مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في التعليم السياسي في السودان .. بقلم: ميرغني ديشاب
نشر في سودانيل يوم 07 - 05 - 2020

تنويه: في ظلال (الطنين)، الذي يوجه من الكيزان والإسلام السياسي ضد د. القراي ومجهوداته الجبارة، عظيم القدر في حياتنا، لإصلاح وتعديل المناهج التعليمية لتواكب أهداف ثورة ديسمبر المجيدة والنهوض بالعملية التعليمية والتربية برمتها، وهي أساس وجوهر الدولة المدنية الديمقراطية. في هذا المنحي ننشر هنا تلخيصا لكتاب الإستاذ المعلم العلامة والباحث ميرغني ديشاب:(في التعليم السياسي في السودان، وهذا التلخيص نفسه قد سبق ونشرته صحيفة( الميدان ) علي ثلاث حلقات. نعلم أن محتوياته ضرورية وهامة جدا للمتابعين لأمر المناهج والعملية التعليمية وضرورة إصلاحها وتقويمها، اليوم قبل الغد، ونهيب بقوي الثورة والتغيير ونقابات المعلمين لدعم د. القراي واللجان العاملة في إصلاح وتقويم المناهج من التشوهات المهولة التي أجراها النظام البائد.
(1)
كتعريف إجرائي، نعني بتعبير التعليم السياسي (عضونة الدولة أيديولوجيتها السياسية في الهيكل التعليمي عبر مدخلاته ومخرجاته إضافة إلى كادر بشري يمثل جيوباً مؤدلجة للوصول إلى ناتج يصب في حصادها). وهذا الناتج لا يكون – غالباً – صاباً فيما عليه رعايا الدولة من معتقدات وأعراف وغيرها، لكنه يصب في الذي تريد الدولة الوصول إليه بتدجين الرعايا وكبحهم وتنميط مسار حياتهم لصالح أيديولوجيا الدولة وإعادة تشكيلهم. لكن أخطر ما في الأمر إنزال تلك الأيديولوجيا إلى المحيط المدرسي كي يشب التلاميذ عليها خاصةً في التعليم العام. وفي هذا نجد أن الدين يشكل دائماً ذلك الناتج قائماً على (فهم) أولي الأمرله. ونفعه لهم أنه (الحق) الذي لا دفع له، فعلى الأقل، لا يمكن رفضه في مجتمع مسلم. ودائماً ما نجد أن هناك حراساً للدين يذودون به عن الحاكم، فالخروج عليه – عندهم- حرام وهذا يجعل لولي الأمر طول مكث على كرسي السلطة.
في ظل هذا النظام الأيديولوجي، يبقى كل فعل من قبل أولياء الأمر صواباً، فهم مشروع إقالة عثرة الدولة، ورعاياها الذين هم دائماً على خطأ ينبغي، معه، قيادتهم إلى ثواب الآخرة لا رفاهية الدنيا، فهي زائلة. وتستمد الدولة هنا مشروعيتها وصلاحها باستمرار أولي الأمر أعلاها حكاماً لا يخطئون طالما حكموا الدين الذي فيه حل جميع مشكلات الوطن ورعاياه. ذلك حيث لا وطن، فوطن المسلم دينه.
(2)
كانت اتفاقية البقط قد وقعّت بين النوبيين والعرب المسلمين عام 652م، ونصّت – فيما نصّت- على حق اجتياز العرب بلاد النوبة غير مقيمين، وكان ذلك الحق للنوبيين أيضاً، أن يجتازوا بلاد العرب (مصر والجزيرة العربية) مجتازين غير مقيمين. لكن، من الواضح أن الطرفين لم يلتزما بذلك، فكان أن بقي العرب في بلاد السودان وبقي النوبيين في بلاد العرب (1). لكن العرب لم يدخلوا إلى هذه البلاد بلغة عربية فصحى هي قوام لسان الإنسان العربي كلغة كاملة الثقافة، كان معظهم من قحطان وليس عدنان، وسادت لغات حمير والأنباط على ألسنتهم، واصطدمت تلك اللغات باللغات السائدة هنا، خاصة البجاوية والنوبية وصار هناك هجين لغوي هو الذي كتب به كتاب له أهميته القصوى ككتاب الطبقات. ولم يكن العرب العدنانيون يعدّون لغات جنوب الجزيرة العربية، أي لغات قحطان، في العربية الفصحى (2).
يقول أحد الباحثين، وهو يتحدث عن الثقافة العربية في السودان، (إننا في محاولة تتبع تفاصيل هذه الثقافة منذ أصولها الأولى والتي جاء بها العرب قبل الإسلام، ندرك تماماً أن اللغة العربية التي جاؤوا بها لم تكن هي اللغة الفصيحة المعروفة) (3). نقف هنا عند قوله (التي جاء بها العرب قبل الاسلام) إذ يبدو الأمر هنا أن الاسلام كان ما علّم السودانيين اللغة العربية، فأجادوها. والإسلام قد يحبب المسلم في العربية لكنه لا يعلمها له، فهو ليس منهجا لتعليم اللغة العربية، ونحن نجد الآن آلاف الشباب المسلمين من حافظي ومجودي القران الكريم من دول اسلامية عتيتة كأندونسيا وماليزيا وغيرهما يفدون إلى جامعات العالم العربي لتعلم العربية، ومنها جامعاتنا، ولو كان الإسلام معلماً للغة العربية لكفاهم اسلامهم مؤونة السعي في البلاد.
