مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





التعليم بين ضرورة الإصلاح وشخصية القراي .. بقلم: أ.د. محمود عبدالرحمن الشيخ
نشر في سودانيل يوم 17 - 05 - 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا أعرف القراي، مدير المناهج، في شخصه، ولم اتشرف يوما بلقائه وإن كنت قد تحادثت معه من تلفون أحد الأصدقاء المعاصرين له في أمريكا في الأسبوع الأول من تعيينه مديرا للمناهج مشجعا له ومؤازرا ومبديا استعدادي للتعاون معه إنطلاقا من إيماني بأن إصلاح التعليم أهم لبنات بناء الأمة. إذ كنت قبل ذلك بسنتين قد أعددت دراسة أبين فيها ما أصاب التعليم في السودان من خلل مؤكدا على أهمية الاصلاح. لم يكن همي، وقتذاك انطلاقاته الفكرية والتي إن كنت أحترمها فليس بالمؤمنين بها. فمع احترامي لجهود أستاذه المرحوم محمود محمد طه وفكره فإنني حتي الآن لم أستطع أن أبتلع فكرة الرسالة الثانية لقناعتي بأن لكل نبي رسالة واحدة وإن أختلفت معطيات الزمان والمكان. فكل رسالات الأنبياء إنما تنبع من مشكاة واحدة أصلها ثابت وفرعها في السماء هدفها عبادة الله الواحد الأحد ومبتغاها خلافة الله في الأرض وفقا لقيم الحرية والارادة ومنظومة العمل الصالح. ولست ممن ينازع الجمهوريين فكرهم أو يفتئت على حقهم في التعبير عنه إيمانا وقناعة راسخة فِي من قديم وهي إحترام رأي الأخرين وإن اختلفت الروئ والمسارات فإنما باختلاف وجهات النظر تنضج الأفكار وتستقيم الحلول. وإن كانت قناعتي تلك قد جلبت ، وما تزال، حنق بعض الأصدقاء ممن يرون في ذلك ضعفا واستهوانا.
ولقد عرفت الجمهورين أول ما عرفت وأنا طالب في الثانوي حينما جاء إلى مدينتنا الرهد في أواخر الستينات الأستاذ محمود محمد طه ليلقي محاضرة في النادي الثقافي إنتهت بصخب لتركيز الحضور في أسئلتهم على أدعائه بأن الصلاة قد رفعت عنه . ثم من بعد تعرفت على بعضا منهم، ولكنها ليست بمعرفة عميقة ، من خلال الزمالة في العمل أو الالتقاء في الجامعة من أمثال الدكتور النور حمد والأخ بروفسور أحمد المصطفي حسين الذي زاملته في جامعة آل البيت بالآردن وسكنت بجواره عامين كاملين فلم نشهد عليه إلا كل أدب وحسن خلق ، كما اذكر أيضا البروفسور عبدالله أحمد النعيم الذي قابلته في جامعة الخرطوم ثم شاء الله أن نلتقي في أمريكا. ولعبدالله النعيم قصة ما زالت عالقة بذهني. ذلك أنني حينما التحقت بجامعة كلفورنيا لوس أنجلس بالولايات المتحدة الأمريكية أواخر عام 1980 لدراسة الدكتوراه جاءنا الدكتور عبدالله زائرا بكلية القانون فكان أن استضافته الجامعة لتقديم محاضرة فآثر أن تكون عن المرأة في الإسلام. في محاضرته تلك حاول النعيم، وهو يخاطب جمعا غالبه غير مسلم، أن يثبت بأن الإسلام يضطهد المرأة ويهضم حقوقها وما إلى ذلك. فكان أن أنبري بالرد عليه من جملة من أنبري مفندا لأرائه البروفسورة نيكي كديNikki Kidde، أستاذة الدراسات الإيرانية بالجامعة، وكانت في السبعينات من عمرها، إذ أثبتت بأدلة قوية أنه ما من دين أكرم المرأة وأعزها مثلما أكرمها الإسلام.
