توقيف شبكة متخصصة في تزييف العملة بالبحر الأحمر    غرامات مالية ل(3) أجانب بتهمة التزوير والبيان الكاذب    التشكيلة المتوقعة لمباراة ريال مدريد ومانشستر سيتي    دعوات لإيقاف التفاوض حول سد (النهضة) وإقالة وزير الري    فيصل : نعمل على التفاوض مع ضحايا المدمرة كول    البيئة ... أخطر الحركات المسلحة في السودان .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    بلاغ بنيابة الفساد بخصوص آليات كسلا للتعدين    المَلِكْ صَفَّار وعَدِيْلة البُكَار- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الْسَّادِسَةُ والعُشْرُون .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد    وردي في ذكرى رحيله الثامنة .. بقلم: عبدالله علقم    الجالية السودانية في تورنتو تتشرف بتكريم المبدع المدهش الدكتور بشري الفاضل    الهلال يهزم الفلاح عطبرة بثلاثة اهداف    المريخ يحل ضيفا على حي العرب اليوم    مواطنو الفردوس بجبل أولياء يتهمون شقيق الرئيس المخلوع بالاستيلاء على أراضيهم    الشعبي: ينفذ وقفة احتجاجية ويطالب باطلاق سراح قياداته    رئيس الطوارئ: الموسم الشتوي بالجزيرة يحتضر    مجلس الوزراء يقر زيادة السعر التركيزي للقمح الى 3000جنيه    العاملون بهيئة مياه ولاية الخرطوم يدخلون في إضراب مفتوح    حكم قضائي بسجن وتغريم الناشط دسيس مان لهذا السبب – تفاصيل القضية    الهلال يتجاوز الفلاح عطبرة بثلاثية نظيفة ويصعد الى الصدارة مؤقتا    الحَوَاريون الواردة في القرآن الكريم .. سودانية مروية اماً واباً .. بقلم: د. مبارك مجذوب الشريف    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    المريخ مكتمل الصفوف أمام السوكرتا    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    النيابة تأمر بعدم تشريح جثة ابنة مسؤول توفيت غرقاً    العاملون بكنانة ينفذون وقفات احتجاجية تضامناً مع المفصولين    اختفاء 7 مليون من وزارة المالية بالخرطوم    (الصحة) تتقصى حول (8) أجانب مُشتبه بإصابتهم (بكورونا)    الفاتح جبرا .. بقلم: حنك بيش !    (الصحة) تتقصى حول (8) أجانب مُشتبه بإصابتهم (بكورونا)    إسرائيل تكشف عن حالة إصابة ثانية ب"كورونا"    العراق.. واشنطن تحث علاوي على حل الخلافات مع الزعماء السُنة والكرد    الخطوط الجوية القطرية: سنخضع الركاب القادمين من إيران وكوريا الجنوبية للحجر الصحي    وزارة الصحة السعودية: ننسق مع الصحة الكويتية لعلاج المواطن السعودي المصاب بفيروس "كورونا"    اتّهامات متبادلة بين الموارِد المعدنية وشركات القطاع بشأن إنتاج الذهب    ابرز عناوين الصحف السياسيه الصادرة اليوم الاثنين 24 فبراير 2020م    أمير تاج السر : من يمنح الجوائز الأدبية؟    الظواهر الصوتية غرض أم مرض؟ .. بقلم: إسماعيل عبد الله    ما بين الشيخ الاكبر والسلطان ... حكايات تتكرر بين بلة الغائب وآخرون .