أسرع طريقة للهروب من الواقع!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    خطأ الطبيعة : قصة قصيرة .. بقلم: احمد محمود كانم    حُمَّدْ وَلَد ... ومحاولات اغتيال شخصية المرأة .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين    مبادرات: العودة إلي الطبيعة: إعادة إكتشاف نباتاتنا المنسية أو الضائعة !.. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    مقترح بنك الطاقة .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    الهلال يعطل ثلاثي المريخ مجددا    في حب الوطن والناس .. بقلم: نورالدين مدني    جولة في حديقة المشتركات الإنسانية (أسماء وألقاب)!! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    التالتة حرمت الحلال .. شعر/ موسى المكي    السودانوية والشرط الانساني والذاكرة المحروسة بالتراث والوصاية .. بقلم: طاهر عمر    المركزي ينفي إصداره قرارا بتحديد سقف للسحب من حسابات العملاء    أهلي شندي يلحق بأهلي الخرطوم أول خسارة في الدوري .. حي الوادي نيالا يعمق جراح الأمل عطبرة    في دي ما معاكم .. بقلم: كمال الهِدي    إحالة 20 دعوى جنائية ضد الدولة للمحكمة    الرئيس الأمريكي بايدن يلغي قرار ترامب بمنع مواطني السودان الفائزين ب(القرين كارد) من دخول أمريكا    شرطة السكة حديد توضح ملابسات حادثة تصادم قطار وشاحنة قلاب عند مدخل الخرطوم    الشرطة والشعب ! .. بقلم: زهير السراج    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    "شوية سيكولوجي8" أب راسين .. بقلم: د. طيفور البيلي    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودان وتقاطعات الوضع الإستراتيجي والسياسي الإقليمي .. بقلم: السفير/نصرالدين والي
نشر في سودانيل يوم 18 - 06 - 2020


إنطلاق الثورة السودانية نحو التغيير.
إقترب عام علي قيام هياكل السلطة السيادية والتنفيذية؛ وبدأت الثورة السودانية تحقق إنتصاراتها علي أرض الواقع فيما يتصل بتنفيذ بناء هياكل السلطة الإنتقالية؛ وهي عديدة؛ ومن المؤمل أن تفضي الجهود الوطنية المخلصة والمتصلة إلي الإتفاق النهائي بشأن إكمال تطبيق بنود الإعلان الدستوري كاملة بما فيها؛ المجلس التشريعي؛ الضلع الثالث والأهم، للسلطة التشريعية الرقابية؛ ولكن، هل يعني ذلك أن تحديات السودان علي المستوي الداخلي قد إنطوت؟؟، أو أن العقبات علي واجهة السياسية الخارجية، والإنفتاح علي المجتمع الدولي، وتلمس الخطي في بدايات إستعادة السودان لوضعه كدولة، مقبولة، متعاونة، وفاعلة في القضايا الدولية؛ خاصة علي صعيد صيانة الأمن والسلم الدوليين، والتعاون التجاري والإقتصادي قد تخطت خط التمنيات، أو أستهلت بخطوات ثابته؟؟ سؤالين علي بساط البحث بحاجة إلي إجابة.
إعادة صياغة وبناء سياسة السودان الخارجية علي مبادىء القانون الدولي وأعرافه، و أسس تعاونه الإقليمي والدولي، والنأى به عن سياسة المحاور والأحلاف المضرة التي مست وتمس بالمصالح القومية العليا للسودان في عهد النظام البائد، و نهج مباديء وقيم إحترام حسن الجوار، والإلتزام الفاعل بصيانة السلم والأمن الدوليين، والسعي الجاد لرسم إستراتجية طويلة المدي، و وضع أولوية لتلك السياسة الجديدة نحو تحقيق المصلحة القومية والوطنية للبلاد؛ وإعادة البلاد إلي جادة الإسهام الفاعل في خضم التعاون الدولي المنشود؛ هل خطط لها؛ وتم الشروع في تنفيذها؟ أم أن الأمر لا يعدو شعاراً لم يبارح مكانه؛ (Business as usual)؟. كلها أسئلة مشروعة، ولا إتهام فيها لأي جهة؛ فنحن جميعاً شركاء في عبئها؛ وتحمل وزرها.
السودان في خضم القضايا الإقليمية البازغة.
السودان ليس بمعزل عن ما يدور حوله من قضايا سياسية، وأمنية، ونزاعات وصراعات وحروب، شائكة؛ و ليس محصن منها؛ فهو متأثر بها، شاء أم أبي؛
توجد زاوية محورية تخص جدلية العلاقة بين الأزمات الإقليمية و تداعيتها على الوضع الداخلي السودان؛ وهناك جهات إقليمية ودولية لعبت أدوراً سالبة سابقاً في تأجيج حدة الصراعات في دارفور وشرق السودان، ناهيك الصراعات في جنوب السودان (اوغندا، اريتريا، تشاد، مصر، دول الساحل، الخ ؛ و أمن وإستقرار السودان مرتبط بشكل أساسي بالوضع والأمن الإقليمي لكل دولة وبسياسات دول الجوار إزاء معضلات الوضع الداخلى السوداني؛ فالتأثر متداخل ومرتبط؛ ما يتوجب علينا فعله؛ طَي هذه الصفحة بالحوار ومد جسور العلاقات مع جيراننا والقوي الإقليمية الأخري.
الصراعات الإقليمية... لا تحتمل التأجيل.
