اختصاص القضاء الجنائي الدولي بقضية دارفور .. بقلم: ناجى احمد الصديق    ترتيبات لاستئناف رحلات البواخر بين حلفا والسد العالي    قتيل وجرحى بمليونية 21 اكتوبر والمقاومة تستنكر عنف الشرطة    الإعلان عن عودة الشركات الأمريكية للاستثمار في قطاع السكك الحديدية بالسودان    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    شُكراً حمدُوك!!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    بروف نمر البشير وعبدالرحمًن شلي و كوستي الولود .. بقلم: عواطف عبداللطيف    المريخ والهلال يفوزان ويؤجلان حسم لقب الدوري    يوميات محبوس (7) .. بقلم: عثمان يوسف خليل    تحرير الوقود من مافيا الوقود قبل الحديث عن تحرير أسعار الوقود .. بقلم: الهادي هباني    العَمْرَةْ، النَّفْضَةْ وتغيير المكنة أو قَلْبَهَا جاز .. بقلم: فيصل بسمة    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    في ذكرى فرسان الاغنية السودانية الثلاثة الذين جمعتهم "دنيا المحبة" عوض احمد خليفة، الفاتح كسلاوى، زيدان ابراهيم .. بقلم: أمير شاهين    شخصيات في الذاكرة: البروفيسور أودو شتاينباخ .. بقلم: د. حامد فضل الله /برلين    عن القصائد المُنفرجة والمُنبهجة بمناسبة المولد النبوي الشريف .. بقلم: د. خالد محمد فرح    فلسفة الأزمان في ثنايا القرآن: العدل (1) .. بقلم: معتصم القاضي    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    ظلموك يا حمدوك ... وما عرفوا يقدروك! .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    التحالف باليمن: وصول 15 أسيرًا سعوديًا و4 سودانيين آخرين إلى الرياض    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    هيئة مياه الخرطوم تكشف عن تدابير لمعالجة ضائقة المياه    الحمي النزفية في الشمالية.. بقلم: د. زهير عامر محمد    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قرارات لجنة إزالة التمكين ومشروعية استرداد العائدات الإجرامية دون إدانة جنائية .. بقلم: عبد الرحيم خلف الله محمد علي
نشر في سودانيل يوم 23 - 05 - 2020

أُجريت مؤخراً تعديلات كثيرة ومهمة على قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م وإزالة التمكين لسنة 2019م (قانون إزالة التمكين) ، وقد استصحبت تلك التعديلات ما دار من جدل كثيف بين القانونين منذ صدور أول مجموعة من قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (لجنة إزالة التمكين) ، حيث قضت بعض تلك القرارات بإسترداد عائدات إجرامية لصالح الدولة في مواجهة أفراد وشركات وهيئات خاصة ، وقد تمحور ذلك الجدل القانوني حول وجهتي نظر ، ترى الأولى أن سلطة إسترداد العائدات الإجرامية يجب أن تنعقد حصرياً للمحاكم الجنائية بناءاً على حكم بالإدانة ، بينما ترى وجهة النظر الثانية أنه يجوز للجنة إزالة التمكين ممارسة سلطة الإسترداد تلك دون ادانة جنائية مع ضرورة أن يتضمن قانون إزالة التمكين نصاً صريحاً يمنح لجنة إزالة التمكين ممارسة تلك السلطة ، وقد تبنت التعديلات التي طرأت على قانون إزالة التمكين وجهة النظر الثانية ،و ذلك بإضافة فقرة فرعية جديدة إلى الفقرة (1) من المادة (7) من قانون إزالة التمكين ، حيث منحت هذه الفقرة الفرعية الجديدة وهي الفقرة (ن) لجنة إزالة التمكين بصورة صريحة سلطة حجز وإسترداد أي أموال ناتجة عن أعمال التمكين أو أي فعل من أفعال الفساد وإعادتها للدولة ، وبالرغم من هذا النص الصريح إلا أن ممارسة اللجنة لهذه السلطة لا يزال محل جدل قانوني بزعم مفاده أن ممارسة اللجنة لهذه السلطة ينتهك مبادئ دستورية وقواعد قانونية أصولية سيتم التعرض لها لاحقا في سياق مناقشة و تحليل أبرز ما تضمنته التعديلات التي طرأت على قانون إزالة التمكين وبتركيز أكبر على سلطة لجنة الإزالة في الأمر بإسترداد العائدات الإجرامية في مواجهة الأفراد والشركات والهيئات الخاصة دون إدانة جنائية.