(3)
من أظهر مظاهر الحراك البشري في السودان أنه كانت هناك هجرتان، أولهما الهجرة بالعلم. وهي أن يهاجرعالم الدين – بمقاييس ما قبل القرن السادس عشر الميلادي- من موضعه حاملا علمه الديني يعلمه الناس في موضع آخر. وكان (علماء) المحس ودنقلا قد هاجروا بالعلم إلى أواسط السودان (4). كان أولهم الشيخ أرباب العقائد، وكان هناك الهجرة للعلم، وهي أن يهاجر عامة الناس لهذا العالم الديني يأخذ العلم عنه. والعلم في الثقافة العربية في السودان القرآن وما تعلق به من علوم. بذلك صار هناك ألسنة مختلفة تتحاور في سنار عاصمة الدولة آنذاك.
استباب أمر الدين، وحركة الاستعراب الواسعة كانا جراء ذلك فيما نرى. وعلى الرغم من تعدد الألسنة في سنار، عاصمة الفونج، بسبب العناصر المهاجرة للعلم، فإن اللغة العربية الهجين (صعدت) عبر معاظلة طويلة المدى من لغة هجين ثم إلى أخلاط العامية ثم إلى النقاء اللغوي الفصيح، في بطء، بعد قيام المدارس النظامية منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي تقريباً. لكن، في كل الأحوال، نبقى على مسألة أن العرب لم يجيئوا إلى السودان بلغة عربية فصحى جامعة، ويعني ذلك أنه جاؤوا بثقافة مذبذبة منقوصة إذا علمنا أن اللغة هي (ماعون الثقافة) ولا تفكير خارجها، فيما يقول علماء اللغات. ويعني أيضاً أنهم جاؤوا بمستوى ديني ضئيل ليس هو الدين في مثاليته. كيف ذلك؟.
في الدولة السنارية 1821- 1885م التي تعد أول دول عربية في السودان، ويتم الإحتفاء بذلك، لم تكن الدولة ذات هوية دينية واضحة، فقد (لاحظ أحد زائري بلاط سنار في نهاية القرن السابع عشر أن السلطان يوصف بأنه مسلم، ولكن ليس لديه قوانين وشرائع المسلمين) (5) لكن صار التعليم بتلك العربية الهجين في الخلوات (جمع خلوة) وقد قام به طبقة الفقرا الصوفيون وكان التسليك في السلك الصوفي هو المقصود دائماً، يتبع الحوار شيخاً وقد يصعد إلى أن يصير هو ذاته شيخاً. ونحن نجد في ترجمات الشيوخ في كتاب الطبقات، مثلاً، (أن الشيخ فلان درس على وعلى وعلى) وكان هؤلاء الفقرا طبقة يخشاها الحاكم فمنهم من صدع بنصح ولي الأمر، بل وتعنيفه. لكن بروز ما يسمى بعلماء السوء تأخر كثيراً.
الصراع بين الصوفية والفقهاء كان بعد دخول الفقه إلى هذه البلاد، فقد جلب اسماعيل باشا معه ثلاثة من الفقهاء أحدهم مالكي وثانيهم حنفي وثالثهم شافعي. كان ذلك أول اتجاه لدى خليفة المسلمين في الامبراطورية العثمانية لتشكيل الرعايا تشكيلاً آخر. ناب عنه في ذلك محمد علي باشا الذي وطّد لتعليم ديني واسع المدى سيتخطاه ولي الأمر الذي جاء بعده. كما سيأتي.
لقد كان التعليم في الدولة السنارية عند الفقرا اسلامياً صرفاً غايته تعليم القرآن وعلوم الدين المرتبطة به (6) لكن تحول الأمر إلى مجالات أوسع في العهد التركي المصري. فقد كانت سياسة محمد علي باشا (تهدف إلى تشجيع مدارس القرآن بالسودان وفتح مدارس حكومية جديدة لتمده بالمستخدمين الذين يمكن استيعابهم في المجالات الاصلاحية المستحدثة) (7) وكان من الواضح أن العهد التركي المصري قد استهدف بالتعليم أهل السودان بجلبه هؤلاء العلماء. لكن هذا العهد نفسه كان حريصاً على عدم إثارة أهل البلاد دينياً. ويمكن القول هنا أن هذا العهد كان يعتمد في بلادنا على استراتيجيتين: استراتيجية دينية، حافظ بها على ودٍ ما بأهل البلاد، إذ بادر بالظهور بمظهر الحفيظ على ما هم عليه من الدين، واستراتيجية أخرى سياسية شابها الفقه.
العهد المهدوي أنهى النشاط التبشيري الذي أنفذه العهد الذي قبله، ولم يكن هذا العهد المهدوي مؤيدا للنظم التعليمية التي أدخلها العهد التركي. ذلك أن الأولوية لم تكن للتعليم بل للجهاد في سبيل الله. لكن إضطلعت الخلوات بدورها في التربية والتعليم سواء في حياة المهدي أو خلفه الخليفة عبدالله التعايشي. لكن ذلك ارتبط بشرط هو أن لا يتخلف مدرسوها إذا دعا في الناس داعي الجهاد (8). لكن المهدي كان قد أبطل الفقه الذي أخذ مكانه في العهد التركي، وكان ذلك جرأة منه وقد قال فيه قولته المشهورة (هم رجال ونحن رجال)، يعني واضعي الفقه كبشر. ولعله نظر في ذلك إلى ارتباط الفقه بالمكان. وفي سيرة الإمام الشافعي أنه درس على الإمام أبي حنيفة في العراق، وعلى الإمام مالك بالمدينة المنورة، لكنه عندما عاد إلى مصر، كمكان آخر، ورأى ودرس ما عليه الناس، بدّل من فقهه الذي أخذه عن الإمامين. وعلى هذا فإن المهدي عليه السلام كان يرى، كمكان آخر أيضاً، في تنوعه واختلاف ناسه يكفي أهله راتبه الذي إجتمع عليه أنصاره كأوراد. بدلاً عن الفقه الذي ربما رآه أكثر تعقيداً.
