السفير السعودي لدى السودان يعلن خطة المملكة لإعادة إعمار ستة مستشفيات في السودان    مليشيا الدعم السريع تكرر هجومها صباح اليوم على مدينة النهود    منتخب الشباب يختتم تحضيراته وبعثته تغادر فجرا الى عسلاية    اشراقة بطلاً لكاس السوبر بالقضارف    المريخ يواصل تحضيراته للقاء انتر نواكشوط    شاهد بالفيديو.. رئيس مجلس السيادة: (بعض الوزراء الواحد فيهم بفتكر الوزارة حقته جاب خاله وإبن أخته وحبوبته ومنحهم وظائف)    الحسم يتأجل.. 6 أهداف ترسم قمة مجنونة بين برشلونة وإنتر    شاهد بالفيديو.. رئيس مجلس السيادة: (بعض الوزراء الواحد فيهم بفتكر الوزارة حقته جاب خاله وإبن أخته وحبوبته ومنحهم وظائف)    شاهد بالصور والفيديو.. على أنغام الفنانة توتة عذاب.. عروس الوسط الفني المطربة آسيا بنة تخطف الأضواء في "جرتق" زواجها    المجد لثورة ديسمبر الخالدة وللساتك    بالصورة.. ممثلة سودانية حسناء تدعم "البرهان" وثير غضب "القحاتة": (المجد للبندقية تاني لا لساتك لا تتريس لا كلام فاضي)    المجد للثورة لا للبندقية: حين يفضح البرهان نفسه ويتعرّى المشروع الدموي    استئناف العمل بمحطة مياه سوبا وتحسين إمدادات المياه في الخرطوم    الناطق الرسمي للقوات المسلحة : الإمارات تحاول الآن ذر الرماد في العيون وتختلق التُّهم الباطلة    هيئة مياه الخرطوم تعلن عن خطوة مهمة    قرار بتعيين وزراء في السودان    د.ابراهيم الصديق على يكتب: *القبض على قوش بالامارات: حيلة قصيرة…    هل أصبح أنشيلوتي قريباً من الهلال السعودي؟    باكستان تعلن إسقاط مسيَّرة هنديَّة خلال ليلة خامسة من المناوشات    جديد الإيجارات في مصر.. خبراء يكشفون مصير المستأجرين    ترامب: بوتين تخلى عن حلمه ويريد السلام    باريس سان جيرمان يُسقط آرسنال بهدف في لندن    إيقاف مدافع ريال مدريد روديغر 6 مباريات    تجدد شكاوى المواطنين من سحب مبالغ مالية من تطبيق (بنكك)    ما حكم الدعاء بعد القراءة وقبل الركوع في الصلاة؟    عركي وفرفور وطه سليمان.. فنانون سودانيون أمام محكمة السوشيال ميديا    صلاح.. أعظم هداف أجنبي في تاريخ الدوري الإنجليزي    تعاون بين الجزيرة والفاو لإصلاح القطاع الزراعي وإعادة الإعمار    قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ؟!    الكشف عن بشريات بشأن التيار الكهربائي للولاية للشمالية    ترامب: يجب السماح للسفن الأمريكية بالمرور مجاناً عبر قناتي السويس وبنما    كهرباء السودان توضح بشأن قطوعات التيار في ولايتين    تبادل جديد لإطلاق النار بين الهند وباكستان    علي طريقة محمد رمضان طه سليمان يثير الجدل في اغنيته الجديده "سوداني كياني"    دراسة: البروتين النباتي سر الحياة الطويلة    خبير الزلازل الهولندي يعلّق على زلزال تركيا    في حضرة الجراح: إستعادة التوازن الممكن    التحقيقات تكشف تفاصيل صادمة في قضية الإعلامية سارة خليفة    المريخ يخلد ذكري الراحل الاسطورة حامد بربمة    ألا تبا، لوجهي الغريب؟!    الجيش يشن غارات جوية على «بارا» وسقوط عشرات الضحايا    حملة لمكافحة الجريمة وإزالة الظواهر السالبة في مدينة بورتسودان    وزير المالية يرأس وفد السودان المشارك في إجتماعات الربيع بواشنطن    شندي تحتاج لعمل كبير… بطلوا ثرثرة فوق النيل!!!!!    