مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    حتى لا نخسر ما كسبناه    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دكتور دالي: المتبتل في محراب الفكرة الجمهورية .... بقلم: صلاح شعيب
نشر في سودانيل يوم 30 - 04 - 2010

قليلون هم الذين تميزوا بالثقة، والوضوح، في إبانة تصوراتهم الثقافية، والمجاهرة بها مهما كان ثمن رفضها. ودكتور دالي واحد من هذه القلة.. فهو محاور ذكي من الدرجة الأولى. وظل طوال السنين يكتسب خبرة مميزة في إثارة هذا الجدل السياسي، والفكري، والديني، والذي به يبسط أفكاره، وتصوراته المتعمقة. لا يتحذلق في رؤاه مثل كثير من المثقفين، وإنما يطرحها بلغة بسيطة مشحونة بالآيات القرآنية، والأحاديث، والأمثال، ومعارفه العلمية. ولعله نمى هذه القدرات الحوارية الثرة منذ وقت مبكر يؤرخ له بالنصف الأول من السبعينات. فأحمد المصطفى دالي يعود الفضل إليه، بجانب عدد من الطلاب الجمهوريين، والإسلاميين، واليساريين، في تنمية ثقافة الجدل الفكري الحر بجامعة الخرطوم.
ومن خلال تلك المجادلات كان يتوفر الطلاب آنئذ على معلومات خصبة للمختلفين فكريا، ويشاهدون أحيانا عراكا بالأيدي بين هؤلاء المتخاصمين. ومرات تكون آثار الدماء التي تبلل الوجوه، والملابس، بادية للعيان. ولم يسلم دالي من التعرض للضرب، في مرات كثيرة، من قبل الذين يرون فيه، وكذا أستاذه، وكل الجماعة، مارقين عن الدين يستوجب الجهاد ضدهم، بداية بالكلمة العنيفة، والمسيئة، وإن لم يكفوا فبالسيخ، والمطواة أيضا. ومع ذلك لا يني دالي من تخصيب دورة الجدل مع ألد خصومه كل يوم، حيث يأتي إلى (قهوة النشاط) وقد تجاوز آلامه، وضمد جروحه، وحركته مهمته الرسالية في نشر الأفكار التي تستند على موروث استاذه الشهيد محمود محمد طه، والذي يرى في إجتهاداته الفكرية الخلاص الأتم للواقع الأليم المضروب على واقع المسلمين عامة.
ويعطينا د. أحمد أبو شوك صورة بانورامية عن تلك الأيام فيقول "يبدأ اليوم في قهوة النشاط بقراءة الصحف الحائطية، وأذكر منها آخر لحظة، صحيفة الاتجاه الإسلامي، وصباح الخير صحيفة الجبهة الديمقراطية، والكفاح صحيفة جبهة كفاح الطلبة، ومن صحف أصحاب الامتياز الصحافي أذكر صحيفة "أشواك السيال" للأستاذ محمد طه محمد أحمد، والأستاذ "عادل الباز" كان أيضاً له صحيفة متميزة في ذلك العهد. وبحلول منتصف النهار تبدأ أركان النقاش التي كان يؤمها عدد من طلاب الجامعة والزائرين من الخارج، وأشهرها أركان الأخوة الجمهوريين التي استطاعت أن تؤسس منهجهاً فكرياً