لإستجلاء الجدل القانوني حول ممارسة لجنة إزالة التمكين سلطة إسترداد العائدات الإجرامية إستعرض فيما يلي الممارسات العالمية المتعلقة بإسترداد العائدات الإجرامية ومن ثم أتطرق إلى التطور التشريعي السوداني فيما يتعلق بإسترداد العائدات الإجرامية ، فعلى الصعيد العالمي هناك بصفة عامة نوعان من مصادرة العائدات الاجرامية - وأشير هنا أن المصادرة confiscation على الصعيد العالمي ترادف مصطلح " الإسترداد" asset recovery وفق التعريف الذي تضمنته تعديلات قانون إزالة التمكين- وهذان النوعان هما المصادرة التقليدية التي تتبناها الآراء القانونية السودانية المعارضة لصلاحية لجنة إزالة التمكين في الإسترداد و يتم تأسيسها بناءاً على إدانة جنائية (المصادرة الجنائية) Conviction Based Confiscation والنوع الثاني الذي استحدثته الممارسات العالميةالمعاصرة يتمثل في مصادرة الأصول دون الإستناد إلى حكم إدانة Non-Conviction Based Confiscation كما تعرف هذه المصادرة أيضاً في بعض الأنظمة القانونية بالمصادرة المدنية Civil Forfeiture او In rem forfeiture وهو إجراء مصادرة منفصل عن أي إجراءات قضائية جنائية ويتطلب إثبات أن الأصول محل المصادرة هي عائدات إجرامية ، و تهدف هذه المصادرة بنوعيها إلى حرمان من يقترف نشاطاً إجرامياً من الإستفادة من جريمته crime does not pay ، كما يساهم هذا الحرمان في ردع النشاط الإجرامي ، ويكمن الفرق الرئيس بين نوعي المصادرة أعلاه في أن المصادرة الجنائية تتطلب محاكمة جنائية وحكماً بالإدانة بجريمة معينة ، في حين أن المصادرة المدنية لا تتطلب حكماً بالإدانة ، ويترتب على هذا الإختلاف تباين معيار ومستوى الإثبات الذي يتعين توافره في كل حالة، ففي حالة المصادرة الجنائية والتي تتطلب الإدانة يكون عبء الإثبات أكثر تشدداً إستناداً إلى إفتراض البراءة presumption of innocence الذي يعد من حقوق الإنسان الأساسية حيث ينص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك الوثيقة الدستورية للفترة الإنتقالية لسنة 2019م و ايضا قانون الإثبات لسنة 1994م ويقضي إفتراض البراءة ببراءة المتهم حتى تثبت إدانته دون شك معقولaccused is innocent until his guilty is proved beyond any reasonable doubt ، بينما في المصادرة المدنية يجب إثبات السلوك الإجرامي بمعيار إثبات قائم على موازنة أو ترجيح البيناتa balance of probabilities standard of proof وهو ما يرجح أن يكون صحيحاً أكثر من أن يكون غير صحيح ، وبالتالي فإنه من شأن المصادرة المدنية أن تخفف عبء الإثبات عن الحكومة ، بما في ذلك جواز قلب عبء الإثبات Reversal Of Burden OF Proof والذي سيتم التعرض له لاحقاً بشيء من التفصيل، و بالتالي فان معيار ترجيح البينات