ارتفاع التضخم في السودان    بلاش معجون ولا ثلج.. تعملي إيه لو جلدك اتعرض لحروق الزيت فى المطبخ    انتشار مرض "الغدة الدرقية" في دارفور يثير المخاوف    مستشفى الكدرو بالخرطوم بحري يستعد لاستقبال المرضى قريبًا    "مثلث الموت".. عادة يومية بريئة قد تنتهي بك في المستشفى    وفاة اللاعب أرون بوبيندزا في حادثة مأساوية    5 وفيات و19 مصابا في حريق "برج النهدة" بالشارقة    عضو وفد الحكومة السودانية يكشف ل "المحقق" ما دار في الكواليس: بيان محكمة العدل الدولية لم يصدر    ضبط عربة بوكس مستوبيشي بالحاج يوسف وعدد 3 مركبات ZY مسروقة وتوقف متهمين    الدفاع المدني ولاية الجزيرة يسيطر علي حريق باحدي المخازن الملحقة بنادي الاتحاد والمباني المجاورة    حسين خوجلي يكتب: نتنياهو وترامب يفعلان هذا اتعرفون لماذا؟    من حكمته تعالي أن جعل اختلاف ألسنتهم وألوانهم آيةً من آياته الباهرة    بعد سؤال الفنان حمزة العليلي .. الإفتاء: المسافر من السعودية إلى مصر غدا لا يجب عليه الصيام    بيان مجمع الفقه الإسلامي حول القدر الواجب إخراجه في زكاة الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن أحاديث الأدب والسياسة: نسبية الحكم الأخلاقي وموضوعية النقد (2) ... بقلم: السموأل أبوسن
نشر في سودانيل يوم 10 - 06 - 2010

لن يكون من المناسب طالما تناولنا هذا الشأن، شأن الأدب وقلّته، أن نمر عليه دون أن نتوقف قليلاً عند ظاهرة صارت تميز كتابات الكثير من كتابنا يمكن أن ندرجها ضمن ما يعرف في حقل النقد الأدبي ب"النقد الأخلاقي". و "النقد الأخلاقي" برغم محاولات التأصيل له ضمن إطار فني يمنحه خصائص مميزة كمنهج نقدي، إلا أنه لم يفلح في معالجة الأدب بأدوات الأدب وذلك لأنه قائم في الأساس على نفيه لشرط الحرية وتعاطيه للقيمة الأدبية من خلال منظار الأخلاق بكل ما فيه من نسبية.
يرتدي كُتّاب النقد الأخلاقي لَبوس القيِّمين على الأخلاق في قراءة النصوص. ويمارسون النقد الأخلاقي بمفهوم «الفزعة» عند بعض القبائل السودانية حين ينهض الجميع ارتجالا لأداء واجب يتطلب السرعة والإنجاز، كإنقاذ شخص من خطر محدق أو مواجهة كارثة أو غيرها، وصار المثل السوداني يقول حين يفشل الأمر، ويصير تأثيره سلبياً "جابوه فزعة بقى وجعة".
ولا تقوم ممارسة النقد الأخلاقي على القراءة التاريخية في التحليل والإستبانة، وإنما تنتزع الأشياء من سياقها التاريخي والاجتماعي وتزرعها في سياقات مغايرة. بل أكثر من ذلك يتحول النقد الأخلاقي في كثير من الأحيان إلى ممارسة سلطوية تجريمية، وانتقائية لا تحكمها القواعد أكثر مما تحكمها المزاجية وموقع من يَكتُب مما أو ممن يُكتَب عنه في موازنات القوى وتجليات السلطة المتعددة. في ظل وضعية النقد الأخلاقي هذه يصبح من الصعوبة بمكان الحديث عن شروط الحرية في الكتابة. وتصبح أمزجة الناس قوانين حاسمة، ويغرق بالتالي الموضوعي في الذاتي، والعام في الخاص، والمجرد في المغرض.
وددت بهذه المقدمة النظرية أن أتجاوز سخونة الحديث المباشر، وأن أتجاوز أيضاً فخ الدوافع الذاتية التي قد تستغرقنا، بما لا يفيد تعضيد الفكرة ولا يصيب منها القارئ معرفة. وفضلت أن أفتح أشرعة الحوار لممارسة النقد والنقد الذاتي. ولمزيد من المسئولية تجاه الكتابة وتجاه الكلمة التي نسطرها، وليس خافياً على أحد ما تقود إليه الكلمة المكتوبة.
