الجنائية وبراءة حميدتي !! .. بقلم: صباح محمد الحسن    بومبيو يجري اتصالا مع حمدوك بشأن إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب    حركة/ جيش تحرير السودان المتحدة تستنكر وتدين مجزرة مدينة قريضة وقرية دونكي ابيض    قبل الطبع: شركات للامن والوطني تعمل بأرباحها .. بقلم: د. كمال الشريف    الاقتصاد التشاركي ودوره في التنمية الاقتصادية .. بقلم: الدكتور: عادل عبد العزيز حامد    هل النظام السياسي الأمريكي ديمقراطي ؟ .. بقلم: معتصم أقرع    سقوط عراقيل إزالة اسم السودان من تصنيف الدول الراعية للإرهاب !! .. بقلم: عثمان محمد حسن    امر تنفيذي بإزالة السودان من قائمة الإرهاب ومكالمة مشتركة بين البرهان وحمدوك ونتنياهو وترامب اليوم    الاختصاصي د. عبد الرحمن الزاكي: وكان القرشي صديقنا الأول!.    ذكريات صحيفة "الصحافة"(2): واشنطن: محمد علي صالح    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    الإعلان عن عودة الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاع السكك الحديدية بالسودان    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    شُكراً حمدُوك!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سد مروي: التنمية السراب!!!! مشروع الجزيرة: الفردوس المفقود!!! .. بقلم: السفير نصرالدين والي
نشر في سودانيل يوم 26 - 08 - 2019

تفتقت عقليه النظام البائد الفاسد نحو تنفيذ مشروع سد مروي، وهو سد عملاق، (فكرة ودراسة إنشاء سد مروي، ليست فكرة إبتدرها النظام البائد، بل هي فكرة منذ أربعينيات القرن الماضي) حيث كان الهدف منها تقنين مجرى النيل وتقليل اندفاعه نحو مصر حماية لخزان اسوان (السد العالي) والفكرة في الأصل انجليزية-مصرية. ولم يكن من الممكن ان تسمح مصر بإقامة مشروع زراعي اكثر من الري بالطلمبات وذلك يعود لمبدأ الأمن المائي، العمود الفقري للإستراتيجية السياسية المصرية بشأن ضمان حفظها علي حصتها من المياه وفقاً لإتفاقية مياه النيل التي تربطها بدول عديدة تتشارك مياه النيل من منابع كل من النيل الأزرق والأبيض ونهر أتبرأ لهذا النهر الدولي إلي مصبه. ويذكر أن حصة السودان وفقاً لإتفاقية مياه النيل لعام 1929أربعة مليارات م3 فقط، ومن ثم جاءت اتفاقية تقاسم مياة النيل فى عام 1959 مكملة للإتفاقية السابقة، حيث اصبح نصيب السودان من مياه النيل 18.5 مليار م3. ومن مثالب هذه الإتفاقيه علي السودان إعطاء مصر، دولة المصب، حق الفيتو علي إقامة أي مشاريع أو أشغال يمكن أن تؤثر علي منسوب النيل (وهذا يعني دول المنبع). *(1)
برزت فكرة إقامة سد مروى لتوليد الكهرباء حيث ان الطاقة المولدة من خزانات النيل الازرق لا تلبى حوجة السودان ومصر لم تمانع في ذاك، بحسبان أن أصبحت الحماية ستتأمن للسد العالى ولم يكن فى الحسبان اصلا إقامة مشاريع زراعية؛ ولكن النظام البائد روج بأن ترعة ستقام لري المنطقة من امام الخزان الى نهاية حدود الولاية بيد أنها لم تقام حتي يومنا هذا. *(2)
وكان من المؤمل أن تستخدم المياه بطاقتها التخزينية التي تصل 176 كيلو متر لزراعة 300،000 فدان. وقد نفذ المشروع بكلفة 2،945 مليار دولار مولتها حكومة السودان، والصين، وصناديق عربية وحكومتي عمان وقطر،علماً بأن كل خزانات وسدود السودان ( سنار والروصيرص وسد أعالي عطبره وستيت، وخشم القربة) (جبل أولياء لايولد كهرباء حتى اليوم) مجتمعة تولد 324 ميقا واط، بينما ينتج سد مروي لوحده 1250 ميقا واط من الطاقة الكهربائية أي ما يقارب أربعة أضعاف الطاقة الكهربائية لجميع خزانات وسدود السودان؛ وكان بالإمكان أن يؤسس سد مروي لنهضة صناعية تماثل تلك التي حدثت في مصر ببناء السد العالي الذي ينتج (1600 ميقا واط) حيث أن التنوع المناخي وخصوبة التربة في السودان وإنسيابها ووفرة الثروة الحيوانية بما يقارب 130 مليون رأس من الماشية والإبل وغيرها، وكذلك الإمتداد الكبير للنيل، والإطماء الذي يجدد التربة في النيل الأزرق كل عام، ووفرة الأمطار في مناطق مختلفة من السودان في العام، ورخص اليد العاملة، وتنوع المحاصيل النقدية التي تنمو في السودان، وقرب السودان من الأسواق الأفريقية والعربية، كل ذلك يؤهل السودان لتطور كبير في مجالات الزراعة والتصنيع الزراعي والحيواني.