إن المنطقة الممتدة علي طول الساحل لا تحتمل مزيداً من الصراعات؛ فهي فضاء جغرافي وسكاني واسع، فتمدد الصراع المسلح في العديد من الدول التي تعاني من ضعف البنية الأمنية سيمهد لإنتشار أوسع لأثار الصراعات وجعل المنطقة فتيلاً مشتعلاً، ومن ثم زيادة رقعة إنتشار السلاح، والجماعات المسلحة، وخلايا داعش، وزيادة الهجرة غير الشرعية لأوربا، وتهريب البشر والمخدرات والسلاح بشكل سيصعب معه إحتواء الأزمات. فتبقي جدلية وضرورة الحلول السياسية collective محل بحث لدول المنطقة هو الطريق الأمثل، في لعب دور إيجابي بإطلاق مبادرات لرأب الصدع في ليبيا، وإلتفاف دول الإتحاد الأفريقي ككتلة واحدة، بجانب الدعم الأوربي والدولي المأمول؛ وتفعيل الأليات الأممية لمجلس الأمن الدولي لوقف العنف والصراع الذي يهدد الأمن والسلم الإقليمين ؛ وعلي السودان الإنضمام لتلك الجهود بإيجابية.
وحري بِنَا تدبر كل ذلك؛ ويتوجب علينا إستعراض هذا الأمر بشيء من التريث؛ بقراءة كامل للخارطة الجيوسياسية والإستراتجية للمنطقة والإقليم الذي يجاور السودان ويحادده؛ فبالقراءة المتأنية لأحداث سياسية أخري تجري في الإقليم؛ وبالتعاون الذي يقوم علي الفهم المشترك، والواقع المشترك؛ سنجتاز عقبات بناء الثقة وترميم ما دمر منها؛ مع جيراننا؛ شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً. ففي الجارة ليبيا؛ كمثال؛ فإنه يتوجب علينا، إبداء الرغبة في التقارب، وطئ صفحة العداء الذي نتج عن إهتزاز المواقف السياسية تجاه ما يجري في ليبيا من النظام السابق؛ للحد الذي وصل فيه التدخل لجانب أحد أطراف الصراع علي حساب الأخر؛ فماذا حصدنا؟؟ وذلك بإنتهاج سياسة حسن جوار تقوم علي ثوابت التعاون المشترك، وذلك بعد إبداء حسن النية في التقارب لطي صفحات الماضي العدائي، بعيداً عن سياسة الأحلاف المقعدة؛ لأن ما يجري في الجارة ليبيا، بحاجة منا للعمل الإفريقي المشترك من حضن الطوق الأفريقي لليبيا، من (المغرب، والجزائر، ومصر، والسودان، وتونس وتشاد، والنيجر)؛ والسودان واحد من بين أهمها؛ بإبتدار جهود سياسية يؤازرها دعم إقليمي ودولي؛ للإسهام في إنهاء الصراع الدامي الدائر والمدمر في هذا البلد العزيز و الجار الهام، فالمبادرة الإفريقية الجماعية لدول الطوق الليبي ستمثل إعادة لتبني الحلول الإفريقية للقضايا الإفريقية داخل البيت الإفريقي بدلاً عن تلقي المبادرات والحلول التي لا تلامس ولا تستجيب و لا تخاطب الواقع الليبي؛ ولكن دعم الدول الإفريقية في المحيط الجغرافي الليبي سيكون له أثر، فليبيا واسطة عقد بين دول جنوب الصحراء وشمال أفريقيا والدول الأوربية المتاخمة للسواحل الإفريقية، عبر البحر المتوسط.
ومن جهة أخري، فإن الوضع المأزوم في ليبيا شبيه لحد ما بوضع (كامن) في السودان منذ عام 2003؛ لم يحقق فيه إنفراج فاعل ومستدام؛ و نأمل أن تفضي المفاوضات الجادة تمهد لشراكة في السلطة وعملية إعادة بناء الوطن؛ ومن المؤلم أن يحفز هذا الواقع السودان للإسهام في وضع حد للصراعات الإقليمية ومن بينها ليبيا لمنع مزيد من الإنزلاق المضر وأثاره السالبة علي البلاد؛ ويحفزه من جهة أخري لتخطي التحدي الداخلي الكبير؛ المتمثل في إشاعة السلام في ربوع وأرجاء الوطن كافة، بشكل شامل، وعادل وشفاف، والتأسيس لثقافة نبذ الصراع والخلاف، والعنف، والتوجه نحو البناء الوطني بأوجهه المتعددة، والبلاد تطل بحاجة إلي مؤازرة ودعم سياسي أفريقي ودولي؛ وفي حال تحقيق السلام المنظور؛ عليه السعي والإنطلاق نحو تعزيز الشراكات والتكامل والتعاون والتبادل الإقليمي؛ ويبقي ذلك هدفاً وتحدياً إستراتيجياً بحاجة لعمل سياسي ودبلوماسي دؤوب.
الوضع السياسي القائم في السودان.
*وبالعودة للوضع السياسي القائم الآن في السودان فأننا نري في ظل كل تلك التقاطعات الإقليمية؛ أن الضمان الوحيد المتوفر للسودانيين في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخهم لتحقيق أحلامهم يبقي في حكم ديموقراطي، وعدالة إجتماعية، ومفارقة المقعدات لإدارة الأزمة في الفكر والسياسة، وطموحات واقعية بتغيير فعلي في السودان سيكون لاعبها الأساسي هو الشارع والسودانيين كافة؛ فإن فداحة التضحيات التي حدثت والتي ربما ستحدث أو تقع إن إستمر الوضع في البلاد علي ما هو عليه الأن، وعامل الزمن الآني مهماً في الإسراع بتأمين أهم أولويات السودان في هذه المرحلة في ظل المنعطفات السياسية التي يمر بها.
*وخارجياً، فإن وزارة الخارجية الأمريكية والكونغرس يدعمان حتي الآن التحول الديموقراطي في السودان كشعار ومبدأ للتداول السلمي للسلطة، وهو أمر هام؛ إلا إن تحديد موقف البيت الأبيض وعلي وجه الدقة، وبشكل لا لَبْس فيه من الوضع السياسي في السودان؛ حيوي، وسيرجح الكفة للمصلحة الوطنية السودانية المتمثّلة في ترسيخ التحول الديموقراطي والتحول للحكم المدني الذي ينشده الشعب السوداني، وعلي الصعيد الداخلي؛ فإنني أعتقد؛ بأن السؤال الملح، هل سيبقي الشارع السوداني، وأعني بذلك الشباب وطاقتهم الثورية في مرحلة الفكر التعبويء فحسب؟ دون التمرحل في الشراكة في العمل و البناء، وأين تقع طموح وتطلعات وأمال الشباب الذي مهر الثورة بدمه وروحه؟ وأين يقع مستقبلهم من تلك المعادلة السياسية؟ ألم يحن بعد تغيير دفة الفكر التعبويء لطاقات خلاقة لتحقيق تطلعات الشباب علي إمتداد الوطن والمهجر؟ بخلق الفرص لهم للتوظيف؛ وجعلهم شركاء في مستقبل البلاد، فتلك شذرات من الهم المرحلي الداخلي الذي يظل بحاجة لمخاطبة عاجلة.