السياق التاريخي وأهميته في التحليل:
واحدة من أكبر إشكاليات تفكيرنا المعاصر تتمثل في غياب القراءة التاريخية للظواهر والأحداث، ولا يخفى على القارئ المنصف ما يؤدي إليه ذلك من ضعف التحليل وتهافت النتائج. ويغفل كثيرٌ من كتابنا، أهمية السياق التاريخي حين يوغل كثيراً في إطلاقاته وحين يحاكم بمعايير اليوم نصوصاً كُتبت في سياق مختلف تماماً عن الذي نعيشه الآن. ويغفل أيضاً عن التراجع الكبير الذي حدث لمجتمعاتنا بما يشابه الردة الحضارية وضمور الوعي الجمعي وغلبة ثقافة التكميم و التحريم و الإقصاء على مجمل حركتنا الثقافية. حُجبت كتابات شكلت جزءاً كبيراً من عافية الوعي في حقب الخمسينات و الستينات تحت مزاعم مخالفة الدين والأعراف. وأزيحت مؤلفات هامة جداً من أرفف المكتبات بدواعي المحافظة على الأخلاق. غابت و شُوِّهت كتب مثل، الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، وكل مؤلفات الشهيد محمود محمد طه والشعر الجاهلي لطه حسين، وألف ليلة و ليلة وأولاد حارتنا وغيرها من الكتب التي كانت في يوم غير يومنا هذا تتوسد أرصفة شوارع المدن لا في العاصمة الخرطوم وحدها بل في أقاصي الشرق والغرب وبقية مدن السودان وأنحائه البعيدة، ولو أنك سألت عن أمر كهذا اليوم لصار أمرك عجباً. وصارت إجازة إصدار الكتب الأدبية والعلمية تصدر من تحت قفاطين وعمائم رجال الدين. وتدريجياً انداحت لوثة التحريم و إفتئات غير ذوي الصفة على كل شئ حتى صار من الطبيعي أن يفتي من لا يعلم في ما لايعلم فيه، وصرنا نرى فتاوى دينية في مسائل علمية تطبيقية جداً تخص الطب والفلك والعلوم. وانتقلت حالة التخويف من كونه سلوكا تمارسه فئة بعينها على الآخرين إلى رقيب داخلي يمسك بتلابيب الأفراد ويفسد عليهم حتى أفراحهم الصغيرة.
وقد تنبه مؤلف كتاب «المجذوب والذكريات» في كتابه لهذا الأمر بحساسية بالغة حيث ذكر:
" الحديث عن المجذوب في ظل الحالة العقلية الراهنة للمجتمع السوداني والمجتمعات العربية عموماً في الثمانينات والتسعينات (ولاندري إلى متى؟) صعب للغاية. فالمجذوب عاش في عصر الحريات العامة. في عصر كان الإنسان العربي ينتمي فيه إلى المجرى العام للتاريخ الإنساني. أما الآن و بعد أن وجدت قوى التخلف فرصتها لفرض أولويات القرن السابع الميلادي على القرن العشرين، فستجد الأجيال الحالية صعوبة كبيرة في فهم المناخ الإجتماعي الذي سمح للمجذوب بأن يتغنى بالطريقة التي تغنى بها في شعره، و التمرد الذي جاهر به في حياته». علي أبوسن، المجذوب والذكريات الجزء الأول ص 14.
وهذا الإستدراك، لمن يعتبر، يؤكد أن المؤلف حين كتب عن المجذوب كان شديد الحساسية تجاه الأمر، ولكن يظل من الطبيعي جداً اختلاف الناس في صحة أو خطأ تقديره ثم قراره بنشر مذكراته بصورتها التي نشرت بها. ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبول أن يكون خلاف كهذا غير محض خلاف موضوعي. على أية حال، في وضعية كمثل التي أشار إليها المؤلف، أضاع كثيرٌ من المثقفين أهم عناصر قوتهم، وهي المقدره على الوقوف على مسافة بعيدة من الظواهر والأحداث بما يمكنهم من حسن القراءة والتأمل واستقامة التخريج، وهو ما يُحتِّمه عليهم التزامهم تجاه أنفسهم وتجاه مجتمعاتهم. فالمثقف الحقيقي يستفتي ضميره قبل كل شئ.