يتسنى معه مصادرة العائدات الإجرامية حتى في حالة عدم وجود دليل يكفي لتأسيس الإدانة الجنائية ، و في هذا الصدد أشير الى انه لن يكون من المستغرب ان تتم تبرئة اي من الذين قامت لجنة ازالة التمكين باسترداد بعض ممتلكاتهم في حال خضوعه لمحاكمة جنائية استنادا الى ذات الافعال التي استندت اليها اللجنة في قرار الاسترداد، و ذلك لاختلاف معيار الاثبات بين الحالتين. وتأسيساً على هذا فإن المصادرة دون الإستناد إلى حكم بالإدانة تصبح تدبيراً فعالاً في حرمان الفساد السياسي من ثمار جرائمه وإسترداد الأموال المسروقة لمواطني الدولة ضحية الفساد السياسي ، على ألا تكون المصادرة المدنية بديلاً البتة للمحاكمة الجنائية ، وتأسيساً على فعالية المصادرة المدنية في إسترداد العائدات الإجرامية ، تجد هذه المصادرة دعماً من المنظمات متعددة الأطراف والمنظمات الحكومية الدولية ومنها الأمم المتحدة ومجموعة العمل الماليFATF والإتحاد الأوربي ، كما تجد دعما من "مبادرة إسترداد الأصول المسروقة" The Stolen Asset Recovery ( StAR) Initiative وهي مبادرة مشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات ومنع الجريمة ، حيث تهدف هذه المبادرة ضمن أمور أخرى ، إلى مساعدة الدول النامية في إسترداد الأصول التي يسرقها القادة الفاسدون ، وقد أصدرت هذه المبادرة دليلاً للممارسات الحسنة بشأن مصادرة الأصول دون الإستناد إلى حكم إدانة بعنوان:
Stolen Asset Recovery :A Good Practices Guide For Non-Conviction Based Asset Forfeiture ، و ذلك بغرض مساعدة الدول في إسترداد الأصول المسروقة وقد إستلهمت التعديلات التي طرأت على قانون إزالة التمكين الكثير من المفاهيم الأساسيةKey Concepts التي حددها الدليل المذكور حسبما سيتم إستعراضه لاحقا في هذا المقال .
فيما يتعلق بالتطور التشريعي السوداني بخصوص المصادرة بمعنى الإسترداد وليس المصادرة كعقوبة ، نجد ان الوضع الذي كان سائداً قبل سن التشريعات المستمدة من الشريعة الإسلامية فيما عرف بقوانين سبتمبر ، هو تبني المصادرة بمفهومها التقليدي أي المصادرة بناءاً على حكم بالإدانة الجنائية، ولكن بعد صدور قانون المعاملات المدنية لسنة 1984م تم تبني المصادرة المدنية بمفهومها المعاصر ، حيث نصت المادة 164 من القانون المذكور على أن كل شخص يثري دون سبب شرعي على حساب الغير يلتزم في حدود ما أثرى به تعويض هذا الغير عما لحقه من خسارة ، ووفقاً لقانون المعاملات المدنية فإن تدبير التعويض/ الاسترداد يتم من خلال المحكمة المدنية وذلك دون المساس بأي إجراءات جنائية يكون جائزا إتخاذها ، وقد عرفت المادة 165 من القانون المذكور الثراء الحرام بأنه كل ثراء تحقق نتيجة غصب مال الغير أو الحصول عليه خلافاً لأحكام القانون .
