وزارة العدل تفرغ من إعداد مشروع قانون العدالة الانتقالية    (قحت): لن ننسحب من الحكومة وسنناهض التطبيع    القادة الدينيون يوقعون على إعلان المائدة المستديرة    التطبيع مع اسرائيل علي ظلال تجادبات وتقاطعات لاءات الخرطوم .. بقلم: شريف يسن/ القيادي في البعث السوداني    السودان وإسرائيل: الجزء الثانى .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    وفاة وإصابة (10) من أسرة واحدة في حادث بالمتمة    الشرطة توقف متهماً دهس مواطنة ولاذ بالفرار    توجيه اتهام بالقتل العمد لجندي بالدعم السريع دهس متظاهراً    يا ناس زين كمّلوا زينكم! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش    كم كنت مظلوما ومحروما ومحجوبا عن العالم...يا وطني! .. بقلم: د.فراج الشيخ الفزاري    مؤتمر المائدة المستديرة للحريات الدينية العالمي .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    "أوعك تقطع صفقة شجرة" .. بقلم: نورالدين مدني    الوالد في المقعد الساخن .. بقلم: تاج السر الملك    المريخ يهزم الهلال بصاروخ السماني ويحتفظ بلقب الدوري الممتاز    فى إنتظار قرار الدكتور عبدالله آدم حمدوك .. بقلم: سعيد أبو كمبال    مفارقات غزوة كورونا للبيت الأبيض!! .. بقلم: فيصل الدابي    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بيت السودان في لندن إشتروْه بِنهَارٍ وباعوْه بليْل .. بقلم: السفير/جمال محمد ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 18 - 11 - 2019

هذه مقتطفات من مذكرات السيدة كليتونة التي عملت موظفة في مكاتب السودان في لندن بين 1930 و 1963، وقد قمت بترجمة أصلها من اللغة الإنجليزية إلى العربية، وهي قيد الإعداد لطباعتها وإخراجها إلى الناس. غير أن ما حدا بي إلى نشر هذا المقتطف، هو ما تواتر في الصفحات الإلكترونية عن أخبار لم تؤكدها جهة بثتها، ولا نفتها جهة قيل إنها تورطت فيها، عن التصرف ببيع الممتلكات التاريخية للسودان وأهمها "بيت السودان" في "روتلاند قيت" في منطقة "نايتسبريدج" المرموقة في لندن، وهي التي شكلت رمزاً وصورة من صور التواصل بين السودان وبريطانيا ، آملاً أن تكون كتابتي هنا ذات فائدة، وتسهم في وضع الأمور في نصابها. . مذكرات السيدة البريطانية "كليتون بيير" تتصل بشراء هذه العقارات التاريخية، لا ببيعها كما هو واضح. .
جمَال
شراء منازل "روتلاند قيت"- بيت السودان في لندن:
من مذكرات موظفة سابقة في بيت السودان- 1963
( بحلول عام 1952، باتت الحاجة ملحّة لمقرٍ أكثر اتساعاً وبمزيدٍ من الغرف وبضعة مكاتب، لاستيعاب العدد المتزايد من العاملين. كنا بحاجة ملحة لكبانية تلفونات ولموظفة تديرها، وأيضاً لموظفتين بدوام كامل للطباعة ، ولقاعة عمومية وقاعة للطعام ومكتبة صغيرة. ولأجل هذا المشروع، كان السكرتير المالي أكثر استعداداً للتصديق بمبالغ أكثر واقعية ، ودون أيّ تأخير، جرى شراء مبنى من ثلاثة وحدات في منطقة "روتلاند قيت" ، أميز المناطق في لندن. وهي الأفضل على مقرّات "سسكس"، لكونها ملكية حرّة ( ذلك يعني انها مملوكة نهائيا لصاحبها، إلا اذا رغب في التصرف فيها بالبيع، وهي لهذا تعد أصولا مستديمة جيدة).
وهكذا اشترت حكومة السودان هذه المنازل الثلاثة، ولكن ثمة عقبة ظهرت . كان من المفترض أن يغطي المبلغ الذي أجازه السكرتير المالي ، ليس الثمن وحده بل نفقات تكلفة التعديلات والديكور الداخلي والأثاث الإضافي، (وهي تكلفة باهظة)، ولكن كانت دهشتي كبيرة حين أراني المهندس المعماري ، ما حسبناه حاجزًا من الخشب المقوى بين غرف الطابق الأول . ثمة فجوة في هذا الحاجز الخشبي طلب مني أن أنظر خلالها، ولدهشتي وجدت عيني تنعكس عليّ . خلف ذلك الحاجز الخشبي كانت هنالك مرآة بديعة ضخمة، ببرواز مذهّب ، تمتد فيما يبدو، بطول الجدار من أعلاه إلى أسفله، ويبدو أن أحد الأشخاص، بعيدي النظر قام بتغطيتها بحاجز خشبي قبل قدوم العسكر للإقامة في المبنى.. هي في حالة ممتازة ، وتعد آية من آيات الجمال . ظني أنها لا تزال في مكانها إلى الآن ( 1963- المترجم). وذلك علاوة على ما نملك في "سسكس بليس".
وهكذا جاء القرار - على ترددٍ، ولاحقاً صار مدعاة للندم - ببيع أحد المنازل الثلاثة ، حتى يظل الصرف في حدود سقف المبلغ المصدق به . كانت البنايات مناسبة غير أنها كانت في السابق مستأجرة للجيش خلال فترة الحرب ، والجنود فئة من الناس لا تأبه كثيراً في العناية بممتلكات الآخرين. لقد تهتكت الأرضيات والدرج بسبب ثقل أحذية الجنود . تم رسم الخرائط ودعي مهندسو البناء ومهندسو الديكور وأعمال الخشب، ومهندسو التدفئة والكهرباء لتقديم عطاءاتهم، حتى كان ذلك اليوم الذي بدأ فيه العمل فعلياً. كنت أقوم بالتنقل طيلة أيام عديدة من "سسكس بليس" إلى الموقع، لمتابعة تطور العمل في الأثاثات والسجاجيد والتجهيزات الكهربية . تم الاتفاق مع شركة لتقوم بالتأثيث بسعر تعاقدي مناسب.
