اولاد المخلوع عمر البشير يوصلون السودان لحافة الهاوية .. بقلم: محمد القاضي    شيء من الهزل: دونالد ترامب .. بقلم: بابكر عباس الأمين    هلال الساحل يخطف صدارة الدوري السوداني    الاستئنافات: ترفض استئناف الهلال بشأن رمضان وبخيت وود الرشيد    الخبز والثورة: دراسة فى الخبز كمحرك ورمز للثورات الشعبية عبر التاريخ .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعة الخرطوم    فضائيات طبقية ،، بأطباق طائرة! .. بقلم: حسن الجزولي    المحكمة تدعو الشاكي في قضية علي عثمان للمثول أمامها الأحد القادم    اعتصام في الجنينة يطالب بإقالة الوالي    الامين داؤود: خالد شاويش دخل إلى جوبا مستثمراً وبعدها حدث ماحدث    الشد والجذب بين الحاضنة ووزارة المالية بخصوص موازنة 2021 جانبه الصواب (2) .. بقلم: سيد الحسن عبدالله    في "بروست" الرواية السودانية: إبراهيم إسحق .. رحيل شامة أدبية في وجه البلد الذي يحب مبدعيه بطريقة سيئة .. بقلم: غسان علي عثمان    رحل إبراهيم إسحق .. وبقيت "ودعة" و "أخبار البنت ميا كايا" !! .. بقلم: فضيلي جمّاع    تحدثت وزيرة المالية بلغة الحروف وكنا نود أن تخاطبنا بلغة الأرقام فالمقام مقام ميزانية وليس للعاطفة ودغدقة المشاعر    الرأسمالية والتقدم على الطريق المسدود .. بقلم: د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم    أكاديميون أم دراويش؟ مأساة العلم والعقل النقدي في المناهج السودانية .. بقلم: مجاهد بشير    الهلال يعتلي الصدارة.. والأهلي يكسب ديربي الخرطوم    شركات الجيش ترغب بتوسيع استثماراتها في المجال المدني    يحتشدون لمشاهدته في الخارج ويمنع في داخل بلاده .. بقلم: حسن الجزولي    سلافوي جيجك .. كوفيد 19 الذي هز العالم .. بقلم: د. أحمد الخميسي    إحالة 20 دعوى جنائية ضد الدولة للمحكمة    الرئيس الأمريكي بايدن يلغي قرار ترامب بمنع مواطني السودان الفائزين ب(القرين كارد) من دخول أمريكا    شرطة السكة حديد توضح ملابسات حادثة تصادم قطار وشاحنة قلاب عند مدخل الخرطوم    الولايات المتحدة السودانية .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





علاقة المسلم مع غير المسلم في المنظور الإسلامي: بين المبادئ الإسلامية والممارسة العملية (2/3) .. بقلم: أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي
نشر في سودانيل يوم 21 - 09 - 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

علاقة المسلمين بالآخر عبر التاريخ
المبحث الأول: علاقة المسلمين بالآخر منذ العهد النبوي إلى الحروب الصليبية.
وفقاً لما وضعه القرآن من أسس، وما بينه الهدي النبوي من ضوابط، قامت العلاقة بين المسلمين ومن خالفوهم المعتقد. وقد بنيت تلك العلاقة على أساس من التسامح والأمن والإخاء. وسنعرض فيما يلي جانباً من تلك المعاملات خلال التاريخ الإسلامي بدءا من العهد النبوي حتى الحروب الصليبية التي شهدت صراعاً مباشراً بين المسلمين وغير المسلمين امتد لأكثر من قرنين من الزمان.
العهد النبوي: لقد عامل الرسول  ، أهل الكتاب بغاية التسامح والعدل مستهدياً بما جاء في القرآن من آيات تحث على حسن معاملتهم ,وتؤكد على الإحسان إليهم واتباع الحق والعدل معهم.ومع ظهور الإسلام أخذ اليهود يتتبعون أخبار الدعوة الجديدة، ووقفوا منها في البداية، موقف المستطلع والمترقب الحذر، قبل أن يميلوا معها أو عليها. وقد حاول مشركو مكة الاستعانة باليهود في مواجهة الدعوة، وإثارة بعض الأسئلة المحرجة أمامها.وبعد أن تمت بيعة العقبة الأولى أخذ اليهود يحسون بخطر الإسلام، وكان عندهم أمل في أن يلتقوا برسول الله  ويؤثروا عليه،فيدخل دينهم أو يلتقي معهم على طريق.وبعد الهجرة إلى المدينة التقى المسلمون اليهود. ولكنهم لم يصطدموا بهم، بل تجنبوا الاحتكاك بهم، وعقدوا معهم معاهدة صداقة تفسح المجال للتعايش بين الفريقين.وإشاعة التسامح بينهم. و كتب رسول اللهكتاباً بين المهاجرين والأنصار واليهود، وادع فيه اليهود، وعاهدهم، وأقرَّهم على دينهم وأموالهم ،وشرط لهم واشترط عليهم. ، وقرر في ذلك الكتاب الذي عرف بصحيفة المدينة، حرية العقيدة وحرية الرأي ،وأن من يتبع المسلمين من اليهود فإنَّ لهم النصرة والأسوة،غير مظلومين و لا متناصرين عليهم،وأنَّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين،وأنَّ يهود بني عوف أمة مع المؤمنين،لليهود دينهم وللمسلمين دينهم،ومواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه فإنَّه لا يوتغ [يهلك] إلا نفسه وأهل بيته،وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأنَّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة،وأنَّ بينهم النصح والنصيحة ،والبر دون الإثم".( انظر: السيرة النبوية، ) ابن هشام (،ج 2 ص:167-172.)