في العهد الانجليزي المصري، على الرغم من أن حرية التعليم وعدم التدخل في شؤونه كانت سائدة في بريطانيا العظمى، إلا أن اللورد كرومر كان يرى في التعليم الديني مخاطر، إذ خشي أن يكون الذي يقوم على دراسة القرآن مثيراً للحماس الديني والتعصب (9) وكان ذلك العهد يرى أن يكون التعليم في السودان مهنياً وعلى ذلك وضع جيمس كري (مدير مصلحة المعارف) أهدافاً ثلاثة للتعليم عام 1900م لم تكن تحتوي على تعليم ديني (10) لكنه فيما بعد، رأى وضع يده على الخلوات لهيمنة حكومية عليها، فقد (دفع إعانات مالية لعدد قليل من الخلوات وكانت هذه الإعانة عبارة عن مرتب شهري للفكي معلم الخلوة مما جعل هؤلاء الفكيان يرحبون بإدخال المواد العلمية كالحساب في مقررات الخلوات) (11) وفي كل الأحوال فقد عمل الانجليز على ثبات أهداف التعليم، لكن سنجد – فيما بعد- ما يدعو إلى فك الازدواجية فيه، أي توحيد الاتجاه التعليمي بحيث لا يكون له وجهان، ديني وعلماني، أي دينياً فحسب.
الهوامش؛
(1): راجع ميرغني ديشاب- الصحابة والتابعون النوبيون- كتاب قيد الطبع.(2): شوقي ضيف- تاريخ الأدب العربي- ص 262.
(3): د. عبده بدوي- الشعر الحديث في السودان- ص44.
(4): ميرغني ديشاب- التاريخ الإسلامي للمحس- مخطوط.
(5): ج. سبولدينق- عصر البطولة في سنار- ص 20.
(6): محمد عمر بشير- تطور التعليم في السودان- ص23.
(7): نفسه ص 43.
(8): د. الناصر عبدالله أبو كروق- حول سياسة الانجليز التعليمية في السودان- مجلة دراسات أفريقية- العدد 21- 1999م.
(9): محمد عمر بشير- مصدر سابق- ص 47.
(10): نفسه- ص 55.
(11): نفسه- ص 65.
في التعليم السياسي في السودان. ( 2/3 )
1:
كثيرون يتحدثون عن تدهور النظام التعليمي الآن في بلادنا. ومنهم تربويون ممن يسمونهم ( خبراء تعليم ). لكن، في متابعتنا المتأنية، لم نجد سوي التحفظ في الحديث عما أكتنف التعليم في مثالب واضحة لكل ذي نظر. ولم تكن هذه المثالب لتحدث لولا الجرأة السالبة التي تميز بها هذا العهد الذي لا نجد فيه شيئا قائما علي علمية واجبة. هذا التدني في التعليم يأتي في مقدمتها دخول الآيدلوجيا السياسية في مسار التعليم. دخول الآيدلوجيا السيتسية دائما ما يكون في الحكومات الشمولية. ففي أول عهد مايو، كانت الكلمة التي ألقاها وزير التربية والتعليم آنذاك د. محي الدين صابر قد احتوت علي عبارة ( ضرورة تنشئة التلاميذ علي مبادئ الاشتراكية ). ومن الواضح أن تلك الكلمة قد حولت مجري التعليم إلي مجراها هي، وهو مجري الحكومة، والتي هي قد اجترحت من الاشتراكية ما سمته بالاشتراكية العربية، مقياس القوميين العرب للحكم. وكانت كلمة الوزير تلك قد أخذت مكانها المتقدم في كتاب المطالعة للصف الأول الثانوي يدرسها كفاحا مدرسو الدين والعربي كما كانوا يسمون آنذاك. وصارت المناهج تبني علي أساس هذه الاشتراكية، وهذا حديث طويل لن نخوض فيه.
كان التخلص من بخت الرضا في ذلك العهد بنقله إلي الخرطوم، ليس كمعهد وخبرات وإنما كمكاتب! وكان توجه الدولة التعليمي في حاجة إلي كادر بشري جديد ، وعلي هذا، حدث نشاط في أوساط العاملين في حقل التعليم في سبيل التكيف مع الواقع ( الاشتراكي ) الجديد الذي تخلص من معاهد التربية التي قامت في البلاد علي غرار معهد بخت الرضا لجعلها معاهد لأربع سنوات دراسية بعد أن كانت لسنتين. وكانت تلك المعاهد قد قامت بأفكار الجيل الأول من رجال التعليم. وذلك الجيل خصب الخيال العام العلمي الذي يكفيه أنه كان علي رأسه الراحل عبد الرحمن علي طه، رحمه الله.