خزان سنار:
خزان واحد يولد 14 ميقا واط، وبطاقة تخزينية تقدر ب 390 متر مكعب من المياه، وهو خزان سنار الذي يبعد 300 كيلو متر من العاصمة الخرطوم، وقد أنشأ هذا الخزان علي أرض صخرية وبناءاً علي دراسة فنية وجيولوجية معمقة وبدأ تشيده في العام 1914 وإكتمل بناءه في العام 1925، ولكن فكرة هذا الخزان الصغير لا تقوم علي أساس الحاجة الملحة لإنتاج الطاقة الكهربائية فحسب، بل قامت علي فكرة عبقرية تستند إلي إقامة مشروع زراعي لمحصول القطن في أرض مساحتها 1،2 مليون ومائتين فدان، (قبل إضافة مشروع المناقل بمساحة مليون فدان، لتصبح المساحة الكلية 2،2 فدان للمشروع)؛ وعلي نظرية الري الإنسيابي Passive Gravity Irrigation حيث أقام المستعمر مشروع الجزيرة بطريقة الأوامر العسكرية بحيث تخرج التعليمات لتحدد ميقات الزراعة وميقات الري (من الساعة السادسة صباحا الى السادسة مساء) وهذا الإجراء الإداري لا يتطلب وجود للمشرفين على الزراعة من زراعيين، ومفتش غيط وصمد، ومراقبى مياة بحيث تكون كل العملية ادارية بحته.
فكرة الري الإنسيابي، عمليه مستدامة، تستند إلي طبيعة الأرض التي تتميز بوجود إنحدار نحو نقطة الوسط مما يضمن الإنسياب المطلوب للمياه، وبسرعة تساعد أيضاً في نظافة المجاري المائية وتجنب الفيضانات المُحتملة من الأمطار الغزيرة، وتلك ظروف طبوغرافية تتوفر في بعض الدول والمناطق في العالم وهي هبه ربانية حبي بها الله العديد من تلك البقاع. ولا شك أن السودان يقع داخل وادي عملاق بدليل شق ثلاثة أنهار لأراضيه الشاسعة نحو الشمال الجغرافي مما يسهل توظيف هذا الإنحدار الهائل بتقنية هندسية بسيطة لتقليل كلفة الري وزيادة العائد الإقتصادي لبلادنا. ويماثل هذا النوع من الري الإنسيابي ما يوجد ويستخدم في ولاية أريزونا بالولايات المتحدة إلي يومنا هذا لزراعة القطن ومحاصيل زراعية أخري بكميات تجارية كالبرسيم. وهي الولاية الأمريكية التي يماثل طقسها والتنوع والغذاء النباتي فيها لحد كبير السودان، حتي أن المهندسين الزراعيين ومهندسي الري في السودان كانوا يبتعثون لجامعة أريزونا لمتابعه بحوثهم العلمية، وللوقوف علي تقنيات زراعة القطن في الولايات الامريكية بالري الإنسيابي.
