قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    الجمعية السودانية لعلوم الفلك والفضاء: 18 فبراير أول أيام شهر رمضان    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    كباشي .. القوات المسلحة ماضية بعزم لا يلين في ملاحقة ما تبقى من "بقايا المليشيا المتمردة" والقضاء عليها    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    الفنان محمد صبحى يعود إلى ماسبيرو بالمسلسل الإذاعى «مرفوع مؤقتا من الخدمة»    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    الطب الشرعي الرقمي صائد جديد لمجرمي الإنترنت والذكاء الاصطناعي    ترامب ينشر فيديو مسيئًا لأوباما وزوجته ثم يحذفه    دواء جديد يعيد ضبط الساعة البيولوجية ويقلل اضطراب السفر    ابتكار بخاخ أنفى يساعد على الوقاية من الإصابة بالأنفلونزا    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    8 علامات تنذر بمشكلات في الأمعاء لا ينبغي تجاهلها    بمشاركة واسعة بالخرطوم... الاتحاد السوداني للتربية البدنية يناقش معوقات المعلمين والبروف أحمد آدم يؤكد دعم تطوير المنهج والتدريب    السودان يرحّب بالقرار 1591    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    أحمد عزمى.. "الجوكر" الذى خلع عباءة الأدوار الثانوية ليبرع فى الشخصيات المركبة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصراع حول المياه في حوض النيل من يدفع الثمن؟ ... بقلم: دكتور إبراهيم الأمين
نشر في سودانيل يوم 14 - 07 - 2010

يعد السودان من أكبر أقطار أفريقيا مساحة وأكثر مجتمعاتها تنوعاً. ويتميز أيضاً بموقعه الوسيط الممتد من صدر القارة إلى عمقها عند البحيرات الإستوائية وبعددية الدول المحيطة وبما يتمتع به من علاقات قوية ومتشابكة معها، وهو بحق منطقة تفاعل وتدامج بين شعوب وثقافات القارة الأفريقية من ناحية والعرب من ناحية أخرى. ويربط معظم الدول المحيطة بالسودان نهر النيل وروافده العديدة القادمة من الشرق من الهضبة الأثيوبية ومن الجنوب من البحيرات الإستوائية لهذا يقال أن السودان دولة محورية في أفريقيا وفي حوض النيل. ففي السودان 62.8% من مساحة حوض النيل وهو ليس دولة مصب كما يتردد في وسائل الإعلام. السودان دولة منبع ويساهم بقدر كبير في مياه النيل ربما لهذا كان ومنذ أيام محمد علي إلى اليوم ساحة للصراعات الإقليمية والدولية بين مشروع إسماعيل باشا لتوحيد حوض النيل من منابعه إلى مصبه تحت إدارة واحدة مركزها مصر- ودول أوروبا التي تمكنت فيما بعد من السيطرة على القارة الأفريقية وتقسيمها إلى مناطق نفوذ في مؤتمر برلين 1884- 1885م وعن السودان عبقرية الموقع كتب الأستاذ محمد أبو القاسم حاج محمد الآتي:
إن وقفة متأنية لدراسة الأطر التاريخية والتدامج الوطني السوداني يمكن أن تكشف لنا أن السودان ليس بلداً واسعاً فحسب بل هو مجال للتدامج القومي لكل شعوب القارة الأفريقية مع بعضها من ناحية ولتدامجها مع العرب من الناحية الأخرى. فالسودان يتخذ جغرافياً موقعاً في مشرق القارة حيث تقوم حدود التماس الحضاري ما بين السلالات العربية التي تمتد من غرب النيل إلى المحيط الأطلسي وعبر حوض السافانا ما بين الغابة والصحراء وبين سلالات الهضبة الأثيوبية وما يسمى عادة بالأجناس الحامية والتي تشمل المنطقة ما بين النيل والبحر الأحمر شرقاً. وأضاف الحاج حمد والسودان لا يعتبر فقط منطقة تماس وإتصال جغرافي وحضاري ما بين شعوب أفريقيا إلى الغرب والشرق ن النيل بل هو منطقة تماس ما بين هذا التدامج والمحيط الأفريقي الإستوائي الممتد إلى الجنوب وصولاً إلى البحيرات العظمى. فالسودان دائرة تفاعل كبرى تحتوي على كل مكونات أفريقيا شمال وجنوب الصحراء بثقافاتها المختلفة. مع هذا نجد أن السودان هذه الأيام في أضعف حالاته، تتبادله أرجل اللاعبين الإقليميين والدوليين بعد أن فقدت الدولة السودانية هيبتها. أما النخبة السودانية فهي بعيدة عن قضايا البلاد وأزماتها مع خطورتها الجميع بلا إستثناء خاصة الأحزاب السياسية فقدت القدرة على القيادة في ظل توازن الضعف والإهتمام بمصالح الأفراد والأسر والقبائل... الإستفتاء (وسيف الإنفصال البغيض مسلط على رؤوسنا) الأزمات كثيرة ومتلاحقة الإستفتاء، أزمة دارفور، وأخيراً أزمة مياه النيل.