في بداية الثمانينات، تصاعدت حدة التوتر بين حكومة مايو ونقابات المعلمين. فكان أن لجأت الحكومة إلي حيلة كانت عبارة عن ( رشوة ) بقيام ما سمي ب ( اتحاد المعلمين ). ولم يكن يرمي هذا الاتحاد إلي جسم يلتف حوله المعلمون بل كان سماحا للمدارس ( الثانوية ) بافتتاح فصل أو فصول لتدريس الفاقد التربوي بمقابل مالي. وصار تقسيم الطلاب إلي ( نظامي ) هو الذي يدرس في المدرسة الحكومية، و ( اتحاد ) وهو الذي يدرس تحت ادارة المدرسين. وهكذا صارت فصول الاتحاد تجارة رائجة يجتهد المدرسون للتدريس فيها. وهي بدعة في أصلها تجزرت في تربة التعليم حتي الآن، وهي التي أفرزت بدعة ( الدروس الخصوصية ) التي فرقت بين أغنياء التلاميذ وفقرائهم، ثم روجت لبدعة أكبر هي ( المذكرات ) التي أصبحت بديلا عن المدرس، وراج سوقها وخطرها، إذ استبدل المدرسون بكتب!
في اختلاط الحابل بألنابل، كان رفع المدرسة الأولية ذات السنوات الأربع إلي المدرسة الابتدائية ذات الست سنوات في بداية السبعينيات من القرن الماضي. وقبلها، كان المدرسون جميعا – تقريبا – مدربين بل ومحترفين. ومع هذا التوسع غير المدروس، والذي سمي باسم ( الثورة التعليمية ) احتاجت المدارس الابتدائية الجديدة إلي أضعاف أعداد العاملين فيها. واضطرت وزارة التربية والتعليم إلي تعيين مدرسين من حملة الشهادة الثانوية بنجاح أو رسوب، ومدرسين أكملوا الدراسة في مدارس صناعية أو تجارية أو زراعية بنجاح أو رسوب. وكان لابد من تدريبهم، وفي غياب معاهد التدريب، تم تدريبهمتحت مسميات مختلفة يطزل شرحها!
ما قبل مايو وثورتها التعليمية، كان وزير التربية ومرؤوسوه من خبراء التعليم المخططين له، ذلك فيما عدا عهد عبود الذي صار فيه المهندسون والعساكر وزراء تربية وتعليم. لكن ظهرت ( المؤتمرات ) في هذا العهد. فكان مؤتمر التربية القومي في العام 1969م. وفيه أعلن وزير التربية والتعليم في خطابه أمام المؤتمرين أن ( المشكلات التي ورثها التعليم العام كانت تمثل سياسة مرسومة خطط لها الاستعمار، وأن تكاليف التعليم خاصة في المباني وداخليات المدارس أبعدت عامة الشعب عن تلقي التعليم، ولابد من إحداث تغيير نوعي مقصود ومخطط له بحيث يكون نتاج التربية والتعليم في النهاية إنتاج المواطن القادر فنيا والمتكامل قوميا، وبهذه الفلسفة وحدها يمكن تحقيق مجتمع الكفاية والعدل عن طريق غرس الفضائل الإنسانية والمبادئ الاشتراكية وغرسها في الناشئة)1. وكان هذا المؤتمر قد أوصي بالنظر في التربية والتعليم ككل واحد، لا كتربية وتعليم علماني وآخر ديني، وذلك بأن يكون علمانيا ودينيا في آن واحد. علي الرغم من ذلك، أمنت لجنة تركيز التعليم عام 1972م ومؤتمر المناهج ببخت الرضا عام 1973م واللجان المشتركة بين السودان ومصر التي ناقشت أمر التعليم عام 1977م، واللجنة القومية للتربية الإسلامية عام 1977م علي أهداف عليا ثابتة – أو أرادتها ثابتة – فيما يختص بالتعليم الديني. والناظر في هذه الأهداف يجد أنها تكاد تتطابق في صياغاتها الداعية لضرورة العودة إلي جذور الأمة الإسلامية ودينها2. ويشير ذلك إلي تحول الدولة السودانية في مجال التعليم من آيديولوجيا إلي أخري ببساطة لا تجوز في مرفق حساس كالتعليم، كما يشير إلي أن الحكام هم مقررو ذلك دون قراءة ما عليه الرعايا من تنوع.
( 2 )
منذ وقت مبكر، في العام 1985م رتبت الجبهة الإسلامية القومية أمر التعليم، فكانت ( ندوة التربية الإسلامية ) في ذلك العام. وقد نظمت هذه الندوة في المركز الإسلامي الأفريقي ( جامعة أفريقيا العالمية الآن )، وصدر كتاب يحوي أوراقها ( 15 ورقة ) عن المركز المذكور صدر عام 1993م. وأهم ما فصلت فيه هذه الأوراق أنها ركزت علي إسلامية التعليم بكيفيات محددة إضافة إلي تصنيف المدرسين علي قسمين: علماني وغير علماني، وهذا ما تم تنفيذه عام 191م بحذافيره. المؤتمر الذي جاء تحت عنوان ( مؤتمر سياسات التربية والتعليم ) أقامه ( الجهاز القومي لتطوير المناهج والبحث التربوي ) ببخت الرضا في 17 سبتمبر 1990م تحت شعار ( إصلاح السودان في إصلاح التعليم ). وقام هذا المؤتمر لمعالجة ما رآه ( نظاما تعليميا متدنيا عاثت فيه القرارات السياسية في كل بنية من بنياته، فعجز عن أداء وظيفته، حيث له أهداف غامضة اتسمت بشمولية هلامية جعلتها تصلح أهدافا لأي نظام تعليمي في أية بقعة من العالم مما أفقدها الخصوصية في بلد معين له أرثه الحضاري، ومناهج ضعيفة مترهلة مفككة يلحظ فيها انفصال واضح بين محتويات المنهج والمرتكزات العقائدية والبناء الحضاري والتراث الثقافي والاجتماعي لأهل السودان. وقد نبعت فكرة المؤتمر من ضرورة مراجعة أسس التعليم العام من مبدئه إلي منتهاه مراجعة تنهي الزبد والغثاء ليذهب جفاء وليبقي ما ينفع الناس)3.