متفرداً في النقاش بقيادة أساطينها، الأساتذة أحمد المصطفى دالي، وعمر القراي، وأسماء محمود محمد طه، وكان يقف في مناصبتهم الحجة بالحجة الأخوة محمد طه محمد أحمد، وطبيب الأسنان عبد السميع حيدر الذي جمد عاماً كاملاً بكلية طب الأسنان لقراءة الفكر الجمهوري الرد عليه، ودفع الله بخيت. أما الجبهة الديمقراطية فكانت تمثل أحد الأعمدة الثلاثة في أركان النقاش بالجامعة، ومن نشطائها في هذا المجال الأستاذ الحاج وراق، والباشمهندس مأمون سيدأحمد، والأستاذ نزار أحمد، والأستاذة ماجدولين عبد الرحمن. وفوق هذا وذاك يجب أن لا أنسى إسهامات الأستاذ صديق أبو ضفيرة صاحب الرقم 13"
ويضيف أبو شوك "ربما نختلف في الرأي مع أية مجموعة من تلك المجموعات في طرحها الفكري والسياسي؛ إلا أننا نجمع القول بأنها أسهمت في تنوير العقل الطلابي بكثير من القضايا السياسية والفكرية التي كانت محل خلاف، وجذب، ودفع، حسب المنطلقات الفكرية لكل مجموعة، وآليات عرضها للقضايا الخلافية. وإلى جانب هذه الأركان الفكرية والسياسية كانت توجد بعض أركان النقاش الهازلة العابثة، التي كانت يعقدها بعض الذين رفتوا من الجامعة لأسباب أكاديمية أو صحية، وأذكر منها ركن الأخ بابكر كهربا الذي كان يتحدث دائماً عن الكهرومغناطيسية والنظريات المصاحبة لها، ويصف الحمار بالغباء لأنه يقع في خط موازٍ للمجال المغنطيسي للأرض"
وبرغم أن دالي، حين يسترجع تلك اللحظات، لا يبدو مغبونا من الذين تكالبوا عليه باللكمات التي قللت سمع أذنه اليمني حتى الآن، إلا أنه لا يزال يرى أن بغيته هي محاورة حتى من يبيتون النية للتخلص منه كما تخلصوا من أستاذه بتلك الصورة المشينة التي جعلته ينقطع لمدى عقدين من الزمان ونيفا عن المشهد السياسي، ولم يعد للإنشغال بالحوار حول الهموم العامة إلا في الثلاثة أعوام الأخيرة. ربما أحس بألم الفقد لمؤسس الفكرة الجمهورية، وربما رأى تخاذلا من أكابر المثقفين أمام مذبحة الفكر التي أنشأها الرئيس الراحل. ولكنه، حتى الآن، لم يكشف عن أسباب موضوعية لصمته الطويل. فهو أحيانا يلتف على الأسباب الجوهرية ويقول بأن الجمهوريين أحسوا بثقل المهمة بعد وفاة أستاذهم، وتفرقوا أيدي سبأ، منهم من إعتزل الحياة العامة. ومنهم من هاجر إلى بلاد الله البعيدة. بيد أن الشئ الذي يتبدى في أحاديث دالي الغبن الأكيد من عدم تحرك المقتدرين من المثقفين، وربما الشارع، على مواجهة الجلادين الذين حققوا أمنيتهم بأن أعدموا الشيخ السبعيني، ومن ثم إستشرى الطوفان، أو الهوس الديني الذي تم التحذير منه.
