إضراب الكهرباء .. فاتورة يدفعها المواطن مرتين!    مجلس السيادة: تدشين القطارات الجديدة سيشكّل نهضة السودان    باكستان تعتزم فتح بنوك في السودان لتسهيل الحركة التجارية    عضو السيادي كباشي يلتقي مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الافريقي    والي شمال كردفان يلتقي وفد الصندوق القومي للتامين الصحي الاتحادي    توقيف اخطر شبكة اجرامية متخصصة في النهب والابتزاز ينتحلون صفة القوات النظامية    الشمالية تعلن بدء العام الدراسي الأحد المقبل    تزايد حركة السودانيين إلى مصر بحثاً عن مستقبل أكثر إشراقاً    الدامر تنظم حملات تفتيشية لضبط السلع الفاسدة    د.إبراهيم الخزامي يكتب: التأمين الأصغر هل سيكون بديلاً للتأمين الزراعي    ممثل والي كسلا يشيد بدور المنظمات    الإرشاد بالجزيرة ينظم محاضرة حول الحشائش والنباتات المتطفلة    كوريا تقدم لقاحات "كورونا" للسودان    عرض ماليزي للسودان بإدخال القيمة المضافة لصادراته الحيوانية    استمرار انقطاع الكهرباء في عدد من الأحياء ومحتجون يغلقون جسرين    ارتفاع نسبة الإصابة بسرطان الأطفال    ملعب الهلال خيار غير جيد ل"البحارة"    لجنة الاستئنافات تؤيد قرارات لجنة المسابقات بخصوص شكوى الاهلي ضد الهلال    احتضنتها قاعة لبدة إحتفالية بهيجة لقرعة النسخة (28) للممتاز .. د معتصم جعفر : نتطلع لموسم استثائي … والمريخ يحصد جوائز الموسم ..    بدلاء المريخ ومحترفيه ومخاوف الجاهزية !    بدء عمليات حصاد السمسم بولاية سنار    حركة تمازج: جهات اختطفت اتفاقية جوبا وسخّرتها لمصالحها الشخصية    هل ينجح أبو شامة فيما فشل فيه الرئيس المؤقت للمريخ حازم؟    والي يكشف عن تمديد فترة المجلس الانتقالي    بتوجيهات من"اللجنة الأمنية"..حملة كبرى في بحري    المحكمة تقرر وقف تنفيذ قرار كلية طب وادي النيل بشأن الطالبة رنا حاج علي    هيئة الدفاع: عدد المحتجزين بسجون بورتسودان والهدى وأردمتا (282) محتجزاً    براءة وزير المالية الأسبق علي محمود    السودان..إيقاف متهمين في سرقة"كيبل"    قرار حل اتحاد الخرطوم.. اختبار جديد للرياضيين    مواجهة حاسمة للهلال الخرطوم في كأس السودان    لخفض الإصابة بأمراض القلب.. كوبان من القهوة يوميًا يطيلان العمر    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الثلاثاء" 27 سبتمبر 2022    الحراك السياسي: لجان المقاومة: الانقلاب فقد السيطرة وبه تشظٍّ واضحٍ    برزفيسور دهب يترأس وفد السودان لمؤتمر الطاقة الذرية بفيينا    رسالة تحذيرية جديدة من بنك الخرطوم    خبير: احتجاز سفن شحن روسية بموانئ أوروبية يضر عدد من الدول من بينها السودان    شاهد بالفيديو.. سوداني يدعو على "نشال" قام بسرقة هاتفه بالأمراض الصعبة والمزمنة في قصيدة شعرية انتزع بها ضحكات الجمهور    شطب الاتهام فى مواجهة (3) من الثوار    صلاح الدين عووضة يكتب : طيرة!!    منى أبو زيد تكتب : في المفعول لأجله..!    المادحة والفنانة لكورة سودانية "نبوية الملاك " هنالك إقصاء لي من الشاشات …    منصة الموروث الثقافي تعمل لاعطاء المجتمع قدرة التحكم لتوثيق الموروثات    منى أبو زيد تكتب : في فضاء الاحتمال..!    تدشين الكتلة الثقافية القومية لرعاية المبدعين    مركز السودان للقلب يدشن أكبر حملة للكشف المبكر    انعقاد ورشة "دور التصوير الطبي في تطوير زراعة الكبد بالسودان"    عقب ظهوره بمكتب ملك بريطانيا.. ما قصة الصندوق الأحمر؟    