أما قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989م الذي صدر بعد أقل من أربعة أشهر من تسنم النظام المعزول سدة الحكم ، فقد نص على مصادرة العائدات الإجرامية على نسق المصادرة الجنائية التقليدية أي تأسيساً على الحكم بالإدانة الجنائية ، ولكنه في مفارقة صارخة للأصول التي قررتها الشريعة الإسلامية المتمثلة في أن الناس سواسية أمام القضاء ومن ذلك الحديث الشريف: «إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»
وكذلك في إنتهاك صارخ لمبدأ سيادة حكم القانون Rule of law إبتدع قانون مكافحة الثراء الحرام مساراً ثالثاً لإسترداد العائدات الإجرامية فيما عرف ب " التحلل من الثراء الحرام والمشبوه " و اشير هنا انه وفقا للشريعة الاسلامية فإن التحلل يكون في حق من تاب إلى الله تعالى دون علم السلطات ، و لكن التحلل الذي نصت عليه المادة 13 من القانون المذكور يجيز لكل شخص اثرى ثراءاً حراماً و ان اكتشف امره من السلطات العامة مسبقا ، أن يحلل نفسه وافرادا آخرين عددتهم المادة المذكورة، وذلك في أي مرحلة قبل فتح الدعوى الجنائية ضده ، وأوضحت هذه المادة أن التحلل يتم برد المال موضوع الثراء الحرام مع بيان الكيفية التي أثرى بها ذلك الفاسد، وقد شكلت هذه المادة المعيبة ملاذاً آمناً للإفلات من المحاكمة الجنائية و العقوبة لذوي النفوذ وكذلك للذين يتمتعون بالحصانات القضائية التي تستغرق وقتا و إجراءات معقدة لرفعها، حيث أجازت هذه المادة أن يتحلل الشخص من العائدات الإجرامية قبل فتح دعوى جنائية في مواجهته وبالتالي يتسنى لهذا الفاسد أن يتحلل فقط عن العائدات التي يفصح عنها هو بمحض اختياره دون تحقيق جنائي لمعرفة مقدار العائدات الإجرامية الحقيقية التي يتعين إستردادها ، و فضلا عن هذا توفر هذه المادة فرصة للإفلات من المحاكمة الجنائية و توقيع العقوبة المقررة للجريمة المتحصل عنها العائدات الإجرامية محل التحلل !!! و في تقديري أنه آن الأوان لإلغاء هذا القانون وتضمين جريمة الثراء الحرام Illicit Enrichment المنصوص عليها في هذا القانون وهي ايضا من ضمن جرائم الفساد التي نصت عليها إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ، تضمينها في القانون الجنائي لسنة 1991م .
بعد صدور القانون الجنائي لسنة 1991م سالف الذكر ظلت المصادرة الجنائية الكلاسيكية بذات شروطها السابقة كما هي ، حيث نصت المادة 46 من هذا القانون على أن تأمر المحكمة عند إدانة المتهم برد أي مال أو منفعة حصل عليها مع جواز الحكم بالتعويض عن أي ضرر يترتب على الجريمة وذلك وفقاً لأحكام قانوني المعاملات المدنية والإجراءات المدنية .
التطور الأخير المستحدث في السياق التشريعي السوداني فيما يلي المصادرة تضمنه قانون إزالة التمكين حيث تم إبتداع المصادرة المدنية عن طريق الإجراءات الإدارية الخاضعة للرقابة القضائية ، وذلك بمنح سلطة الإسترداد والذي يعني المصادرة المدنية بمفهومها العالمي ، إلى لجنة إزالة التمكين والتي يتم إستئناف قراراتها إلى لجنة الإستئناف وهي إدارية أيضاً وتخضع قراراتها إلي الطعن أمام دائرة قضائية يشكلها رئيس القضاء ويكون حكمها نهائياً . تجدر الإشارة إلى أن المصادرة عن طريق التدابير الإدارية المجردة و تسمى " المصادرة الادارية" مطبقه في كثير من الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية بالنسبة للاصول المنخفضة القيمة و الجمارك، وكذلك إيطاليا التي تجيز المصادرة الإدارية بما في ذلك مصادرة العقارات .