مفهوم التعاون عبر الحدود للجوار السوداني.
العالم مقبل بوتيرة متصاعدة لترسيخ مفهوم التعاون المشترك؛ والقانون الدولي بوعاءه الفضفاض المتجدد يسهم في تعزيز ذلك المفهوم الذي أضحي المجتمع الدولي بحاجة له أكثر من العقود السابقة. ومفهوم الدولة، ومفهوم السيادة الوطنية طرأ عليه تطور بفعل ما يجتاح العالم من تحديات بازغة، منها المقلق والمؤثر في الأمن والسلم والدوليين، كالصراعات الداخلية، والحروب، والنزاعات الحدودية، و أكثرها تأثيراً هو الإرهاب والتطرف والغلو بشقيه الديني والسياسي، والإستعلاء العرقي، والكراهية والبغضاء، والعنصرية، والجريمة العابرة والإتجار بالبشر؛ أفة العصر الحديث، وتهريب السلاح وإستشراء المخدرات عبر الحدود الدولية. فتداعت فكرة الحدود السياسية والسيادة الوطنية التي تتحصن خلفها الدول وتحتمي وتلوذ عند الضرورة. فتطور مفهوم القانون الدولي، ليشمل القانون الدولي الإنساني، والتدخل تحت غطاء القانون الدولي في الدول بغرض توفير الحماية لل vulnerable من السكان؛ كل تلك التحديات تستدعي التعاون المشترك وتجعله ضرورة تتعدي السيادة الدولية، فضرورة وحتمية التعاون المشترك من شأنه دفع الدول، جميع الدول، التي ليست بمعزل أو منأي يحصنها عن كل ذاك الحراك في القانون الدولي؛ لإحداث تغييرات جوهرية في سياساتها الداخلية، ودبلوماسيتها، بتغير نمط التعاطي مع منظومة المجتمع الدولي بما يتماشي مع تلك الغاية.
مع تطور النظام العالمي لمفهوم الدولة، الدول أصبحت تعرف بأنها (Entities) تتطلب حدود لأراضي جغرافية ، وسكّان، وحكومات؛ وهذا التوصيف أعطي الإطار لبروز مفاهيم عدة، كملكية الأراضي، والسيطرة الفعلية علي تلك الأراضي، وسيادة الدولة؛ وقد أضفت الإحساس بوضع نظام الدولة، الذي ينظر له من منظورين للعلاقات الدولية والقانون الدولي معاً؛بيد انه في حالة التطرق الي المفهومين بشكل أحادي، يتأتي للناظر ان كل مفهوم، منفرد؛ يتسم بقدر كبير من الضبابية، أو حتي عدم التوافق؛ حول معني كل مفهوم ومدي ترابطه مع المفهوم الأخر. *(1) ومع التسليم بأن الدولة يجب أن يكون لديها سيطرة علي أراضيها لتتدعي ملكيتها، وبتلك الملكية، بإمكانها ممارسة سيادتها، ومن ثم ينظر لها كدولة، وسيادة الدول علي أراضيها مفهوم معقد وتكتنفه وتتداخل معه معايير عديدة؛ من أهمها؛ الدولة بالمفهوم المعروف لها، والسيطرة الفعلية علي أراضيها، وملكية الأراضي، ومفهوم السيادة، والسيادة والجغرافية الطبيعية للأراضي، والسيادة الداخلية، والسيادة الخارجية، والمساواة القانونية، وسياسة المعاملة بالمثل التي توفر للدولة الحق القانوني في عقد الإتفاقات والمصادقة عليها، وحدود السيادة. وفي شأن الحدود؛ فهناك عناصر ذات طبيعة قانونية ملزمة تشكل مفهوم السيادة علي الأراضي والحدود؛ من أهمها؛ الوجود السكاني، للحدود السياسية الشكلية، كالعرق، والحياة الإجتماعية، والدين، والرابط اللغوي، كعناصر أساسية في تشكل وتداخل وربط لخلق، ووجود، والمحافظة، والصيرورة للعديد من (The international boundaries and forntiers)؛ والمباديء للحدود، والتحديد الدقيق للحدود؛ ونظام خلق وتحديد الحدود، التي من بينها، (Determination, Delimitation, Demarcation and the Delineation)
كما أن طبيعة الحدود، والمميزات الأجتماعية-الثقافية للحدود، والسيطرة المحلية للحدود، وسيطرة الدولة علي الحدود، ومفهوم الجيرة؛ وتطوير مفهوم الجيرة، وأشكال مفهوم الجيرة، وتداخل مفاهيم الجيرة و السيادة والسياسة.
تلك مقدمة مبسطة لتلك المفاهيم المتداخلة في قضايا حدود السودان، التي تكتنفها تحديات، وخلافات، ومشاكل، وقضايا مدرجة أمام مجلس الأمن؛ وقضايا نظرت بواسطة المحكمة الدولية، وهي من بين التحديات الهامة والتي تعيق تطوير علاقات السودان مع بعض دول الجوار للحد الذي غدت معه النزاعات الحدودية متجددة.
