بند سري يدفع رونالدو لفسخ عقده مع النصر    اتحاد الكرة يثمن دور الشرطة ويؤكد شراكة استراتيجية لدعم النشاط الرياضي    (المولودية دخل المعمعة)    شاهد بالفيديو.. إمرأة سودانية تهاجم "حمدوك" أثناء حضوره ندوة حاشدة في لندن: (خذلتنا وما كنت قدر المنصب..تعاونت مع الكيزان وأصبحت تتاجر باسم السياسة)    شاهد بالفيديو.. الناظر ترك: (مافي حاجة اسمها "كوز" والكوز هو المغراف الذي نشرب به الماء ومن يزعمون محاربة الكيزان يسعون إلى محاربة الإسلام)    مناوي: مؤتمر توحيد أهل الشرق عقد لدحض المؤامرات الخارجية    الاعيسر: المركز الإقليمي الثاني للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بنهر النيل ركيزة للشراكة الاعلامية والخطط الاعلامية    شاهد بالصورة والفيديو.. كواليس زفاف الفنان مأمون سوار الدهب.. الفنانة هدى عربي تمنح شيخ الامين أجمل "شبال" والاخير يتفاعل ويهمس لها في أذنها طويلاً    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنان جمال فرفور يثير الجدل ويُقبل يد شيخ الأمين أكثر من مرة ويقول: (الما عاجبو يحلق حواجبو)    وزير صحة النيل الأبيض يتفقد مستشفى القطينة التعليمي ومركز غسيل الكلى    شاهد بالفيديو.. ردت عليه امام الجميع (لالا) السلطانة هدى عربي تحرج احد حيران شيخ الامين وترفض له طلباً أثناء تقديمها وصلة غنائية والجمهور يكشف السبب!!!    شاهد بالفيديو.. السلطانة هدى عربي تثير تفاعل شيخ الامين وحيرانه وتغني له في في زفاف مأمون سوار الدهب (عنده حولية محضورة)    ترتيبات لتمليك 2400 أسرة بالجزيرة لوسائل إنتاج زراعي وحيواني وإستزراع سمكي ودواجن    الخرطوم..السلطات تصدر إجراءات جديدة بشأن الإيجارات    إيلون ماسك يهاجم كريستوفر نولان ويشعل جدلًا واسعًا على السوشيال ميديا    ترامب يهدد مقدّم احتفال توزيع جوائز غرامي بمقاضاته    عثمان ميرغني يكتب: وصول "سودانير" إلى مطار الخرطوم..    3 مكونات مضادة للالتهاب لتخفيف آلام المفاصل ونزلات البرد فى الشتاء    لقطات ترصد انسيابية حركة المعتمرين في المسجد الحرام وسط خدمات متكاملة    الصحة العالمية: أمراض مدارية مهملة تهدّد 78 مليون شخص في شرق المتوسط    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    الجيش في السودان يقترب من إنهاء الحصار المشدّد    نادي الأعمال الحرة يدعم صفوفه بالخماسي    نادي توتيل يؤدي التمرين الختامي استعدادا لانطلاقة الدورة الثانية    داليا البحيرى بعد عمليتها الأخيرة: ممتنة جدا لكل كلمة طبطبة وكل دعم    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد مكالمة هاتفية جمعت والده بنائب رئيس النادي.. الهلال يجدد عقد "دينمو" خط الوسط حتى 2029 وسط احتفال زملائه    سعر الدولار مقابل الجنيه خلال منتصف التعاملات    برشلونة يعلن تعاقده مع حمزة عبد الكريم خلال ساعات    الهلال يهزم صن داونز وينفرد بالصدارة ويضع قدما في دور الثمانية    استقرار سعر الذهب في مصر اليوم السبت 31 يناير 2026    المقال الأخير ... السودان شجرة "البامبو"    مصر.. القبض على أصحاب تريند "صلي على النبي"    نشر صور نادرة للعروس مع والدها الراحل.. شقيق الفنان محمود عبد العزيز يهنئ "حنين" بزواجها من المطرب مأمون سوار الدهب بتدوينة مؤثرة (يا محمود اليوم ده كان حقك تكون واقف تدمع وتضحك في نفس اللحظة)    تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها    المالية تعلن ضوابط وترتيبات إنفاذ موازنة العام 2026م    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    البروفيسور ايهاب السر محمدالياس يكتب: مكافحة القوارض .. النظر خارج الصندوق    شرطة مكافحة المخدرات بتندلتي تضبط شخصاً بحوزته 250 قندول حشيش    إحباط محاولة تهريب ذخيرة في السودان    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    المُبدع الذي جَعلَ الرؤيَة بالأُذن مُمكِنة    الشرطة في الخرطوم تداهم منزل أحد قادة الميليشيا    شرطة الأزهري غرب تضع يدها على مقتنيات منهوبة    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد
نشر في سودانيل يوم 06 - 06 - 2020

تتجه أنظار العالم اليوم الخامس من يونيو إلى كولومبيا فى أمريكا اللاتينية التى تستضيف احتفالات يوم البيئة العالمي لعام 2020 والذى سيكون التركيز فيه على موضوع التنوع البيولوجي. وقد سبق ووصلتني صورة من مقترح رابطة خريجى جامعة الخرطوم بأمريكا الشمالية لإصحاح البيئة، وهو واحد من المشاريع التى عزم الرهط على الإسهام بمقترحاتهم فيها عساهم يردوا بعض الجميل لمؤسستهم وللوطن الذى أغدق عليهم ليتبأوا المكانة العلمية التى بلغوها فى ديار العم سام، ومواقع عدة من أوجه الحياة والعلوم.