برعاية الثقافة والفنون إنطلاق مسابقة عيسى الحلو للقصة القصيرة    أول تجربة نوم حقيقية في العالم تعتمد على عد الأغنام    إستئناف العمل بحقل بامبو للبترول بغرب كردفان    خروج محطة الإذاعة والتلفزيون بالنيل الأبيض عن الخدمة    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    أمر ملكي جديد في السعودية    بوتين يستدعي جزءًا من الاحتياط دفاعًا عن روسيا    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (3)    الاستقامة حاجبة لذنوب الخلوة في الأسافير    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محاربة الفساد بلا استراتيجية ...فساد!! .. بقلم: هاشم عوض عبدالمجيد
نشر في سودانيل يوم 15 - 06 - 2020


بسم الله الرحمن الرحيم
(1)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يخوض العالم حرباً ضد الفساد لا تقل ضراوة عن الحروب العسكرية، ذلك أن حرب الفساد تهلك الحرث والنسل بمثل ما تفعل الحرب التي تدور بالأسلحة وربما أكثر. هذا الأمر يستوجب مكافحة الفساد وفق استراتيجية شاملة وواضحة؛ إذ أن من يخوض حرباً بلا استراتيجية مصيره الهزيمة!
في المؤتمر الثامن للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الذي انعقد في ديسمبر من العام الماضي 2019م في مدينة أبو ظبي، كشف المتحدثون في المؤتمر أن أكثر من ترليون دولار تدفع في شكل رشى كل عام بواسطة الشركات والأفراد! وأن صندوق النقد الدولي قدّر حجم ما تسرقه شبكات الفساد في العالم بما لا يقل عن 2.6 ترليون دولار كل عام؛ وهو رقم يعادل 5% من الناتج الإجمالي العالمي! بينما الحكومات الأقل فساداً تحصل على نسبة أعلى ب 4% من إجمالي الناتج المحلي في الإيرادات الضريبية من البلدان ذات المستوى الاقتصادي نفسه ولكنها تعاني مستويات فساد أعلى! وفي أغسطس من العام الماضي 2019م قدّر تقرير صحفي أن عناصر النظام السابق الذي حكم السودان في الفترة من يونيو 1989م وحتى 11 أبريل 2019م قد تورطوا في عمليات فساد ضخمة كان الأثر المباشر وغير المباشر الناتج عنها إهدار مبلغ يتجاوز تريلون دولار (ألف مليار دولار).
الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية الحالية في السودان وعلى عيوبها الكثيرة التي فصلناها في غير هذا الموضع؛ إلا أن من حسناتها أنها وضعت الأسس لإيجاد استراتيجية لمكافحة الفساد الذي تم في العهد البائد؛ لقد أخذ هذا الموضوع (مكافحة الفساد) حيزاً هاماً فيها بدءاً بديباجة الوثيقة التي جاء فيها [ ....وسعياً لإنفاذ تدابير العدالة الانتقالية ومكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وإصلاح الاقتصاد الوطني وتحقيق دولة الرفاه والرعاية والعدالة الاجتماعية، وإصلاح أجهزة الدولة والخدمة العامة وتوطيد دعائم السلم الاجتماعي وتعميق قيم التسامح والمصالحة بين مكونات الشعب السوداني وإعادة بناء الثقة بين أهل السودان جميعاً......إلخ] في رأينا أن النص على "مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة" ضمن هذه الفقرة من ديباجة الوثيقة الدستورية تأكيد على أن مقاربة من شأنها تعزيز تحقيق الأهداف المشتركة الأخرى الواردة في ذات فقرة الديباجة والمتمثلة في:
- إنفاذ تدابير العدالة الانتقالية؛ حيث تمثل مكافحة الفساد واسترداد الأصول المنهوبة شكل من أشكال العدالة ورد الاعتبار لضحايا النظام السابق ويمكن ان تساهم الأموال المستردة في جبر ضرر هؤلاء الضحايا سواءً من الناحية المادية أو المعنوية إذ انها تمنع الظالم المفسد من الانتفاع والتمتع بعوائد أفعال فساده.