كما ورد آنفا فان الاسترداد/ المصادرة المدنية التي طبقتها لجنة ازالة التمكين اثارت جدلا قانونيا كثيفا، و يتعلق ذلك الجدل بحقوق الإنسان بزعم مفاده ان المصادرة المدنية تنتهك افتراض البراءة المقرر في المحاكمات الجنائية ، وكذلك تنتهك حق التملك، المنصوص عليهما في الوثيقة الدستورية ، وفي هذا الصدد اشير الى ان ذات هذا الجدل اثير عالميا ، و لكن لم يكن ناجحا و من امثلة ذلك ان المفوضية الأوربية لحقوق الإنسان قررت في عام 1986م أن مصادرة الأموال دون الإستناد إلى حكم إدانة ، متسقه مع حق إفتراض البراءة وحقوق الملكية ، وذلك تأسيساَ على أن المصادرة المدنية لا تعد عقوبة ، بل هي تجريد وحرمان من أموال تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة tainted assets و بالتالي لا حماية لملكيتها .
في سياق استعراض مشروعية الاسترداد / المصادرة المدنية للعائدات الإجرامية وفقا لقانون ازالة التمكين ، وتأسيساً على ان التشريعات السودانية عموما مستمدة من الشريعة الإسلامية ، فإنه يتعين ايضا اخضاع النظر في أمر المشروعية هذه إلى أحكام الشريعة الإسلامية والتي تعد سابقة ورائدة في اقرار المصادرة المدنية بمفهومها المعاصر بما لا يقارن بما قررته التشريعات العالمية المعاصرة من جواز للمصادرة المدنية ، فقد تناولت كتب الفقه الاسلامي موضوع الاستيلاء على حق الغير تحت باب الغصب، و تتمثل ادلته الشرعية في الآية الكريمة ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون) و كذلك الحديث الشريف
( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) و من التطبيقات العملية للمصادرة المدنية في عهد الخلافة الراشدة ما روي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين مر ببناء يبنى بحجارة و جص فقال: لمن هذا؟ فذكروا عاملا له على البحرين ، فقال : أبت الدراهم الا ان تخرج اعناقها ، و شاطره ماله، رغم عدم ثبوت ارتكاب ذلك العامل لاي جريمة من الجرائم بانواعها الثلاثة وفق الشريعة و هي الحدود و القصاص و التعازير.
استعرض فيما يلي أحكاماً و نصوصا أخرى تضمنتها التعديلات التي طرأت مؤخراً على قانون إزالة التمكين ، وكما أشرت آنفاً فإن هذه التعديلات إستندت بصورة جوهرية على المفاهيم الأساسية التي تضمنها دليل الممارسات الحسنة الصادر عن مبادرة إسترداد الأصول المسروقة ، ومن تلك التعديلات إيراد تعريفات لبعض المصطلحات مثل " أفعال الفساد " و " إسترداد" و " العائدات " ، و قد أتى هذا التعريف تطبيقا للمفهوم الرئيس 31 من الدليل والذي ينص على ضرورة إستخدام مصطلحات لغوية سليمة ، ولا سيما حين ينطوي الأمر على تعاون دولي . كذلك تضمنت التعديلات جواز مراجعة أي تسويات أو إجراءات أو قرارات أصدرتها أي من أجهزة الحكم المعزول إذا كان فيها إهدار للحق أو المال العام ، ولا شك أن هذا النص يعطي لجنة إزالة التمكين حق فحص و مراجعة تدابير التحلل المعيبة التي جرت وفقاً لقانون مكافحة الثراء الحرام وفق ما سلف بيانه ، ويأتي هذا التعديل متسقاً مع المفهوم الرئيس 8 الذي ينص على أن تخضع العائدات الإجرامية المكتسبة قبل سن قانون المصادرة دون الإستناد إلى حكم مصادرة -مثل قانون ازالة التمكين - ان تخضع للمصادرة وفق قانون المصادرة المستحدث.