نهر النيل... الماضي والحاضر والمستقبل
على نهر النيل قامت أعظم الحضارات (المصرية – المروية - والاكسومية) جميعها تدين في نشأتها وإزدهارها للنهر نهر النيل القادم من قلب أفريقيا في رحلة شاقة وطويلة عبر مناطق لها تضاريس مختلفة وقاسية، شكل لغزاً لم تستطع حضارات العالم القديم الوصول إلى معلومات موثقة عنه تمكنها من معرفة أسراره... من أين ينبع؟ وما سر إندفاعه وفيضانه في فصل معين من العام؟ وما سر التغير الذي يحدث في مياهه في فصل الخريف؟ أسئلة إحتار في أمرها الأقدمون وقالوا إن الآلهة تريد إخفاء منابع النيل لسر في نفسها!! وقال الشاعر اليوناني هيموروس: النيل سيل نابع من السماء...!! ورفع النيل إلى مصاف الآلهة... تاريخياً قهر النيل العظيم كل الذين حاولوا في تلك المرحلة السباحة عكس تياره حطم غرور الإسكندر ونيرون الذي إدعى أنه يملك القدرة التي تمكنه من إزالة كل العقبات التي وقفت أمام من سبقوه. وبعثات محمد علي الثلاث بقيادة سليم قبطان 1838- 1840 -1841 لم تحقق نجاحاً يذكر إلى أن تم التعرف على منابعه في 15 فبراير 1863 حين تم اللقاء بين سبيك القادم من الجنوب بصموئيل بيكر الذي أبحر في الإتجاه المعاكس.
وفي عهد إسماعيل باشا وهو صاحب مشروع تمت الإشارة إليه في بداية هذا المقال تمددت إملاك الإمبراطورية الخديوية في منطقة البحيرات الإستوائية. ربما لهذا السبب وصف ماكمايكل الذي تتقاطع مصالح بلاده مع مصالح مصر مشروع إسماعيل باشا للسيطرة على منابع النيل بأنه مشروع أمبريالي. والغريب في الأمر أن إسماعيل باشا لإنفاذ مشروعه إعتمد على قيادات أوربية وأمريكية صموئيل بيكر (بريطاني)، شارلز غردون (بريطاني)، رومولو جسي (إيطالي)، الكولونيل كاي لونج (أمريكي)، شنايتزر وهو الذي عرف لاحقاً بأمين باشا(ألماني).
نهر النيل والتحكم في مساره:-
يغطي حوض النيل أكثر من مليون ميل مربع يجري فيها النهر وروافده منذ آلاف السنين ولا من متحكم فيه أو متنبئ بأفعاله. في مصر أكثر الدول إعتماداً على مياه النهر كان الفيضان كل عام كافياً لمقابلة إحتياجات الشعب المصري ومع زيادة السكان وملاحظات خبراء ومهندسي الري عن تناوب دورات الرخاء والقحط والفقر والمجاعة تبعاً لإختلاف دورات سقوط الأمطار، بدأ التفكير في وسائل للتحكم في مياه النهر أي ترشيد المياه التي تتفاوت كمياتها بين موسم وآخر. ففي القرن التاسع عشر أقام محمد على باشا القناطر مما سمح بإدخال نظام الري الدائم في مصر وتطور إلى ما يعرف بالتخزين السنوي بمعنى تخزين مياه الفيضان الزائدة وفي عام 1902 أتمت مصر بناء خزان أسوان وراود مهندسي الري قارسنGarstin 1904، ماكدونالد 1920، وهيرست 1946. حلم نحن اليوم في أمس الحاجة له وهو ضرورة الإستفادة القصوى Maximum Utilization من مياه النيل بإقامة خزانات وسدود تكفي لتخزين المياه لا لعام قادم فقط وإنما تجاوز ذلك بالإتجاه إلى التخزين القرني Century Storage أي خزانات تسمح بتخزين المياه الكافية لسد إحتياجات مصر لمدة قرن كامل من الزمان وقد إتجه تفكيرهم إلى الإستفادة من بحيرة فكتوريا وألبرت وكيوجا بأن تتحول هي نفسها إلى خزانات ضخمة تحتجز فيها المياه الناتجة عن الأمطار الإستوائية بإقامة سدود Regulators على مخارج هذه البحيرات وتكتمل الحلقة بحفر قناة جونقلي لتفادي ضياع 60% من المياه في منطقة السدود.