- إصلاح الاقتصاد الوطني؛ وذلك من خلال ضخ أموال مقدرة من عائدات مكافحة الفساد إلى الخزينة العامة.
- تحقيق دولة الرفاه والرعاية والعدالة الاجتماعية؛ من خلال وضع الأسس والقواعد السليمة للحكم الرشيد والاستخدام الأمثل لآليات تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة.
- إصلاح أجهزة الدولة والخدمة العامة؛ حيث يمثل هذا الأمر هدفاً ووسيلة وذلك بإقالة من تسنموا الوظائف عن طريق وسائل فاسدة والعمل على منح الوظيفة العامة لمستحقيها من المواطنين الأكفاء المؤهلين ومنع أن تكون حكراً على محاسيب جهة ما.
- توطيد دعائم السلم الاجتماعي وتعميق قيم التسامح والمصالحة بين مكونات الشعب السوداني؛ حيث تعمل آليات تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة على إزالة الغبن الاجتماعي العام المتولد من إحساس العامة بأن مقدرات دولتهم قد نُهبت على أيدي فئة محددة.
- إعادة بناء الثقة بين أهل السودان جميعاً؛ حيث أن الإعمال الصحيح لآليات تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة من شأنه أن يحد من التنافر المجتمعي الناتج من الاتهامات غير المؤسسة تجاه بعض الشخصيات الاعتبارية والطبيعية عبر إعلاء قيم الشفافية والإفصاح.
ومن ثم؛ فقد جاءت بعض نصوص الوثيقة الدستورية الأخرى أكثر تحديداً إذ نصت الفقرة (3) من المادة (6) أنه [على الرغم من أي نص ورد في أي قانون، لا تسقط بالتقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل خارج نطاق القضاء، وانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وجرائم الفساد المالي وجميع الجرائم التي تنطوي على إساءة لاستخدام السلطة التي ارتكبت منذ الثلاثين من يونيو 1989م]
كما جاءت المادة (8) أكثر وضوحاً حيث نصت – ضمن أحكام أخرى – على أن [تلتزم أجهزة الدولة في الفترة الانتقالية بإنفاذ المهام التالية:
الفقرة (3) محاسبة منسوبي النظام البائد عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوداني منذ الثلاثين من يونيو 1989م وفق القانون"
الفقرة (5) "الإصلاح القانوني وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون"
الفقرة (15) تفكيك بنية التمكين لنظام الثلاثين من يونيو 1989م وبناء دولة القانون والمؤسسات.]
ونصت الوثيقة أيضاً في الفقرة (6) من المادة (16) على [ تعيين وإعفاء قادة الخدمة المدنية ومراقبة وتوجيه عمل أجهزة الدولة بما في ذلك أعمال الوزارات والمؤسسات والجهات والهيئات العامة والشركات التابعة لها أو المرتبطة بها، والتنسيق فيما بينها وفقاً للقانون ]، أما المادة (19) من الوثيقة فقد نصت في الفقرتين (1) و(2) على أحكام تنظم تقديم إقرارات الذمة من قبل شاغلي الوظائف الدستورية ومنعهم من العمل الخاص ومزاولة المهن الخاصة أثناء توليهم مناصبهم وعدم تلقي الهدايا والهبات، ومضت الوثيقة أكثر لتفصل في المواد (29) و(30) و(31) و(32) و(33) و(34) و(36) و(37) القواعد التي تنظم تأسيس وتسيير القضاء المستقل والنيابة العامة المستقلة وديوان المراجعة وأجهزة إنفاذ العدالة والقانون. ثم جاءت المادة (39) من الوثيقة لتنص على انشاء مفوضيات مستقلة منها:
مفوضية الإصلاح القانوني.
مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة.
أي مفوضيات أخرى يرى مجلس الوزراء ضرورة لإنشائها.
وجاء في الوثيقة أيضاً تنظيم لحق التملك حيث نصت في المادة (61) على أنه:
(1) لكل مواطن الحق في الحيازة أو التملك وفقاً للقانون.
(2) لا يجوز نزع الملكية الخاصة إلا بموجب قانون وللمصلحة العامة، وفي مقابل تعويض عادل وفوري، ولا تصادر الأموال الخاصة إلا بموجب حكم قضائي.