كذلك إشتملت التعديلات على ضرورة تقديم الإستئناف ضد أي من قرارات اللجنة من قبل المتضرر شخصياً ، ويأتي هذا التعديل متسقاً مع المفهوم الرئيس 20 الذي يشترط عدم السماح لهارب يرفض العودة إلى البلاد لمواجهة تهم جنائية لم يتم البت فيها بأن يطعن في إجراءات مصادرة الأصول دون الإستناد إلى حكم إدانة . كذلك من التعديلات المهمة ما تضمنته الفقرة (5) من المادة (12) حيث نصت على أنه: إذا تم تسجيل أي أموال أو عائدات في أسم أي شخص وكان هناك ما يحمل على الإعتقاد بأن تلك الأموال أو العائدات قد تم الحصول عليها نتيجة فعل من أفعال الفساد فعلى ذلك الشخص إثبات أنه لم يتحصل عليها نتيجة لممارسة أي من أفعال الفساد ، وفضلاً عن إتساق هذا النص مع ما تقضي به الشريعة الإسلامية وفق ما تم مناقشته آنفاً ، فإن هذا النص أيضاً يتسق مع المفهوم الرئيس 14 من الدليل والذي ينص على أنه ينبغي تحديد المفاهيم الأساسية ، مثل معيار (عبء) الإثبات وإستخدام القرائن القابلة للتفنيد Rebuttable Presumptions بموجب قانون نظامي ، وقد سبق مناقشة مسألة عبء الإثبات ، أما بالنسبة للقرائن القابلة لإثبات العكس فمن أمثلتها أن ينص قانون على قرينة قابلة للتفنيد بان ثمة ثروة لا يمكن تفسير أسبابها تراكمت أثناء مدة الخدمة لمسؤول عمومي تعزى إلى الفساد ، مما يترتب عليه مصادرة الثروة المتزايدة مالم يقدم المسؤول تفسير كاف لكيفية حدوث الزيادة في الثروة من خلال وسائل مشروعة، وكما سبق فإن هذا النوع من القرائن يخفف عن كاهل الدولة ما يكون في كثير من الأحيان مستحيلاً إثباته . وفي هذا الصدد اشير إلى أن إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وإتفاقيات دولية أخرى تحتوي على أحكام تدعو الدول الأطراف إلى النظر في إمكانية مطالبة الجاني بالتدليل على المنشأ القانوني للأصول المعرضة للمصادرة المدنية و هو يتطابق تماما مع المفهوم الشرعي الذي يكمن في السؤال: من أين لك هذا؟ ، ولكن يظل عبء إثبات الحالة وأساس القرينة واقعاً على كاهل الادعاء ، وعلى المدعى عليه تقديم تفسير معقول وقابل للتصديق لتفنيد القرينة.
ختاماً، في ضوء ما تم إستعراضه أعلاه ، يتضح أن سلطة لجنة إزالة التمكين في استرداد العائدات الإجرامية دون إدانة جنائية تتمتع بالمشروعية ، و قد تم تحصينها بضمانات تحول دون إساءة إستغلال هذه السلطة ، وتتمثل هذه الضمانات إبتداءاً في أن التحقيق في أفعال الفساد ينعقد إلى نيابة خاصة ينشؤها النائب العام ، وكما هو معلوم فإن النيابة وفقاً للمادة (9) من قانون النيابة العامة لسنة 2017م مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وكذلك من هذه الضمانات أن تدابير الإسترداد تتوفر لها مرحلتين إداريتين للنظر هما لجنة ازالة التمكين واللجنة الاستئنافية ، وفوق ذلك تخضع هذه التدابير للرقابة القضائية من خلال مرحلة الطعن الأخيرة ضد قرارات لجنة الاستئناف، و ذلك أمام دائرة قضائية يشكلها رئيس القضاء، و يأتي على رأس هذه الضمانات وجوب اخطار الشخص الذي تخضع ممتلكاته للاسترداد بالوقائع التي تستند اليها الحكومة بشأن الاسترداد و الأساس القانوني لها و منحه الفرصة الكافية لتقديم دفاعه، مع كفالة حقه في الاستعانة بمحام من اختياره.
عبد الرحيم خلف الله محمد علي
مستشار قانوني / قاض سابق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.