هنا يجب أن ننتبه إلى أن الحدود السياسية ليست لها أهمية من منظور هندسي بحت. (هذه نصيحة لدعاة الوحدة المائية لمصلحة كل دول حوض النيل).
لهذا السبب قدم وزير الأشغال المصري حينذاك عبد القوي أحمد باشا للكتاب الذي أصدره هيرست عن (المحافظة المستقبلية لمياه النيل) بسرور وإرتياح إذ قال: هذه أول مرة تتم فيها دراسة قضية التنمية المتكاملة في مصر بمثل هذا التفصيل. كما أنها أول مرة بتم فيها إدخال فكرة جديدة هي فكرة تخزين المياه لقرن من الزمان وإن الكتاب يوضح أنه لا يمكننا الإستمرار في التقدم على مراحل صغيرة تاركين فكرة التنمية الشاملة للمستقبل بل إن القرار لابد أن يتخذ بشأنها منذ الآن.
وفي عام 1947 وافقت الحكومة المصرية رسمياً على مشروع هيرست وجاء عام 1952 بثورة تغيرت معها معالم المنطقة وتوجهاتها ثورة 23 يوليو إذ قرر مجلس قيادة الثورة تنفيذ المشروع ولكن في موقع آخر وهو بناء سد عملاق جنوب خزان أسوان وهو البديل عن مشروع هيرست وكان الإختيار مع ما صاحبه من عيوب أهمها إرتفاع نسبة التبخر في منطقة جافة وحارقة لأسباب سياسية وإستراتيجية أكثر منها فينة لضمان مصر لمياهها المخزونة داخل حدودها السياسية ويصف كولينز المؤرخ وخبير المياه الأمريكي قرار مجلس الثورة بناء السد العالي بأنه من الناحية السياسية كان يمثل مشروعاً جباراً وجريئاً بل مثالاً حي لبعد نظر قادة الثورة. وعلق الدكتور محمود سمير أحمد بأن الحجة التي تحطمت أمامها حجج وأرقام وحسابات المهندس هيرست البريطاني هي أن السد العالي حرر مصر من إعتمادها التاريخي على دول حوض النيل وذلك بضمان تزويدها بالمخزون من المياه الذي يكفي إحتياجاتها لأكثر من عام مقدماً وكل ذلك داخل حدود مصر.
هذا عن مصر، أما السؤال الواجب طرحه هنا ماذا عن بقية دول حوض النيل؟
غياب مصالح هذه الدول في إستراتيجية مصر المائية يعني تكرار ماحدث في إتفاقية 1929 التي كتب عنها ماكمايكل في مذكراته وقال: إتفاقية 1929 لازالت سارية المفعول ولكن الخلفية ككل ستتغير بنيل السودان لإستقلاله وسيدفع السودانيون دون شك ولو أنهم يقبلون في الوقت الحاضر بالإتفاقية التي أبرمت بين بريطانيا ومصر وأنهم غير ملزمين ببنودها. وأشار ماكمايكل للبيان الذي أدلى به السيد عبد الرحمن عبدون في الجمعية التشريعية في مايو 1951 وأشار فيه إلى أن التقسيم الحالي لمياه النيل بين مصر والسودان يقوم على إتفاقية مياه النيل المبرمة بين المملكة المتحدة ومصر لكي يتمشى مع الأحوال السائدة في ذلك الزمن والمنتظرة في المستقبل القريب له دون أن يمس ما يمكن أن تكون عليه الأحوال في المستقبل البعيد. وقد نصت الإتفاقية على قواعد عامة فيما يختص بأعمال الري في نهر النيل وبقتضى الإتفاقية قسمت السنة إلى قسمين وهما زمن الفائض من مياه النيل من آواسط شهر يوليو إلى آخر ديسمبر وزمن الإنخفاض أو زمن التحاريف من يناير إلى آواسط يوليو وقد حدد نصيب السودان في كل من هاتين الفترتين بكميات محدودة!!