اختطاف المجذوب (صورة المجذوب بعد المذكرات وقبلها):
إن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي الإجابة عنها في سياق الموضوع الذي نتناوله، هو عن مدى الإضافة التي أضافها كتاب الذكريات للباحثين والنقاد والمبدعين في تعزيز الصورة الذهنية للمجذوب كمبدع رافض وساخط عظيم. ومدى نجاحه في إلقاء الضوء على شخصية هذا الشاعر العملاق، والكيفية التي عكس بها روح المبدع القلق المتمرد الرافض. هذا شأن موضوعي ومبحث ستحفل به الأوساط الثقافية والأدبية كثيراً في سودان الغد، بعد أن يهدأ غبار النفوس الذي عتّم صفحة الحياة الأدبية والسياسية السودانية، ويلتفت الناس إلى الأهم. قدمت المذكرات المجذوب وغيره من الشخصيات العامة بما فيها شخص الكاتب نفسه كأناس عاديين. بضجة أرواحهم وضجرها، بأحلامهم الصغيرة والكبيرة، وبسقطاتهم وتجلياتهم. المؤلف لم يوفِّر نفسه من كل ذلك بل كان جزءاً وهو يحكي عن نفسه مثلما حكى عن الآخرين. فهل ما زلنا نعتقد أن رموزنا السياسية والثقافية ومبدعينا ومفكرينا هم مجموعة قديسين أصفياء أنقياء لا سقطات لهم ولا أخطاء؟ وهل مازلنا نعيش وهم أن كون هذه الرموز و هؤلاء المبدعين سينقص من مقدار منجزهم العام، كونهم قد أصدروا تعليقات هنا أو هناك أو ألفاظاً بعينها؟ اللهم إلا إذا حُشِرنا حشراً في «كستبانة» النقد الأخلاقي واستغرقنا عرّابوه؟
بالنسبة لأي محلل منصف ستكون فصول الكتاب التي إقتربت من شخصية المجذوب ورصدت ردود أفعاله التلقائية والعفوية ومقدرته الكبيرة على تحليل الواقع الإجتماعي والسياسي ثم طرح محصلاته في تعليقات عابرة ذكية ساخرة وساخطة، ستكون مداخل لمقاربات جديده لشعره ومنجزه الأدبي. ولنكون أكثر دقة سنقول إن تمرد المجذوب وسخطه لم يكشفه كتاب الذكريات لمن عرف المجذوب وقرأه، وإنما ساهم الكتاب في إجلائه من زوايا مختلفة وجديدة، وأعطى مدخلاً فريداً لقراءة المجذوب الإنسان داخل المبدع بصورة لم تكن لتتوفر من مداخل أخرى.
ستظل محاولة إدانة الكتاب من باب كونه أفشى أسرار المجذوب أو أساء إليه، في حقيقتها محاولة لإختطاف المجذوب المبدع الرافض، من فضاء الحرية التي كان شديد التوق لها، لإدخاله ضمن منظومة الفهم الإنتقائي للأخلاقي واللا أخلاقي بحسب رواد " الفزعة".
إن الضعف البين في حجة البطل والاضطراب الواضح في مقاله الأخير «بعيداً عن الأدب وقلته» الذي لم نصِب منه غير مواصلة الكاتب في إطلاق التعميمات بلا إستيثاق ولا تبصُّر، جعلنا في حيرة من أمرنا مما إذا كان البطل الذي قبل أن يفرغ من الكتابة عن الذكريات فتح مبحثاً جديداً ليتناول فيه موضوعاً آخر لعلي أبوسن، يهدف إلى تناول الموضوع، أم إلى تشويه الذات؟ ذاك باب من الكتابة المغرضة كما ذكرنا في مقالنا السابق لن يكون من السهولة إستيعاب دوافعه أو وسمها بالموضوعية. ومع ذلك يبدو الاضطراب بيناً في استشهاد البطل بحيث يصعب على القارئ فهم ما إذا كان البطل يشيد ب «أبوسن أم يدينه!!