فطافت فى نفسى خلجتان. أولاهما أننى شعرت لأول مرة بأن "متعلمينا" قد عقدوا العزم على أن يكونوا "مثقفين". فشكرا لثورة شبابنا العظيمة فى ديسمبر عام 2018 التى أعادت ترتيب عقولنا والنظرة إلى الأمور بميزان ثورى خلاق. فقد كنت فى السابق فى كثير من مقالاتى ومحاضراتى دائم النقد للمتعلمين نافيا عنهم صفة الثقافة، ومصرا على تسميتهم بمجرد "متعلمين" وليسو "مثقفين". لأن المثقف فى تعريفى هو أو هى من نهل من المعارف وأعمل الفكر فى تحليل واقعه وإتخاذ موقف إلتزام للعطاء أو التغيير من أجل أهداف سامية واضعا فى الإعتبار كل من ظلمهم الواقع السائد فحرموا من نعمة العلم والتعلم، وظلوا يكابدون فى الحياة، يعيشون على الأمل مع مشرق كل فجر ومغيب كل مغرب. فيظل المثقفون يعطون من فكرهم قوتا لذلك الأمل ومسارب لتحقيق تلك الأهداف فى عطاء فكرى، أينما كان ذلك العطاء.
وكانت ثانيتهما ناجمة عن تهوميه تستجر لذاعة سخرية قاسية لحقتنى فى عام 1966 وأنا فى سنتى الثانية بجامعة الخرطوم. وقد كنت يومها أقوم بإلتقاط أعقاب السجائر وصناديقها المطروحة فى ممرات الجامعة وأمام قاعات محاضراتها وفى الداخليات، مع كل ما شاب الأرض من فوارغ وأوراق مقطعة. وهو نشاط كنت نوهت عنه ودعوت له فى جريدتى الحائطية المجسدة ذات الأبعاد الثلاثية لكل من أبوابها، والتى أسميتها "السودانى". وكنت أعلقها فى قهوة النشاط صباحا وأنقلها إلى دار إتحاد طلاب جامعة الخرطوم مساءا. وكنت أتناول فيها مواضيع عن المهمل من تاريخ الوطن وإنعكاسات السياسة والعلائق الأقتصادية والإجتماعية على الغالبية العظمى من أهل السودان الذين يعيشون المسغبة والكفاف، فيما يرفل "المتعلمون" فى خيلاء ونزق وترف مقيت متخذين من الدولة مؤسسة ربحية تهبهم الثراء والمنصب الذى يستتبعه علو المكانة الإجتماعية. وفى ذلك كانت ابيات المرحوم، أشعر شعراء العربية، الأستاذ محمد المهدى مجذوب تتصدر قلب الصحيفة، تعكس ألمى لحال كثيرين عرفتهم وعشت معاناة أهليهم، وسأفرد لذلك مقال آخر. وقد كانت أبيات المجذوب منقار عقاب نارى يدمى ذاكرتى:
لَهْفتا كَمْ عَصَف البُؤسُ بأطفالِ صِغارِ
وَردُوا المَوْلِدَ بالشَّوق وعَادُوا بالغُبَار
ويحَ أُمَّ حَسِبُوها
لو أَرادُوا النَّجْمَ جاءتْ بالدَّاري
وَيْحها تَحْمِل سُهْدَ اللَّيلِ في صَحْو النَّهار
(من رائعته الملحميه الشعرية: المولد)