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    الرئيس الألماني يزور السودان الخميس المقبل    يؤتي الملك من يشاء .. بقلم: إسماعيل عبد الله    ثم ماذا بعد أن بدأت الطائرات الإسرائيلية تطير في أجواء السُّودان يا فيصل محمد صالح؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    فيروس كورونا .. بقلم: د. حسن حميدة - مستشار تغذية – ألمانيا    استراحة - أن شاء الله تبوري لحدي ما اظبط اموري .. بقلم: صلاح حمزة / باحث    في ذمة الله مذيعة النيل الأزرق رتاج الأغا    هجوم على مذيع ....!    شرطة تضبط شبكة لتصنيع المتفجرات بشرق النيل    الفاتح جبرا:قصة (إستهداف الدين) وإن الدين في خطر والعقيدة في خطر ده كلو (حنك بيش) كما يقول أولادنا    محمد عبد الكريم يدعو السودانيين إلى الخروج "لتصحيح مسار الثورة"    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودان… صرخة تدعو لعدالة تقودها الأخلاق .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد
نشر في سودانيل يوم 21 - 10 - 2019

من ضمن أسباب الثورة، ما كان يرتكبه نظام الإنقاذ/البشير المدحور من جرائم وإنتهاكات فظيعة بحق السودانيين تقشعر لها الأبدان ويشيب لها الولدان. وتجاهل هذه الجرائم، دون مساءلة أو محاسبة، لا يشكل مَهْرَبا سهلا للمجرم فحسب، ولكنه سيدمر القيم التي يُبنى عليها المجتمع، ويسرع وتيرة تفتت عضد البلاد الممزقة أصلا من جراء تاريخ طويل من الحروب الأهلية وإنتهاكات النظم الديكتاتورية، وسيجعل من القتل والإفلات من العقاب هو السائد وليس المتغير، فتتواصل ذات الجرائم بعد الثورة، كما في مذبحة الإعتصام التي راح ضحيتها مئات الشباب من بناة المستقبل وحراس الأمل. ومن هنا، جاءت العدالة ضلعا أصيلا في مثلث أهداف الثورة المتساوي الأضلاع: حرية، سلام وعدالة، لتتزامن، كدأبها دائما عند المنعطفات التاريخية للشعوب، مع مفهوم العدالة الإنتقالية.
تُشير العدالة الإنتقالية إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تطبقها الدول المختلفة لمعالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات القانونية والعدلية التي أضعفها التسييس والفساد وخروقات الحكام لاستقلاليتها ونقص الموارد. وقد تختلف أهداف العدالة الانتقالية باختلاف السياق ولكن لديها سمات ثابتة: صون كرامة الأفراد؛ وإنصاف الضحايا، والاعتراف بالانتهاكات وهدف منع وقوعها مرة أخرى. وعلى عكس ما يعتقده البعض في حصر العدالة الانتقالية فقط في مفهوم الحقيقة والمصالحة، فإن العدالة الانتقالية متجذرة في المحاسبة القانونية ومعاقبة الجاني، مع جبر ضرر الضحايا والاعتراف بكرامتهم كمواطنين وكبشر. أما الحقيقة والمصالحة، فتمثل ركنا أساسيا من أركان العدالة الانتقالية، لكنه ليس الركن الوحيد، وهي لا تعني فقط المصالحة مع النظام أو المنظومة التي تسببت في الانتهاكات، وإنما هي مصالحة شاملة مع «التاريخ الوطني» و«الذاكرة الوطنية» في المقام الأول، بما يفسح المجال لمستقبل أفضل للشعب والبلاد.
إن هذا المقال غير معني بالبحث في تفاصيل معنى مفهوم العدالة الانتقالية، ولا يهدف إلى توضيح أي التباسات بصدده، فنحن نؤمن بصحة مقولة «دع العيش لخبازه». لكن، أحيانا قد يأتيك الشرح والتبيان لمعنى المفهوم من غير أهل التخصص، مثلما فعل الأستاذ الصادق سمل، الذي ضرب مثلا عاليا في السمو وتجاوز الحشا المحروق، يذكرك بأساطير وقصص الكائنات نصف الإله ونصف البشر.