مشروع الجزيرة:
هذا المشروع الزراعي الضخم وهو الأكبر علي مستوي القارة الإفريقية والعالم آنذاك في إنتاج القطن طويل التيلة، حيث تفيد المعلومات المتوفرة عن مراحل بناء المشروع وتوسعه بأنه قد مر بثلاثة مراحل، الأولي كانت خلال الفترة من 1925 إلي 1955 والثانية من 1955 إلي 1970" والثالثة في العام 1970 . وأنشأت للمشروع أربعة إدارات متخصصة هي: الادارة الزراعية والإدارة الهندسية والإدارة المالية وإدارة الشؤون الإدارية، وقام المستعمر البريطاني بإنشاء خط خفيف للسكك الحديد الخاصة يشق ويتلوي بين جنبات المشروع لجمع القطن المنتج لتسهيل نقله بكلفة قليلة جداً إلي ميناء بورتسودان ثم إلي ميناء يوركشير حيث أنشأت مصانع خاصة لإستقبال هذا المحصول الثمين ولإقامة صناعات تحويلية للإستفادة منها في بريطانيا.
وبعد فترة قامت عقليه المهندس السوداني بإضافة مشروع المناقل لزراعة مليون فدان لتضاف للطاقة الإنتاجية الضخمة لمشروع الجزيرة، حتي أصبح إسم المشروع مشروع الجزيرة والمناقل وأصبحت مساحته الكلية 2،2 مليون فدان . ويقال أن المستعمر الإنجليزي بدأ التخطيط والتنفيذ لمشروع الجزيرة لفترة خمسين عاماً، بينما نفذ المهندسون السودانيون مشروع المناقل في أقل من خمس أعوام. كما أن المرحلة الثانية من مشروع تعليه خزان الروصيرص في عهد الحكومة الحزبية، قد زادت من الطاقة التخزينية من مياه النيل الأزرق بنحو خمسمائة ألف متر مكعب وإنتاج 190 ميقا واط من الكهرباء، قبل التعلية لخزان الروصيرص (الذي يقع جنوب سنار) و 280 ميقا واط بعد التعلية الثانية وبطاقة تخزينية تقدر ب 7،1 متر مكعب من المياه. وإن كان للإنقاذ حسنة، فإنها قد تتمثل في التعلية الثالثة لخزان الروصيرص والتي نفذت في العام 2013 بكلفة 396 مليون دولار لتصبح الطاقة التخزينية من المياه 7،4 مليار متر مكعب والطاقة الكهربائية المنتجة 1800 ميقا واط للمساعدة في التوسع في الزراعة بالري الإنسيابي إلي 1،5 مليون فدان من الجروف التي ستنشأ من البحيرة بمساحة 71،400 فدان. وزيادة إنتاج الأسماك من بحيرة السد. وبحساب بسيط فإن من المفترض أن ينتج السودان الآن 3،374 ميقا واط بما يفرق السد العالي الذي ينتج 1،600 ميقا واط ب 1،774 ميقا واط ولَك أن تتخيل عزيزي القاريء، القدرة المرتقبه في تحريك عجلة الصناعة بمثل هذه الطاقة الكهربائية من التوليد المائي قليلة الكلفة كما حدث في مصر بل أكثر مع توفر وتنوع السلع والمواد الخام التي بحاجة إلي طاقة للصناعات التحويلية وزيادة القيمة الإضافية لصادراتنا المختلفة ومن ثم إحداث النهضة الصناعية الجبارة ودعم تطور الإقتصاد الوطني بزيادة القدرات التنافسية لبلادنا!!! بيد أن تلك التعلية التي كان بإمكانها تأمين إنشاء مشروع زراعي جديد، وهو مشروع كنانة بمساحة تقارب حوالي مليون فدان (جزيرة ثالثة)!!!!.
ونقف هنا للإشادة بقدرات المهندس السوداني الذي يقع مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل تحت إدارته، في مجال الزراعة والري ، والسودان يعتبر من الدول الرائدة في هذين المجالين الهندسيين منذ إستقلال البلاد عن المستعمر وإحلال الوجود الأجنبي بالكوادر الوطنية السودانية التي تحولت لخبرات فذة. فعند سودنة إدارة مشروع الجزيرة أختير الإداري الفذ السيد مكي عباس كأول محافظ لمشروع الجزيرة في الفترة من 1955 إلي 1958 (فترة السودنة) وهي الفترة التي أعقبت خروج المستعمر الإنجليزي من البلاد وإحلال الكفاءة السودانية مكانهم؛ وقد شهد العالم بكفاءة المهندسين السودانيين الذين تعاقبوا علي تشغيل وإدارة ومراقبة مشروع الجزيرة والمناقل إلي يومنا هذا.