وفى صحيفتى "السودانى" ظللت أكرر أهمية العناية بالبيئة وأزالة الشوائب التى تعكر صفو الحياة وتضاعف من أذى وآلام المرضى بل وتسبب لهم أمراضا كثر. فقد كان مدخلى إلى ذلك الإهتمام بالبيئة ليلة معاناة طويلة سببتها لى الأدخنة المتصاعدة من نقطة تجميع القمامة فى وسط الحى التى يقوم بعض الجهلاء بحرقها لتقصير جامعى القمامة فى نقلها. وكنت يومها عائدا إلى المنزل مجهدا فى أمسية يوم أربعاء كان ككل أربعاء يوم مباراة لفريق كرة القدم ومباراة لفريق كرة السلة الذين كنت ألعب لكليهما فى الجامعة. فبمجرد استنشاقي لتلك الأدخنة صعب التنفس وتعالت ضربات القلب وأنفجر الرأس بصداع مهول، وأرتفعت درجة الحرارة. فقد كنت ومازلت أعانى من إلتهابات جيوب أنفية مزمنة سببتها لى ضربة تلقيتها من شرطى بهرواته أبان ثورة أكتوبر عام 1964 أحدثت جرحا مفتوحا دخل عن طريقة دخان القنابل المسيلة للدموع إلى مجرى الدم فتسبب فى تسمم الزمنى الفراش فى غيبوبة لتسعة عشر يوما، إنسلخ بعدها جلدى تماما وسقط شعرى. فلم أشعر طوال التسعة عشر يوما فيها بشئ سوى صداع قتال فى صحوى ومنامى. وحار الأطباء وصعب التشخيص حتى أكتشفوا فى المعمل المركزى الذى كان يشرف عليه العالم الجليل البروفيسور محمد حمد ساتى سبب تلك الأعراض. وتقرر بعد التحاليل أننى لا شك كنت أعانى من تسمم كيميائى فى الدم وليس من أصابة جرثومية.
وبعد أن إستعدت عافيتى بعد نهاية عطلة الأسبوع قصدت المركز الثقافى الأميريكى بعد بحث فى مكتبة جامعة الخرطوم. فوجدت فى مكتبة المركز كتابا بعنوان "منغصات الحياة اليومية والصحة القاتلة من ملوثات البيئة". وقرأت بعدها مقالا لأحد أهم الشخصيات فى تاريخ الوعى البيئى، البروفيسور بارى كمونر. الذى تشرفت بالتعرف عليه لاحقا، كما سأروى. فوقع فى نفسى منطق الإهتمام بالبيئة موقعا مؤثرا. فعقدت العزم على تبنى ذلك المشروع وتكوين جمعية للدعوة إليه. وكنت يومها نشطا فى السياسة الطلابية وأنشطة جمعية الخدمات الجامعية العالمية التى قامت ببناء مقهى النشاط فى الجامعة وبيت الشباب الوحيد فى السودان ومستوصف طلاب الجامعة؛ وكلها فى معسكرات عمل تطوعية عالمية شارك فيها طلاب من دول كثيرة، إضافة إلى جمعية تطوير الريف السودانى، ومجموعة "إقرأ" لمحو الأمية فى الأقاليم، وأصدقاء مستشفى الخرطوم بحرى التطوعية.
ومع الأسف الشديد لم تلاقى دعوتى يومها لمنظمة بيئية إلا قليلا من الإسهام من بعض حفنة من الأصدقاء فى الجامعة وخارجها. ولكن كان الهجوم على الفكرة وعلى شخصى ضاريا. كان أقلها تجريحا وصفنا بأننا "أولاد سحاسيح" أى مدللون نعيش فى عوالم لا تمت للواقع بصلة، وأظن أنهم يطلقون عليهم اليوم صفة "الحناكيش". وقد ذكرنى بتلك الأيام صديقى الكاتب الساخر جعفر عباس "أبو الجعافر" حينما ذكر تلك الأيام فى مقال كتبه بعد زيارة قام بها ليلتقينى فى بوسطن، أستجر فيها خيوطا من كثير من ذكريات حياتنا الطلابية وكيف كان وصفى بعد دعوتى الغريبة تلك يومها؛ إذ كانت أول جمعية للبيئة فى السودان.
