اتجاه لرفع دعاوي قضائية ضد المخلوع، غندور وعبدالرحيم حمدي    تحالف المحامين الديمقراطيين: قرار وشيك بحل النقابات    أمجد فريد: المؤسسة العسكرية هي المتهم الأول في فض الاعتصام    رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية وتحويله لدعم مالي للفقراء .. بقلم: محمد المعتصم حسين    اتحادنقابات العمال يؤكد دعمه لملف الدين الخارجي    وزير النفط: العمل بحقل بليلة لم يتوقف    توافق السودان وأثيوبيا ومصر على 7 سنوات لملء (سد النهضة)    البدوي: برنامج (الانتقالية) يركز على الانتقال الى التنمية الاقتصادية الشاملة    "الدعم السريع": هناك حملات استهداف موجهة ومتنوعة "ضدنا"    مشروعات طاقة روسية بنهر النيل    (الثورية): الوساطة لم تبلغنا بتأجيل التفاوض ومستعدون للجولة    14 ديسمبر موعدا للحكم في قضية البشير بشأن أموال بيت الضيافة    توتر في حقل نفطي بغرب السودان بعد احتجاجات للأهالي    مشروع الجزيرة : الماضي الزاهر والحاضر البائس والمستقبل المجهول (4) الأخيرة .. بقلم: صلاح الباشا    فانوس ديوجين السودانى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    حكاية .. بقلم: حسن عباس    الخيط الرفيع .. بقلم: مجدي محمود    السودان جمال لم تره من قبل (الخرطوم) .. بقلم: د. طبيب عبد المنعم عبد المحمود العربي/المملكة المتحدة    السودان يستعيد توازنه برباعية في ساو تومي    32.8مليون دولار منحة للسودان من البنك الافريقي لمشروعات مياه    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    مبادرات: هل نشيد نصباً تذكارياً له خوار ؟ أم نصباً رقمياً ؟ .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    ذَاتُ البُرُوجِ (مَالِيزِيَا) .. شِعْر: د. خالد عثمان يوسف    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    كلنا أولتراس .. بقلم: كمال الهِدي    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    جعفر خضر: الدين والتربية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    أمريكا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    أميركا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    "أوكسفام": 52 مليوناً عدد "الجياع" بأفريقيا    الحكومة السودانية تعلن دعمها لاستقرار اليمن وترحب باتفاق الرياض    87 ملف تغول على ميادين بالخرطوم أمام القضاء    ترحيب دولي وعربي وخليجي واسع ب"اتفاق الرياض"    البرهان : السودان أطلق أول قمر صناعي لأغراض عسكرية واقتصادية    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    الشرطة تلقي القبض على منفذي جريمة مول الإحسان ببحري    فك طلاسم جريمة "مول الإحسان" والقبض على الجناة    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الفروسية ما بين تيراب السكيراني (دار حامد) و(ص ع ال ي ك) العرب .. بقلم: د. أحمد التجاني ماهل أحمد
نشر في سودانيل يوم 17 - 10 - 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ملخص
يتناول هذا المقال مقارنة عن بعض ملامح الفروسية في أشعار تيراب حامد حمد أبو رأس السكيراني و(ص ع ال ي ك) العرب، فالأول تتحدث أشعاره عن الفروسية في البادية الغربية بادية كردفان بالسودان باللغة العامية لقبيلة دار حامد البدوية في ضرب من ضروب الفروسية وهي الشجاعة والكرم والإغارة وعدم الخوف من السفر والترحال بين الأماكن الوعرة والمظلمة في أماكن لا يسكنها إلا الطير والوحوش والتغزل في النساء وجمالهن. أما الآخريين فهم الشعراء (ال ص ع ال ي ك) تحدث شعرهم عن الشجاعة والقوة والقيم والأخلاق والبطولة وعدم الخوف من الأماكن المجهولة ومساندة الفقراء وإطعامهم من الأغنياء وخاصة البخلاء منهم الذين لا نصيب للفقير في مالهم