ويحدثنا دالي أن تلك الفترة التي قضاها زاهدا عن مواصلة حواراته "كانت بمثابة إنكفاءة على الداخل ترددا من التجرؤ لتمثل نموذج الأستاذ محمود.. وإلى الآن تجدني أتردد للدعوة لهذه الفكرة العظيمة، خصوصا وأنها تتطلب تجردا تاما من أهواء النفس"
د. أسامة عثمان، الكاتب المقيم بالولايات المتحدة، قال عن ركن دالي إنه "كان يقيمه يوميا للنقاش على مدى ساعتين، يبدأه بطرح قضية ثم يفتح الباب للنقاش والإجابة على الأسئلة. ويؤم الركن الكثير من الطلاب بمختلف مشاربهم الفكرية والسياسية وتقارع فيه الحجة بالحجة وينفض الركن عند الساعة الواحدة ظهرا ليعاود الانعقاد في اليوم التالي. ولقد كان منبرا للجمهوريين لشرح فكرهم من ناحية عامة ولكن أهميته كانت في كشفه للفكر السلفي وخطر الهوس الديني والفهم التقليدي للدين. ولقد كان فهم الجمهوريين المتعق الشريعة وأحكامها والفكر الإسلامي وقضاياه مصدر معرفة وتنوير للكثير من الطلاب. وكانت تلك المعرفة مصدر تحدٍ كبير للإسلام التقليدي المتمثل في السلفية والأخوان المسلمين والطائفية. ولقد تعلم الكثير من الطلاب أدب النقاش ودفع الحجة بالحجة من الركن الذي كان يقيمه دالي ويحل محله فيه أحيانا عمر القراي. وصارت جميع التنظيمات السياسية تلجأ لهذه الوسيلة للتواصل مع الطلاب بديلا عن الندوات ذات المكروفونات والخطب العصماء! بل حتى "أنصار السنة" الذين لم يكن له وجود في الجامعات وأماكن الوعي عموما صاروا يقيمون أركانا للنقاش في الأسواق والساحات العامة لأنهم أيضا لم يكن مسموح لهم بالحديث في عامة المساجد لأن المتدين السوداني التقليدي ينفر ممن يصعد المنبر ليشتم الأولياء والصالحين"
دالي في حديثه للمحرر قال إنه من ذرية هؤلاء الأولياء. فهو قد نشأ في بيئة صوفية بقرية الحديبة، بشرق النيل الأزرق، وجده مدفون بسندة الشيخ شرف الدين في الطريق نحو عطبرة، وصاحب السندة نفسه هو الجد المؤسس.
ولد أحمد المصطفى دالي عام 1951 بالحديبة. وقضى الإبتدائية بمدرسة الحديبة الإبتدائية، ثم الوسطى برفاعة، والثانوية أيضا برفاعة الثانوية. دخل جامعة الخرطوم في عام 1969 وتخرج في كلية العلوم عام 1975. أما دراساته العليا فكانت بالولايات المتحدة، حيث تحصل على ماجستير العلاقات الدولية بجامعة أوهايو عام 1993 ثم نال شهادة الدكتوراة عن مناهج وطرق التدريس بالجامعة نفسها عام 1997.
ولما كان قد إنتمى في بدء حياته إلى تنظيم الأخوان المسلمين فقد ظل د. دالي يكثر من التساؤلات داخل التنظيم عن العديد من الأفكار، والمقولات، التي تتعلق بالجماعة، وكيفية بعث الدين. وما لبث أن إستقال عن التنظيم، وصار فيما بعد واحدا من أكثر الناقدين للتنظيم وسدنته. وعلى الناحية الأخرى قابله الإسلاميون بمواجهات عاصفة في ركن النقاش الذي كان يقيمه.