خلاصة ما فات نجدها في تعبير( المرتكزات العقائدية والبناء الحضاري). فالمناهج الدراسية التي سبقت منذ بدايات القرن العشرين، ذات الخصوصية السودانية بعد الانفكاك من إسار المناهج المصرية، مع تنقيحاتها بممارستها وتجربتها المستمرة، هي هذا الذي يفترض أنه يذهب جفاء. وما ينفع الناس هو الصياغة التي انتهي إليها ذلك المؤتمر وهي ( العمل علي ترسيخ العقيدة الدينية عند النشء وتربيتهم عليها، وبناء سلوكهم الفردي والجماعي علي هدي تعاليم الدين بما يساعد علي تكوين قيم اجتماعية واقتصادية وسياسية تقوم علي السلوك السوي المرتكز علي تعاليم السماء)4. وذلك له مآلاته كما سيأتي.
في مؤتمر أقامته اليونسكو في دولة اندونيسيا عام 1992م عن التعليم الديني- ومن المعروف أن اندونيسيا من أكبر الدول الإسلامية – وقد حضر ذلك المؤتمر من السودان د. عون الشريف قاسم و د. يوسف الخليفة أبو بكر، وقد كانت خلاصة هذا المؤتمر أن يكون التعليم الديني 20% والعلمي ( رياضيات – كيمياء – أحياء ... الخ ) 80%. وكانت منظمة اليونسكو قد تدخلت في التعليم الديني في المملكة العربية السعودية عام 2010م ( ومنهج تعليمها الديني هو المعمول به في السودان الآن ) فقلصت التعليم الديني مع الاكثار من العلوم العلمية. ولم تكن أهداف التعليم التي صاغتها الحكومة الجديدة عام 1990م ساكنة في أضابير، بل تم إنزالها إلي حقل التعليم في تخطيط دقيق، حتي لقد صار ما ( يحفظه ) التلميذ في التعليم العام 2845 آية من القرآن الكريم. ويشكل ذلك 42.6% من آيات القرآن الكريم البالغة 6212 آية في أشهر الروايات. وقد جر هذا إلي انشغال المعلم والتلميذ وأبوه وأمه بتحفيظه، إذ الهدف الأساس من تدريس القرآن الكريم أنه ( يرمي إلي توجيه جهود المعلمين إلي تمكين تلاميذهم من تلاوة القرآن الكريم تلاوة صحيحة، وحفظه الجيد والفهم السليم لمرامي الآيات)5.
في كتيب ( مؤتمر التعليم ) بالولاية الشمالية في نوفمبر 2011م والذي قام لتقديم توصيات للمؤتمر القومي للتعليم، كانت التوصية الرئيسة ضرورة تقليص ما يحفظه التلميذ من القرآن6. ونحن نزيد علي ذلك أن المسلم ينبغي أن يحفظ من القرآن ما يقيم به عباداته بشكل صحيح. ذلك أن ( الحفظ) يقود مباشرة إلي ( الإستظهار )، وهو ما كان يسمي ( التسميع ) في المنهج القديم، وهذا بدوره يقود إلي:
- عقاب التلميذ بأي لون من ألوان العقاب إن لم يحفظ.
- خفض درجاته في مادة القرآن ( وهو مادة قائمة بذاتها) إن لم يحفظ.
- من الممكن أن يصل شعور التلميذ حيال هذه المادة أنها صعبة، خاصة أنها واجب لابد أن يؤدي، وكل واجب يحمل درجة من درجات الإرهاق. ومن الممكن – مع ذلك – أن يكره التلميذ المادة.
بدعة التعليم قبل المدرسي كانت قد بدأت في ثمانينيات القرن الماضي. وقبلها كانت ( رياض الأطفال ) سائدة في السودان لأسباب منها خروج الأم للعمل. وكانت هذه الرياض معدة لشئ واحد هو ( اللعب ). وهو الأسلوب الصحيح للتربية حتي سن سبع سنوات. لهذا، عكف التربويون في السودان، وفي غيره، علي البحث في سن التعليم للطفل فاجتمعوا علي سن السابعة، وقبلها للطفل أن ( يلعب )، ولا ننسي هنا أن اللعب نفسه تعليم. وكان هؤلاء التربويون قد اعتمدوا علي ( علم نفس النمو ) وهم يقررون سن السابعة لدخول التلميذ المدرسة. ففي علم نفس النمو، نجد أن المخ الأيسر يندمج مع المخ الأيمن ليكونا مخ الإنسان الكامل، وعندها يتقدم الإنسان لمرحلة ( الإدراك )، ويتم ذلك في سن السابعة. وذلك يعني أن الطفل ينبغي أن يذهب إلي المدرسة في هذه السن لا قبلها. ليس من التربية البتة أن ( يدرس ) الطفل شيئا قبل سبع سنوات. لكن ما يحدث الآن في ملاجئ ( التعليم قبل المدرسي ) أن الطفل يدرس سورا قصيرة من القرآن ويحفظها وبعضا من الحساب وشيئا من القراءة والكتابة.ذلك أن للتعليم قبل المدرسي مناهج موضوعة، ونحن لا ندري واضعها، لكنه، في كل الأحوال، لا يمتلك ذرة من علم التربية، ولا ذرة من علم التعليم. وكنا نعلم أن ذلك سيحدث منذ أنشئ ما سمي باسم ( الجهاز القومي لتطوير المناهج والبحث التربوي )، فتسميته هكذا تشير إلي بعد شاسع عن التربية والتعليم. ذلك أن تطوير المناهج لا يأتي من خارج فصل الدراسة. فالمدرس داخل الحقل ( الفصل الدراسي ) هو الذي ( يطور المنهج ) بما يضيفه من عنده له، فتأمل!