لكن اليهود لم يساعدوا على استمرار هذا المستوى من العلاقة بينهم وبين المسلمين، فأظهروا العداوة للإسلام والمسلمين، ولعل بداية ذلك العداء حدثت عندما وجه الرسول  الدعوة إليهم للدخول في الإسلام،وعاملهم الرسول  باعتبار أنهم أهل كتاب على دراية بالرسالات الإلهية،ومن ثم ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاستجابة لدعوته. ولكن حسد اليهود وعزتهم بالإثم حملهم على معارضة الدين الجديد، وإظهار العداوة له،وبلغ بهم الأمر حداً تآمروا فيه مع المشركين لمحاربة الرسول ومن معه،فأخذوا يخاصمونه ويناقشونه ويجادلونه.فلامهم القرآن على موقفهم هذا : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) البقرة:101 ،بل شدد عليهم النكير ودعا عليهم باللعنة.(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ)، البقرة:89.كذلك حاول اليهود إثارة الأحقاد الكامنة في نفوس أهل يثرب قبل الإسلام،وإذكاء نار الفتنة بينهم،فقد أورد ابن هشام رواية مفادها أنَّ شاس بن قيس اليهودي،وكان شديد الحقد على المسلمين،مرَّ على جماعة من الأوس والخزرج،فغاظه ما رأى من أُلفتهم بعد ما كان بينهم من العداوة ،فأوعز إلى أحد فتيان اليهود أن يجلس معهم وينشدهم الأشعار مذكراً إياهم بيوم بعاث، ففعل، فتنازع وتنافر الأوس والخزرج حتى غضب الفريقان،وكادت الفتنة أن تؤدي الى إقتتالهم لولا أنَّ الرسول ، جاءهم ومعه بعض المهاجرين والأنصار، وذكرهم بدعوى الجاهلية وفسادها، وكيف أنَّ الله هداهم بالإسلام واستنقذهم من الكفر ،فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً،ثم انصرفوا سامعين مطيعين" (السيرة النبوية ( ابن هشام) ،:ج 2 ص:233-235.)
وانتقل اليهود خطوة أخرى أشد عداءً في علاقتهم بالدعوة الإسلامية، فأخذوا يتحالفون مع المشركين من أجل القضاء عليها، وتشتيت شمل أتباعها. فما كان من الرسول ، إلا أن عاملهم بالمثل وأجلاهم من المدينة.
وهكذا يتبين أن اليهود هم الذين بادروا الدعوة الإسلامية بالعداء، وحاولوا إثارة بعض القضايا الجدلية في وجه الدعوة الوليدة، طاعنين في رسولها، مشككين في صدق الدعوة ومصداقية من يحملها. ولم يقابل الرسول كيد اليهود بكيد مثله، ولم يجارهم في أساليب مكرهم وعداوتهم، بل سعى إلى إجراء حوار هادف معهم، وضع طريقه وبين قواعده. ولم يستخدم معهم العنف والحرب إلا بعد أن خانوا العهود، وخرجوا على المواثيق.
أما النصارى فقد احتلوا كما احتلت ديانتهم مكانة خاصة لدى المسلمين، وقد بدأت هذه العلاقة المميزة مع بداية الدعوة الإسلامية، وكانت تلك العلاقة، تقوم على المودة وتأكيد التقارب بين الديانتين، وتنطلق من التاكيد على وحدة المصدر الذي ينطلق منه الدينان، والأصول التي يعودان إليها. ومما يدل على ذلك كله ما يلي:
-اختار المسلمون الحبشة حيث تسود النصرانية آنذاك، مكانا لهجرتهم الأولى. فحينما ضاق بالمسلمين الحال في مكة، وشدد المشركون عليهم الخناق، لجأوا الى الحبشة مستجيرين بالنصارى من أذى المشركين، وقال لهم الرسول:"لو خرجتم الى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.".