ويقول دالي عن أسباب تخليه عن تنظيم الأخوان المسلمين إنه لم يجد "لا الفكرة، ولا السلوك القويم لدى قادته وعضويته.. كان إنتقالي للفكرة الجمهورية فتحا كبيرا في حياتي. فهي من ناحية تملك حلا لمشكلة الإنسان الفردية، والعامة، وتلزمه بتحقيق ذاته على معان مستنيرة، وهادية، إلى السراط المستقيم. وجدت عند الإسلاميين تجمعا ليس لديه عمق الدعوة، أو صلاحها. ويمكنك بشخصك أن تكتشف هذا في تصريحات صلاح قوش التي سبقت الإنتخابات، حيث قال إنهم مستعدون لأن ينضم إليهم الذي يأتي ب(مصلاته أو قزازته).. أيضا يمكنك الرجوع إلى ما قاله الدكتور بهاء الدين حنفي من رأي متضمن في كتاب الدكتور عبد الرحيم محيي الدين. قال حنفي إن تنظيم الإتجاه الإسلامي ليس به فكرة.. كل هذه الاشياء التي إكتشفتها منذ زمن باكر جعلتني أترك تنظيم الأخوان المسلمين لأجد ضالتي في الفكر الجمهوري. وأرى أنه ليس لدى الدين الإسلامي ليس فرصة ليعود إلى مجده إلا بمعرفة الناس لمضامين الرسالة الثانية، والتي هي جوهر هذا الفكر"
الجمهوريون لا يخفون إمتعاضهم من توتر العلاقة بينهم وأندادهم الإسلاميين. فقد ظل الهجوم المتبادلة سمة في تاريخ هذه العلاقة. ومن شواهد ذلك قول الأستاذ عبدالله عثمان، وهو من قيادات الجمهوريين بالولايات المتحدة عن الإسلاميين بأن تاريخ الإسلاميين فى العنف بالخصوم (من ما لا يقع تحت حصر!! وكيف يقع تحت حصر، وهم قوم تربيتهم لأبنائهم "فليعد للدين مجده أو ترق فيه الدماء"!! والمجد عندهم أن تجاهد مثلا "رقصة العجكو" فى قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم وترق دماء الأبرياء أو أن تحرق معرض الفكر الجمهورى بنادى الخريجين بود مدنى، وغير ذلك كثير مثل حادثة اغتيال الفنان خوجلى عثمان، وضرب الأستاذ محمود محمد طه فى محاضرة عامة بالأبيض، وضرب وزيرهم الحالى ومفوضهم لمحادثات "السلام" دكتور مطرف صديق "النميرى" للدكتور أحمد المصطفى دالى فى مقهى النشاط بجامعة الخرطوم، وضرب الدكتور أحمد قاسم ورفاقه للدكتور صلاح موسى محمد عثمان بداخليات حسيب بجامعة الخرطوم، وضرب تلاميذ الأستاذ محمود فى مساجد كوستى الخ الخ، وهذه كلها، وغيرها، حوادث مسجلة فى أقسام البوليس وفى ذاكرة الشعوب!! فكلها شواهد تدل على ضيق الاسلاميين بالآخر، وسعيهم لتصفيته أو اقصائه بأى وسيلة مهما تدنت).
مهما يكن من أمر فإن دالي يرى أن عنف الإسلاميين لا يتجرأ لمواجهة (الأنصار مثلا) والسبب في ذلك يقول إن هذه الجماعات "لديها حرابها المسنونة المشرعة.. ونحن لا نعتمد على العنف وليس هناك شئ يحملنا على حمل السلاح ما دام أن دعوتنا بالحسنى، وظللنا لا نخشى في الحق من لوم لائم، ولا نخاف أن نستشهد في سبيل الله" ويشير دالي أن الاستاذ محمود محمد طه تعرض هو نفسه لعنف المهوسيين قبل إعدامه وأن أحدهم ضربه في رأسه بمدينة الأبيض وسبب جرحا غائرا في رأسه.. هل تصق أنه تم خياطة جرحه دون بنج ولم يتزحزح قيد أنملة..وأذكر أن أحدهم رفع دعوى قضائية ضده وكان لا يتوقف من مهاجمته وهو الأمين داؤود، وبينما كنا نتدارس يوما في منزله همس واحد من الذين إنضموا إلينا في أذن الأستاذ أن السيد داؤود قد رحل عن دنيانا، وما كان من الاستاذ محمود إلا وأن أوقف الدرس وطلب منا أن نقرأ سورة الإخلاص (11) مرة وبإخلاص على روح الأمين داؤود، وأردف بقوله إن المرحوم الآن بين مليك مقتدر وهو أحوج ما يكون إلينا اليوم".