يقول البطل تعليقاً على الكتاب الآخر الذي اسمه «رسائل الترابي والحركة الإسلامية الحديثة» وليس كما أسماه البطل- مواصلاً عدم دقته- «مراسلات الترابي» (نقول ان مبادرة إبي سن بنشر تلك الرسائل الحقت بالشيخ الترابي أفدح الاضرار إذ ألقت بظلال سالبة على مصداقيته الشخصية وكفاءته الخلقية واستقامته الفكرية. وبعض هذه الرسائل تكشف عن شخصية ميكافيللية، لا سيما تلك التى يشرح فيها ويبين مُرامه من كونه اختار جماعة الاخوان المسلمين، مع ضآلة شأنها مجالاً لحركته التنظيمية وفضاءً لطموحه السياسي عقب عودته من فرنسا في النصف الاول من الستينات، خلافاً لغيره من شباب المثقفين من أنداده الذين اختاروا الانضمام الى الاحزاب الوطنية الكبرى. وقد أصاب الترابي عين الثور، كما يقول الفرنجة، وهو يسطر بعض تحليلاته واستنتاجاته ورؤاه لما عسى ان تنداح عنه عجلة الزمان ، اذ صدقته الايام وكان محقاً تماماً في غالب ما ذهب اليه، لكأنه كان - وهو يكتب تلك الرسائل- يحدق بعينيه داخل كرة المستقبل البلورية. بيد ان مصدر الازعاج الوحيد هنا هو ان ما جاد به الترابي في بعض رسائله لصديق شبابه، على حدة ذكائه وبراعته، يعكس في جوهره حالةً ذهنية متمركزة حول الذات، تطغى عليها روح الأنا، وتدور في مدار التطلع الشخصي والطموح الذاتي الانتهازي المحض، فتنحسر عنه «الفكرة» ويغيب عنه «المبدأ». فتأمل!
وما عرفنا البطل يستشهد بمقالة الدبلوماسي والكاتب جمال محمد إبراهيم ليثبت صحة فرضيته أم ليثبت بطلانها حيث يقول الدبلوماسي الأستاذ، جمال محمد إبراهيم، الذي تناول كتاب «المجذوب والذكريات» وكتب بحس وفطرة سليمين، في خاتمة مقاله وبعد عدة استشهادات من «المجذوب والذكريات»:
«فما أدعانا، إذاً لأن نجدّ حثيثاً لنجمع هذا الإرث البديع لشاعرنا الراحل المجذوب، فليس في الأمر نبش في سيرته الشخصية، أو تقصي لاعترافات فضائحية، بل هو حرص على جميل إبداعه، والنضير من كتاباته التي تنزلت من فطرة قلمه، منسابة بلا تكلف ولا احتراز ولا تقية!»
ليت «الأحداث» تستجيب لمناشدة البطل بإعادة نشر مقال الدبلوماسي الأستاذ جمال محمد إبراهيم ففيه من الإمتاع ما يقينا شرور النفوس، أغراضها وأمراضها.
لا أحد كان سينكر على البطل قوله حين يقول وانما أردنا أن نُفصح عن عقيدتنا، وأن نسندها بالبراهين الناطقة والحجج الناهضة على أن أبا سن أخفق إخفاقا مزرياً في عرضه للثروة المهولة التى وجدها بين يديه، من رسائل المجذوب اليه والى السيدة الانجليزية روزميري، وان معالجته لامر هذه الرسائل اتسم بالفجاجة والركاكة وضعف الحساسية، ولا نقول الخبث[.
نقول ألا أحد كان سينكر على البطل الإفصاح عن عقيدته رغم فسادها البين، فهي عقيدته! أو أن يعرض ما شاء من حججه وبراهينه، رغم ضعف الاستدلال فيها، أو أن ينشر رأيه في الطريقة التي عالج بها أبوسن مذكراته ورسائل المجذوب إليه. ولا أحد كان سيعيب عليه وصف هذه الطريقة بالأوصاف التي ساقها من «ركاكة، وفجاجة، وضعف حساسية»، لو أنه ناصح نفسه، وبذل شيئاً من الجهد في إثبات مزاعمه قبل أن يتخذ «قلة الأدب» «والتخوين» عنواناً سعياً وراء الإثارة والاستعراض. ولو أنه تبصر قليلاً لجنب نفسه كثيراً من المزالق التي ستخصم من رصيده ككاتب وستضع تساؤلاً كبيراً حول مدى تحريه الدقة ومدى تحققه مما يكتب.
ولو أن البطل ورواد «فزعة» النقد الأخلاقي اطلعوا على كتابات الراحل الكبير الناقد رجاء النقاش، الذي قدم عملاق الرواية العربية، الراحل الطيب صالح للعالم العربي، و الذي ظل اسمه متوهجاً كأحد أهم منارات النقد العربي لعقود من الزمان، وقد كتب عن «المجذوب والذكريات» مجموعة حلقات متصلة في مجلة «الوطن العربي»، أجزم أنه كان ليصاب بالخجل الشديد من نفسه من البون الشاسع في التناول، ولوجد فيها درسًا مفيدا يكشف له عن اللبس التي يعاني منه هو وآخرون في تعريف الأخلاقي واللا أخلاقي. وكان سيخجل من آفاق الكتابة والتناول المتجرد والمبدع لأدب الرسائل وأدب الذكريات. وكان سيتواضع كثيراً من مثل هذا التيه الذي سدر فيه موزعاً إطلاقاته بطمأنينة يحسد عليها.