إن زيادة نصيب السودان من مياه النيل من أهم المسائل الحيوية لإستمرار تقدم إقتصادية ورفع مستوى معيشة مواطنيه. وقد بنيت إتفاقية مياه النيل 1929 على أساس يتفق مع الأحوال السائدة في ذلك الزمن والمنتظرة في المستقبل القريب منه دون أن يمس ذلك ما يمكن أن تكون عليه الأحوال في المستقبل البعيد. ولقد إستنفدت هذه الإتفاقية أغراضها ويحتاج السودان إلى مياه أوفر بكثير مما تعطيه الإتفاقية وقد إعترفت الحكومة المصرية بذلك.
في عام 1950 إستنفد السودان حصته من مياه النيل بوجب إتفاق 1929 وكان السودان يستخدم 4 مليار م3 بينما كانت مصر تستخدم 48 مليار م3 أما باقي الياه 42 مليار م3 كانت تذهب إلى البحر، ولحاجته الماسة حصل السودان على سلفة مائية مقدارها 200 مليون م3 في أبريل 1953 وأخرى بنفس الكمية في ظل حكومة الرئيس إسماعيل الأزهري في نهاية عام 1954 وفي نفس العام بدأت الإجتماعات التمهيدية بين السودان ومصر حول مياه النيل وكانت الأجندة التي طرحها الوفد السوداني بقيادة السيد ميرغني حمزة وهو صاحب رؤية، وعلى قدر عالٍ من الكفاءة (خبير في مجال تخصصه) ومن الحنكة السياسية في 5 أبريل 1954 للوفد المصري بقيادة محمد أمين وكيل وزارة الأشغال المصرية هي:
1- تعديل إتفاق 1929 لحاجة السودان لمزيد من المياه.
2- إنشاء خزان الرصيرص.
وفي نهاية الإجتماعات التمهيدية بعثت حكومة السودان برسالة إلى الحكومة المصرية ورد فيها أن حكومة السودان ترغب في المضي في تنفيذ مشروع المناقل. هنا تجدر الإشارة إلى أن مصر علقت موافقتها على إنشاء خزان الرصيرص على موافقة السودان على قيام السد العالي. رفض السودان مبدأ الربط بين المشروعين. فالسد العالي يسع 130 مليار م3 من المياه بينما لا تتجاوز سعة خزان الرصيرص 3 مليار م3.
النقطة التي أريد في هذا المقال التركيز عليها هي أننا في السودان وفي مصر لم ننتبه لمشروع ميرغني حمزة الذي تجلت عبقريته في مجال التعليم والري وهو رائد التعليم الفني وصاحب مدرسة في مجال مياه النيل، ظهرت بجلاء عندما تقدم الوفد السوداني بمشروع جاء فيه أن السد العالي بشكله المقترح ليس أفضل وسيلة لتنمية وادي النيل كوحدة هيدرولوجية. وإقترح السودان كبديل سلسلة من الخزانات الصغيرة مع الإستفادة من البحيرات الإستوائية في التخزين لتقليل حجم المياه المخزونة شمال الخرطوم حيث أن فاقد التبخر في النيل الرئيسي شمال الخرطوم يعد من أكبر المعدلات في العالم. موقف مصر من السد العالي له ما يبرره سياسياً وهو فقط يخاطب إحتياجات مصر أما موقف السودان فهو الذي يتحدث عن المستقبل ويخاطب تطلعات مصر والسودان وبقية دول النيل والدليل أن تقرير السد العالي الذي أعده خبراء الحكومة المصرية جاء فيه أن الفوائد المائية التي ستنتج من السد العالي ستكون كالآتي:
متوسط إيراد النهر الطبيعي 80 مليار م3
فاقد السد العالي 10 مليار م3
نصيب مصر 60 مليار م3(وهو نصيب صافي)
نصيب السودان وفاقد خزان جبل أولياء 10 مليار م3(وهو نصيب غير صافي)
