إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ترسيم حدود الجنوب .. بقلم: شوقي بدري
نشر في سودانيل يوم 14 - 08 - 2010

كما اورد فيصل عبدالرحمن علي طه في كتابه التوثيقي , إن الاداري ابراهيم بدري قال عندما كان في لجنة الدستور سنة 1951 , ان الجنوب لا يعني فقط المديريات الجنوبية. ولكن جنوب دارفور وجنوب النيل الازرق ومنطقة ابيي. وعندما اثرت مشكلة ابيي الاخيرة, كتبت عنها وقلت. و اقول. ان ابيي هي بلاد دينكا نقوك وان الكلمة ابيي تعني شجرة الجميز بلغه الدينكا , وثار وغضب الكثيرين.
احد المسيرية في امدرمان اتى لأخذ ابنته من مدارس الاحفاد. فسألته شقيقتي الهام بدري عن حاله فقال لها كويسين بس لو شوقي اخوك خلانا في حالنا. و بالسؤال انت بتعرف شوقي؟. كان الرد..لا, لكن هو مش مسكوهو الملف بتاع ابيي.
ولقد كتب آخرون عن ماذا يعرف شوقي بدري عن الموضوع , وما صلة ابراهيم بدري بالدينكا ونزاعات الجنوب؟. الآن وعندما صار موضوع استقلال جنوب السودان قاب قوسين او ادنى اصيب بعض الشماليين بصدمة. وبدأت الحكومة في محاولة بسط سلطاتها على منطقة شمال اعالي النيل. ولقد تعرض بعض ابناء الدينكا للإعتقال و الضرب و التهميش, وهم يحاولون ان يثبتوا حقوقهم في بلادهم و ارضهم و ارض اجدادهم . ولقد اتصل بى نفر كرام من ابناء الدينكا من من اعتبرهم ابناء اخوتى ..
والدي رحمة الله علي كان اداريا في تلك المنطقة في الثلاثينات, وفي الاربعينات. وفي مدينة ارنق التي حولها الشماليون الى الرنك. وولد اثنين من اشقائي, الشنقيطي وابتسام ابراهيم بدري, وهذا مسجل في شهادات ميلادهم. وارنق هي عاصمة شمال اعالي النيل. ولا يمكن ان يشكك اي انسان عاقل في اسم ارنق. لأن ارنق اسم دينكاوي صميم مثل دينق, نقور,قرنق وهي اسماء الملائكة الذين يتصل عن طريقهم الانسان بالخالق نجاليك . وابراهيم بدرى عاش ثلاثه عقود فى جنوب السودان . وهو من وضع اسس لغه الدينكا . ووضع لها الاحرف . وكان يمتحن الاداريين فى لغه الدينكا فى كليه غردون ..
الحدود الشمالية لمديرية اعالي النيل تبدا في دبة الفخار جنوب مشروع جودة. واذكر في الستينات وفي احد المقاهي التي كانت في بلدة جودة ان لفت نظري رجل بويس وهو يرتدي شعار اعالي النيل في قبعته. شعار مديرية الخرطوم كان هو رأس و خرطوم الفيل وشعار النيل الازرق كان الطائر ابومركوب. وشعار اعالي النيل كان الدرقة والكوكاب والطبيقة وهذه رماح الدينكا و الشلك. وسبب وجود رجل البوليس في جودة هو ان مشروع جودة الذي كان يخص آل ابو العلا كان جزء كبيرا منه يقع في مديرية اعالي النيل .
جوده تميزت باشجار النخيل . لان العمال الصعايده اللذين حفروا البياره والقناه , كانوا ياكلون التمر . وآل ابو العلا احضروا الصعايده للعمل فى المشروع . ولم يستعينوا حتى بالعمال السودانيين . ولم يدفعوا ثمن القطن للمزارعين لعدة سنوات . وكانوا يدفعون الغرامه وهى مئه جنيه كل سنه ويعطون المزارعين سلفيات . وكان هذا قانون سحب مياه النيل الذى كان مجحفاً فى حق المزارع . ولهذا كانت المذبحه . والخطوره الآن انهم لن يقبلوا بانضمام المنطقه الى الجنوب .
