بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    حتى لا نخسر ما كسبناه    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن أحاديث الأدب والسياسة: نسبية الحكم الأخلاقي وموضوعية النقد (2) ... بقلم: السموأل أبوسن
نشر في سودانيل يوم 10 - 06 - 2010

لن يكون من المناسب طالما تناولنا هذا الشأن، شأن الأدب وقلّته، أن نمر عليه دون أن نتوقف قليلاً عند ظاهرة صارت تميز كتابات الكثير من كتابنا يمكن أن ندرجها ضمن ما يعرف في حقل النقد الأدبي ب"النقد الأخلاقي". و "النقد الأخلاقي" برغم محاولات التأصيل له ضمن إطار فني يمنحه خصائص مميزة كمنهج نقدي، إلا أنه لم يفلح في معالجة الأدب بأدوات الأدب وذلك لأنه قائم في الأساس على نفيه لشرط الحرية وتعاطيه للقيمة الأدبية من خلال منظار الأخلاق بكل ما فيه من نسبية.
يرتدي كُتّاب النقد الأخلاقي لَبوس القيِّمين على الأخلاق في قراءة النصوص. ويمارسون النقد الأخلاقي بمفهوم «الفزعة» عند بعض القبائل السودانية حين ينهض الجميع ارتجالا لأداء واجب يتطلب السرعة والإنجاز، كإنقاذ شخص من خطر محدق أو مواجهة كارثة أو غيرها، وصار المثل السوداني يقول حين يفشل الأمر، ويصير تأثيره سلبياً "جابوه فزعة بقى وجعة".
ولا تقوم ممارسة النقد الأخلاقي على القراءة التاريخية في التحليل والإستبانة، وإنما تنتزع الأشياء من سياقها التاريخي والاجتماعي وتزرعها في سياقات مغايرة. بل أكثر من ذلك يتحول النقد الأخلاقي في كثير من الأحيان إلى ممارسة سلطوية تجريمية، وانتقائية لا تحكمها القواعد أكثر مما تحكمها المزاجية وموقع من يَكتُب مما أو ممن يُكتَب عنه في موازنات القوى وتجليات السلطة المتعددة. في ظل وضعية النقد الأخلاقي هذه يصبح من الصعوبة بمكان الحديث عن شروط الحرية في الكتابة. وتصبح أمزجة الناس قوانين حاسمة، ويغرق بالتالي الموضوعي في الذاتي، والعام في الخاص، والمجرد في المغرض.
وددت بهذه المقدمة النظرية أن أتجاوز سخونة الحديث المباشر، وأن أتجاوز أيضاً فخ الدوافع الذاتية التي قد تستغرقنا، بما لا يفيد تعضيد الفكرة ولا يصيب منها القارئ معرفة. وفضلت أن أفتح أشرعة الحوار لممارسة النقد والنقد الذاتي. ولمزيد من المسئولية تجاه الكتابة وتجاه الكلمة التي نسطرها، وليس خافياً على أحد ما تقود إليه الكلمة المكتوبة.