قدر السودان أن يكون دولة بحدود واسعه، بعضها، جامد، وبعضها مرن، وتحده عدد من الدول التي تفتقر للإطلالة علي البحر، (Landlocked Countries)، وهي إثيوبيا، وجنوب السودان، وأفريقيا الوسطي، وتشاد؛ ولكن هذا القدر أضاف بعداً إيجابياً للسودان ولتلك الدول، فتماثل الحياة الإجتماعية والثقافية، ونمط وسلوك ومزاج الشعوب علي طرفي الحدود، والتزاوج والتصاهر، عناصر تعزز من فرص الإندماج، وتخلق فرصاً للتعاون المشترك، والتواصل الإجتماعي، أكثر من تباعد بين الفرص في التعاطي الإيجابي. وللسودان نزاع حدودي عالق مع جنوب السودان، نظر أمام المحكمة الدولية بتوافق الدولتين، و خلاف حول أحقية الزراعة والرعي مع إثيوبيا، وتحديد لوضع علامات حدودية (لم يكتمل) مع تشاد، ونزاع حدودي إستراتيجي مع مصر علي مثلث حلايب.
هذه التحديات السياسية أمام السودان من منظور السياسة الدولية والدبلوماسية من شأنه خلق فرصة للتعاون أكثر مما هو عقبة تعيق التعاون، ففي شأن إثيوبيا، وتشاد، وجنوب السودان؛ فبالإمكان خلق المناطق الحدودية مناطق للتعاون كمناطق حرة لفضاء تجاري وزراعي وتبادلي يقوي ويعزز من العلاقات الثنائية، ويمكن للسودان توفير وتسهيل مرور أمن للتجارة الداخلية لتلك الدول من دول المنشأ أو إعادة التصدير للبضائع والسلع الضرورية. فتشاد كمثال؛ تستورد سلعها و تعاملها التجاري سواء عبر ميناء لاغوس في نيجيريا، أو دوالا في الكمرون، والإستيراد لتشاد عبر أي من تلك الموانيء تكتنفه صعاب ومشاق وتعقيدات جمركية، ورشي، علاوة علي البعد المكاني والقيود الزمنية لوصول السلع؛ مما يؤثر في السعر النهائي للمستهلك؛ فمن شأن المرور الأمن عبر الموانيء السودانية التجارية (بورتسودان، وسواكن) وخلق منطقة للتجارة الحرة لتشاد داخل الحدود السودانية بمعايير محددة، وكذا الحال لجنوب السودان، وإثيوبيا؛ خلق (Win-win situation) تصب في المصلحة المشتركة. وبالنسبة لإثيوبيا فخلق منطقة وفضاء زراعي واسع في منطقة الحدود التي تتقاسمها البلدين سيوفر قيمة إضافية للتعاون وتعزيز الروابط الإجتماعية بين شعبي البلدين والعديد من المزايا السياسية. وبالنسبة للعلاقة المتأزمة مع مصر، فمبادرة وسعي السودان للتفاوض مع مصر من شأنه تعزيز الحوار للتوصل لحلول للنزاع الي المنطقة، وبالعدم الإحتكام للقانون الدولي.
و السودان بثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية، وموقعه الإستراتيجي، وتأثيره الجيو-سياسي، وإمتداده الثقافي والإجتماعية؛ كجسر يربط بين دول الساحل وجنوب الصحراء من جهة والعالم العربي من جهة أخري، مع إيلاء إعادة منظومة التعليم كأساس لتنمية العنصر البشري؛ مرشح ليصبح قوة إقتصادية فاعلة في محيطه.
والتعاون الثنائي في فضاء الجوار السوداني له عدة مزايا، كالأنتاج والصناعات التحويلية الذي سيحفز المنتج علي الإرتقاء بوسائل العمل وإستنباط سبل جديدة لزيادة دخله، وهذا التوجه فيه دعم للسياسات الكلية للدولة الرامية لتشجيع الإنتاج والصناعات التحويلية، ومنع أو التقليل من التصدير للمنتجات الخام، و إستبدال تلك الثقافة بالتصدير المصنع للإسهام في رفع القيمة المُضافة للمنتج.
والإنتاج من شأنه أيضاً إيجاد فرص عمل للشباب، بالاستفادة من طاقاتهم وأفكارهم، وفتح أسواق للمنتج السوداني والمستثمر الوطني والأجنبي في مناطق التماس لسلع ومنتجات داخلية زراعية وحيوانية، تتوفر في الاسواق السودانية، وتفيض عنه حاجته في بعض المنتجات؛ كما أن تماثل الثقافة بين الشعب السوداني وجيرانه في الغذاء اليومي، والتداخل والترابط السكاني في محيط السودان، سيعزز من (The socio-economic factor in creating (jobs *(2) opportunities، ويسهم أيضاً في الأمن والإستقرار، وترقية أنماط الحياة اليومية علي طول الحدود التكاملية، والخدمات؛ والبني التحتية ، وشغل تفكير الشباب بالانتاج مما يحول دون الفراغ والإنصراف نحو ما يهدر طاقاتهم؛ كما أن التبادل السلعي مرغوب، وليس بحاجة إلي دعاية للتسويق، فمثلاً الذرة بأنواعها، حيث يعتبر السودان علي رأس الدول المنتجة لها، وهي الغذاء الرئيسي لإخوتنا في جنوب السودان، وشرق تشاد، وبعض مناطق أفريقيا الوسطي. والجزء الغربي من إثيوبيا، و الفول السوداني، كمنتج زراعي، ينتج بكميات ضخمة تعج به الأسواق، ولا يوظف إنتاجه بشكل تحويلي متطور، و تفوق حاجة السوق المحلي في إمتصاصه في الإستهلاك، و مؤخراً إعتمدته اليونسيف كغذاء لمحاربة سوء التغذية للأطفال في المدارس، وهناك الان شركة سودانية واحدة إقتحمت هذا المجال بنجاح فائق، بشراكة مع جهات تصنيعية فرنسية، فوطنت تلك الصناعة التحويلية، فتعاقدت معها منظمة اليونسيف في مجال محاربة سوء التغذية. ويمكن أن يسعي السودان لإعتماد صناعاته التحويلية غير المعقدة لزيادة العائد من تصديره؛ كما أن للصناعات التحويلية الصغيرة الأخري، فرصة للتطور في السودان، مع وجود عمالة رخيصة لها، (Human Factor) و قرب الأسواق للمستهلك في دول الجوار وإنسياب الترحيل وسرعته من مناطق الإنتاج المتاخمة لتلك الدول بجود طرق رابطة معبدة، وخطوط سكك حديد، قليلة التكلفة في الترحيل، مما يعزز الإسهام الحيوي في التبادل السلعي وزيادة العائدات من التبادل التجاري للبلاد.