من هنا فإني لا أدافع عن القراي إيمانا بفكره أو توجهه ولكن لقناعتي الشخصية المرتكزة على الدراسة العميقة لواقع حال التعليم في السودان وضرورة مراجعته وإصلاحه. فكما ذكرت في دراستي " رؤي نحو اصلاح التعليم " الذي نشرتها في سودانايل قبل أشهر إن أكبر أخطاء الأنقاذ هو أدلجة التعليم وجعله مطية لفرض أفكارها وقناعاتها ليس من أجل الإصلاح والنهوض بالأمة ولكن لفرض هيمنتها وإدامة سلطتها مثلما فعلت الأنظمة القهرية في الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهما فكانت النتيجة، يا سبحان الله، أن ذات الأجيال التي حاولت أدلجتها هي التي أسقطتها .
إن أدلجة التعليم سواء أكان من اليمين أو اليسار يمثل أكبر كارثة رزئ بها التعليم في السودان. ذلك لأن التعليم يمثل ركائز البناء الذي تقوم عليه نهضة الأمة وتقدمها والقاعدة التي ينبني عليها بنائه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ومن ثم فلا بد أن يكون بعيدا عن الأدلجة والتسييس . التعليم يعمل على بناء الإنسان وصياغته الفكرية والثقافية ومن ثم فإن أهم ما يجب أن يركز عليه المنهج الجديد هو بناء الشخصية السودانية على أسس قويمة وسليمة. التعليم يجب أن تسنده فلسفة واضحة المسار والتوجه تنبثق من فكر الأمه ومعتقدها وثقافتها . صحيح أن بين الأيدلوجيا والفلسفة حيط رفيع إذ ما من فلسفة ألا تنبع من فكر واعتقاد. لكن ذلك لا يعني بحال أن يصاغ المنهج على فهم إحادي إقصائي لا يستوعب كامل مرتكزات الأمة ومعتقداتها لأن الإنسان لا يعيش في جزيرة معزولة وإنما في مجتمع تتنوع فيه الأفكار والأعراق والثقافات فيحتاج لمنهج تصالحي واكتساب مهارات تحليل وتقييم تعينه على إدارة فلك حياته بأمن وسلام في بحر الإنسانية المتلاطم الأمواج.
فالطفل في سني حياته التعليمية الأولي يحتاج لقيم ومفاهيم ومهارات تجعله متصالحا مع نفسه وأسرته ومجتمعه بحيث لا يحس تناقضا بين ما يراه في المنزل والمدرسة والشارع. وليس من نبع أفضل وأصفي تغترف منه مثل تلك القيم مثل نبع الإسلام إذا أحسن فهمه وأدركت مراميه وغايته دون إجتزاء لتحقيق غرض فكري أو سياسي. ولأن قوام المنهج وصلاحه يستندان على ذات البيئة التي سيطبق فيها فحري أن يستقي على معتقدات وقيم وثقافة تلك البيئة. فالتعليم لا بد أن يقوم على مرتكزات أساسية قوامها القيم والمبادئ والأخلاق. فغرسها في نفوس الناشئة هو الذي ينبت ويرسخ فيهم بذرة وثقافة المواطن الصالح والعمل الصالح والشخص النافع لنفسه وأمته وجماع الإنسانية لتصبح جزءا من شخصيته وكينونته وتوجهه الحياتي. بذلك فقط ينشأ المجتمع الصالح. تلك القيم والمبادئ والأخلاق التي تتمثل في الحرية والعدل والمساواة والصدق والأمانة والتسامح واحترام الأخرين و الابتعاد عن الفحشاء والمنكر والإنفاق والتواضع وحب العمل والإخلاص فيه وغيرها مما تعارف وأجمع عليه الناس هي ما ارتكزت عليه سائر الأديان السماوية وغيرها.