السياق التاريخي وأهميته في التحليل:
واحدة من أكبر إشكاليات تفكيرنا المعاصر تتمثل في غياب القراءة التاريخية للظواهر والأحداث، ولا يخفى على القارئ المنصف ما يؤدي إليه ذلك من ضعف التحليل وتهافت النتائج. ويغفل كثيرٌ من كتابنا، أهمية السياق التاريخي حين يوغل كثيراً في إطلاقاته وحين يحاكم بمعايير اليوم نصوصاً كُتبت في سياق مختلف تماماً عن الذي نعيشه الآن. ويغفل أيضاً عن التراجع الكبير الذي حدث لمجتمعاتنا بما يشابه الردة الحضارية وضمور الوعي الجمعي وغلبة ثقافة التكميم و التحريم و الإقصاء على مجمل حركتنا الثقافية. حُجبت كتابات شكلت جزءاً كبيراً من عافية الوعي في حقب الخمسينات و الستينات تحت مزاعم مخالفة الدين والأعراف. وأزيحت مؤلفات هامة جداً من أرفف المكتبات بدواعي المحافظة على الأخلاق. غابت و شُوِّهت كتب مثل، الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق، وكل مؤلفات الشهيد محمود محمد طه والشعر الجاهلي لطه حسين، وألف ليلة و ليلة وأولاد حارتنا وغيرها من الكتب التي كانت في يوم غير يومنا هذا تتوسد أرصفة شوارع المدن لا في العاصمة الخرطوم وحدها بل في أقاصي الشرق والغرب وبقية مدن السودان وأنحائه البعيدة، ولو أنك سألت عن أمر كهذا اليوم لصار أمرك عجباً. وصارت إجازة إصدار الكتب الأدبية والعلمية تصدر من تحت قفاطين وعمائم رجال الدين. وتدريجياً انداحت لوثة التحريم و إفتئات غير ذوي الصفة على كل شئ حتى صار من الطبيعي أن يفتي من لا يعلم في ما لايعلم فيه، وصرنا نرى فتاوى دينية في مسائل علمية تطبيقية جداً تخص الطب والفلك والعلوم. وانتقلت حالة التخويف من كونه سلوكا تمارسه فئة بعينها على الآخرين إلى رقيب داخلي يمسك بتلابيب الأفراد ويفسد عليهم حتى أفراحهم الصغيرة.
وقد تنبه مؤلف كتاب «المجذوب والذكريات» في كتابه لهذا الأمر بحساسية بالغة حيث ذكر:
" الحديث عن المجذوب في ظل الحالة العقلية الراهنة للمجتمع السوداني والمجتمعات العربية عموماً في الثمانينات والتسعينات (ولاندري إلى متى؟) صعب للغاية. فالمجذوب عاش في عصر الحريات العامة. في عصر كان الإنسان العربي ينتمي فيه إلى المجرى العام للتاريخ الإنساني. أما الآن و بعد أن وجدت قوى التخلف فرصتها لفرض أولويات القرن السابع الميلادي على القرن العشرين، فستجد الأجيال الحالية صعوبة كبيرة في فهم المناخ الإجتماعي الذي سمح للمجذوب بأن يتغنى بالطريقة التي تغنى بها في شعره، و التمرد الذي جاهر به في حياته». علي أبوسن، المجذوب والذكريات الجزء الأول ص 14.
وهذا الإستدراك، لمن يعتبر، يؤكد أن المؤلف حين كتب عن المجذوب كان شديد الحساسية تجاه الأمر، ولكن يظل من الطبيعي جداً اختلاف الناس في صحة أو خطأ تقديره ثم قراره بنشر مذكراته بصورتها التي نشرت بها. ولا يمكن بأي حال من الأحوال قبول أن يكون خلاف كهذا غير محض خلاف موضوعي. على أية حال، في وضعية كمثل التي أشار إليها المؤلف، أضاع كثيرٌ من المثقفين أهم عناصر قوتهم، وهي المقدره على الوقوف على مسافة بعيدة من الظواهر والأحداث بما يمكنهم من حسن القراءة والتأمل واستقامة التخريج، وهو ما يُحتِّمه عليهم التزامهم تجاه أنفسهم وتجاه مجتمعاتهم. فالمثقف الحقيقي يستفتي ضميره قبل كل شئ.