ولم يثننى ذلك التهكم والنقد اللاذع عن مقصدى. ويحق لى أن أفيض بالشكر لأستاذنا وصديقنا وقدوتنا والمشرف على منظمة الخدمات الجامعية العالمية ووكيل جامعة الخرطوم بعد أن كان سكرتيرها الأكاديمى، الوطنى المثقف المتفانى المرحوم البروفيسور محمد عمر بشير، أبانا الروحى وسندنا فى كل مشاريعنا. وأشكر مكتب الخدمات بالجامعة والعاملين بمشتلها يومها فى توفير الشتولات وعوننا فى غرسها فى أطراف الميادين وحول مبانى الكليات وفى بيت الشباب حيث كانت به أجمل حديقة ظلت تستهوى زوار البيت من شباب العالم. ومضيت أكاتب المنظمات البيئية فى اوربا وأميركا، وأستقبل زائريها. وأنفق على كل ذلك من حر مالى مما كنت أكتسبه من بعض أعمالى فى الصحف والترجمة والخط والتدريس. وأنا سعيد قانع بقدرى. حتى كانت النقلة النوعية فى تاريخ إرتباطى بالحركة البيئية العالمية.
ففى عام 1970 أعلنت الأمم المتحدة عن تنظيم أول مؤتمر عالمى لشباب دول الأمم المتحدة. فتكون وفد السودان من إتحاد طلاب جامعة الخرطوم ومنظمة الخدمات الجامعية العالمية وإتحاد الشباب السودانى والإتحاد النسائى والجمعية السودانية للأمم المتحدة ووزارة الشباب والرياضة. وقد وقع الإختيار على لأكون سكرتيرا للوفد ومنسقا للمؤتمر. وقد حضر ذلك المؤتمر، الذى دعت إليه الجمعية العمومية للأمم المتحدة أحتفالا بالذكرى الخامسة والعشرين لقيام الأمم المتحدة، ستمائة وستة وأربعون شابا وشابة، فى مقر الأمم المتحدة بنيويورك. وقد أنقسم ذلك العدد إلى أربعة لجان: السلام العالمى، التعليم، التنمية والتطور والأنسان والبيئة. وقد كان لى الشرف فى أن أنتخب مقررا للجنة الإنسان والبيئة، ثم رئيسا بعد إجماع الوفود على ضرورة أسناد رئاسة الجلسات لى، حينما أرتفع تعريفى للبيئة تعريفا أوسع وأشمل، إلى "جماع واقع الناس من بيئة سياسية وأجتماعية وحياتية إضافة إلى الطبيعية."
iframe width="480" height="360" src="/https://www.youtube.com/embed/Shi_2WQztf0" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen/iframe
ومن ذلك الموقع وتوافق ممثلى الدول النامية من إفريقيا وآسيا وأميريكا اللاتينية، على تبنى مقترحى بشمولية التعريف قمنا بتكوين أول منظمة عالمية بإسم "لجنة أو آى العالمية اللجنة الدولية من العلماء والأكاديميين الشباب لمعالجة نقدية وشمولية للتنمية والبيئة الإنسانية". و "أو آى" هى إختصار لشعارنا الإفريقى باللغة السواحيلية "أوتى إيوابو" وتعنى "كل ما هناك يجب أخذه فى الإعتبار". وتكون المكتب التنفيذى من سيلفانوس آهادى صحفى من توقو، وديباك راج باجراشاريا من نيبال المهندس البيئى، ومادلين أنقفلدت من السويد المتخصصة فى الإحصاء، و أم راغى فرفار من أيران المتخصص فى الأحياء البيئية، وأيان فيجلاندر من السويد الصحفى البيئى، وهيمى هيرتوبيا من شيلى المتخصص فى علم الأحياء البيئية، وعبدالرحمن إبراهيم محمد من السودان المتخصص فى العلوم السياسية، وكاريبا مونيو من كينيا المتخصص فى الكمياء والتعليم، وجيرقن برامافيرا من الفلبيين المتخصص فى علم الأحياء، وسانتياقو توريس من شيلى الإقتصادى.