-----------------------------
في التعليم السياسي في السودان. (3/3 )
1:
في هذا المقال،قد لا نرجع لمصادر، ذلك أن صاحبه عمل في مجال التربية والتعليم في المرلة الأولية والإبتدائية ثم الثانوي في الفترة ما بين عامي 1971م – 2013م. وما نوله هنا نابع عن المعايشة يوما بيوم. لكن ما قلناه سابقا، وما نقوله الآن، مجتزآت من كتاب يجئ تحت عنوان ( التعليم السياسي في السودان ). ونشير هنا أننا وجدنا كتابا واحدا في الربط بين السياسة والتعليم هو ( تاريخ السياسة والتعليم في السودان ) لناصر السيد الذي صدر في الخرطوم عام 1990م، وقدرنا أنه ناقش أمر التعليم والسياسة ما قبل صدور كتابه، وربما فاتنا غيره.
2:
قلنا في المقال ( 2- 3 ) أنه كان قد وضع تصور نحو إعادة النظر في المدرسين العلمانيين. وعلي الرغم من أن العلمانية طريقة تفكير كامنة في عقل الإنسان وقد لا تظهر إلي السطح، فإنه تم فصل اعداد هائلة من المدرسين استنادا علي ذلك. وهؤلاء هم المدرسون العلمانيون الذين، من المفترض، اخلاء ساحة التربية والتعليم منهم. وقد كان الشيوعيون من المعلمين مستهدفين تماما، وكذلك المجاهرون بالعداء للجبهة الإسلامية القومية.
وقد بدأ التعليم علمانيا في السودان منذ بدايات فصل المناهج عن التعليم المصري في بدايات القرن العشرين. لقد انتقد بعضهم كتب المطالعة التي تنزلت في مناهج التعليم، ليس من كونها تعليم علماني، ولكن في بنائها اللغوي المستفز من شاكلة تعبير ( حمد سرق بقر العرب )، وغيرها. وبعد قيام بخت الرضا صارت المناهج في أيد بريطانية وسودانية. كان علي رأس بخت الرضا المستر قريفث، لكن نائبه في عمادتها كان الراحل عبد الرحمن علي طه الذي لا يستطيع أحد أن يقدح فيه من حيث علمه وعبقريته ونفاذ بصيرته بل وفي موقفه من الاستعمار عموما.
لم يكن هناك نقاش حول علمانية التعليم أو لا علمانيته. لكن كان النقاش حول ( التعابير المستكرهة ) كما في بعض تعابير الراحل بروفسور عبد الله الطيب في مثل ( حمد سرق بقر العرب ). لكن د. محي الدين الإصابر رأي تغيير المناهج منذ بدايات السبعينات لتنشئة الدارسين علي مبادئ الاشتراكية كما ورد من قبل، وألغي كتب الجغرافيا خاصة ( سبل كسب العيش في السودان ) لأنها قائمة علي الحديث عن الطعام في إشارة لقول شاعرها عبد الرحمن علي طه في زيارة لصديقنا في القولد صديق عبد الرحيم ( وكم أكلت معه الكابيدة/ وكم سمعت أوري وو ألوده ). وأشرس من تصدي له، فيما بعد، الدكتور محمد خير عثمان.
( راجع كتابه، المدخل إلي بخت الرضا – ص 191 – 204 ).
كانت هناك مساجلات حول دينية التعليم، كما أوردنا من قبل، لكن إسلامية التعليم في العهد الحالي، وبعد كل المؤتمرات التي أشرنا إليها، وبعد فصل المدرسين العلمانيين، لم يحدث شئ سوي الإكثار من الدروس الدينية في المناهج، فصار التلاميذ يدرسون كمواد أساسية: القرآن – الفقه – التجويد – التفسير، ودخلت بعض القراءات القرآنية في أمثلة اللغة العربية خاصة في النحو والبلاغة، أما ما عدا ذلك، فقد بقي التعليم علمانا لا شك في علمانيته. فالتاريخ والجغرافيا وعلوم الأسرة والعلوم العسكرية والهندسية والأحياء والكيمياء والفيزياء والرياضيات علوم علمانية لا سبيل إلي الفكاك من علمانيو غيرهتها، فالعلوم – عموما – ليس لها أديان. وإذا صعدنا إلي التعليم العالي نجدالاقتصاد والعلوم السياسية والطب والبيطرة والصيدلة وغيرها، علوما علمانية. وقد ينزع الناس إلي تدريس الاقتصاد الإسلامي ، كما هو حادث الآن، ونوصي هنا بتدريس ( تاريخ الفتوحات الإسلامية ) في علم التاريخ. مع ذلك، نجد في التعليم العالي، وفي إطار مطلوبات الجامعات ( وهي تدريس الديانة الإسلامية واللغة العربية ) في الجامعات، نجد أن أهم ما يدرس للطالب الجامعي ( أ العلمانية حرام )!!. حرام، والطالب سيدرس، بعد فراغه من دروس الديانة الإسلامية واللغة العربية علوما علمانية صميمة العلمانية!!