اختطاف المجذوب (صورة المجذوب بعد المذكرات وقبلها):
إن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي الإجابة عنها في سياق الموضوع الذي نتناوله، هو عن مدى الإضافة التي أضافها كتاب الذكريات للباحثين والنقاد والمبدعين في تعزيز الصورة الذهنية للمجذوب كمبدع رافض وساخط عظيم. ومدى نجاحه في إلقاء الضوء على شخصية هذا الشاعر العملاق، والكيفية التي عكس بها روح المبدع القلق المتمرد الرافض. هذا شأن موضوعي ومبحث ستحفل به الأوساط الثقافية والأدبية كثيراً في سودان الغد، بعد أن يهدأ غبار النفوس الذي عتّم صفحة الحياة الأدبية والسياسية السودانية، ويلتفت الناس إلى الأهم. قدمت المذكرات المجذوب وغيره من الشخصيات العامة بما فيها شخص الكاتب نفسه كأناس عاديين. بضجة أرواحهم وضجرها، بأحلامهم الصغيرة والكبيرة، وبسقطاتهم وتجلياتهم. المؤلف لم يوفِّر نفسه من كل ذلك بل كان جزءاً وهو يحكي عن نفسه مثلما حكى عن الآخرين. فهل ما زلنا نعتقد أن رموزنا السياسية والثقافية ومبدعينا ومفكرينا هم مجموعة قديسين أصفياء أنقياء لا سقطات لهم ولا أخطاء؟ وهل مازلنا نعيش وهم أن كون هذه الرموز و هؤلاء المبدعين سينقص من مقدار منجزهم العام، كونهم قد أصدروا تعليقات هنا أو هناك أو ألفاظاً بعينها؟ اللهم إلا إذا حُشِرنا حشراً في «كستبانة» النقد الأخلاقي واستغرقنا عرّابوه؟
بالنسبة لأي محلل منصف ستكون فصول الكتاب التي إقتربت من شخصية المجذوب ورصدت ردود أفعاله التلقائية والعفوية ومقدرته الكبيرة على تحليل الواقع الإجتماعي والسياسي ثم طرح محصلاته في تعليقات عابرة ذكية ساخرة وساخطة، ستكون مداخل لمقاربات جديده لشعره ومنجزه الأدبي. ولنكون أكثر دقة سنقول إن تمرد المجذوب وسخطه لم يكشفه كتاب الذكريات لمن عرف المجذوب وقرأه، وإنما ساهم الكتاب في إجلائه من زوايا مختلفة وجديدة، وأعطى مدخلاً فريداً لقراءة المجذوب الإنسان داخل المبدع بصورة لم تكن لتتوفر من مداخل أخرى.
ستظل محاولة إدانة الكتاب من باب كونه أفشى أسرار المجذوب أو أساء إليه، في حقيقتها محاولة لإختطاف المجذوب المبدع الرافض، من فضاء الحرية التي كان شديد التوق لها، لإدخاله ضمن منظومة الفهم الإنتقائي للأخلاقي واللا أخلاقي بحسب رواد " الفزعة".
إن الضعف البين في حجة البطل والاضطراب الواضح في مقاله الأخير «بعيداً عن الأدب وقلته» الذي لم نصِب منه غير مواصلة الكاتب في إطلاق التعميمات بلا إستيثاق ولا تبصُّر، جعلنا في حيرة من أمرنا مما إذا كان البطل الذي قبل أن يفرغ من الكتابة عن الذكريات فتح مبحثاً جديداً ليتناول فيه موضوعاً آخر لعلي أبوسن، يهدف إلى تناول الموضوع، أم إلى تشويه الذات؟ ذاك باب من الكتابة المغرضة كما ذكرنا في مقالنا السابق لن يكون من السهولة إستيعاب دوافعه أو وسمها بالموضوعية. ومع ذلك يبدو الاضطراب بيناً في استشهاد البطل بحيث يصعب على القارئ فهم ما إذا كان البطل يشيد ب «أبوسن أم يدينه!!
يقول البطل تعليقاً على الكتاب الآخر الذي اسمه «رسائل الترابي والحركة الإسلامية الحديثة» وليس كما أسماه البطل- مواصلاً عدم دقته- «مراسلات الترابي» (نقول ان مبادرة إبي سن بنشر تلك الرسائل الحقت بالشيخ الترابي أفدح الاضرار إذ ألقت بظلال سالبة على مصداقيته الشخصية وكفاءته الخلقية واستقامته الفكرية. وبعض هذه الرسائل تكشف عن شخصية ميكافيللية، لا سيما تلك التى يشرح فيها ويبين مُرامه من كونه اختار جماعة الاخوان المسلمين، مع ضآلة شأنها مجالاً لحركته التنظيمية وفضاءً لطموحه السياسي عقب عودته من فرنسا في النصف الاول من الستينات، خلافاً لغيره من شباب المثقفين من أنداده الذين اختاروا الانضمام الى الاحزاب الوطنية الكبرى. وقد أصاب الترابي عين الثور، كما يقول الفرنجة، وهو يسطر بعض تحليلاته واستنتاجاته ورؤاه لما عسى ان تنداح عنه عجلة الزمان ، اذ صدقته الايام وكان محقاً تماماً في غالب ما ذهب اليه، لكأنه كان - وهو يكتب تلك الرسائل- يحدق بعينيه داخل كرة المستقبل البلورية. بيد ان مصدر الازعاج الوحيد هنا هو ان ما جاد به الترابي في بعض رسائله لصديق شبابه، على حدة ذكائه وبراعته، يعكس في جوهره حالةً ذهنية متمركزة حول الذات، تطغى عليها روح الأنا، وتدور في مدار التطلع الشخصي والطموح الذاتي الانتهازي المحض، فتنحسر عنه «الفكرة» ويغيب عنه «المبدأ». فتأمل!