- لقد حزن المسلمون لهزيمة الروم أمام الفرس ؛ لأنَّ الروم مع كفرهم أخف كفرا من المجوس ،لأن الروم كانوا نصارى والفرس كانوا مشركين، ولم يعتب الله تعالى على المؤمنين هذا الحزن ، بل صححه لهم ، وكافأهم على هذا الميزان العادل في الموقف من مخالفيهم في الدين بأن بشرهم بانتصار قريب للروم على الفرس ، وسمى ذلك الانتصار الموعود ب(نصر الله) ، فقال تعالى (ويومئذ يفرح المؤمنون - بنصر الله).
- أشار القرآن إلى ما يتميز به النصارى من سمات خلقية جعلتهم أقرب أهل الكتاب مودة الى المسلمين، فيقول الله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) المائدة:82.
-كما نجد في القرآن الكريم ثلاث سور تنبىء عن قرب النصارى من المسلمين.وهي: سورة آل عمران، وسورة المائدة، التي تضمنت بعض المعجزات التي أنزلها الله على المسيح عليه السلام، وسورة مريم، (وهي سورة خاصة بالسيدة مريم العذراء البتول).
انعكست هذه العلاقة الحميمة بين أتباع الديانتين على ظاهرة الوجود المسيحي في البلاد الإسلامية، حيث نجد أنَّ عدداً كبيراً من النصارى عاشوا خلال التاريخ-ولا زالوا-يعيشون بين المسلمين، ويرتبطون معهم، يضمهم وطن واحد ويحملون ثقافة مشتركة أسهم كل من الفريقين بقدر كبير في تكوينها.وفوق هذا فإنَّ أعداداً كبيرة من المسلمين هاجرت إلى بلاد غالبيتها نصارى خاصة البلاد الغربية.
ورغم هذه المكانة المتميزة فقد عرض القرآن الكريم للمسيحية ومعتقدات النصارى بالتفصيل، وبين أنَّ هناك نصرانية حقة أنزلها الله تعالى على نبيه عيسى عليه السلام، واتبعها بعض من صدق من النصارى والحواريين، كما أشار القرآن الى ما تعرضت له النصرانية من تحريف وتشويه في السلوك والمعتقدات.
وهكذا فإنًّ القرآن الكريم قد أكد الصلة القريبة بين الإسلام وبين الديانات الكتابية السابقة له، وبين أن النصارى أكثر أهل الكتاب قرباً من المسلمين. وفي نفس الوقت بين القرآن الفروق بين الديانتين والتي كانت نتيجة لبعد النصارى عن النصرانية الحقة، وتحريفهم لماجاء به عيسى عليه السلام من عقائد وتعاليم من عند الله. وبهذا وضع القرآن الكريم الأسس لعلاقة متينة بين الإسلام والنصرانية، تأكيداً للحقائق المشتركة بين الديانتين أولاً، وبياناً لنقاط الإختلاف ثانياً، ودعوة للتلاقي على كلمة سواء ثالثاً.
وقد جاءت وصايا الرسول ، بأهل الذمة والمحافظة على عهدهم،وعدم تكليفهم فوق طاقتهم، وعدم ظلمهم ،فقال:" ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة". وكان الرسول  يحضر ولائم أهل الكتاب ويعود مرضاهم ويشيع جنازاتهم،ويزورهم ويكرمهم ويقترض منهم.وروى نافع عن ابن عمر قال: كان آخر ما تكلم به النبي أن قال: أحفظوني في ذمتي".
عهد الخلفاء الراشدين: قد سار الخلفاء الراشدون على هدي القرآن وسيرة الرسول في معاملة أهل الذمة ما داموا يلتزمون بعهود المسلمين، كما أشارت إلى ذلك وصايا أبي بكر لقواد الجيوش بالإحسان الى أهل الذمة، والعدل في معاملتهم. وقد امتثل القادة لتوجيهات الخليفة أبي بكر وحملوا هذه المبادئ السامية إلى البلاد المفتوحة، مما كان له أثر كبير في استبشار أهل الذمة خيراً بالفتح الإسلامي، وعيشهم جنباً إلى جنب مع المسلمين في أمان واطمئنان.
وسار عمر على نفس هذه السياسة، وجاء في نص العهد الذي قطعه لأهل القدس:" هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان. أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم ومقيمها وبريها وسائر أمتها،أنَّها لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم ،ولا ينتقص منها ولا من حدها، ولا من صليبهم، ولا شيءٍ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم ،ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيليا أن يعطو الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعلى أن يخرجوا منها الروم واللصوصَ، فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو أمن، وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية،ومن أحب من إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم ،فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وصليبهم حتى يبلغوا مأمنهم.......وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله ،وذمة رسوله ،وذمة الخلفاء ،وذمة المؤمنين ،إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية...) (الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل ( مجير الدين الحنبلي العليمي ) ص:377.)