تلك القيم والمبادئ والأخلاق، هو ما أود أن أذكر به د. القراي، هي قيم إسلامية إنسانية لأن مصدرها واحد من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلي الله عليه وسلم وإن اختلفت مسميات الأديان والمذاهب وتنوعت الأمم والشعوب. ومن هنا فإن بث تلك القيم في مناهج التعليم لا بد أن ينطلق من الدين والعقيدة التي يؤمن بها شعب ما. ذلك أن القيم والمبادئ والأخلاق التي ترتكز على دين وعقيدة شعب ما تكون أقرب لوجدانه وعقله و ثقافته ويسهل عليه هضمها وتقبلها. صحيح أن هناك قيما ومبادئ إنسانية مشتركة ولكن هناك أخلاقيات تنبع من بيئة المجتمع وعاداته أحري بالأهتمام والترسيخ من أخلاقيات وافدة نبتت وأزهرت في بيئات غير بيئتنا وثقافة غير ثقافتنا. وإذا كان فكر الأنقاذ الذي شوه التعليم نبت أجنبي لا علاقة له بالبيئة السودانية، كما يري النور حمد ، فإن أي فكر خارجي و ثقافة مستوردة ، مهما كان مسماها، هو نبت شيطاني يجب تجنبه. ومن ثم فإننا نريد اصلاحا " طلعه هضيم " ينبثق من عقيدة وفكر وثقافة أهل السودان المتوافق عليها مع استصحاب تعدد الأديان والثقافات المحلية. وهذا ما يجب أن يركز عليه المنهج الجديد.
إن أهم ما يجب أن يركز عليه المنهج الجديد هو ترسيخ تلك القيم التي حطمتها الأنقاذ مثل قيم الحرية والعدالة والمساواة وحب العمل والصدق والأمانة . إن أكثر قيمة نحتاج أن نجذرها في نفوس أبنائنا هي قيمة الصدق وعدم الكذب . فكما قال رسولنا الكريم أن المؤمن قد يسرق ويزني ولكنه لا يكون مؤمنا حين يكذب . فالكذب أس كل بلاء ومدخل لكل الشرور والآثام. لقد عشنا وسط أهل الغرب سنينا عددا فما رأينا شيئا أبغض إليهم من الكذب . بينما خبرنا ورأينا أخوة لنا يكذبون ويزورون الوثائق ويتحايلون على القانون دون وخز من ضمير وشهدنا الطلاب يبخرون ويغشون ويخدعون. ومن هنا فإنا نريد لأبنائنا تعلم تلك الآيات القرانية التي تحض على الأمانة والصدق والإيفاء بالعهود. ما قيمة حافظ للقرآن وهو يكذب ومعلم له لا يرعي حرمة لأعراض تلاميذه . وما قيمة من يكنز ويسرق المال وبطون جيرانه خاوية ضامرة . نريد حافظين يتمثلون القرآن خلقا وسلوكا من أمثال المرحوم الدكتور عبدالوهاب سرالختم الذين لا يكذبون حتي والسيف على أعناقهم مشرع.
وقصة ثبات عبدالوهاب على الحق ورفض الكذب مهما كلفه ذلك قصة يجب أن تتعلمها الأجيال وبها تستهدي. فحينما أتيحت الفرصة للدكتور الوديع، الزاهد، حافظ القرآن، الذي ينضح العلم من جميع جوانبه، صاحب الرئاستين إذ كان حاملا لدكتوراه في الفلسفة وأخري في التربية من فرنسا، أن يعمل في جامعة اليرموك بالمملكة الآردنية الهاشمية في عام 1996 وجد نفسه أمام ضباط الاستخبارات الآردنية يسألونه عن سر وجود تأشيرة دخول لدولة إيران في جواز سفره. فأوضح لهم أنه ذهب إلى إيران لاستلام جائزة فاز بها عن بحث له عن إسهامات الفرس في الحضارة الإسلامية. ولكن رجال الاستخبارات المهوسون بفرية الأمن ما كان لهم أن يصدقوا الشيخ الوقور فسألوه ساخرين: " أصادق أنت فيما تقول؟" فرد عليهم غاضبا : والله ما تعودت كذبا منذ صغري. وما كنت لأكذب ولو وضعوا السيف على رقبتي." وبدلا أن يكبروا صدق الدكتور ويعلموا أنه وديع لا يؤذي نملة فزعوا من قولة الحق فكتبوا في تقريرهم :" أنه ذو شخصية قوية آسرة يخشي على الطلاب منها" ورفضوا أن يعطوه إقامة وطالبوا بإبعاده على الرغم من شهادات حسن السلوك والخلق التي أدلي بها زملائه وطلابه.
إن المنهج الذي نريد يا القراي هو ذلك الذي يعيد للسوداني قيم دينه وأصالته وتسامحه وأمانته وصدقه ولحمة مجتمعه وفطانة تعينه على التمييز بين الغث والثمين دون رياء أو نفاق مع انفتاح على الفكر الإنساني والحضارة العالمية دون تبعية وإنبهاروتفسخ وإنحلال.