إذاً؛ فقد وضعت الوثيقة أساساً دستورياً تضمن النصوص الموضوعية والإجرائية التي تمكن من مكافحة الفساد، وقد كانت الوثيقة واضحة في أن هذه المهام يقوم بها مجلس الوزراء الانتقالي الذي منحته حق إنشاء "مفوضية الإصلاح القانوني" و " مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة " كآليات رئيسة لمكافحة الفساد. للأسف دخلت المماحكات السياسية طرفاً في هذه القضية الحساسة ما أفشل الجهود في انشاء هاتين المفوضيتين حتى تاريخ كتابة هذه المقالة ومضي قرابة العشرة أشهر على توقيع الوثيقة الدستورية!
لم تكن التجاذبات السياسية سبباً في عدم انشاء المفوضيات المذكورة فقط؛ وإنما أدت لاختلال في آلية تنفيذ المهام الانتقالية نتج عنها صدور [قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م وإزالة التمكين لسنة 2019م] في نسخته الأولى بتاريخ 29/11/2019م، وكانت أولى العيوب المأخوذة على هذا القانون من أهل القانون أنه لم يُنشر للكافة!! وظل معلوماً فقط لمن أصدروه ومن يقوموا بتنفيذه!! أما عيوبه الموضوعية فقد تمثلت ضمن أشياء أخرى في:
أنه منح مجلس السيادة صلاحيات تنفيذية وذلك بتعيين بعض أعضاءه في رئاسة وعضوية اللجنة التي فوضها القانون صلاحية إنفاذ نصوصه، بينما تنص الوثيقة حصراً على صلاحيات مجلس الوزراء في انفاذ مهام الفترة الانتقالية المتعلقة بمكافحة الفساد وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م.
اعتور القانون عيوباً في الصياغة حيث جاءت نصوصه معممة وخلواً من تعريف لمفردات ومصطلحات رئيسة تضمنها القانون ومن ذلك إشارة القانون في أكثر من موضع لما أسماه (الجهة المختصة) إلا أنه لم يسمي هذه الجهة.
لم يتضمن القانون تجريم واضح للأفعال التي جاء لمنعها أو إزالتها.
جاء القانون مختلاً من ناحية تشكيل اللجنة وصلاحياتها.
نص القانون على انشاء لجنة لاستئناف القرارات التي تصدرها لجنة التفكيك ولم يتضمن القانون أي تفاصيل إجرائية تتعلق بلجنة الاستئنافات.
لم يتضمن القانون آلية للتعامل مع الأموال المحجوزة و/أو المستردة والتقرير بشأن وضع ماهو عامل من أصول في هذه الأموال.
رغم العوار الذي اعترى بعض نصوص القانون شرعت اللجنة في اعمالها، وبدأت تظهر سوءات القانون في الممارسة، حيث قامت اللجنة بإصدار قرارات حجز ومصادرة (قنوات فضائية، صحف، شخصيات اعتبارية، عقارات وممتلكات لأفراد) نتج عنها توقف بعض الأعمال والأنشطة دون أن تكون لدى لجنة أو في نصوص القانون آلية واضحة تحدد كيفية التعامل مع هذه الأموال، علماً بأن هنالك جوانب فنية كانت غائبة تماماً عن اللجنة وواضعي القانون ومن ذلك أن الأموال المحجوزة والمصادرة تتضمن منشآت وأصول عاملة توقفت فجأة عن العمل نتيجة لقرارات اللجنة ما طرح أسئلة كثيرة حول الوضع القانوني للعاملين في هذه الجهات، والوضع القانوني للمتعاملين (الأطراف الثالثة) مع هذه الجهات من ناحية تنفيذ الالتزامات والتعاقدات المتبادلة بينهم وبين هذه المنشآت، وقد كان بيّناً أن اللجنة لم تتأني في اصدار القرارات المذكورة وأنها لم تدرس أوضاع هذه المنشآت جيداً بحيث تتضمن قراراتها كف يد إدارات هذه المنشآت وآلية لاستمرار عمل هذه المنشآت وأن تقوم عن طريق جهات متخصصة – مكاتب مراجعة مالية قانونية ولجان قانونية – بمراجعة وثائق وحسابات هذه الجهات بغرض التأكد من ملكيتها ومصادر تمويلها وصحة تصرفات القائمين