وقد ورد أنَّ عمر بن الخطاب ،مرّ بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلي ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ (أي أعطاه قليلاً) له بشيء من المنزل ، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه، أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ،" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ " والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه ".( كتاب الخراج ( أبو يوسف )، ص126.). وأوصى عمر  الخليفة من بعده بأهل الذمة أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا فوق طاقتهم." ومما كتبه عثمان إلى عماله عقب توليه الخلافة." خذوا الحق وأعطوا الحق به، والأمانة الأمانة قوموا عليها، ولا تكونوا أول من يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد فإنَّ الله خصم لمن ظلمهم."
وفي خلافة علي بسط الخليفة العدل والتسامح لأهل الذمة، وقد تجلى هذا في وصاياه لعماله وقواده وعمال الخراج في دولته، ومن ذلك وصيته لأحد عماله على الخراج:" انظر إذا قدمت عليهم (أهل الذمة)، فلا تبيعن لهم كسوة شتاءً، و لا صيفاً، و لا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، و لا تبع لأحد منهم عرضاً في شيءٍ من الخراج، فإنَّا إنَّما أمرنا أن نأخذ منهم العفو".) كتاب الخراج ( أبو يوسف )،ص:25.(
وقد كانت هذه السياسة تقوم على أساس التعايش السلمي والتعاون بين جماعات المؤمنين والمعاهدين، الذين ارتبطوا بالدولة الإسلامية بعهود ومواثيق. وترتب على تلك السياسة تثبيت الحقوق والواجبات كالتسامح الديني وإقرار حرية العقيدة، وحرمة بيوت العبادة وحماية رجال الدين، وتنظيم أمر الدفاع عن البلاد مقابل الجزية على من بقي على دينه والخراج على من بقيت في حوزته ملكية الأرض.كما كان لهذه السياسة أثر كبير في حمل كثير من أهل الذمة في عهد الخلفاء الراشدين على الدخول في الإسلام، لما لمسوا فيه من السماحة والعدل وحفظ الحقوق والحرية، وكان أسرع الناس لقبول الإسلام الطبقة العامة من الفلاحين وأصحاب الحرف والصناع الذين اعتنقوه بحماسة".) انظر: الدعوة إلى الإسلام ،بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية (سير توماس آرنولد ). ص:2.(
العهد الأموي: أما في العهد الأموي فقد اتبع خلفاء الدولة الأموية –الى حد ما-سياسة الخلفاء الراشدين مع أهل الذمة فقربوهم إليهم وعهدوا إليهم ببعض الوظائف المهمة في الدولة. فقد كانت ميسون زوجة معاوية نصرانية، كما كان شاعره نصرانياً، وكذلك كان طبيبه وأمير المال في دولته. ) تاريخ العرب (فيليب حتي وآخرون) ، 1/ 301 302(
..كما أسند معاوية بن أبي سفيان الادارة المالية في الدولة لأسرة مسيحية توارث أبناؤها الوظائف لمدة قرن من الزمان بعد الفتح الإسلامي،ومن أفرادها القديس والمؤرخ يوحنا الدمشقي المعاصر لمعاوية ولولده يزيد .كما أسند معاوية الى طبيبه ابن أثال جباية خراج حمص،وهي وظيفة مالية لم يسبق لنصراني قبله أن وصل إليها،في تاريخ الإسلام. تاريخ العرب (فيليب حتي وآخرون) ، ص: 256 (.ويصف المستشرق ديورانت حالة أهل الذمة في العصر الأموي فيقول:" لقد كان أهل الذمة: المسيحيون والزرادشتيون، واليهود والصابئون، يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراَ في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم، ومعابدهم " ( قصة الحضارة (ول ديورانت). ج 12 ص:130.)
العصر العباسي: أما في العصر العباسي فقد سار خلفاء بني العباس على سياسة الراشدين والأمويين في معاملتهم لأهل الذمة، واعتمدوا عليهم وعلى الموالي في تنظيم أمور الدولة، وادارتها وترتيب دواوينها لما كانت لهم من خبرة في الكتابة والخراج والدواوين، وفي بعض فنون العلم، وأغدقوا عليهم الأموال والهبات، فعاشوا برفاه وتقاطروا على بغداد، يخدمون الدولة العباسية بأقلامهم وعقولهم بعد أن لمسوا من العباسيين تسامحاً دينياً، وحرية في العقيدة، فولوهم أمر الدواوين والخزائن، وقد تولى بعضهم المناصب المالية في الدولة..كما لعب المسيحيون دوراً كبيراً في التعريف بالتراث اليوناني عن طريق الترجمة وتعاطي الفلسفة والعلوم، وأسهموا اسهاماً فاعلاً في الحياة الفكرية، كما كان لهم نفوذ واسع في بلاط الخلفاء العباسيين منذ أيام المنصور، إذ احتل الأطباء مكانة مرموقة، ومواقع مؤثرة، من حيث اقترابهم من السلطة.