وكان أول إختبار لقوة وفعالية اللجنة إبان إنعقاد أول مؤتمر شبابى عالمى للبيئة فى جامعة ماكماستر فى مدينة هاميلتون بولاية أونتاريو فى كندا عام 1971. ورغما عن إعتذارى وترشيحى لبروفيسور محمد عبدالله الريح، تمت دعوة بروفيسور الريح وأصروا على حضورى وأرسلوا لى التذاكر. وفهمت لماذا كان أصرارهم على حضورى حينما أفهمونى بأن منظمى المؤتمر إعتمدوا على تمويل شركات عابرة للقارات وفيها كثير من ملوثى البيئة وأن أجندة المؤتمر الذى إقترحتة اللجنة المنظمة لا يرتقى إلى مستوى تطلعاتنا وعليه يجب على إقتراح أسلوب لتغليب وجهة نظرنا. ولما كان حضورى للمؤتمر قبل يومين من تاريخ إنعقاده، وضعت خطة إنقلابية لم أطلع عليها أحدا وبادرت فورا بدعوة كل أعضاء الوفود الإفريقية وشرحت لهم أهمية المؤتمر فى مستقبل إستراتيجيات القضايا البيئية وحرية المستعمرات وكيف أن قضايانا لن يتم التعرض لها ولا مناقشتها أو إقتراح حلول لها حتى فى المستقبل. ولن نقبل بأن نكون مهمشين ودمى لإكساب المؤتمر إسما عالميا دون أن يكون لنا أى رأى في مساره ومحتواه. لذا يجب علينا وضع أستراتيجية تمكننا من فرض رأينا. فوافق الجميع ورشحونى لأن أكون المنسق والناطق الرسمى بإسم المجموعة الإفريقية.
وبعدها دعوت أعضاء وفود دول أميركا اللاتينية وقلت لهم نفس قولى للمجموعة الإفريقية وأنهم لو أرادوا أن يؤثروا فى مسار المؤتمر فيجب عليهم تكوين مجموعة لاتين أميريكية. فرحبوا بالفكرة وكونوا مجموعتهم. وبعدها تواصلت مع أعضاء الوفود الأسيوية وأخبرتهم بنفس الأشياء وكيف أن مجموعتنا الإفريقية نجحت فى تحديد أولوياتنا وخطتنا فى مناقشة قضايانا؛ وأن المجموعة اللاتين أميريكية قد بدأ تكوينها. فيا حبذا لو هم حذوا حذو الأفارقة واللاتين إميريكان وكونوا مجموعة أسيوية. وبعد أن كونوا مجموعتهم صار أمر سيطرتنا على المؤتمر ممكنا. فدعوت لإجتماع موحد للمجموعات الثلاث وطرحت عليهم تصورى بضرورة العمل ككتلة واحدة موحدة فى أهدافها وأسترايجياتها وتكتيكاتها. وسار الإجتماع كما توقعت وتم تكوين مكتب تنسيقى أوكلت مهمة رئاسته لى على أن أكون الناطق الرسمى بإسم مجموعة الدول النامية.
وجاء يوم المواجهة فى بداية المؤتمر حيث إفترضت اللجنة التنظيمية أنها ستكون اللجنة التسييرية للمؤتمر وعرضت أجندة المؤتمر فتتالى إعتراضنا كما خططنا له وقام ممثلون لكل قارة بنقد الأجندة وأنه ليس من العدل أن لا تضمن أراؤنا فيها. وختمت أنا بالقول بأنه "إما أن دعوة وفود الدول الأسيوية والإفريقية واللاتن إميريكية تم لإستغلال غبائنا كزينة لطبق السلاطة لإكساب المؤتمر نكهة عالمية فقط، أو أننا أكفاء وتمت دعوتنا للإسهام الإيجابى. وعليه فأننا نقترح تنحى اللجنة المنظمة وإنتخاب لجنة تسيرية من داخل المؤتمر." فعارضت رئاسة المؤتمر وأعضاء اللجنة التنظيمية. فقلت لهم أطرحوا الأمر للتصويت فقالوا لا يمكن ذلك لأن المؤتمر ليس له صلاحيات لتغيير أجندة تم العمل عليها لعام كامل. فقلت لهم نحن لن نقبل بأقل من أن يكون لنا رأى فى تحديد الأولويات والقضايا التى تهم قاراتنا، وإلا فأننا سننسحب ونغادر المؤتمر. فأسقط فى يدهم ولم يكن فى أمكانهم المجازفة بإفشال المؤتمر وإنسحاب وفود فى أول يوم لإبتدائه فوافقوا على طرح الأمور للتصويت. فكانت أغلبيتنا الميكانيكية كافية لفرض رأينا وتم إنتخاب لجنتنا لتسيير المؤتمر. فكان ذلك درسا مهما لأهمية الوحدة المبدئية وقوتها التى تمكن من فرض الإرادة. ولكم ذهلنا حين أطلعنا على المكاتبات والمقترحات المبرمجة والمعدة وخبايا التنظيم وأسرار اللاعبين الدوليين. فكان أنقلابا للمؤتمر بمائة وثمانين درجة.