إن ما يجب أن نعترف به أن أمتنا السودانية بعد يربو على الستين عاما من الاستقلال فقدت فيها الهدي القويم والحكم الرشيد بفساد سياسيها وحكامها قد أضحت " أمة معتلة" و" شعبا معتل" فكريا واجتماعيا وجسديا يحتاج للإصلاح والتقويم. ولا نعني باعتلال الفكر بآية حال اعتلال الدين ، فحاشا للإسلام إن يكون معتلا . وإنما العلة في " فهم الدين " فهما صحيحا وتطبيقه وفقا لمفهوم مصطلح " العمل الصالح " الذي حث عليه سبحانه وتعالي أنبائه وخلقه. وليس أدل على اعتلال الفكر وفهمنا وتطبيقنا الخاطئ للدين من مظاهر الفساد والكذب وعدم الأمانة والجشع والاحتكار وعدم احترام الرأي الأخر والحسد وحب النفس والأنانية وشخصنة القضايا ولغة التنابذ والتخاصم و التخوين التي تتفشي في الأسافير ووسائل التواصل الاجتماعي كل ساعة وفي التردي الأخلاقي الذي يزكم الأنوف ويخزي الوجوه. أما الإعتلال الاجتماعي فدونك تلك الحزازات العرقية والحروب القبلية والجهوية والتفاخر بالألقاب والأنساب الذي تزهق من جرائه سنويا ألاف النفوس والأرواح وكأننا ما زلنا نعيش في عهود الجاهلية وشريعة الغاب متناسين " أن أكرمكم عند الله أتقاكم" وبأن غسلا بماء حبة وإخاء لأطهر من ماء وضوء قلب صاحبه أسود من الحقد والكراهية. وأما اعتلال الجسد فواضح في تلك الأمراض والوبائيات المستفحلة مثل الملاريا والجدري والجذام والعمي والدفتيريا والسل التي تستزف الأمة وتوهن جسدها وتبدد طاقاتها العملية.
إن شعب السودان يحتاج لقادة يشفون البلاد من أمراضها وعللها لأن الشفاء من تلك العلل هو الذي يقود للاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي والنمو الاقتصادي . وليس أدل على فقدان البلاد لأمثال أولئك القادة ، خاصة ممن يدعون أنهم من أهل الفكر والسياسة، هو العجز بعد مضي أكثر من عام على انطلاق ثورة الشعب المجيدة ، في الوصول إلى حلول لقضايا السلام والأمن والحكم والاقتصاد ، كما قال الدكتور الشفيع خضر وكما يتباكي خالد سلك. كل ذلك وللأسف يحدث في قطر قد حباه الله بكثير من النعم والخيرات لكن شعبه عاجز عن الاستفادة منها لعلله الكثيرة. ومثل أولئك القادة هو ما نطمع أن ينتجهم المنهج الجديد.
إن الإصلاح التعليمي الذي يحتاجه شعب السودان ،أيها القراي، هو الذي يعمل على تخليصه من علله تلك دون أن يقدح في دينه وعقيدته. لكن الشفاء لا بد أن يكون على يد مصلحين متجردين لا تحركهم الأيدلوجيات وتتنازعهم الأهواء ، أقدامهم راسخة في فهم عقيدة الأمة وأخلاقها وثقافتها وتنوعها الديني والأثني والثقافي ، عقولهم منفتحة وأفهامهم متسعة ذوي ثقافة فكرية وإنسانية عالية ومتنوعة متجردين من كل هوي شخصي وأيدلوجي وقبلي وطائفي وحزبي ومذهبي. إخلاصهم للسودان ورفعته لا غير. تلك صفات ربما يصعب تمثلها في شخص واحد لكنها ليست مستحيلة إذ ما كان بحثنا عن مثل أولئك الأشخاص مجردا من المحاصصة والهوي والغرض فأمة السودان ولودة تذخر بكل خير لكن أمثال هؤلاء لا يسوقون أنفسهم ولا يسعون وراء الشهرة والمنصب والجاهز ولا يتصيدون موائد المسؤولين .