وما عرفنا البطل يستشهد بمقالة الدبلوماسي والكاتب جمال محمد إبراهيم ليثبت صحة فرضيته أم ليثبت بطلانها حيث يقول الدبلوماسي الأستاذ، جمال محمد إبراهيم، الذي تناول كتاب «المجذوب والذكريات» وكتب بحس وفطرة سليمين، في خاتمة مقاله وبعد عدة استشهادات من «المجذوب والذكريات»:
«فما أدعانا، إذاً لأن نجدّ حثيثاً لنجمع هذا الإرث البديع لشاعرنا الراحل المجذوب، فليس في الأمر نبش في سيرته الشخصية، أو تقصي لاعترافات فضائحية، بل هو حرص على جميل إبداعه، والنضير من كتاباته التي تنزلت من فطرة قلمه، منسابة بلا تكلف ولا احتراز ولا تقية!»
ليت «الأحداث» تستجيب لمناشدة البطل بإعادة نشر مقال الدبلوماسي الأستاذ جمال محمد إبراهيم ففيه من الإمتاع ما يقينا شرور النفوس، أغراضها وأمراضها.
لا أحد كان سينكر على البطل قوله حين يقول وانما أردنا أن نُفصح عن عقيدتنا، وأن نسندها بالبراهين الناطقة والحجج الناهضة على أن أبا سن أخفق إخفاقا مزرياً في عرضه للثروة المهولة التى وجدها بين يديه، من رسائل المجذوب اليه والى السيدة الانجليزية روزميري، وان معالجته لامر هذه الرسائل اتسم بالفجاجة والركاكة وضعف الحساسية، ولا نقول الخبث[.
نقول ألا أحد كان سينكر على البطل الإفصاح عن عقيدته رغم فسادها البين، فهي عقيدته! أو أن يعرض ما شاء من حججه وبراهينه، رغم ضعف الاستدلال فيها، أو أن ينشر رأيه في الطريقة التي عالج بها أبوسن مذكراته ورسائل المجذوب إليه. ولا أحد كان سيعيب عليه وصف هذه الطريقة بالأوصاف التي ساقها من «ركاكة، وفجاجة، وضعف حساسية»، لو أنه ناصح نفسه، وبذل شيئاً من الجهد في إثبات مزاعمه قبل أن يتخذ «قلة الأدب» «والتخوين» عنواناً سعياً وراء الإثارة والاستعراض. ولو أنه تبصر قليلاً لجنب نفسه كثيراً من المزالق التي ستخصم من رصيده ككاتب وستضع تساؤلاً كبيراً حول مدى تحريه الدقة ومدى تحققه مما يكتب.
ولو أن البطل ورواد «فزعة» النقد الأخلاقي اطلعوا على كتابات الراحل الكبير الناقد رجاء النقاش، الذي قدم عملاق الرواية العربية، الراحل الطيب صالح للعالم العربي، و الذي ظل اسمه متوهجاً كأحد أهم منارات النقد العربي لعقود من الزمان، وقد كتب عن «المجذوب والذكريات» مجموعة حلقات متصلة في مجلة «الوطن العربي»، أجزم أنه كان ليصاب بالخجل الشديد من نفسه من البون الشاسع في التناول، ولوجد فيها درسًا مفيدا يكشف له عن اللبس التي يعاني منه هو وآخرون في تعريف الأخلاقي واللا أخلاقي. وكان سيخجل من آفاق الكتابة والتناول المتجرد والمبدع لأدب الرسائل وأدب الذكريات. وكان سيتواضع كثيراً من مثل هذا التيه الذي سدر فيه موزعاً إطلاقاته بطمأنينة يحسد عليها.