وذهلنا لما كان يدبر القوم. فأول وأهم الأجندة كان معالجة مشكلة التضخم السكانى فى الدول النامية وكيف أنهم بتلك الزيادات المتنامية من البشر يرهقون البيئة ويستنزفونها. لذا يجب سن سياسات لتحديد النسل والتحكم فى النمو السكانى. ومن ضمن ماكان فى الوثائق والأوراق العلمية التى أعتمدت عليها لجنة إعداد المؤتمر كخلفيات، مقترحات خرافية. من ضمنها "بما أن سكان (وليس مواطنو) الدول النامية يعارضون مبدأ تحديد النسل لأسباب دينية وإجتماعية وإقتصادية، فيجب اللجوء إلى إستراتيجيات تفرض عليهم القبول بواقع لا يستطيعون معارضته." ومن ضمن المقترحات كانت هناك فى إحدى الأوراق خطة خبيثة بإستعمال التطعيم كمعامل لعقاقير تثبط الخصوبة. وكان من ضمنها مقترح بأن ينشر ميكروب يؤدى إلى عقم الرجال؛ فلو أرادوا الإنجاب يحقنون بمصل يعيد إليهم الخصوبة لفترة ستة أشهر. وكان أكثرها جنونية هى إستعمال الأشعاعات لتعقيم الرجال والنساء.
ولما بدأت جلسات المؤتمر حاولوا تمرير مبدأ تحديد النسل كأمر عاجل وأساسى. ومن ضمن ما حاولوا به كسب أصوات النساء من الدول النامية الحجة بأن النساء يعانين من أضهاد وإجهاد بالحمل المتكرر مع تفشى سوء التغذية والأوبئة. ولكم شعرت بالفخر حينما ردت شابة كينية إسمها زبورا "نحن أدرى بمصالحنا ولا نحتاج لنساء الغرب لأن يرسموا لنا حياتنا" فهنأها على ذلك الموقف والمقال البروفيسور محمد عبدالله الريح. وتتالت الردود من مثل "إنكم تريدون تقليص عدد السكان لتتمكنوا من السيطرة على مواردنا الطبيعية". وجاء خيط رد آخر يسوق تشجيع الغرب للحروب والإقتتال والإمداد بالأسلحة الفتاكة للقضاء على الشباب المنجب.
واليوم وأنا أتابع، وقد ظللت لفترة، الآثار الكارثية لدفن النفايات الذرية فى أرجاء إفريقيا وعواقب إشعاعاتها المدمرة للصحة والمشيعة للسرطانات والأجنة المشوهة التى لم تعرفها إفريقيا من قبل. وإنتشار الأوبئة المتتالية التى كانت إلى وقت قريب تضرب سكان الدول النامية من فيروسات كالسار وأنفلونزا الطيور وحمى الوادى المتصدع والإيدز والإيبولا ثم أخيرا هذه الجائحة من كرونا لا يفقه أحد كنهنا إلا الشك المتواتر حول أنها مصنعة ولكنها ضلت طريقها لتصيب من طوروها متلازمة مع الدعوة المحمومة لأن لا خلاص بغير اللقاح. فأظل أسائل نفسى هل هذا جزء مما واجهنا قبل نصف قرن من الزمان؟ غير ان كل ذلك يبقى مجرد تخمينات. ولكن مما لا شك فيه أن الإبادات المليونية فى الحروب المتتالية من حرب فيتنام وكمبوديا التى إستعملت فيها المواد الكيميائية وحروب الإستقلال فى الجزائر التى قتل فيها الفرنسيون ما يزيد عن المليون شهيد ومثل ذلك فى مستعمراتهم فى غرب إفريقيا ومدغشقر. وما فعل البرتغاليون فى أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو والرأس الأخضر، والإبادات فى الحروب الأهلية والإثنية التى توحشت حتى إستعمل فيها العملاء من أمثال سافيمبى الذى بلغت به النذالة تسميم الأنهار بمساعدة النظام العنصرى فى جنوب إفريقيا، ومذابح زنجبار. ولو تمعنا فى المجازر التى وقعت فى رواندا وما قام به جيش الرب فى يوغندا وإفريقيا الوسطى إلى