تمهيد
الفروسية هي الشجاعة وإطهار القوة والجُرأة وإثبات الذات والبراعة كونها تحتل مكانة عظيمة عند أهل البداوة وهي عندهم مرتبطة بالفارس والشاعر والسلاح والدابة التي يمتطيها سواء كانت فرساً أو بعيراً في البادية التي نحن بصددها (البادية الغربية بادية كردفان) ضمن جزئية من المقال في شِقِه الأول (تيراب السكيراني)، فالفروسية جُبلَ عليها أهل البادية وأصبحت من طباع نفسهم البشرية وانتقلت معهم في هجراتهم إلى مواطنهم الجديدة وتغيرت مسمياتهم كالهمبتة (الهمباتة) التي تتوافق مع الصعلكة عند (ال ص ع ال ي ك) في غرض النهيض والغارة من أجل اعانة الفقير واطعام الجايع وارتبط بها الشعر الذي يحث أصحابها على القيام بتلك الأعمال من أجل الفقراء والمساكين وأخذ المال من الأغنياء الذين يبخلون على منح الفقراء وتجنب الغارة على الأغنياء الذين يجد الفقراء عندهم الطعام والملبس والمِنح وفي ذلك يقول عروة بن الورد:
ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرهُم الفقيرُ
وأدناهم وأهونُهم عليهم وإن أمسى له حسبُ وخيرُ
يباعده القريب وتزدريه حليلته ويقهره الصغيرُ
ويلقى ذو الغنى ولهُ جلالُ يكاد فؤاد لاقيه يطيرُ
قليلُ ذنبُهُ والذنبُ جمُ ولكن للغنى ربُ عفورُ
والفروسية بمعناها الذي نحن بصدده قيم ومكارم أخلاق وبطولة وفتوة من أجل إعانة الفقير والمسكين كما الحال لدى بعض همباتة البادية الغربية.
تيراب السكيراني
هو تيراب حامد حمد أبو راس محمد من قبيلة دار حامد فرع الهبابين وخشم البيت (ناس السكيران) ويقال أن جدهم فارس صنديد يدخل العراك مباشرة وكأنه بلا وعيه ويقضى على خصمه فلقب بالسكيران. والدته متيربة شريف منهل بنت عم والده. وُلِدَ تيراب في قرية أم هشيم وهي رئاسة ومقر نحاس دار حامد سابقاً قبل أم سعدون وهي موطن أمبده أبو كنديه حيث نشأ تيراب راعياً للإبل وكعادة الصبيان بتلك الديار والبوادي وكان مولعاً بالغناء البدوي من دوبيت وجالسة ومن أقوال أهل البادية الغربية أن كثرة الغناء وعزف المزمار (ضرب الزمبارة) يسبب النجيع وترك الديار من أجل المغامرات مجهولة النتائج واتجه شرقاً في نجوعه إلى منطقة تندلتي وعمل راعياً في الإبل هناك ثم ترك الراعي مرة أخرى واتجه إلى النهيض والغارات (سواقة الإبل) وهي ما يُعرف في تلك البادية بالمهاجرية والحرفاء (الهمباتة) وهي الفروسية بعينها لأغراض في نفس الفارس ومنها ما ذكر أنفاً في التمهيد وفي ذلك يقول:
يوم تلقانا من تنة وعانيين مزروبنا
ويوم تلقانا حايمات الصقور في دروبنا
ويوم تلقانا فوق جبالاً نتهقد كلام معشوقنا
ويوم تلقانا جالبين سمين الجزر في سوقنا
ذلك وصف لرحلة غارة غارها على أهل إبل وجلبها في أسواق السعية من أجل أن يقدمها للفقراء والمساكين والمحتاجين الذين يرى أنهم أصحاب نصيب في مال الأغنياء وعبر عن مناطق (تنة) وهي ديار النوبة كتول وكاجا والمزروب ديار المجانين وهي سوق كبير لبيع الإبل. ويصف الرحلة بأنها ذات مخاطر كبرى حيث تحوم الصقور فوق مسار رحلتهم وهذا كناية عن وجود ما تأكله هذه الصقور من جثث البشر نتيجة للقتال بين الهمباتة والفزع من أهل الإبل أو رمم الإبل التي تنفق من صعوبة المسير في هذه الرحلة وما يصبرهم على هذه المتاعب هو كلام المعشوقات من غناء.