الأندلس: قد كانت الأندلس مثالاً بارزاً ونموذجاً واضحاً للتسامح خلال تاريخها الإسلامي، فمنذ أن فتح المسلمون الأندلس التزموا للمعاهدين بتمتعهم بحرياتهم والإبقاء على أموالهم وممتلكاتهم، وعدم المس بكنائسهم، وعدم اكراههم على دينهم. وقد بلغ التسامح ذروته في عهد الخليفة عبد الرحمن بن عبد الناصر، (300-350ه)، الذي تعايش في بلاطه كبار الأطباء والعلماء من النصارى واليهود والمسلمين: الطبيب المسلم أبي الوليد حسن بن حسين المعروف بابن الكتاني، والطبيب اليهودي الشهير حسداي بن شيروط الذي كان وزيراً وسفيراً للخليفة، والنصراني ربيع بن زيد الذي نصبه الخليفة عبد الرحمن أسقفاً مكافأة له على النجاح الذي حالفه في المهمات الرسمية التي كلف بها كسفارته إلى ألمانيا وسفارته إلى بيزنطة. (انظر: ندوة في أكاديمية المملكة المغربية "حول التسامح الديني ،ابن ميمون والموحدين" (محمد بن شريفة )،ص:19)
الدولة الفاطمية: وفي عهد الدولة الفاطمية(360-503ه/968-1110م)، أظهر الخلفاء الفاطميون درجة عالية من التسامح لأهل الذمة، فقد كان في بلاطهم أطباء من اليهود، عظم نفوذهم لدرجة صار لا يعمل شيء في بلاط المعز لدين الله الفاطمي_ (341-365ه/952-975م) -إلا بمعرفة اليهود، واشتهر يعقوب بن كلس ،الذي كان يهودياً فأسلم وصار يتحيز لمن كانوا اخوانه في الدين من قبل. وقد بلغ اليهود، في ظل الفاطميين، مكانة حسدهم بعض المسلمين عليها، وعبر عن ذلك الشاعر المصري الساخر الحسن بن خاقان فقال:
يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا
العز فيهم والمال عندهمو ومنهم المستشار والملك
يا أهل مصر إني نصحت لكم تهودوا فقد تهود الفلك.
ولم تكن مكانة النصارى بأقل من مكانة اليهود، إذ بلغوا مكانة عالية في عهد العزيز بالله (365-386ه/975-996م)، الذي كان له أصهار مسيحيون، فتمكنوا في أجهزة الدولة، ونالوا مكانة عالية، ودرجة رفيعة، عبر عنها الشاعر الحسن بن بشر معَّرِضاً:
تنصر فالتنصر دين حق عليه زماننا هذا يدل
وقل بثلاثة عزُّو وجلُّوا وعطل ما سواهم فهو عطل
فيعقوب الوزير أبٌ وهذا العزيز ابنٌ وروح القدس فضل.
الدولة العثمانية: في عهد الدولة العثمانية أقيم نظام "الملًّة" الذي تم بموجبه منح غير المسلمين حق الاستقلال بانتخاب رؤسائهم الدينيين، وحق ممارسة شؤونهم الخاصة في التعليم والقضاء (الجنائي والمدني) ، وجباية الضرائب وادارتها، تحت إشراف هؤلاء الرؤساء. وكانت كل مجموعة من غير المسلمين تمثل طائفة مستقلة يتحدد وضعها ووضع المنتسبين إليها وفقاً لانتمائهم الديني.وأرسى هذا النظام العثماني حق كل طائفة دينية في تنظيم شؤونها الداخلية عن طريق رؤسائها الذين كانوا يفصلون في المنازعات الداخلية بين أعضائها، وفي قضايا الأحوال الشخصية مثل: الميراث والزواج والوصايا والتركات ، وبموجب هذا النظام شاركت الأقليات من غير المسلمين في مزاولة جميع المهن والأنشطة التجارية والزراعية والحِرْفية دون أي تمييز أو تضييق،وفي تولي الوظائف في الجهاز الإداري للدولة، كما شارك غير المسلمين في الجيش العثماني بكتائب مستقلة في الفتوحات العثمانية وفي الدفاع عن الدولة.