مشروع الجزيرة والمناقل، هذا المشروع العملاق لم يوفر فرصاً للعمل للسودانيين فحسب بل تعداهم إلي أطياف كبيرة وغفيرة من مواطني دول غرب إفريقيا من جوارنا وعمقنا الإفريقي في مالي والنيجر ونيجيريا وتشاد وتخوم منطقة سارا في جنوبي تشاد مع الحدود مع جمهورية الكمرون. فتقاطرت جموع من إخوة لنا عرفوا بالمثابرة والجد في العمل والسلم الإجتماعي علاوة علي التقارب الثقافي بينهم والسودانيين ، فحالما إنصهروا في المجتمع السوداني في بوتقه ثقافية وإجتماعية وأثروا الحياة الإجتماعية والإقتصادية للسودان ودارت عجلات الإنتاج وإرتفعت عائدات العملة الصعبة وضخت منفعة في شرايين البلاد الإقتصادية؛ مؤرخة لبداية الطفرة الزراعية الكبري للسودان، فأصبح يطلق علي السودان سلة غذاء العالم. ولا توجد مقارنة بسياسات التمكين للنظام البائد التي قادت إلي الفشل الذريع في مشروع الجزيرة والمناقل، فاليوم السودان يستورد غذاءه ومن المضحك المبكي أن شعارات الإنقاذ في أشهرها الأولي كانت (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع)!!!!
مشاكل المشروع من صنع الإنسان (Man Made):
ولكن وللأسف فإن الإبتعاد عن الأسس الفنية والهندسية والإدارية الراسخة في إدارة مشروع الجزيرة قد أعاقت الفكرة الأساسية التي قام عليها المشروع، فكرة الري الإنسيابي، بسبب إستخدام وسائل مختلفة في تنظيف قناتي الجزيرة والمناقل الرئيسيتين الممتدين من خزان سنار إلي داخل المشروعين حتي بدأ الإستعاضة عن الآليات التي صنعت خصيصاً لإزالة الطمي، بآليات أخري لم يراعي فيها المقاييس الهندسية المناسبة لهذه العملية الهندسية المحسوبة، فعندها عجز النظام البائد عن توفير ميزانية الصيانة السنوية وازالة الطمى وصيانة الأبواب و فتح وقفل المياة وصيانة القناطر، لعدة سنوات حتى توقف انسياب مياه الري بالري الإنسيابي، وأصبح المشروع إسماً لغير مسمى وعندما تحرك المزارعون والمواطنون عامة احتجاجا على هذا الإهمال المتعمد تبنت الدولة سياسة جديدة عرفت باسم (النفرة الخضراء)* (3)، وكانت هذه طلقة الرحمة للمشروع حيث دعي اصحاب الالات الحافرة في القطاع الخاص وطلب منهم ازلة الطمى المتراكم فى الترع بغير إشراف هندسي، فجاءت المحصلة كالقشة التي قصمت ظهر البعير، ونسفت يد العبث التي تفتقر للرؤية الهندسية السليمة الفكرة الأساس، الري الإنسيابي، الذي قامت عليه فكرة المشروع، ومن الأثر المباشر لذلك فقد تأثرت القناة الموصلة من الترعة الأساسية "أبوعشرين، ماسورة الري التي تعلو عن سطح الماء نصف متر" وزالت النعمة التى وهبها الله لنا من ري انسيابي إلي رى بالطلمبات وفشلت عملية تخزين الماء (The right storage of water). خاصة إذا علمنا بأن فكرة الري اليومي الأساسية والبسيطة تقوم علي أن الترع الرئيسية لا تحفظ طمى لسرعة انسياب الماء، ورغم قيام سد مروى فإن حوالي خمسة مليار متر 3 سنويا من حصتنا تذهب الى مصر منذ 1959 كدين يبلغ مقداره حصاد فيضان النيل لسبعة سنوات اليوم.