جرى اهتمام خاص بنوعية طاولات الطعام والمقاعد لتكون بأقصى حالات التحمل والسعة . قمنا بتحديد موعد الإستلام في الأول من يوليو من عام 1953، حيث أوردنا في العقد بندا جزائياً على كل يوم تأخير، بعد هذا التاريخ المحدد. كان واضحاً أنهم لن يتمكنوا من انجاز العمل في موعده برغم الضغوط الواقعة عليهم، وهكذا اضطررنا لعمل ما سيجبرهم على انهاء العمل والخروج عملياً : قام العاملون بالمكتب بالانتقال إلى المبنى الجديد. لا أنسى تلك الظروف التي كنا نعمل خلالها لعدة أسابيع ، إذ كنا نضطر للقفز من فوق سقالات البناء، ونحن في طريقنا للعبور إلى خلف المبنى، حيث مكاتبنا في الطابق الأرضي. كان الغبار يغطي كل شيء، بما فيه أجسادنا، وما زلت في حيرة كيف كنا ننجز عملنا وقتها. لكن في الحقيقة كان كل شيء يسير باتقان : الهواتف تجاب، والخطابات تطبع، والحسابات تضبط، والطلاب يتسلمون إعاناتهم، والجدد منهم، يتم استقبالهم ويجري الاهتمام بهم، كما بالزوار الطارئين، فيما إذا ارتضوا الجلوس على الصناديق الفارغة، يتبادلون الأحاديث فيما الكتبة يجاهدون لانجاز عملهم. ثم حلّ ذلك اليوم الموعود والذي كان فيه كل شيء نظيفاً، بديكوراته وبأثاثاته مع مشرف وطباخ محترفين (كليهما يقيمان في المبنى)، وطاقم عمال للنظافة اليومية، وناطور في الفترة الصباحية وآخر في المسائية. وهكذا بدأ "العمل رسمياً".خُصص القبو الذي يطل على ممشى "مونبلييه"، لسكن المشرِف ، ثم غرفة جلوس مزوّدة بسرير وحمام ، خُصصت للطباخ. يتسع المكان لمطبخ ولخزانات أواني الطبخ، كما يوجد سخّان ضخم في غرفة خاصة، ( يطل مدخلها على ممشى "مونبلييه" أيضاً، لتسهيل تزويد المبنى بالجازولين). ثمة غرفة أخرى كان يشغلها السيد/صالح محمد نور وزوجته وولدهما (المولود في انجلترا) ، وصالح هو الذي حكيت سابقا عن معاناته من الالتهاب الرئوي، فيما كان يَدرس في لندن، واضطر لقضاء وقت طويل طريحَ المستشفى. زوّدت الغرفة ببوتجاز كهربائي لاستعمال السيدة محاسن، حتى تتمكن من طهو ما تحتاجه ، ولكن بقيتْ تحت نظر وعناية خاصة من مشرف المبنى. ولقد أبدت السيدة /محاسن ثباتا وجلداً كبيرين في تلك الظروف الصعبة.
تتصل قاعة الطعام بمصعد آلي يربطها بالمطبخ، مما قلل من عدد الرحلات المضنية، طلوعاً ونزولاً، عبر الدرجات الحجرية الضيقة، إذ يُعبأ المصعد بطعام الافطار، فيتناوله النزلاء في يسر. اشتمل الطابق الأرضي على قاعة عامة مزدوجة، وغرفة لمشاهدة التلفزيون ومكتبة صغيرة. أما باقي الطابق فقد اشتمل على 12 غرفة، كل واحدة بسرير واحد أو سريرين، إضافة الى عدد معقول من الحمامات. من أوائل العاملين في المبنى الذين أشرفوا على النظافة، ثلاثة ممن لهم همة عالية ويعتمد عليهم، وهم السيدة/ "بريدمور" والسيدة/ "سميث- ايفي" والسيدة/ "آيمي". كانوا من أطيب وخيرة اللندنيين، وقد تآلفوا بسرعة مع مئات الزوار السودانيين الذين سكنوا في غرف المبنى الثاني من "بيت السودان". ولعل شعبيتهم تجلت في الأسماء العربية التي أطلقها عليهم النزلاء السودانيون. "آيفي" ، وهي أكبرهم سناً، سمّوها "سكينة"، و"آيمي" سمّوها "ريّا " ( لربما لا تعرف السيدة كليتونة أن الإسمين هما لقاتلتين مشهورتين في الإسكندرية- المترجم ). ظلت "آيفي" تعمل في بيت السودان لفترة تقارب الخمسة عشرة سنة من عمرها هناك، والأمر المحزن أنها في عام 1964، فقدت بصرها كلية، واضطرت للتوقف عن العمل وتقاعدت. لقد تمكنت هذه السيدة من التأقلم بشجاعة مع الحالة التي هي عليها، بمساعدة زوجها الوفيّ ، ولكن في عام 1979 ، بلغني خبر وفاتها ذلك العام ، وقد لحق بها زوجها بعد أشهر قليلة. تقاعدت أختها "ريا" في عام 1982، وهي في سن السابعة والستين، منهية خدمة في بيت السودان، بلغت سبعاً وعشرين سنة .)
ملحوظة:
هذا فصل من مذكرات كليتونة، والمخطوطة قيد الطبع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.