وهكذا نرى أنَّ أهل الكتاب من اليهود والنصارى تمتعوا في ظل الحكم الإسلامي بكافة حقوقهم المدنية والدينية، تمشياً مع سياسة التسامح التي كفلها لهم الإسلام، وأصبحوا بذلك عناصر فعالة في المجتمع، تتمتع بحماية الشريعة الإسلامية. واستمرت هذه المعاملة الطيبة على الدوام ولم تتغير وتتعرض حقوق أهل الكتاب للنقصان أو للتعدي إلا حينما نكثوا عهودهم، وتآمروا على الدول التي كانت تحميهم. يقول آدم متز: "ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أيَّ بابٍ من أبواب الأعمال، وكان قدمهم راسخاً في الصنائع التي تدر الأرباح الوافرة فكانوا صيارفة وتجاراً، وأصحاب ضياع وأطباء، بل إن أهل الذمة نظموا أنفسهم بحيث كان معظم الصيارفة والجهابذة في الشام مثلاً يهودا، على حين كان أكثر الأطباء والكتبة نصارى.... ولم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة، بل كان يبلغ من بعض الخلفاء أن يحضر مواكبهم وأعيادهم ويأمر بصيانتهم. (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري أو عصر النهضة في الإسلام،( آدم متز )، ج1، ص:86-88).ويقول ايضا:"ولم يكن يوجد في المدن الإسلامية أحياء مختصة باليهود والنصارى بحيث لا يتعدونها، وإن آثر أهل كل دين أن يعيشوا متقاربين، وكانت الأديرة المسيحية منتشرة في كل أجزاء بغداد حتى كادت لا تخلو منها ناحية". (المرجع نفسه ، ج1، ص:93.) هذا في الوقت الذي كان فيه اليهود -في أوروبا -مبعثرين خارج دائرة الحقوق العامة في كل مكان، محبوسين في أقسام معزولة من المدينة، ومحكوماً عليهم بوضع علامات مهينة على ملابسهم تميزهم من غيرهم. وكانوا لأقل هفوة يحكم عليهم بالغرامات الباهظة أو بالطرد العام.
أما في أسبانيا حيث عاش اليهود تحت حكم المسلمين زماناً طويلاً في هدوء كامل، فإنَّه بمجرد أن امتلك بلاد الأندلس فردينايد الكاثوليكي طاردهم، كما تطارد الكواسر. وجاءت محكمة التفتيش فأمرت بطردهم فطردوا.
وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: "العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها؛ سمح لهم جميعاً دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟!! "( شمس العرب تسطع على الغرب،أثر الحضارة العربية في أوروبا (زيغرد هونكا) ، ص: 364.)
وقد كان من نتائج هذه السياسة التي تتسم بالتسامح أن آثر أهل الذمة العيش في ظل الحكم الإسلامي على العيش في ظل إخوانهم المسيحيين، كما كان لذلك أثر ايجابي فعال حيث أقبل أهل الذمة نتيجة حبهم للعرب المسلمين على تعلم العربية وتقاليد العرب المسلمين، كما أقبل الكثير منهم على الدخول في الإسلام. "كما كان تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى-وهو التسامح الذي لم يسمح بمثله في العصور الوسطى-سبباً في أنًّ لحق بمباحث علم الكلام شيء لم يكن قط من مظاهر العصور الوسطى، وهو علم مقارنة الملل".( الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، (آدم متز ) ،ج1 ص:384.)
لقد أسهم غير المسلمين في صنع الحضارة الإسلامية وإغنائها، دونما أي عقد أو حساسيات من هذا الجانب أو ذاك، كما فُتح الطريق أمام أهل الكتاب للوصول إلى أعلى المناصب، بدءاً من الكتابة في الدواوين وانتهاء بمركز الوزارة الخطير نفسه، وأُتيح لأبناء الأديان والمذاهب الأخرى أن يتحركوا في ساحات النشاط الاقتصادي والمالي بحرية تكاد تكون مطلقة، فنمّوا ثرواتهم وارتفعوا بمستوياتهم الاجتماعية بما يوازي قدراتهم على العمل والنشاط، وملأوا بهذا وذاك مساحة واسعة في ميدان النشاط الاقتصادي والمالي جنباً إلى جنب مع مواطنيهم المسلمين، بل إن بعض الأنشطة المالية والاقتصادية كادت أن تصبح من اختصاص أهل الكتاب، تماماً كما كانت الترجمة في المجال الثقافي من نصيبهم، وكما كانت بعض الوظائف الإدارية والكتابية في المجال الإداري من نصيبهم كذلك.
المبحث الثاني: شبهات حول معاملة المسلمين لغيرهم
رغم روح التسامح التي سادت علاقة المسلمين بغيرهم، وتطبيق ما أمر به الإسلام من إحسان في المعاملة، وعدل في الحكم، فقد ظهرت في بعض الأحيان تصرفات من بعض الحكام، تشير إلى نوع من الظلم والإضطهاد وسوء المعاملة لغير المسلمين، وكذلك وقعت بعض التصرفات من العامة تنم على تعصب ضد أهل الكتاب، وحيف في التعامل معهم. كما صدرت بعض الأحكام من الفقهاء ضد أهل الكتاب. وحقيقة فإنَّ ما بدر من أولئك الحكام أو العامة أو الفقهاء-أيَّاً كانت-لا تمثل وجهة نظر الإسلام ولا تعبر عن روح التسامح التي حث عليها، وإحسان المعاملة التي أمر بها، بل إنَّها تخالف الروح العامة التي سادت بين المسلمين-حكاماً وعلماء وعامة، وبين غير المسلمين أو الذميين لفترات طويلة من الزمان.