مؤسسات الدولة السودانية الحالية في إنزال آيديولوجيتها إلي المدارس تتركز في أذرع مؤدلجة، منها الاتحاد العام للطلاب السودانيين، وهو يعمل في إطار العمل الفئوي، أي في أوساط طلاب التعليم العام والجامعات. ومنها كوادر الأداء الجهادي بالجامعات، لكن أكثر ناشري الآيديولوجيا في إطار التعليم السياسي ( النشاط الطلابي ) والقائمون عليه كادر نشأ كتنظيم في عام 1995م، وحل محل النشاط المدرسي الذي كان يقوم به المدرسون كعمل أساسي لهم، وهو الذي كان يسمي النشاط اللاصفي. وإلي جانب ذلك، كان المدرسون يقومون بإدارة المكتبة المدرسية وآلت إدارتها الآن للنشاط الطلابي!
كانت وحدة النشاط الطلابي قد أنشئت في وقت مبكر، وكان تعيينهم انتقاء، حتي لقد تمني كثير من المدرسين أن يكونوا منهم، فقد كان تعيين الفرد منهم يتم في الدرجة الخامسة كما كان يقال حينها. والدرجة الخامسة في الخدمة المدنية درجة ترقي لم تكن تعطي للعامل في الخدمة المدنية سوي بتقارير صارمة قد تستمر لمدة عشرين عاما أو تزيد. ذلك قبل الانقلاب الذي حدث عام 1995م نفسه. في ذات العام ( 1995م ) كان قانون الكادر المفتوح الذي أنزل إلي حقل التعليم، وقد ألغي هذا القانون ترقية المعلمين التي كانت تتم وفق الاداء والمساهمة الفاعلة في الخدمة التعليمية والإبتكار والذكاء والنشاط إذ قضي بترقية أي معلم في مدة ثلاث سنوات أو أربع أو خمس. وقد قتل هذا الطموح عند المعلمين، فكل فرد منهم يعلم مسبقا أنه سيترقي في يوم كذا دون تقارير أو إشارات تقييم الاداء أو غيره. كان هذا القانون شاذا تماما حين نص علي أن المسؤولين عن التعليم في الولاية لهم الحق في تحديد من يكون مدير المدرسة ووكيلها إضافة إلي شاغلي الوظائف العليا في مجال التربية والتعليم الذين غالبا ما تؤول للحزب الحاكم!
مع هذا، صار صغار المدرسين أصحاب الولاء السياسي في إدارات المدارس مديرين ووكلاء وأصحاب مقامات منها إدارة التعليم الثانوي والأساسي ومدير عام التعليم وطال ذلك الموجهين وصارت هناك وظائف أخري هلامية كمدير إدارة ترقية التعليم وإدارة ترقية المهنة والاشراف التربوي، ذلك بعد أن كان مدير عام التعليم يرقي إلي منصبه هذا نظرا إلي خبرته ودرجته ومدي إجادته اللغة الانجليزية وسني عمله وكفاءته، وكان ذلك ينطبق علي مديري المدارس أيضا، خاصة الثانوية، إذ كان ينظر إلي مدير أية دائرة في التعليم علي أنه ( المخطط ) الفني والعلمي والتعليمي لهذه الدائرة أو تلك. لكن كل ذلك انتهي إذ حاز علي مناصب الهرم التعليمي من لا يمتلكون الخبرة ولا الكفاءة ولا الأهلية، وصارت وزارة التربية والتعليم مليئة بأناس جدد.
وحتي لا ينهض في وجهنا أحدهم، نروي سيرة لهؤلاء الناس الجدد، حيث لم تكن تحدثإذا لم يكونوا جددا. ففي عقليته النيرة كان الراحل بكري عديل قد بدل صيغة ( الاحصاء التربوي ) إلي ( تخطيط التعليم ) بدايات عام 1989م. وجند لذلك محاضرين من جامعة الخرطوم وغيرها، ودرب هؤلاء المحاضرون أربعين من ثلاثة أقاليم هي دارفور والشمالية وكسلا. وصار هناك كادر لتخطيط التعليم في هذه الأقاليم الثلاثة، حيث صار هناك كادر جديد يقول لرؤسائه ( لا تتخذوا أي قرار دون معلومات تصب في شأن القرار الذي تريدون إتخاذه ). وصار هؤلاء المخططون هم حملة المعلومات، كويس لحد هنا؟.
ركب المديرون العاملون الجدد رواحلهم إلي الخرطوم في سبتمبر 2003م ( كان تمام أسلمة التعليم في 2001م ) لاجتماع سمي ( الاجتماع التنسيقيلمديري عام التعليم ). تداولوا أمر التنسيق لأيام، وخرجوا إلي أهل السودان بثماني توصيات. كان المديرون العامون من كل ولايات السودان لم يتخلف منهم أحد. نشرت توصياتهم تلك في جريدة الأيام في ذلك التاريخ. نقف عند توصيتين منها:
- شهادة ال ( بكالوريوس أساس ) يجب إيقافها لانها ليس فيها عملي( هكذا )!