كشف عدم مصداقية هذه الأرقام كراسة أصدرتها وزارة الري السودانية في أكتوبر 1955 تعليقاً على الدراسة التي أعدها القائمقام مهندس سمير حلمي عضو الجانب المصري في مايو 1955 بعنوان نحو الإستغلال الكامل لمياه النيل الماضي الحاضر والسياسة المستقبلية فقد ورد في كراسة وزارة الري (مدرسة ميرغني حمزة) أن متوسط إيراد النهر هو 84 ملياراً من الأمتار المكعبة وليس 80 ملياراً. وإن من حق مصر المكتسب هو 48 ملياراً وليس 51 ملياراً وذكر الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه نقطة على درجة عالية من الأهمية وهي الإستفسار الذي تقدم به الجانب السوداني عما إذا كانت العشرة مليارات الواردة في تقرير السد العالي هي نصيب السودان وكانت الإجابة أن نصيب السودان هو 4 مليار م3 حقه المكتسب و 4 مليار م3 سوف تضاف له بعد قيام السد العالي. أما ال2 مليار م3 الباقية فهي فاقد خزان جبل أولياء وأضاف القائمقام مهندس أن الأربعة مليار م3 التي سوف يكسبها السودان بعد قيام السد العالي تعتبر زيادة كبيرة في حصته لأنها تزيد نصيبه الحالي بمقدار مائة في المائة 4+ 4 = 8 مليار. وخلال إجتماعات الخبراء إقترح السودان أن يحدد نصيبه من إيراد النهر الطبيعي قبل قيام السد العالي أو أية مشروعات أخرى على الأسس الآتية:
أولاً: على أساس الأراضي الجيدة والسهلة الري، وعلى أساس المقننات المصرية للفدان على هذا الأساس يكون نصيب السودان 35 مليار م3 ومصر 49 مليار م3.
ثانياً: على أساس السكان يكون نصيب مصر 56 مليار م3 والسودان 28 مليار م3.
ثالثاً: على أساس رأي مستر كوري العضو الأمريكي في اللجنة الدولية المحايدة لعام 1920. يعترف هذا الرأي بالحقوق المكتسبة ويقسم الفائض مناصفة بين البلدين وبذلك يكون نصيب السودان 23 مليار م3 ومصر 61 مليار م3.
لم يقبل الجانب المصري الإقتراح السوداني وتقدم بأخر أهم ما ورد فيها:
1- إتخاذ مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة التامة للأجيال المقبلة في مصر والسودان أساساً لتقسيم الفوائد المستجدة المضمونة من المياه بإستمرار في كافة السنين وبتقسيم هذه الفوائد وفقاً لما يلي:
أ) عدد السكان في كلا البلدين حسب تعداد محايد يجري في وقت واحد في كل منهما.
ب) تقدير الإحتياجات المائية من النيل للمساحات المستجدة في مصر والسودان يتفق على أساس تطبيق نمط زراعي واحد في البلدين يتفق مع ما هو مطبق في مصر حالياً.
ج) تقسيم صافي الفوائد المستجدة المضمونة بإستمرار في كافة السنين على أساس تطبيق النسبة الناتجة في البلدين أ،ب معاً.
2- لم يعرض الجانب المصري أي أرقام للمناقشة على هذه الأسس.
3- ذكر بأن الحقوق الكتسبة لكل من مصر السودان لا تكون موضوع مناقشة في أي وقت من الأوقات ولا يمكن أن تمس هذه الحقوق مهما كانت الظروف.
لم يتوصل الجانبان في إجتماعات أبريل 1955 إلى إتفاق مما تسبب في حدوث أزمة زادت حدتها مع إعلان الحزب الوطني الإتحادي تخليه عن مبدأ الإتحاد مع مصر وإنحيازه لخيارالإستقلال.
هذا ما ستتعرض له المقالات القادمة... ففي تلك الفترة كان هناك توازن بين المدرسة السودانية (مدرسة ميرغني حمزة) والمدرسة المصرية. كل طرف يدافع عن مصالحه المشروعة بكفاءة... وهذا من حقه... إلى أن إختل التوازن بتصفية المدرسة السودانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.