لوطننا ونترحم علي من إنتقل إلي رحمة المولي العزيز):
1- المهندس حسن كافي ( أول من سودنه مجال الهندسه في الري)
2- المهندس شافعي شمس الدين.
3- المهندس الرشيد سيدأحمد ( وضع التخطيط لمشروع إمتداد المناقل)
4- المهندس صغيرون الزين صغيرون، أول وزير للري في البلاد.
5- المهندس محمود جادين. (وكيل وزارة للري).
6- المهندس يحي عبدالمجيد، وزير سابق للري.
7- المهندس عبدالكريم عساكر (وزير سابق في مدني).
8- المهندس الريح عبدالسلام، (وزير سابق للري).
9- خليفة الصلحي ( رئيس قسم الهندسة الهندسة الميكانيكية)
10- المهندس مرتضي أحمد ابراهيم. (وزير سابق للري، صاحب كتاب الوزير المتمرد بعد إختلافه مع الرئيس الأسبق نميري).
11- المهندس كمال علي. (وزير سابق للري).
12- المهندس الطيب عبدالرازق، (كان مسؤولاً عن قناة جونقلي) .
13- المهندس محمود آدم بشير جماع، (وزير سابق للري).
14- المهندس بروفسور سيف الدين حمد، (وزير سابق للري).
15- المهندس قاسم عثمان إدريس (وكيل سابق لوزارة الري).
16- المهندس بخيت مكي ( مسؤول الهيئة المشتركة لمياه النيل)
17- المهندس عباس هداية الله، ( مستشار في شؤون الري).
18- المهندس الطيب تاج الدين (وزير سابق في مدني).
19- المهندس الخير حاج الأمين (مهندس إنشاءات بالمشروع).
20- السيد عثمان النور مصطفي (مدير الإدارة بالمشروع).
20- المهندس يوسف حلمي، (المهندس بمشروع مشروع الكوة).
21- المهندس سيدأحمد الريح (باشمهندس أقسام المناقل، باشمهندس شمال الجزيرة) ذاكرة المشروع، وله الشكر والتقدير لمدي بمعلومات قيمه أعانتني في كتابه هذا المقال.
22- المهندس هاشم قمرالدين حجازي (مهندس ري سابق).
23- المهندس محمد مضوي (مهندس ري سابق).
24- المهندس بروفسور ياسر عباس ( مهندس ري حالي، وصديق عزيز، ودفعة في الدراسة).
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.