في 25 كانون الأول/ديسمبر 2018، إبان الاحتجاجات الشعبية ضد النظام البائد، إختفى طالب كلية الآداب العشريني عبد الرحمن الصادق سمل، وظلت أسرته تبحث عنه في المستشفيات وأقسام الشرطة من دون جدوى، إلى أن تلقت اتصالاً هاتفياً من السلطات يفيد بوجود جثته بأحد المستشفيات، وأنه توفي نتيجة للغرق بالنيل الأبيض، وهي الرواية التي لم تقنع الأسرة. وبعد تسليم الجثمان للأسرة وتشييعه، كتب والد الشهيد، الأستاذ الصادق سمل، على مواقع التواصل الاجتماعي ينعى إبنه ويعبّر عن حزنه لرحيله، ويشكك في رواية غرقه. وقال «منذ اللحظة الأولى التي دخلنا فيها إلى المشرحة للتعرف على جثمان إبني عبد الرحمن، أنا وأمه وجده وأعمامه ومعنا بعض الأصدقاء، لم نصدق جميعاً أن الجثمان المسجّى لغريق. ومن آثار الدماء على الأنف والأذنين ومؤخرة الرأس، أصبح لدينا جميعاً يقين ثابت أن إبني قتل». ثم توالت كتابات الأستاذ الصادق عن حرمانه إلى الأبد من فلذة كبده، كتابات فيها المعاناة وألم الدواخل الذي لا يضاهيه ألم، ولكن لا يسيطر عليها النواح والبكاء، وإنما التفكير الإيجابي الذي يربط المعاناة الخاصة بمعاناة الوطن، في جدلية تجعل الحزن يفغر فاه دهشا. وفي آخر كتاباته، يكتب لنا الأستاذ سمل بمداد مشاعره ورجاحة عقله الثاقب، مخترقا سحابات الحزن والهموم، وشارحا ركنا أساسيا من أركان العدالة الانتقالية، فيقول:
«كثيرا ما أفكر في قتلة إبني عبدالرحمن: من هم ولماذا فعلوا به ما فعلوا وبكل تلك الوحشية والشراسة؟! كيف لم يروا فيه كل الجمال الروحي الذي رأيته انا عليه لعشرين عاما هي سنين عمره الجميل؟!. هل لأنهم كانوا يرون جمالا آخر لا ندركه نحن الذين نختلف عنهم قيمياً ومفاهيمياً، جمال تقربهم إلى (الله وإلى الحاكم) زلفى بدمه الطاهر. إن تفكيري حول مقتل إبني يتجاوز وجعي الذاتي حول فاجعة موته إلى وجع أعمق حول أن يكون في بلادنا من يؤمنون بأنهم لا تكتمل طهارتهم إلا بدماء أولادنا، والاكثر وجعا وجود من يروجون لهذا الفكر الكريه. وهنا أتساءل: من هو الضحية، إبني ام القتلة؟ ولا يعتريني أي تردد في الإجابة بأن القتلة هم الضحايا!. لا انظر الي قتلة إبني إلا في هذا الاطار، لأنهم حين قتلوه لم يهتموا أصلا إلا بفكرتهم التي تربوا عليها وآمنو بها ولأجلها قتلوا.
إلى قتلة إبني عبد الرحمن: أنتم في حوجة (حاجة) إلى التطهر من دم إبني بدرجة أكبر من حوجتي (حاجتي) للقصاص أو رغبتي في قتلكم. وإن لم تدركوا معاني ومدلولات حديثي الآن فستدركونه في مستقبل حياتكم. تعالوا الي وتطهروا…، فقط أخبروني عن كيف فعلتم ما فعلتم، حدثوني عن ساعاته الأخيرة، مع وعد منكم ألا تقتلوا مرة أخرى، ولكم مني عفو جميل وأكواب من القهوة.
إلى أبناء هذا الشعب الجميل: القصاص لا بد أن يكون من الفكر المؤسسي الذي جعل من الكل ضحايا لمعاني لا تمت إلى الحياة الانسانية في أدنى حالاتها. القصاص يكمن في الانتقال إلى عدالة مجتمعية تقودها الأخلاق وليس الالتزام الفكري، دينياً كان أم علمانياً.
إلى ابني عبد الرحمن: موتك عندي حياة.وإن غبت عن بصري فقد اتقدت بغيابك البصيرة.لا حاجة لنا في موتهم وقتلهم يا حبيب الروح.ما خلقنا لكي نخلق الأحزان فمن يعيشها يتمنى محوها من قواميس الحياة. أما إن سألتني عن الأشواق، فمكامن الروح حيث أنت».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.