وإذا نظرنا الى تلك التصرفات الشاذة، نجد أنَّ ما بدر من تصرفات من بعض الحكام هي في جملتها ناتجة عن أخطاء ارتكبها أولئك الحكام تجاه غير المسلمين، ومع المسلمين معاً، وقد يكون دافعها هوى الحكم وشهوة التسلط والظلم، أو ريما كانت ناتجة عن خطأ اجتهادي، ومن ثم فإنَّها لا تعبر عن قيم الإسلام ومبادئه، وأمره بالعدل والقسط بين الناس أيَّا كانوا، وفي كثير من الأحيان نجد من العلماء من يتصدى لأولئك الحكام محاولاً نصحهم وردهم عن غيهم، وبيان الحق لهم.
ولعل من أشهر تلك التجاوزات، ما ارتكبه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (386-411ه/996-1021م)، من أخطاء تجاه أهل الكتاب واساءته إليهم، ومعاملتهم معاملة قاسية: إذ هدم كنائسهم وأذلهم. ولقد كانت مثل هذه التصرفات تصرفات فردية شاذة، تنم عن شخصية الحاكم المضطربة، وأهوائه وما امتلأ به حكمه من تناقضات، وأحكام جائرة وبطش وجور لم يسلم منه حتى المسلمون، ومن ثم لا يمكن اعتبار تصرفات الحاكم وتصرفات أمثاله حجة على الإسلام والمسلمين.
أما تصرفات العامة فقد أورد المؤرخون حدوث بعض التجاوزات من قبل بعض العامة في حق المسيحيين، وبعد التحقيق فيها نجد أنَّ تلك التصرفات كانت رد فعل لتصرفات خاطئة ارتكبها المسيحيون أنفسهم في حق المسلمين، تمثلت في تعاطفهم مع أعدائهم، أو التعدي على حرماتهم وممالأة خصومهم، ووضع أيديهم بأيدي الغزاة الذين قدموا لإبادة المسلمين، وتآمرهم سراً وجهراً لتدمير عقيدة المسلمين وإزالة ملكهم من الأرض. ويمكن الإشارة الى المواقف العدائية العديدة التي اتخذها نصارى الشام والجزيرة والموصل والعراق عامة، خلال محنة الغزو المغولي؛ إذ رحبت جماعات منهم بالغزاة، وتآمرت معهم ضد مواطنيهم المسلمين، فاحتضنهم الغزاة واستخدموهم في فرض هيمنتهم، واتخذوهم مخالب لتمزيق أجساد المسلمين الذين عاشوا معهم بحرية وإخاء عبر القرون الطوال، ويمكن أن تذكر كذلك التجارب المرة نفسها التي مارستها جماعات من اليهود والنصارى في العصر العثماني، وردود الأفعال العثمانية إزاءها. الخ. انظر:نسيج الفعل التاريخي بين المسلم وغير المسلم: شهادة التاريخ ( عماد الدين خليل)، وحتى في مثل هذه الحالات ولتلك الأسباب، كان حكام المسلمين يعوضون الذميين عما وقع عليهم من ضرر، كما يشهد بذلك صاحب"تاريخ الحروب الصليبية" حيث قال:" وحينما ساءت أمور العرب في حروبهم مع بيزنطة في القرن العاشر... وتعرض المسيحيون لهجوم العرب، الذين غضبوا لما أظهره المسيحيون من العطف على عدو المسلمين (أي بيزنطة)، حرص الخليفة دائما أن يبذل تعويضاً عن الخسائر والأضرار التي وقعت". (ستيفن رنسيمان (تاريخ الحروب الصليبية): 1/47.)
أما الفقهاء فقد كانوا دوماً يدافعون عن أهل الكتاب وينتصرون لهم.ويمكن الإشارة الى دفاع ابن تيمية عن الأسرى الذميين في عهد التتار ،اذ يذكر أنه لما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عدداً، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وطلبوا فك أسر الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام: "لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيراً، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا" ، فأطلقهم الأمير التتري جميعاً. وينقل الإمام القرافي عن الإمام ابن حزم إجماعاً للمسلمين لا تجد له نظيراً عند أمة من الأمم، فيقول في كتابه مراتب الاجماع: "إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله ، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة".