عليها منذ تأسيسها وعلاقاتها مع الأطراف الغير، غياب هذه الآلية يعني غياب "قرينة البراءة"؛ وهي قرينة يجب استصحابها في أي قرار او تصرف تقوم به هذه اللجنة وما على شاكلتها خصوصاً بالنسبة لمن هم حسني النية من الأطراف الغير ذوي الصلة بالأموال والأصول المستردة. ثم كان العوار الأكبر في أعمال اللجنة – في تلك الفترة- أنها ظلت تصدر قراراتها بدون تسبيب قانوني مفصل يحدد أسماء المخالفين ومن شاركهم في مخالفاتهم؛ إذ تقوم بمصادرة عقارات بحجة أن هذه العقارات خصصت عن طريق الفساد ولكن قراراتها تجيء خلواً من أسماء من خصص هذه العقارات لمن أسمتهم فاسدين ومن شاركهم فعل الفساد ممن أجروا معاملات التخصيص أو قاموا بتوثيقها؛ وهل كان هنالك مقابل مادي لهذا التخصيص وما مآله؛ بل تمضي اللجنة أكثر من ذلك إذ لم تعلن أنها ألقت القبض أو أمرت باستمرار القبض (إذا كان هؤلاء رهن الحبس ) على الفاسدين ومن شاركهم أفعالهم، بل ولا تحدد أي القوانين خالفوا ولا تشير في قراراتها التي تتعلق ببعض الذين تسنموا مناصب عامة إلى أنها درست اقرارات الذمة الخاصة بهم ومدى تعارض هذه الإقرارات مع واقع الحال الذي أدى بها لإصدار قرارتها. إضافة لما سبق فقد تم حل منشآت وإلغاء القوانين المؤسسة لها وكان الأصوب وضع يد اللجنة عليها واجراء بحث وتقصي في أعمالها منذ نشأتها ومحاسبة كل من تثبت مخالفته للقانون من القائمين عليها.
كل ما سبق وغيره من أخطاء أدى إلى أن يتم بتاريخ 30/04/2020م أي بعد نحو ستة أشهر من تاريخ صدور القانون إلى تعديله!! للأسف، رغم المحاولات المحمومة من قبيلة القانونيين في السودان - ومنهم كاتب هذا المقال – إبداء الرأي لتلافي عيوب القانون؛ فقد جاء (تعديل القانون) معيباً أيضاً في بعض جوانبه. لقد تجاوزنا واقع أن مجلس السيادة بات يشارك مجلس الوزراء أعماله التنفيذية فيما يتعلق وإنفاذ هذا القانون الأمر الذي يعد عيباً بنيوياً في عمل أجهزة الدولة القائمة في الفترة الانتقالية، وافترضنا في المشرع (المجلسين مجتمعين ) تقديرهما لضرورة كون [ قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م وإزالة التمكين لسنة 2019م] إنما هو قانون خاص يهدف لمعالجة أوضاع معينة في فترة الانتقال تستوجب مشاركة كل مكونات السلطة الانتقالية، بيد أن انصراف الخلل والعوار إلى نصوص قانون المعدل أمر آخر يستوجب النظر فيه بتمهل لأن القانون المعيب يعني (الإفلات من العقاب) وهو أمر يخالف الوثيقة الدستورية التي إنما جاءت نصوصها لمنع الإفلات من العقاب.
القانون المعدل شابته بعض العيوب منها:
اعتور القانون المعدل عيوباً في الصياغة حيث جاءت نصوصه معممة وخلواً من تعريف لمفردات ومصطلحات رئيسة تضمنها القانون ومن ذلك عبارة (تفكيك) حيث كنا نرى تعريفها بأنها [الإجراءات والتدابير والقرارات والدعاوى اللازمة لإزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989] وكان هذا التعريف سيكون جامعاً مناعاً من الناحية القانونية بحيث يمنح اللجنة صلاحيات كثيرة خصوصاً وأن القانون المعدل أجرى تعديلات في صياغة بعض مواد القانون القديم اضعفت من فعالية القانون الجديد ومن ذلك التعديل الذي طرأ على المادة (7) من القانون القديم حيث حذفت الفقرة (و) التي كانت تتضمن عبارات (..اتخاذ كافة التدابير والإجراءات والدعاوى ....إلخ) وهي عبارات عادة ما تصاغ بها القوانين لمنح صلاحيات شاملة.