وهكذا يحدثك دالي بفخر دائم عن أستاذه الذي تزوج أبنته الصغرى سمية فيما تزوج الكبرى د. النور حمد، وهو أيضا أحد أقطاب حركة الفكر الجمهوري، ولدالي وزوجه إبنتين في المرحلة الجامعية. والحقيقة أن دالي كان من أكثر المقربين للشهيد محمود محمد طه، فقد قال للمحرر أنه لم يعمل إلا بجانب الاستاذ محمود محمد طه. ولم يذكر بعد تخرجه من الجامعة تجربة عمل له في القطاع العام أو الخاص. ويقول إنه وهب ذاته لنشر الفكر و "كنا نواصل النهار بالليل في دعوتنا. تجدنا نذهب في فيافي السودان البعيدة حاملين كتب الفكري الجمهورية.. لم تكن هناك بقعة في السودان لم نصل إليها في الإجازات..كنا وقتها نحذر الناس من خطر الهوس الديني بينما بعض السياسيين يقولون لنا دعونا نبحث أزمة الأكل والشراب التي تواجه الشعب السوداني..والأنكي أن اساتذتنا بجامعة الخرطوم كانوا لا يعيرون ما نقول إهتماما.. وكان هم بعضهم البحث عن الإمتيازات".
الدكتور دالي، والذي عرف بتواضعه المتناهي، وحلو معشره، لا يزال مفضلا البقاء في الولايات المتحدة. فهو بعد حصوله على شهادة الدكتوراة قصد بعض الدول الخليجية. ولكن لم يرق له العيش هناك فقفل عائدا حيث يقيم الآن بولاية فرجينيا، والتي فيها أسس منتدى شهريا يعني بمناقشة القضايا السودانية، وبعض المواضيع الدينية. ويعم هذا المنتدى حضور كبير يشارك دالي الحوار، إختلافا، وإتفاقا، وتحفظا، على بعض النتائج التي يتوصل إليها في مقدمته التي تبدأ في تمام السادسة مساء، وغالبا ما تستغرق نصف الساعة ثم ينهمر بعدها سيل الأسئلة، والمداخلات، الذي يعمق الجدل، وما أن تأتي العاشرة إلا ويكون المنتدى قد ختم أعماله، وبعدها ترى دالي محاطا بالحضور الذي يلاحقه بالمزيد من الشروحات لما قال.
المحلل الصحافي علاء الدين بشير ينقل لنا بقلمه بعض ما جاء من آراء في واحدة من منتديات المتبتل في محراب الفكرة الجمهورية فيقول " أشار د. دالي أن تقارير الشفافية العالمية وضعت السودان بين الدول الاكثر فسادا فضلا عن تقارير المراجع العام الحكومى نفسه عن معدلات الاعتداء على المال العام فى كل عام، والتقارير الدولية التى ترصد مؤشرات الازدهار وحصول السودان فى كل ذلك على مراتب دنيا تجعله تاليا لبلد مثل الصومال، حيث لا توجد فيه دولة. واكد دالى ان السودان بلغ هذا الحضيض لأنه ايضا لا توجد فيه دولة وإنما مافيا سيطرت على إمكانيات القطر، مستعرضا بعضا من ما وصفه بأنه سلوك يتقاطع مع اخلاقيات و سلوك رجال الدولة"
يظل د. أحمد المصطفى دالي من ظواهر السودان الثقافية التي لا يمكن نكران تأثيرها أو طرقها على بنية التفكيرين السياسي والديني لأجيال، وأجيال. فرحلته التي بدأت في بواكير السبعينات لا تزال تحاول إستشراف التجديد المتواصل في طريقة عرض الأفكار في بلد يتلمس بنوه بداية الطريق الممهدة لتجسير ثقافة التسامح الديني، والثقافي، والسياسي. لدى دالي الحلم الثمين بتحقيق المعاني العرفانية، والحقوق الدينية، في بيئة متوترة بإمتياز. ولكن ليس هناك شئ منع مارتن لوثر كينق من إدراك الحقوق. وإذ يكاد المحرر ينبس بخفوت الأمل، فإن دالي يرد بذكاء ويقول إن للاستاذ نبؤات تحققت ويختم مؤانسته اللطيفة بترديد الآية الكريمة " "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" ".
نقلا عن الحقيقة
salah shuaib [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.