يوم تلقانا من جبرة وعانيين الرنق (الرنك)
ويوم تلقانا جايمات في دروبنا الصقور كلدنق
ويوم تلقانا لافحين السنين والمكنتل عنج
ويوم تلقانا مكتوب علينا أمر الشنق
المهاجر أو الحريف أو همباتي إلبل يعرف تماماً مصيره فمثلا في هذه الرحلة من منطقة جبرة شرق شمال كردفان وهي منطقة تداخل بين دار حامد والكابيش والزغاوة والنوبة يصف تيراب أن وجهتهم إلى الرنك وهي رحلة مخاطر يرى فيها الموت له أو لبعيره أو للإبل التي يسوقها والدلالة هنا حوامة الصقور كلدنق وهو النسر الذي يأكل الرمم سواء كانت رمم الذوامل أو جثث البشر من المهاجرين أو الفزع، أو النتيجة الحتمية هي الإعدام شنقاً بسبب القتل.
وظل تيراب مهاجراً عن الأهل وترك الرعي وأرض المحبوبة لكنه لم يفارق الإبل وحبها ومغامراتها وفي وسط هذه المغامرات البدوية الصعبة قتل أحد الأشخاص وقبض عليه وأودع في سجن مدني وظل بالسجن بعد أن حكم عليه بالأعدام حتى زار الرئيس الراحل جعفر محمد نميري السجن وقابله تيراب وأسمعه أغانيه في مدح الرئيس ورجال ثورته فتوسط له الرئيس نميرى وحل المشكلة مع أهل الدم وأفرج عنه بالعفو وفي ذلك يقوم واصفاً فترة السجن والسجان وثم يمدح الرئيس نميري ورفاقه في ثورة مايو 1969:
ما شُفتينا فوق سِجن التُرك يا آمنه
من ضهراً كبير قاموا اليهود لي تمامنا
لي سِت السابل يا عُقال أقروها سلامنا
قول ليها في نار أم لهيب لابُد نقضيِ أيامنا
ويضيف في وصف السجن ومعاناته ومعاملة العساكر الذين يتولون الحراسات ويراقبون المساجين وغالبيتهم من قبائل البقارة التعايشة والنوبة الذين كانت هوايتهم امتهان الجندية والعسكرية ويتألم لفراق المحبوبة والديار فيقول:
مقطوعة النصيب المِن البنات مسلوبة
هانونا النجوس فرقونا من بَكرة جهينة أم رُوبة
لو تدروا البي يا سياد السبحة واللالوبة
تحلوا قيدي من سِجن التعايشة والنوبة
وذاعت أغانيه التي مدح بها الرئيس نميرى وشبهه بالنمر أبوعاجات وأنتشرت عبر شريط الكايست الذي سجله ولم يزيد عليه وفيها يقول:
أبو رسوة البكتح راسه بالبارود
نحنا خوانه ما منضاروا بلحماً يأكله الدود
بترحب بيك جميع أفريقيا عرب ويهود
يا تمساح اللجتين لا يشوفك عدو ولا حسود
***********
أبو رسوة أخوي للمِحن دراج
أنا بفداه وبعزه بدمي العزيز أبو عاج
كم كم أعطى وكم كم رحم كبير محتاج
وكم كم أصلح رجال لبسوا المقص والتاج
بعد أن خرج من السجن ذهب إلى قريته أم هشيم وظل لفترة وخطب بنت عمه وسافر من أجل يجلب المال الذي يتزوجها به فعاد لمغامراته في الإبل من جديد في فن المهاجرية والهمباتة الحرفاء في ذلك يقول:
قومة من رشاش ما رجعنا
كايسين رضوة المِن الفريق نجعنا