ومن ثم أستعاض النظام البائد عن الإرث الهندسي والفني بآليات غير ملائمة لمثل هذه العملية الهندسية التي تتم بمقياس محدد، بحيث لا تغوص الآليات بما يعمق مجري القناة مما يقلل من إرتفاع المياه التي تنساب بتلقائية عن فتح المياه لبدء عملية الري في المشروع بواسطة الري الإنسيابي الذي لا يكلف سوي قرار وتوقيت يعلنه محافظ المشروع للإيذان بفتح المياه، إلي الري بطلمبات عالية الكلفة بدخول قيمة الجازولين لتضاف لحسابات العملية الإنتاجية وبالتالي تقع حملاً ثقيلاً علي عاتق المزارع وذلك لأن المياه في القنوات أصبحت غائرة فتعذر إنسيابها التلقائي وذلك بسبب النظافة غير المدروسة بإزالة الطمي المتراكم بحفارات غير التي صممت أصلاً للمشروع منذ إنشاءه بحفارات أخري ودون دراية، هذا الأمر زاد من كلفة العملية الزراعية حتي أضحي المزارعون بعد إنقضاء كل موسم زراعي يرزحون تحت وطأة خسارة كبيرة وغير مبرره يطالبون فيها بسداد أموال للدولة وبالعدم زجهم في السجون للإعسار وعدم السداد. ولسخرية الأقدار، فإن المشروع الذي جذب عند إقامته ملايين من العمالة من محيطنا الإفريقي أضحي طارداً لملاكه من السودانيين بفعل تلك السياسات الخرقاء للنظام البائد في تغيير عملية التشغيل والإدارة والإشراف. فقد شهد المشروع هجرة عكسية نحو المركز (العاصمة) . وقد أحدثت تلك الهجرة عبئاً ثقيلاً علي إدارة الدولة، وأفرزت ظواهر إجتماعية سالبة بخلقها لعطالة كبيرة في محيط المركز، ولا تخفي إفرازاتها كمهدد أمني في حد ذاته، وكابحاً لإضطراد عجلة التنمية في البلاد؛ فإتجه الملايين من السودانيين نحو العمالة الهامشية غير المدربة لكسب رزقهم وعيشهم فتدنت الخدمات بشكل مريع.
ويقول البعض أن تلك السياسات ربما كان من بينها أيضاً محاولة من النظام لتفكيك نقابات المزارعين التي تناهض وتقاوم سياسات النظام كما حدث في رئاسة السكك الحديد في عطبره فوصموا بالشيوعية ليكون هناك سبب لإنهاء كتلة المقاومة ضد النظام الشمولي الباطش والقهر للحريات الشخصية، وتلك السياسة أوقفت حركة إنتاج مرفق هام آخر في دعم الإقتصاد السوداني، وهو مرفق السكك الحديد، وبيع مخازنه المليئة بقطع الغيار(كخردة) التي يبدع عمال السكك الحديد (الدريسة) في إبدال وإصلاح ما تحتاجه القطارات العتيقة منها، وهي التي كانت تعتبر ولزمن قريب أفضل وسيلة نقل قليلة الكلفة للمحاصيل من مناطق الأنتاج الزراعي والحيواني في بلد شاسع ومترامي الأطراف، وبلد تخيم عليه عقوبات إقتصادية وحصار خانق يمنع إستيراد أي قطعة غيار للقطارات بإعتبارها وسيلة حرب (Dual use) في دارفور (من قبل الولايات المتحدة) وذلك بنقلها للعتاد الحربي لمليشيا النظام (المراحيل) بواسطة القطارات لمناطق الحرب في دارفور. كما تم تحويل كلية هندسة الديزل الهامة (التي تعتبر جزء من جامعة الخرطوم) والمرتبطة بتسيير القطارات وإصلاحها إلي جامعة قائمة بذاتها، وذلك إمعاناً في تفكيك قوة نقابات هذا المرفق الحيوي لإقتصاد السودان حيث تعتبر مدينة عطبرة (والمسمي في الأصل أتبرا) رئاسة للسكك الحديد في السودان (مدينة الحديد والنار كما يحلو للسودانيين تسميتها) فتحولت تلك المدينة العمالية العريقة التي تدب في الحياة كخلية النحل إلي مدينة طارده لآلاف من السودانيين ليتجهوا أيضاً نحو المركز (العاصمة) كما حدث في مشروع الجزيرة والمناقل.
*(1)،*(2)،*(3)، كما أنني مدين للعم المهندس سيد أحمد الريح، المدير الأسبق بمشروع الجزيرة في مجال الصيانة ومساعد الوكيل الأسبق لوزارة الري.لما زودني به من معلومات هامة في محور فكرة إقامة مشروع سد مروي والنواحي الفنية في إزالة الإطماء في مشروع الجزيرة.
يتبع (الجزء الثاني).
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.