لم نكن نود أن نفسد للبطل صفاء عطلته السنوية بأن نضطره إلى استبدال مقالاته التي بذل جهداً كبيراً في «تشوينها» بكل ألوان الشتائم والتصغير لكاتب الذكريات. كما لم يكن أبداً هدفنا أن نضيق عليه في مساحات الإعجاب الواسعة التي اعتاد الاستمتاع بتقريظ قرائه له فيها. إلى جانب أن زمننا نفسه لايسمح لنا بملاحقة كل ما يكتب لولا أنه اضطرنا في هذه المرة اضطرارا لذلك باستهانته بالكلمة والقارئ معاً ومحاولته المريبة تشويه الراحل علي أبوسن بحزمة من المزاعم الفاسدة التي لا تصمد أمام أي مساءلة أو مراجعة.
وقد حاول البطل أن يجد نسقاً غيبياً ليبرر به خيبته وفشله في أن يدافع عن مقاله المجاني «أحاديث الأدب و قلة الأدب» ، «مصوراً ذلك بكونه إرادة الله حيث يقول «يبدو أن الله كتب في لوحه المحفوظ (هكذا) على ناقدي كل مؤلفات أبي سن، لا ذلك الكتاب وحده، أن يشرعوا في النقد ثم يرتدوا على أعقابهم بعد أن يخطوا في ذلك السبيل خطوتهم الاولى.... إلخ)، رابطاً إحجامه عن المواصلة في نشر مقاله، بموقف مزعوم أشار فيه لمقالات للدكتور عبد الله حمدنا الله تناول فيها كتاب «المجذوب والذكريات»، ومقال مزعوم آخر للدكتور محمد وقيع الله كان يود الرد فيه على كتاب «رسائل الترابي، والحركة الإسلامية الحديثة»، لولا أن أثناه الترابي نفسه عن ذلك!!
وذلك باب من «الاستهبال»، غير المجدي ومحاولة مفضوحة للمزايدة في سوق الكلام المجاني سنجد أنفسنا مرة أخرى مضطرين لإثبات زيفها. فالبطل يتحدث عن مقالات مازالت موجودة في سوق «الله أكبر» الإسفيري، كتبها ونشرها في فبراير من العام 2004 د. حمدنا الله وتناول فيها كتاب «المجذوب والذكريات» أي قبل حوالي ست سنوات، وهي المقالات التي زعم البطل أن حمدنا الله أسرّ له بأنه نشر حلقتها الأولى ثم سحب الأخريات لدى علمه بأن علياً كان مريضاً.
فما نجزم به هو أن د. حمدنا الله قد نشر مقالين بصحيفة الصحافة عن الكتاب تحت عنوان «همبتة المذكرات» وقد حدد ترقيمهما من اثنين سلفا (1-2(بالتالي، فإننا نفهم وحسب أصول النشر أن مقال د. عبد الله حمدنا الله المذكور قد نشر بالكامل، وإلا كنا سنرى نوعاً آخر من الترقيم على صدر المقال يشي عن حلقات لم تنشر! فهذا زعم باطل كغيره من مزاعم البطل لا أدري أين نجد له موقعاً من التبرير.
خلاصة القول، وأياً كانت الأسباب التي حدت بالبطل لأن يحجب بقية مقاله في الحلقتين اللتين أرسلهما كما ذكر للنشر، فإن هذا شأن يعنيه وحده ويعني أصدقاءه الذين لا يَرُد لهم طلب كما قال. ولو أن الأمر لديّ لأثنيته بشده على قراره هذا ولشجعته لينشر ماحجبه، لأنني على يقين أنه ليس لديه مايقوله أكثر مما قاله. لن يخرج البطل من الدائرة العبثية في فهمه للأخلاقي واللا أخلاقي ومن مزيد من التبذُّل في محاولته غير الحميدة للإساءة لكاتب الذكريات، وستكون كل مدوراته ومراوحاته للاستهلاك الذي لا يقدم ولا يؤخر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.