السودان وتقاطعات الوضع الإستراتيجي والسياسي الإقليمي

الجز الثاني.
إندماج السودان في المجتمع الدولي...من بوابة الجوار الأفريقي.
ضرورة ملحة وحيوية؛ تعاون المصالح...ليس صراع المطامع.
تبقي أن نشير إلي حقيقة مادية راسخة، وهي أن إندماج السودان في المجتمع الدولي سيعيد إليه قوته وتأثيره الإقليمي وسيزيد من إسهاماته السياسية في الآتي:
* تعاونه الأمني مع الولايات المتحدة التي لا بديل عن إستمرارها في المرحلة التي تلت إنهيار نظام الإنقاذ، والوقت الراهن، وذلك في إطار التعاون بما يحقق المصلحة الثنائية المشتركة.
*وعلي المستوي الإقليمي التعاون الإسهام والتعاون الفاعل والشفاف في إجتثاث شأفة التطرف والإرهاب في إقليم تتصاعد فيه خطورة متداخلات الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر من غرب وشرق إفريقيا، والإستقطاب الحاد للشباب من قبل الجماعات الدينية المتطرفه في جنوب ليبيا من السودان والنيجر ومالي، وتهريب السلاح من ليبيا إلي جنوب مصر عبر السودان وتصاعد المهددات الجسيمة في تغذية العمليات الإرهابية في سيناء.
التعاون في كبح مخاطر التهديد المحتمل للعبور الآمن في البحر الأحمر والسودان...و دور السودان.
*البحر الأحمر ممر دولي إستراتيجي هام وتتصاعد أهمية مع تطور أنماط التعاون بين دول الشرق الأقصى والغرب، وعبره للمحيط، من جهة، وبزوغ وتصاعد الصراعات والأزمات والعنف، من جهة أخري؛ وهو فضاء للعلاقات الدولية في تقاربها ، وتباعدها، وتجاذبها، وللدول المطلة عليه مسؤوليات دولية تتمثل في الحفاظ علي المرور الأمن، وتعزيز دوره كممر ملاحي دولي، وكبح الإرهاب الدولي العابر، ومنع تهريب السلاح للجماعات المسلحة؛ والإضرار بأمن وإستقرار دول الإقليم، ومحاربة وتجفيف تسلل التطرّف وإستشراء الملاذات الإرهابية؛ وتأمين التجارة الدولية ومراقبتها، والتعاون في وضع الإستراتيجيّات التي تعزز وتحافظ علي حرية الملاحة والنأي بها عن الإستخدامات السيئة أو الإضرار بمصالح الدول أياً كانت، سياسية أم تجارية أم إقتصادية، كل الدول سواء المطلة عليه أو دول العالم أجمع.
*والسودان كأحد تلك الدول التي تطل علي البحر الأحمر، بسواحل طويلة، ليس بمعزل عن تلك القضايا والتحديات، بل هو في خضمها؛ ويتشاطر كل تلك المسؤوليات مع بقية دول الإقليم، ويتوجب عليه الإلتزام بتعزيز أليات التعاون المشترك، والإسهام في درأ التحديات البازغة، في صيانة السلم والأمن الدوليين التي ترتبط بشكل مباشر أو غيره بالمرور التجاري للسفن، والرسو في الموانيء السودانية، والتزود بالوقود، والشحن والتفريغ؛ وحركة المسافرين؛ ومرور ناقلات النفط ، والغاز؛ والبوارج العسكرية عبر البحر الأحمر في المياه الدولية في إطار حرية الملاحة التي يكفلها القانون الدولي وقانون البحار.
*وتزداد أهمية البحر الإستراتيجية السياسية والأمنية والجغرافية بوتيرة متصاعدة مع إزدياد رقعة الأزمات والصراعات في الشرق الأوسط، وكذلك التحديات البيئية، وتأمين الإستقلال الأمثل للثروات الطبيعية في البحر الأحمر كالتنقيب عن الغاز والنفط، وتزداد بشكل متسارع، المسؤوليات الملقاة علي عاتق الدول المحادة له. كما أن إرتباط البحر الأحمر بممرات دولية أخري بشكل مباشر كباب المندب وخليج عدن، وغير مباشر بمضيق هرمز(يمر به 40٪ من النفط المصدر للعالم)؛ يجعل من تصاعد الصراعات المسلحة في اليمن، وإستمرار عدم الإستقرار السياسي والأزمات السياسية والتوتر في إيران والعراق، والقرصنة في خليج عدن وعلي طول السواحل الصومالية؛ والتوتر وتباعد الشقة السياسية بين بعض الدول الخليج وأزمة العلاقات بين قطر؛ تناصرها إيران وتركيا، من جهة، والمملكة العربية السعودية والإمارات كحلف ودخول الولايات والبحرين، ومصر من جهة أخري، ودخول الولايات المتحدة كقوة دولية في النزاع الإقليمي في وجه المطامع ومحاولات تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة بتأجيج الصراع في اليمن، ومحاولات إيران لجر السعودية لحلبة الصراع، وبزوغ التحالف العسكري بقيادة السعودية وإنضمام بعض دول الخليج كالإمارات، وبعض دول المنطقة كالسودان في حلف لوقف التمدد الإيراني، يزيد من أهمية وضرورة التعاون المشترك لتأمين تلك الممرات المائية الدولية كمنطقة صراعات دولية تضر بالمصالح الدولية وبالسودان؛ بتأثيرها علي المرور الأمن، وأعاقتها لحركته؛ وزيادة حدة التوتر، و من شأن هذا الواقع الجديد زيادة كلفة التأمين علي السفن التجارية، والأشخاص، والبضائع، وبالتالي تأثيره علي التجارة الدولية سلباً، وعلي إقتصاديات الدول، والسودان يتأثر حتماً بكل ذلك.