- ضرورة إعادة إدارة الإحصاء التربوي في إدارات التعليم.
بالنسبة لشهادة بكالوريوس الأساس، كانت وزارة التربية والتعليم قد رأت في منتصف التسعينات ضرورة حصول مدرسي الأساس – كما صار يسمي – علي شهادات جامعية من كليات التربية. وهي كليات قامت أصلا علي أنقاض معاهد التربية التي قامت علي غرار معهد بخت الرضا في مدن مختلفة. وقد انتدبت الوزارة لذلك مدرسين ومدرسات من مراحل الأساس في كل أنحاء السودان، وعندما تخرجوا فوجئوا بأن شهاداتهم تسمي ( بكالوريوس مرحلة الأساس ). و والله ما عرفنا أن مرحلة الأساس تعطي خريجها درجة علمية. لكنها العقلية الجديدة علي كل حال. كان هناك رفض لاسم هذه الشهادات ، لكن الرافضين والرافضات خمدوا فيما بعد، فرؤساء نقابتهم مخدموهم، ومع هذا، ليست هناك ( فرفرة ).
في معمعة الشهادات الجامعية لمدرسي ومدرسات مرحلة الأساس، أعلنت جامعة السودان المفتوحة ( التي صار لها حق تدريب المعلمين )، أنه لن يسمح لمدرس أو مدرسة بالعمل بدون شهادة جامعية بحلول عام 2011م. وخشي المدرسون والمدرسات علي مستقبلهم وأقبلوا عليها. لكن، في الاجتماع التنسيقي الذي أشرنا إليه كانت التوصية بإيقاف بكالوريوس مرحلة الأساس لأن الجامعات تدرس التربية نظريا ولا تهتم بما هو عملي، أي ممارسة التدريس حقليا. وفي أثناء كتابة هذا المقال نقرأ ( رسوب 70% من المعلمين الجالسين لامتحان مزاولة المهنة )، و ( برنامج تدريبي لتحسين قدرات واضعي امتحانات شهادتي الأساس والثانوي، وتدريب أساتذة كليات التربية بالجامعات بجانب الطلاب في الفصول النهائية بكليات التربية )، ( جريدة الأخبار 17/3/2018م، العدد 1535. وهذا يقودنا لبرامج تدريب المعلمين، وهو حديث طويل.
( ضرورة إعادة إدارة الإحصاء التربوي ) تشير مباشرة إلي وضعها كتوصية في عام 2003م بعد أربعة عشر عاما من رفع الراحل بكري عديل لفكرة ( الإحصاء التربوي ) إلي ( تخطيط التعليم )، تشير إلي أن مديري عام التعليم جدد في وظائفهم. خاصة مدير عام التعليم في كل من الشمالية وكسلا ودارفور الذين تم تدريب كادر للتخطيط في أاليمهم، وكان علي الآخرين أن يكونوا علي علم بذلك، فقد كان إلغاء ( الإحصاء التربوي ) الذي كان يعني بالارقام فحسب، وقيام ( تخطيط التعليم ) القائم علي المعرفة الشاملة بنظرياتها. خبرا له أهميته في أروقة التعليم، لكن ماذا نقول في كادر مفصول من التعليم لغيابه إذ لم يعد إلي السودان بعد إعارته إلي الخارج، يستدعي ويركب سرج مدير عام التعليم في وليمة معتبرة.!!.
في المؤتمرات التي التي تم التخطيط فيها للتعليم كيف ينبغي أن يكون في إطار إنزال المشروع الحضاري الذي همه إعادة تشكيل الإنسان السوداني إبتداء من صغره، كان التعليم السياسي بارزا إذ جاء إلي حقل التدريس أفراد كوادر النشاط الطلابي الذين يدرسون صغار الطلاب خاصة في الصف الأول الثانوي مناهج خارج المناهج المدرسية، يستخدمون فيها حقهم في تعطيل الدراسة في أي وقت، ولا يستنكر ذلك مديرو المدارس المختارون بعناية، بل يرحبون به. وهنا يؤتي بهؤلاء الطلاب إلي فصل دراسي قصي ليدرسوهم – بداية – أهداف الحركة الإسلامية لتتوالي الدروس، بعد ذلك، علي هذه الشاكلة.إضافة إلي تحكمهم في المكتبة المدرسية ذات الخط القرائي المعروف.
علي الرغم من ذلك، يشب هؤلاء الصغار ويرون ما عليه حال أسرهم، ينفعلون مع الشارع، ويستمعون إلي ما يقول الناس، وما يقول آباؤهم وأمهاتهم، ثم لا يبقي في خط المشروع الحضاري إلا قليلون يبدون كثيرين بسند الإعلام والسلطة والجاه والمظهر الاجتماعي الكاذب.
------------------------------
هوامش:
1: راجع خطاب وزير التربية والتعليم في كتاب اللغة العربية للصف الأول الثانوي في
السبعينيات، حيث هو مادة المطالعة في صدر الكتاب.
2: محمد عمر بشير – تطوير التعليم في السودان، ص ( 56 ).
3: أنظر مؤتمر سياسات التربية والتعليم- وزارة التربية والتعليم – دار الحكمة للطباعة
والنشر – الخرطوم 1990م ص ( 1 ).
4: نفسه ص – ص ( 137 ).
5: تفسير القرآن الكريم للصف الخامس أساس – ص ( 10 ).
6: مؤتمر التعليم وزارة التربية والتعليم – الولاية الشمالية ، دنقلا 2011م – ص ( 11 ).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.