الكاميرون، وما تم من تقتيل على أيدى بوكو حرام فى غرب إفريقيا، وما فعلت بالبشر داعش فى سوريا والعراق بعد مجازر غزو العراق والحرب العراقية الإيرانية وما يتعرض له الروهنجا فى تايلاند والشيشان واليوقور فى الصين ومجازر سيرلانكا والهند فى هذه الأيام، وما يدور فى ليبيا وجنوب السودان وماقتل السفاحون من المتأسلمين السودانيين طوال نظامهم البائد فى كردفان ودارفور وشرق السودان وكجبار والنيل الأزرق وجبال النوبة وكل شبر من الأرض. الا يحق لنا أن نتساءل من أجل من كل ذلك التقتيل وتلك الإبادات؟
وكأنما كانت إحترازاتنا فى مؤتمر هاميلتون ذاك عام 1971 تهيبا لمثل هذه الكوارث التى لم تبد الناس بالملايين فقط حصدا بالأسلحة الفتاكة والقتل بالحرق والتسميم؛ ولكنها خربت زروعهم ومصادر أقواتهم وشردتهم فى أصقاع الدنيا فتفشى الجوع والفقر والأمراض مما حصد ملايين أخرى من الأرواح. أتدركون الآن حجم الوجع الذى يعتيرنى وأنا أتذكر مسارات ذلك المؤتمر؟ ولكن رغم ذلك الآن إلا أن مخرجات المؤتمر وقراراته يومها كانت صادمة للجهات المنظمة وإنتصارا للجتنا. وقد تم فى ذلك المؤتمر قرار بعقد مؤتمر موازى لأول مؤتمر للأمم المتحدة للبيئة والذى كان سيعقد فى العام التالى بستوكهولم عاصمة السويد.
ففى عام 1972 عقدت الأمم المتحدة أول مؤتمر لها للبيئة فى أستوكهولم. وكانت أجندته فى غالبها الأعم تتعلق بقضايا الملوثات الكيميائية والبايولوجية والفيزبائية فى الدول المتقدمة صناعيا مع قليل من المس لقضايا الدول النامية. وككل مؤتمرات الأمم المتحدة كانت هناك إعتبارات خاصة للتحالفات والأسلوب المنمق للديبلوماسية السمجة ومراعاة مصالح الدول. فكان مؤتمرنا تمردا ذا وهج جذب إليه الصحفيين والمراسلين، وأغلبهم كانوا من الشباب. فخطفنا الأضواء من مؤتمر الأمم المتحدة الذى أعد له ليكون مؤطرا لمصالح الشركات متعددة الجنسية وأصحاب المشاريع التى تريد أن تفرض على الدول النامية أجندة تخدم مصالحها لا غير. ومن الطريف أن المرحوم بروفيسور السمانى عبدالله يعقوب وبروفيسور ود العبيد عليه رحمة الله وبروفيسور سكر الذين كانوا فى وفد السودان الرسمى لمؤتمر الأمم المتحدة، علقوا على مؤتمرنا الشبابى بأنه أكثر ديناميكية وأثرى فكرا ومحتوى من مؤتمر الأمم المتحدة.
فماذا يا ترى ستكون مخرجات مؤتمر كولمبيا وما ذا سينتفع بها الملايين المحرومين الذين لا صوت لهم - - يعيشون العوز فى أبشع صوره فيتضورن جوعا ويموتون مرضا ويبادون تقتيلا من أجل مواردهم التى يحرمون منها ليبذلها الخونة من الكمبرادوريين والعملاء المرتبطين برأس المال العالمى؛ يستكثرون على شعوبهم تلك الثروات ليبذولها زهيدة لمن لا يحتاجونها. ولكنها الخيانة وكره الذات وإحتقار النفس من أجل أرضاء أسياد لهم تمكنوا من الإستحواذ على إرادتهم وليذهب أهلهم إلى الجحيم. ولكن الطوفان قادم وقد شهدناه فى السودان واليوم فى أميريكا، وستتوالى مواقف تفرض أرادة الشعوب مهما بلغ حجم التآمر والخيانة.
عبدالرحمن إبراهيم محمد
بوسطن الولايات المتحدة
5 يونيو 2020
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.