*كل تلك الأسباب مجتمعة تجعل من التعاون الدولي للحفاظ علي المرور الأمن في تلك المعابر الدولية مسؤولية جماعية، بزيادة عبء التحديات، وأفرزها لواقع جديد لمفهوم التعاون الدولي. والسودان عليه إنتهاج سياسة خارجية ودبلوماسية مبادرة تستوعب تلك التطورات، لتعزيز تعاونه مع بقية الدول المطلة علي البحر الأحمر ودول العالم، والتوافق علي وضع إستراتيجيات ورؤي للإستقراء والتنبوء السياسي والدبلوماسي والعسكري بما يعضد و يفعل شراكته، ويقوي من إسهامه الفاعل في تعزيز أليات المراقبة لمحاربة التهديدات البازغة والكامنة والمؤثرة علي حرية الملاحة في باب المندب وخليج عدن، للأثر البالغ علي التجارة الدولية.
*فإستمرار الحرب في اليمن والتدخلات الإيرانية، والتطور اللاحق في. مفهوم التدخل الإيراني من المنظور العسكري الإستراتيجي في دعم الحوثيين بأسلحة وصواريخ أكثر تطوراً ودقة في تحديد الهدف وقدرة في الوصول إلي عمق الأراضي السعودية والمواقع الإستراتيجية؛ لجرها لساحة حرب مفتوحة، بتطويرالقدرات الحوثية القتالية والهجومية بالإنتقال من الخطط الدفاعية، يجب ألا يستهان بها أو التقليل منها في الهجمات المُحتملة التي قد تشمل السودان وتؤثر علي أمن البحر الأحمر أيضاً. بل وتفرض واقعاً سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً جديداً في الصراع، بزيادة رقعته وجر أطراف إقليمية ودولية أخري. كل ذلك في تقديري، بحاجة إلي إستنباط خطط إستراتيجية للتسريع من وتيرة التعاون المنشود؛ بما في ذلك، وبشكل عملي ووفق حسابات عسكرية وسياسية؛ النظر في بقاء القوات السودانية القوة البرية، ومشاركتها مقابل خارطة تعاون دولي واضح المعالم يَصْب في الجهود الإقليمية والدعم الدولي لإخماد الحرب في اليمن. وربما النظر في توظيفها للإسهام لتصبح جزء من قوة عسكرية إقليمية للتدخل الإستراتيجي السريع بإسهام ومكون دولي؛ (وهي مهمة حري بدول الإقليم الإضطلاع بها علي نسق القيادة العسكرية المركزية لإفريقيا التي كونتها الولايات المتحدة)؛ مع مكون دبلوماسي إستراتيجي مدني، والتوافق علي صيغ قانونية لإنشائها، وتحديد مهامهما، وأهدافها، المتمثّلة في لحماية البحر الأحمر والممرات المائية الدولية كباب المندب وخليج عدن ومضيق هرمز في إطار القانون الدولي لحماية المصالح الدولية الحيوية. أن الأوان لإنتهاج السودان لمبادرة لوضع الأمن الجماعي للبحر الأحمر والممرات المائية في باب المندب وخليج عدن في صلب دبلوماسيته الجديدة.
ما يتوجب علي السودان داخلياً.
*والإندماج الفعلي للسودان؛ بشقيه التفاعل والتأثير من جهة والإفادة لجهة مصلحته الوطنية تقتضي إضطلاعه بقرارات سياسية قوية لابد أن تنطلق من سند وطني، وإرادة سياسية لا تقبل التزعزع؛ فالإندماج لن يكون إنتقائياً سواء علي مستوي العلاقات أو القضايا، والسودان بحاجة to brand itself للمجتمع الدولي؛ و ذلك في تقديري، يتوجب علي السودان المبادرة السياسية والدبلوماسية والتفاعل الإيجابي في قضايا الإقليم، ومجافاة الإنزواء السياسي؛ الذي لن يفيده إن أراد إندماجاً حقيقياً في المجتمع الدولي وإهتماماته السياسية والإقتصادية الجوهرية والملحة، والقرارات السياسية في علاقات بناءه في محيطه الإقليمي، الإفريقي والعربي، وحول العالم، كدولة محبة للسلام، ساعية له وفاعلة فيه، وقراره السياسي الذي ينطلق من إرادة حرة، لا رهن لها لأخلاف أو تكتلات عابرة لا تخدم مصالحه بأي حال من الأحوال، وذلك بإعلاء المصلحة الوطنية العليا، وبإنتهاج دبلوماسية مبادرة قوية وفاعلة تنهي عهد التقوقع والقعود والإنزواء؛ وقضية الشرق الأوسط؛ تجيء في صلب كل ذلك، فهي جزء من العزلة الدولية التي فرضت علي السودان، والمبادأة في تعاون تجاري وإقتصادي، وفي مراحل لاحقة سياسي لا مناص عنها. وعلي السودان تفعيل دوره داخل المنظمات والتجمعات الإقليمية والدولية بما يحفظ مكانته في منظومة المجتمع الدولي، بنبذ العوار السياسي الذي إنتهجه النظام البائد مسلكاً نحو العالم؛ فعليه مفارقة الأزمات والصراعات الداخلية بالحوار الجاد والفاعل والشفاف والشامل، نحو ترسيخ السلام في ربوع الوطن؛ ونشر وإحتضان ثقافته، والشروع في الإسهام الفاعل في قضايا السلم والأمن الدوليين والتكامل الإقتصادي الإقليمي كمفتاح للشراكات الفاعلة.
الإقتصاد السوداني...أحد أعمدة إعادة البناء.