لم يحظر القانون على أعضاء اللجنة واللجان الفرعية ممارسة أي عمل خاص كما لم يحدد القانون بالنسبة للأعضاء المنتدبين من جهات غير حكومية وضعيتهم القانونية؛ مثل تحديد وضع وظيفي لهم ودرجة وظيفية وفق هيكل الوظائف في الدولة ويمنحون بموجبه مقابلاً مادياً محدداً يجعلهم في موضع المسائلة عن حسن أداء الأعمال الموكلة لهم ويحد من ارتباطهم بالجهات التي كانوا يعملون بها سواءً خاصة أو عامة، ولم يحدد القانون أسس وشرائط عضوية اللجنة وفقدانها، كما لم يجعل القانون أعضاء اللجنة مقيدين بما تنص عليه الأحكام والقيود الواردة على الوظائف القيادية في الدولة المنصوص عليها في المادة (19) من الوثيقة الدستورية. كما لم يتناول القانون أي ضوابط لعمل أعضاء اللجنة واللجان الفرعية والمتعاونين، ولم يشير القانون لحماية الخصوصية والسرية فيما يتعلق بأعمال اللجنة.
لقد كان حرياً بالقانون المعدل حسم الجدل القانوني الذي رافق تشكيل اللجان الحكومية ف الفترة الانتقالية مؤخراً فيما يتعلق بصفة عضو اللجنة من غير المنتدبين من جهات حكومية وتحديد ما إذا كانت تنطبق على هؤلاء صفة الموظف العام أم لا؛ خصوصاً وأن بعض هذه اللجان منحت صلاحية النائب العام ما أوجد حالة تعارض مصالح بائنة في ظل وجود أعضاء في هذه اللجان أعمالهم الخاصة تتعارض طبيعتها وعمل اللجنة، من جهة أخرى فإن القانون المعدل للجنة التفكيك قد أسبغ على أعضاءها حماية بنصوص القانون، كل هذا كان يتعين معه تحديد صفة هؤلاء الأعضاء سواءً الدائمين أو المتعاونين.
بالإشارة للحماية التي منحها القانون المعدل لأعضاء اللجنة واللجان الفرعية والعاملين بها والمتعاونين والمبلغين والشهود والخبراء في الفقرة (د) من المادة (14) فقد وردت ضمن الأفعال المجرمة التي تصل عقوبتها مدة عشرة سنوات! عبارة " يضايق" في السياق القائل [يعد مرتكباً جريمة كل من يعتدي على أو يضايق أو تهديد أو يسيء..... إلخ] غض النظر عن ضعف الصياغة واختلال كلمة (تهديد) اللاحقة؛ فإن كلمة "يضايق" ذات تفسير معنوي نفسي ومادي واسع، وهي في السياق عبارة ملتبسة قد يقف أمامها قاضٍ حائراً ، وقد تمنيت – صادقاً - ألا تضايق أرائي القانونية هذي وكتاباتي أعضاء اللجنة !.
جاء القانون خلواً من الإشارة لنصوص قانونية قارة ومعلومة في القوانين السودانية كان يمكن النص عليها أو الإشارة لها لتكون أساس لتجريم أعمال الفساد، لقد وردت إشارة مباشرة في المادة (13) لجريمة الرشوة وفقاً لما ورد في القانون الجنائي لسنة 1991م، بيد أن هنالك قوانين أخرى أغفلت وكان يمكن الإشارة لها لمنح اللجنة صلاحيات إضافية ومن ذلك قانون المعاملات المدنية حيث أغفلت النصوص التي تتعلق ب (المسئولية التقصيرية) و(الثراء الحرام) فلم ينص القانون على منح اللجنة صلاحيات وزير العدل الواردة في البابين الثالث والرابع من قانون المعاملات المدنية التي تمنح وزير العدل صلاحية تحريك الدعاوى والطلب عن كشف مصادر الأموال وغير ذلك من الإجراءات والتدابير. كما أغفل القانون وضع أي مقاربة مع قوانين سارية ذات صلة بعمل اللجنة مثل قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه، وقانون مكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، وقانون تسليم المجرمين. على الرغم من أننا سوف نفصل في الجزء الثاني من هذا المقال هذا الجانب من الموضوع إلا أنه للأهمية يتعين الإشارة إلى أن عدم أستناد قرارات استرداد الأموال على أسس قانونية سليمة؛ عدا عن كونه يجعل هذه القرارات قابلة للإلغاء بسهولة؛ فإنه يجعل من الصعب الاستناد عليها أمام المحاكم في ولايات قضائية أخرى (دول أجنبية) للحصول على قرارات من محاكم هذي الولايات القضائية باسترداد الأموال والأصول الموجودة في نطاق هذه الولايات القضائية، إذ أنه في معظم الولايات القضائية الأجنبية تستوجب المحاكم التأكد من مثول المتهم أمام قاضيه الطبيعي و استنفاد كامل مراحل التقاضي وصدور أحكام نهائية مسببة ومصاغة بصورة صحيحة يُستند عليها في ملاحقة أصول الفرد الذي تم تجريمه لغرض استرداد أصوله الموجودة في الخارج.