إن نهوض الأمة وتقدمها ، كما قال الزعيم الماليزي مهاتير محمد، إنما يكون بالقضاء على التخلف والجهل والجوع والفقر والمرض وعدم الانشغال بالأيدلوجيات ومحاولة الهيمنة وفرض الأجندات والوصايا الفكرية والثقافية التي لا تقود إلا للاحتقان والتنازع والإحتراب. ومن هنا فإن شعب السودان بعد أن تخلص من أيدلوجية نظام الأنقاذ ورفض وصايته الفكرية والثقافية ليس بحاجة لأيدلوجية أخري تهيمن عليه وتقهره. ذلك أن الشعب قد جرب قبلا أيدلوجية الشيوعيين والإسلامويين فلم يجن منهما إلا الدمار والخراب. إن على طائفتي اليمين واليسار أن يفهما بأن شعب السودان بتدينه الفطري وإسلامه الشعبي قد أصبح محصنا ضد الأيدلوجيات مهما كان نوعها .
ومن هنا فنصيحتي للأح القراي، بصرف النظر عن الأسباب التي أدت للهجوم عليه وانتقاده، أن يعمل في صمت وبتجرد ينزع فيهما عباءته الفكرية ومنطلقاته العقدية والمذهبية ويلبس عباءته العلمية والمنهجية فإن كان قادرا على ذلك فهو المطلوب وإلا فعليه أن يكون أمينا مع نفسه ويتنازل. إنها يا أخي أمانة التكليف التي تقتضي قبل كل شئ الحيدة والموضوعية والصدق مع النفس. إن كل اللغط الذي دار حولك وحول خلفيتك الفكرية ما كان له أن يحدث لو أنك التزمت سمت العلماء والمصلحين في العمل دون ضوضاء ودون فرقعة إعلامية. وإن عليك أن تعلم أن الله يفصل يوم القيامة بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون ومن ثم عليك التركيز على ما يصلح وينفع وأن لا تصرح بشئ ضد القرآن وغيره من مقدسات الأمة فيجلب عليك السخط والسباب . صحيح أن المنهج التعليمي به الكثير من الحشو والمفاهيم الخاطئة لكن تصحيح ذلك إنما يكون بالنظر الثاقب والدراسة المتعمقة والفهم الصحيح لنصوص القرآن والسنة دون القدح في مقدسات الأمة.
وعليك يا أخي أن تفهم بأن من حق الشعب السوداني أن يتعرف على أولئك الذين سيعهد إليهم بصياغة فكر وثقافة أبنائه وأن يمحصهم ويشرحهم كيما يطمئن على أمانتهم وكفاءتهم العلمية، دون أن يجرحهم أو يسبهم أو يسئ إلى أشخاصهم. إذ ليس في ذلك ما يغضب أو يستفز بل حق أصيل درجت عليه الشعوب المتقدمة و نصت عليه دساتيرها ومواثيقها وثقافتها. بل هو ما نطمع أن يكون جزءا من ثقافتنا وسلوكنا وأن على مناصريك أن لا يرفضوا ذلك إن كان ما تسعي إليه من خلال عملك هو ترسيخ قيم الحرية واحترام الرأي الأخر.
وختاما أقول إن استغلال الأنقاذ للدين مطية للسيطرة على السلطة والتشبث بها لا يقدح في الدين وقيمه العليا فالدين ليس أفيونا ولا مخدرا لنجعله شماعة نعلق عليه فشلنا وعجزنا إذ لم تكن الصين ولا روسيا واليابان دولا دينية حينما طحنتها وقهرتها الأنظمة المستبدة الظالمة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وليس أمريكا وأوربا يحكمها اليوم القساوسة ورجال الدين حينما وقفت عاجزة عن أحتواء فيروس صغير ولكنها كما قال المثقف الصيني ليانغ تشي تشاو شعوبا أصابتها العلل التي تعددت أسبابها و تحتاج إلى الشفاء . إن الذي يقهر الشعوب ليس الدين ولكن الظلم الذي يمارسه أدعياء الدين بأسمه . فالأولي أن لا نقحم الدين في صراعاتنا بل الأسلم أن نشمر عن ساعد الجد ونوحد جهودنا للكشف عن تلك العلل والبحث عن دواء لها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.