*من جهة أخري، يظل الإقتصاد السوداني الذي يعاني ركوداً ماثلاً للعيان عقبة كأداة أمام تجاوز أكبر التحديات التي تواجه سلطة الإنتقال لتحقيق تطلعات الثورة؛ وهذا لن يتأتي إلا بجهود سياسية ضخمة كالتي يبذلها رئيس الوزراء وحكومته مع إلتفاف وطني، فنحن أمام مفترق طرق حقيقي، في شأن الإصلاح وإعادة البناء الذي خرجت من أجله الثورة، البرامج الإسعافية التي وضعتها قوي الحربة والتغيير وشارك فيها نخبة من المعنيين كانت الخطوة الأولي، ولابد من الإنتقال إلي خطوات نحو إستدامتها بشكل جماعي وكلي، شفاف وشامل بإنتهاج سياسات واقعية فاعلة، وتفاعل القطاع الخاص الذي يجب أن ينظر له كقوة إقتصادية وطنية فاعلة ومؤثرة، وإستصطحاب رؤاه وقراءته للواقع الإقتصادي الذي تعيشه البلاد الان؛ والإفادة من العقول والجهود الوطنية المخلصة فيه في هذا الإطار العام.
الدبلوماسية السودانية...دور مأمول في التغيير.
*النظر بشكل مدروس إلي دور الدبلوماسية السودانية القوي والفاعل والمؤثر (proactively) في رفد البلاد بتجاربهم وخبراتهم ورؤاهم وعلاقاتهم الواسعة مع الدول ومؤسسات التمويل الدولية والإقليمية يمكن توظيفها لمصلحة الوطن، ومؤازرة الجهود الحثيثة لرئيس الوزراء وطاقمه الإقتصادي، فتوسيع دائرة الإستفادة من خبرات ومهارات وقدرات وعلاقات السفراء المعاشيين وقدامي السفراء لمصلحة البلاد ويمكن عقد حلقات نقاش تحت رعاية وزيرة الخارجية للخروج بتوصيات محددة وعملية.
*إنتهاج سياسة ودبلوماسية مبادرة في القضايا الإقليمية بعيداً عن نمط الدبلوماسية الراتبة، زيارات الدول، كافة الدول، وتغيير جوهري في النظرة السالبة لوزارة الخارجية؛ والتبصر في أنها أداه فاعلة ومؤثرة في تحريك ودفع العلاقات الدولية لتحقيق المصلحة العليا للبلاد، وليس تلك النظرة المغلوطة والسائدة بأن السفارات تستنزف مدخرات الوطن؛ وتتجه الأفكار، دون دراسة أو تقدير حقيقي إلي تقليص دور وزارة الخارجية وسفارات السودان بدل دعمها وتعزيزها. وهذا الأمر يقتضي العمل الفوري نحو الإصلاح الهيكلي والمؤسسة للوزارة والدبلوماسية السودانية.
سد النهضة...حتمية التفاوض والشراكة؛
ولا خطر غير مدروس ومحسوب علي السودان من إحتمالات الفيضانات.
*سد النهضة؛ واقع سياسي ؛ ومصلحة مشتركة للدول الثلاث، يمثل السودان طرف هام في حوض النيل الشرق؛ (إثيوبيا، والسودان) وإكمال بناء السد، والتوافق والإتفاق علي ملئه وتشغيله يمثل أهمية بالغة، ومتصاعدة، في علاقات السودان مع دولة المصب؛ مصر. و لإثيوبيا، كدولة منبع؛ ويمثل سد النهضة أولوية إستراتيجية في مسألة أمن الطاقة لأثيوبيا؛ وكذلك الحال بالنسبة للسودان في قضية الأمن المائي كدولة ممر، وواحدة من دول حوض النيل الشرقي؛ ولمصر؛ كذلك ، فسد النهضة له أهمية إستراتيجية للأمن المائي كمجري دولي تحكمه إتفاقيات دولية، وبالنسبة للسودان؛ ومن الضروري النظر لموقف السودان وإستفادته من سد النهضة، ما إلتزم بالتوافق الأساس الهندسي والفني، الذي يستند إلي الخبرات السودانية الخالصة، الضخمة والمميزة و غير المسبوقة لمهندسي الري والمياه في محيطنا الإفريقي والعربي في مجالات المياه وبناء وسلامة السدود، وأن ينظر إلي قضية بناء وتشغيل سد النهضة، كقضية وطنية ذات بعد إستراتيجي للبلاد، تستوجب الإصطفاف خلفها؛ وحشد الدعم والسند الوطني لها، وأن تظل بمنأي عن الكيد والتجاذبات السياسية،
فإنه برغم ما سيوفره من إستدامة لجريان المياه علي مدار العام وتأمينه لتيار كهربائي لدعم البنية التنموية في السودان ؛ و لكن برغم كل تلك الحقائق الماثلة، فإن التفاوض علي سد النهضة في مسألة ملء السد بكمية هائلة من المياه (بما يعادل 74 مليار متر مكعب من المياه)؛ قد أفضي إلي تقاطعات، لا تخلو من مرامي إستراتيجية تفاوضية؛ بغية الكسب السياسي ضمن أولويات كل دولة؛ وسيخلق هذا الوضع إستقطاب حاد للسودان من قبل الدولتين؛ فموقف الحياد والإلتزام بمصلحة البلاد دون تفريط سيكون هو الخيار الأفضل لبلادنا؛ وبما أن نهر النيل يعتبر نهر دولي وتحكمه إتفاقيات دولية؛ فهذا الأمر حتم دخول لاعبين أخرين هامين ومؤثرين؛ بصفة المراقب، لحلبة التفاوض والحوار، علي رأسهم الولايات المتحدة والعديد من الجهات والهيئات الدولية المعنية بالدراسات والتخطيط للقضايا الملحة لحوض النيل.