إن صياغة القانون المعدل تماهت بين المفاهيم القانونية الدولية لاسترداد الأموال المنهوبة بقرارات إدارية وتلك التي تحارب الفساد وفق الأسس الجنائية ومدنية، فقد عرّف القانون عبارة (استرداد) بأنها إعادة ملكية الأموال التي تم الحصول عليها أو انتقلت ملكيتها بفعل من أفعال الفساد أو التمكين إلى حكومة السودان وتحاشى في نصوصه إيراد كلمتي (حجز) و(مصادرة) ، وفي هذا الصدد فقد أهرق اهل القانون مداداً كثيفاً في توصيف هذه العبارات وفق القوانين والممارسة القضائية في السودان؛ وتحديد دلالتها وبالتالي آثارها على ما تصدره اللجنة من قرارات؛ الأمر الذي سوف تضج به المحاكم سنين عدداً وهي تتناول الطعون المتعلقة بهذه القرارات؛ إذ بينما لا توجد مشكلة في استرداد الأموال التي تعود للمؤتمر الوطني والكيانات التابعة له وغيرها من الشخصيات الاعتبارية المرتبطة به ، فإن "استرداد" الأموال الخاصة سواء كانت عقارات أو ملكيات في شخصيات اعتبارية دون قرارات قضائية قد تقود لسجالات قضائية بين الأطراف خصوصاً وأن الوثيقة الدستورية والممارسة القضائية واضحة فيما يتعلق وحماية الملكية الفردية . وإذ نحى المشرع في التعديل إلى وضع تصرفات اللجنة في سياق القرارات الإدارية إلا أن القانون المعدل نص في المادة (15) على أن ينشئ النائب العام نيابة خاصة لاتخاذ إجراءات اللازمة لإنفاذ هذا القانون (لم تنشأ حتى تاريخ كتابة هذا المقال ) ففتح هذا النص باباً جديداً للنقاش حول تأصيل قرارات اللجنة ما إذا كانت إدارية أو جنائية، فإذا كانت نية المشرع وضع قرارات اللجنة في السياق الجنائي كان يمكن منح اللجنة نفسها صلاحيات النائب العام مع العلم أن قانون النيابة العامة يعطي النائب العام الحق في منح كل أو بعض صلاحياته لأي شخص أو لجنة وكان بإمكان اللجنة بموجب هذه الصلاحيات أن تمارس الشق الجنائي من أعمالها وفق قانون النيابة العامة. في هذا الصدد لم يتضمن القانون أي صلاحيات للجنة في مراجعة إقرارات الذمة الخاصة بشاغلي المناصب منذ العام 1989م الواجب عليهم الإفصاح وفق ما تنص عليه القوانين السودانية.