إما نعيش عيشةً يجيبها ضراعنا
إما نسوق أم قجة بالحدبات يعيط مدفعنا
وهنا يتوافق مع قول السليك بن السلكة الذي يخبر محبوبته بألا ترتبط ب(ص ع ل وك) خامل بل عليها بال(ص ع ل وك) الشجاع الذي لا يهاب المصاعب فيقول:
فلا تصِلي ب(ص ع ل وكٍ) نؤُومٍ إذا أمسى يُعَدُ من العيالِ
إذا أضحى تفقد منكبيه وأبصر لحمهُ حذّر الهُزالِ
ولكن كُلُ (صُ ع لُ وكٍ) ضّرُوبٍ بنصلِ السيف هامات الرجالِ
ويستمر تيراب في النهيض وسواقة إلبل من أجل جلب المال والظفر رغم المصاعب التي تواجه المهاجري من مخاطر أقلاها المواجهة مع الفزع والنتيجة العودة للمربع الأول القتل والسجن فيقول:
يومنا القمنا وخطينا الكدوس في خشومنا
ولا همينا ولا قلنا الكلام ديّ بلومنا
ما بنموتوا كان اليوم بقى ما يومنا
وما بنفزوا يا أم رُوبة القبيلة تسومنا
وهنا يوافق قول عروة بن الورد في الشجاعة والإقدام فيقول:
لحّى الله صُعلوكاً إذا جَنَ ليلهُ مضى في المشَاشِ آلفاً كُلَ مجزّرِ
ولكن صُعلوكاً صحيفةُ وجهِهِ كضوء شهابِ القابس المتنورِ
مُطلاً على أعدَائِهِ يزجرونهُ بساحتهم زجرَ المنتجِ المُشهرِ
ويصف رحلته الأخيرة قبل زواجه من الزرقة أم حديد بدار فور ومخاطبته لبعيره عن ثباته وعدم ترك الإبل للفزع المسلح بالأسلحة النارية فيقول:
أنا ماني العيفة البي الطريق بتكبس
أنا ماني الخملة البي هدوم الحريم بتلبس
الفزع الشايل كلاش ومسدس
ما بقبلني يا الكلس أبو فقايا عبس
وهنا يتحاور تيراب مع بعيره ويخبره بفخره وعدم خوفه من تلك المصاعب وقطع القِفار ويتوافق مع ثابت بن جابر (تأبط شراً) في حواره مع الذئب عن شجاعته وعدم خوفه من الأماكن المجهولة فيقول:
ووادٍ كجوفِ العّيرِ قفرٍ قطعتهُ به الذئبُ يَعوي كالخليعِ المُعّتّلِ
فقلتُ له لما عَوَى إن شأننا قليلُ الغنى إن كنت لما تَموِّلِ
كِلانا إذا نال شيئاً أفاتهُ ومن يَحتَرث حرثي وحرثل يُهزَلِ
ويعود إلى أم هشيم مرة أخرى يتزوج من بنت عمه التي طال انتظارها واحتفل الناس بهذا الزواج وفي ليلة الدخلة بدأ الصبيان في غناء الدوبيت والفروسية والهمباتة والغزل فجلس يسامرهم ويجادعهم فظل حتى قروب الفجر فنازعته نفسه بالنجيع فجن جنونه وترك زوجته ولم يدخل بها وانقطعت أخباره وبعد عدة سنوات عثر عليه بالنيل الأزرق في منطقة الدمازين حيث تزوج هناك وأنجب وظل بها.
المصادر:
نُوري حمودى القيسي،الفروسية في الشعر الجاهلي، منشورات مكتبة النهضة، بغداد، 1964.
أحمد صديق رحمة المحامي، الأبيض شمال كردفان، من أعيان دار حامد فرع الهبابين (خشم بيت ناس السكيران)، مصدر شفهي، 2019.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.