و من بين الفوائد ذات القيمة الإستراتيجية لسد النهضة للسودان و التي ستصب في مصلحة السودان؛ وهي في ذات الوقت تكتسي قيمة إقتصادية عالية، ليس حصراً، أولاً، إستفادة السودان من حصته من المياه بشكل كامل منذ تطبيق إتفاقية مياه النيل بتوزع الحصص، والتي لم يستفد منها السدان بشكل قط، كما أن زيادة المياه والمحافظة علي إستدامتها بإرتفاع المنسوب بشكل يكاد بكون ثابت، للسودان علي طول المجري أدني النهر؛ من شأنه، تقليل كلفة ضخ المياه بسبب إرتفاع المنسوب في مجري النهر (downstream) مما يوفر عملة صعبة للسودان كانت تصرف في الجازولين لتشغيل الطلمبات، ومن ثم يقلل كلفة الزراعة المروية علي المنتج، ثانياً، زيادة الرقعة الزراعية وإستدامة الزراعية بمساحات أضعاف ما كان يزرع في الجروف، و إستدامتها طيلة العام بدلاً عن الزراعة الموسمية، (عروتين، شتوية وصينية)؛ ثالثاً، زيادة توليد وأنتاج الكهرباء في جميع السدود السودانية، رابعاً، تقليل أو إنتفاء خطر الفيضانات (كما توضح الدراسات الهندسية) بشكل أكبر علي السودان و علي الخزانات القائمة علي النيل الأزرق (الروصيرص و سنار) ونهر النيل (سد مروي). *(2) كل تلك الفوائد ستعزز مسارات التنمية وتدعم الإقتصاد السوداني، وذلك علاوة علي إستفادة السودان من تزويد إثيوبيا له بالكهرباء المولدة من سد النهضة.
التفاوض الثلاثي...لا مناص عن التوافق.
*التفاوض، لا مناص منه؛ والإستناد إلي إتفاق المبادئ أمر جوهري وأساسي؛ و تبقي الإشارة إلي أن السودان طرف أصيل في المفاوضات الثلاثية تحت الرعاية الأمريكية، وهذا من شأنه تمكينه من تحقيق مصالحه الحيوية وتجنب بواعث الخوف المتمثّلة في المرور اليومي الضخم للمياه عبر خزاناته (الروصيرص وسنار)؛ "وتجنب حدوث فيضانات هائلة و مخاوف تدمير جميع خزانات السودان المقامة علي النيل الأزرق سيتم تجنبها؛ من الناحية الفنية؛ أولاً بالسعة التخزينية الهائلة لبحيرة السد، التي ستمثل حاجزاً لإمتصاص أي مياه وتمنع حدوث فيضان؛ والسعة التمريرية الضخمة للمياه بشكل يومي بفعل السعة أبواب السد"؛ *(3) وذلك بدراسة الأثار الجانبية لما قد يحدث؛ بجانب التبادل اللصيق و اليومي وعلي مدار الساعة للمعلومات ذلت الصِّلة بالتخزين ومرور المياه.
*فالسودان برغم أنه يمثل الضلع الثالث في التفاوض، فهو معني بدراسة الجوانب الإجتماعية، والإقتصادية والبيئية علي البلاد؛ وللسودان قدرة وتتوفر لدية خبرات مميزة في إعداد مثل تلك الدراسات وثيقة الصِّلة بكل تلك الجوانب؛ وتبقي ميزته التفضيلية منطلقة من وضعه كوسيط بذات القدر بين الأطراف الأخري (إثيوبيا ومصر). ولن يكون من مصلحة السودان تغليب وجهة النظر الإثيوبية، من جهة، أو التماهي مع رغبات الجانب المصري؛ من جهة ثانية؛ وذلك هو مصدر قوته في المفاوضات. والسودان قد حظي؛ بوزير ري من حضن الثورة، تربي ونشأ وخبر الوزارة، ولا تخفي عليه خافية في مناحي التوليد الكهربائي والسدود والأثار الناتجة عن إنشاءها. الجدير بالذكر، أن ما ورد في هذه الجزئية لا يمثل دراسة علمية بشأن سد النهضة، ولكنه مجرد رؤوس أقلام عامة (لا يستند إلي تخصص أو دراية علمية وفنية) في تناول أمر التفاوض، وهناك مختصين في هذا الجانب؛ يمكنهم الإدعاء بدلوهم بعمق.
*و لكن تبقي الإشارة إلي أنه تتوفر للسودان، خبرة طويلة، وأفضلية علي الدولتين في قضايا المياه والخزانات والسدود، علاوة علي ما يتوفر له من وضع إستراتيجي، يمكنه من لعب أوراقه بشكل محترف؛ ففي كل الحالات؛ وفي المحصلة الأخيرة، فإن إكمال بناء وتشغيل سد النهضة سيجلب للسودان، دون شك، فوائد أكثر مما يجلب من مناقص؛ فإستدامه جريان المياه في النيل الأزرق؛ سيحول الزراعة الموسمية التقليدية إلي زراعة حديثة؛ وإن كان ذلك سيفرز إنحساراً في الزراعة التقليدية في الجروف، ولكنه؛ من جهة أخري، سيزيد المساحات المروية بالري الحديث، الطلمبات؛ وسيحدث نقلة في الزراعة؛ مع إستدامة في توليد الكهرباء علي مدار العام؛ وتهذيب جريان النيل الازرق ونهر النيل في حوض السودان كدولة ممر.

*(2)
المصدر:
دكتورة مها خضر محمد سعيد
استاذة علم الاقتصاد السياسى فى المانيا
مرجعية المعلومات في
(2) *Michael J. Strauss,
The Viability of Territorial Leases in Resolving International Sovereignty Disputes. Diplomacy and Strategy, L'Harttman.
بروفسور ياسر عباس، وزير الري والموارد المائية.*(3
بروفسور سيف الدين حمد، وزير الري الأسبق، الخبير ؛ المدير *
التنفيذي لمبادرة حوض النيل، نائب رئيس شبكة الأحواض المائية الأفريقية، عنتيبي، أوغندة.
*معلومات مستقاة من مصدر في مجال هندسة السدود، ودراسات مخاطر السدود.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.