على الرغم من أن القانون المعدل في معرض توصيفه أفعال الفساد في المادة (13) نص في الفقرة (و) على [الأفعال التي تعتبر ممارسات فاسدة وفقاً للاتفاقيات الدولية والإقليمية التي صادق عليها السودان] إلا أن القانون المعدل لم يحدد أي آلية تتعلق باسترداد الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج، حيث كان بالإمكان النص على صلاحية اللجنة بالتشاور مع وزير العدل في تعيين المحامين والوكلاء القانونيين والخبراء ومختصي استرداد الأموال خارج السودان والتعاقد معهم وتحديد اتعابهم ومنح الإنابات والتوكيلات. عدم النص على هذه الآلية بصورة مفصلة يجعل إنفاذ القانون في الغالب محلياً إذ قد يواجه عقبات في استرداد الأموال المنهوبة الموجودة في الخارج مالم يتم تدارك ذلك في لوائح اللجنة بحيث تتضمن تفاصيل تتعلق بالأموال الموجودة في الخارج وآلية استردادها ويكون ذلك مقروناً بتفاصيل معايرة للمطلوبات الدولية فيما يتعلق بدقة وقانونية صياغة قرارات اللجنة واحتيازها على حجية الأمر المقضي فيه باكتمال مراحل استئنافها وطعونها على أسس صحيحة تجعل إنفاذها ممكناً خارج السودان في ظل التعقيدات المعلومة التي تواجه استرداد الأموال المنهوبة من نطاقات وأقاليم قانونية خارجية وهي المعضلة التي واجهت ومازالت تواجه كثير من الدول في وضع الانتقال حيث ظلت سنوات طويلة تواجه المشكلات أمام تعقيدات مطلوبات الولايات القانونية والقضائية الأجنبية المختلفة.
حرياً بنا القول أن هنالك تعديلات إيجابية في القانون المعدل ومنها أنه حدد آلية لإدارة الأموال المستردة، ورغم أنها جاءت غير مفصلة وأحالت التفصيل إلى لوائح يصدرها السيد رئيس الوزراء فإننا نرى وجوب الاستعجال في تشريع ونشر وانفاذ هذه اللوائح ذلك ان بعضاً من الأموال المستردة حتى الآن هي أصول عاملة الأمر الذي يستوجب عدم وقف أعمالها في ظل الوضع الاقتصادي المتردي الحالي، وأن تسارع وزارة المالية بوصفها الجهة التي أوكل لها القانون إدارة هذه الأصول في وضع أسس واضحة محكومة بلوائح محددة لإدارة هذه الأصول والاستفادة من عوائدها أو تسييل هذه الأصول وفق قواعد الإفصاح والشفافية المعمول بها في دولة ديمقراطية يحكمها القانون. ومن الإيجابيات أن القانون المعدل نص على أنه [يجوز للجنة إصدار اللوائح والأوامر والقواعد اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون] وهو نص يمنح اللجنة صلاحية في تفصيل الكثير مما أجمله القانون المعدل.
في عودٍ على بدء في فإن الحرب على الفساد وضمان عدم الإفلات من العقاب تتطلب وضع استراتيجية شاملة تشترك فيها كل أجهزة الدولة وتُشحذ لها كافة القوانين السارية بل وتسن لها من القوانين والتشريعات الجديد المعاير لأفضل الممارسات الدولية، ذلك أن الفساد فعل قد ينشأ في ولاية قانونية وقضائية محددة؛ إلا أنه في غالب الأحيان فعل متجاوز لولاية المنشأ حيث تنتقل الأموال المنهوبة الى ولايات قانونية وقضائية أخرى وبآليات معقدة يتم بها غسل هذه الأموال وقد تعود مرة أخرى لولاية المنشأ إلا أنها في الغالب تلبس لبوساً جديداً قد يصعب معه معرفة أصلها وفصلها.
لقد أوضحنا في هذا الجزء من المقالة أن السودان وهو يعيش في هذه الفترة من تاريخه أوضاع انتقال؛ سعى في الوثيقة الدستورية لوضع الأسس التي يمكن من خلالها وضع استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد، إلا أن أجهزة الحكم الانتقالي عوضاً عن الشروع في وضع هذه الاستراتيجية الشاملة وآليات إنفاذها؛ انتهجت معالجةً جزئية بإنشاء "لجنة التفكيك" وفق قانون معيب تم تعديله مؤخراً وربما يكون له أثر بعد التعديل في معالجة بعض آثار فساد الثلاثين عاماً التي مضت من عمر السودان؛ إلا أن التعديل نفسه لم يلامس كافة الجوانب التي يمكن أن تجعل بيد الدولة استراتيجية شاملة وأداة إنفاذ فعالة لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة وهو الأمر الذي سوف نعالجه في الجزء الثاني من هذا المقال.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.