لم نكن نود أن نفسد للبطل صفاء عطلته السنوية بأن نضطره إلى استبدال مقالاته التي بذل جهداً كبيراً في «تشوينها» بكل ألوان الشتائم والتصغير لكاتب الذكريات. كما لم يكن أبداً هدفنا أن نضيق عليه في مساحات الإعجاب الواسعة التي اعتاد الاستمتاع بتقريظ قرائه له فيها. إلى جانب أن زمننا نفسه لايسمح لنا بملاحقة كل ما يكتب لولا أنه اضطرنا في هذه المرة اضطرارا لذلك باستهانته بالكلمة والقارئ معاً ومحاولته المريبة تشويه الراحل علي أبوسن بحزمة من المزاعم الفاسدة التي لا تصمد أمام أي مساءلة أو مراجعة.
وقد حاول البطل أن يجد نسقاً غيبياً ليبرر به خيبته وفشله في أن يدافع عن مقاله المجاني «أحاديث الأدب و قلة الأدب» ، «مصوراً ذلك بكونه إرادة الله حيث يقول «يبدو أن الله كتب في لوحه المحفوظ (هكذا) على ناقدي كل مؤلفات أبي سن، لا ذلك الكتاب وحده، أن يشرعوا في النقد ثم يرتدوا على أعقابهم بعد أن يخطوا في ذلك السبيل خطوتهم الاولى.... إلخ)، رابطاً إحجامه عن المواصلة في نشر مقاله، بموقف مزعوم أشار فيه لمقالات للدكتور عبد الله حمدنا الله تناول فيها كتاب «المجذوب والذكريات»، ومقال مزعوم آخر للدكتور محمد وقيع الله كان يود الرد فيه على كتاب «رسائل الترابي، والحركة الإسلامية الحديثة»، لولا أن أثناه الترابي نفسه عن ذلك!!
وذلك باب من «الاستهبال»، غير المجدي ومحاولة مفضوحة للمزايدة في سوق الكلام المجاني سنجد أنفسنا مرة أخرى مضطرين لإثبات زيفها. فالبطل يتحدث عن مقالات مازالت موجودة في سوق «الله أكبر» الإسفيري، كتبها ونشرها في فبراير من العام 2004 د. حمدنا الله وتناول فيها كتاب «المجذوب والذكريات» أي قبل حوالي ست سنوات، وهي المقالات التي زعم البطل أن حمدنا الله أسرّ له بأنه نشر حلقتها الأولى ثم سحب الأخريات لدى علمه بأن علياً كان مريضاً.
فما نجزم به هو أن د. حمدنا الله قد نشر مقالين بصحيفة الصحافة عن الكتاب تحت عنوان «همبتة المذكرات» وقد حدد ترقيمهما من اثنين سلفا (1-2(بالتالي، فإننا نفهم وحسب أصول النشر أن مقال د. عبد الله حمدنا الله المذكور قد نشر بالكامل، وإلا كنا سنرى نوعاً آخر من الترقيم على صدر المقال يشي عن حلقات لم تنشر! فهذا زعم باطل كغيره من مزاعم البطل لا أدري أين نجد له موقعاً من التبرير.
خلاصة القول، وأياً كانت الأسباب التي حدت بالبطل لأن يحجب بقية مقاله في الحلقتين اللتين أرسلهما كما ذكر للنشر، فإن هذا شأن يعنيه وحده ويعني أصدقاءه الذين لا يَرُد لهم طلب كما قال. ولو أن الأمر لديّ لأثنيته بشده على قراره هذا ولشجعته لينشر ماحجبه، لأنني على يقين أنه ليس لديه مايقوله أكثر مما قاله. لن يخرج البطل من الدائرة العبثية في فهمه للأخلاقي واللا أخلاقي ومن مزيد من التبذُّل في محاولته غير الحميدة للإساءة لكاتب الذكريات، وستكون كل مدوراته ومراوحاته للاستهلاك الذي لا يقدم ولا يؤخر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.