وهكذا ظلت مواقف العلماء تجاه أهل الذمة والدفاع عنهم ثايتة. ولم تتغير مواقف بعضهم إلا حينما غدر أهل الكتاب وخانوا المسلمين. ولعل خير مثال لذلك ما حدث في الأندلس الذي كان يضرب به المثل في حسن معاملة المسلمين لأهل الكتاب من يهود ونصارى حيث كانوا يعيشون في حرية تامة وأمن شامل، ولهم أملاكهم الخاصة وكنائسهم ومؤسساتهم المستقلة ،كما رأينا.ولكن حينما ساءت أحوال المسلمين وضعفت شوكتهم ، نقض المعاهدون العهد وتآمروا عليهم ،وظهر نقضهم للعهد عندما كاتب نصارى كورة غرناطة ،و اتصل اليهود ايضاً، بالفونسو الأول ملك أرغون(1105-1134م) ،يطلبون منه فتح غرناطة، وتوالت عليه كتبهم وتواترت رسلهم ملحة بالاستدعاء ،محرضة على الاستيلاء على المدينة، ووجهوا اليه زماماً (كتاباً) يشتمل على أسماء إثني عشر ألفا من أنجاد مقاتليهم، علاوة على عدد يلتحق بهم عند وصوله إليهم. وقد خرج الملك المذكور بقواته في سنة 518ه/1125م استجابة لتحريض هؤلاء المعاهدين، واجتاز في طريقه الى غرناطة بعدد من المدن والقرى، وحاصر غرناطة، وتسلل المعاهدون الى محلته وحملوا المؤن والأقوات الى جيشه، فقام بهجوم فاشل على المدينة، وعاد بخفي حنين. ولما بان للمسلمين من مكيدة جيرانهم المعاهدين، أخذهم الارجاف ووغرت الصدور على المعاهدين باستدعائهم الروم، وما في ذلك من نقض العهد والخروج على الذمة، وفي اثر ذلك صدرت فتوى الفقهاء وعلى رأسهم ابن رشد الجد بتغريب المعاهدين الناقضين للعهد، واجلائهم عن أوطانهم، وهو أخف ما يؤخذ به من عقابهم.،ونتج عن ذلك أن أنكرتهم الأهواء،وأكلتهم الطرق وتفرقوا شذر مذر". (انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة ، (لسان الدين ابن الخطيب )،ج1 /106-114.)
وبالمثل فعل يهود الأندلس الذين عاش أسلافهم في أيام الأمويين وأمراء الطوائف كأطباء وكتاب وحساب وتراجمة ووزراء أحياناً،فقد أصبحوا أو بعضهم على الأقل-في القرن الخامس وما بعده، يتحرشون بالإسلام والمسلمين.وبدت منهم أمور كثيرة خرجوا فيها عن قواعد التعايش السلمي وأصول التساكن الودي بين أهل الملل.ومن الأمثلة على ذلك مواقف يوسف بن النغريلة اليهودي،الذي كانت لأسرته مكانة متميزة في غرناطة على عهد الزيريين (سلالة بربرية حكمت في تونس و شمال الجزائر مابين 971-1152 م.)، إذ كانت شؤؤن الدولة في أيديهم، وبدلاً من أن يحمد الله على هذا الوضع المتميز، عمد إلى التطاول على المقدسات الإسلامية،وصار يتبجح بالطعن في الملل وانتقاد الأديان،ولم يتورع عن تأليف كتاب نسب فيه بزعمه التناقض الى كلام الله عز وجل،وكان يدعي بدون خجل ،انه ينظم القرآن شعراً وموشحات، إلى غير ذلك من التصرفات التي لم يكن يرضى عنها اليهود أنفسهم،لما كانوا يتوقعون من رد الفعل وقد كان".
ولعل موقف ابن القيم في كتابه: أحكام أهل الذمة، يقع في هذا الإطار.فابن القيم كان يعيش في عصر كثرت فيه ضروب التحدي من أهل الذمة للمسلمين، وكان من العسير أن ينسى أهل دمشق، ولو امتد الزمان، ما فعله النصارى يوم غزا المغول المدينة، سنة 658ه، فقد أراقوا الخمر على ملابس المسلمين، وعلى مساجدهم، وأرغموا أصحاب الحوانيت على الوقوف لهم ولصلبانهم، وراحوا يهتفون: اليوم انتصر المسيح".( انظر: أحكام أهل الذمة (ابن قيم الجوزية ) تحقيق د.صبحي الصالح،هامش 2/668)
وهكذا نجد أن المواقف التي حاد فيها المسلمون عن منهج التسامح، إنَّما كانت رد فعل للمواقف الجائرة التي وقفها ضدهم من أحسنوا إليهم، وقابلوا إحسانهم بالإساءة، وحفظ ذمتهم بالغدر والخيانة، فمن باب المعاملة بالمثل اتخذ بعض المسلمين تلك المواقف، ولعلهم فعلوا ذلك مستندين الى الآية الكريمة:( فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) البقرة:194. وقد زاد من تأزم تلك المواقف الأحداث التي مر بها العالم الإسلامي فاحدثت شرخاً عميقاً في علاقات المسلمين مع أهل الكتاب، ومن بين تلك الأحداث: مأساة الأندلس، والحروب الصليبية، كما سنرى فيما بعد .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.