الاستاذ الكباشى الصافى والذى يكتب فى سودانيز اون لاين تحت اسم كانتونا . كتب موضوعاً فى جريده الخرطوم فى التسعينات . قال فيه ان منطقه كاكا التجاريه تعنى كل شئ لاهله . وانه حتى اذا استقل جنوب السودان فلن يتنازلوا عن المنطقه . وقال يا غرق يا جيت حازما . وسنحزمها فى مصلحتنا . ولقد رددت عليه وقتها بموضوع تحت عنوان ايبى نجل . والنون تخلط مع الجيم . وتعنى اذيك يا زول . وهذا ما يقوله الشلك عندما ياتى الانسان كلام فارغ . هذه المنطقه هى كدوك وتعرف بكاكا او فشوده . ولكن الاسم الصحيح هو كدوك . وكدوك وادوك اسماء شلكاويه مثل اسم الاخ وزير التعليم العالى بيتر ادوك .
كثير من اهل شمال اعالي النيل من دينكا و شلك وآخرون صاروا من المتحدثين باللغة العربية كلغة اولى. ولقد تأثروا بالثقافة الشمالية. وصارت المنطقة جزأ من الاقتصاد الشمالي ولقد اسمتعوا بأسعار للمواد الاستهلاكية ,اقل من بقية الجنوب. نسبة لقربهم من اسواق الشمال. و الانقاذ الآن تحاول ان تثير مخاوف البعض وتمارس سياسة فرق تسد. واهل الانقاذ بارعون في المؤامرات. ولن يترددوا في التضحية بأي عدد من البشر لكي تستمر سيطرتهم. وسيثيرون مخاوف القبائل من اصل شمالي . ولكن يجب ان ينتبه الجميع ويفكروا في ان الانقاذ ستذهب طال الزمن او قصر. ولكن هم وابناءهم سيستمرون في تلك الارض.
السيد محمد عثمان يس المشهور ب سيرانو الصغير وكان صديقا للشاعر توفيق صالح جبريل وابراهيم بدرى كان بمناسبه استاذه . وبسببه كتبت القصيدة كسلا التي يغنيها الكابلي كان اول مدير سوداني لمديرية اعلي النيل بعد الاستقلال وله مذكرات تؤكد هذا. وهو من خلف الاسكوتلندي نيكلسون مدير اعالي النيل المشهور و صديق ابراهيم بدر وكان ابراهيم بدري في ضيافته فى بريطانيا في عام 1961 قبل موته بشهور .
اعالي النيل شملت 7 مراكز ارنك او (الرنك) هي المركز في شمال المديرية و المابان هو المركز المتاخم لحدود جنوب النيل الازرق . وهذه المطقة تعرف بالبرون وعلى مدخل نهر السوباط الى الحدود السودانية من اثيوبيا هنالك مركز الناصر بأغلبية من الانجواك وإن كان للنوير وجود ملموس في هذا المركز. وللنوير وجود حصري في مركز اكوبو. على نهر اكوبو الذي يفصل السودان من اثيوبيا. وجنوب اكوبو هنالك مركز البيبور على نهر البيبور وهذه مناطق المورلي وهذه منطقة استراتيجية لأنها تسمح بالسيطرة على جسر فشلا ومنطقة جبل بوما . وكذلك فى مركز بانتيو للنوير وجود حصرى . اما مركز بور الذى هو آخر مركز جنوباً فى اعالى النيل فاغلبيه السكان من الدينكا . واكرمنى الله بمشاهده كل هذه المراكز . المركز السابع هو مركز فنقاك ويكتبها الشماليون فنجاك. وهذا مركز منطقة الزراف غرب النوير.
كل هذه الحدود مرسومة ومحددة ولا يمكن التلاعب بها. وآخر مفتش لمركز الرنك هو القاضي محمد صالح عبداللطيف وقيع الله من اهل رفاعة ويسكن في مدرمان متعه الله بالصحه . وكان نفوذه يمتد الى دبة الفخار في الشمال وجنوبا الى نهر عدار ومدينة فلج وملوث التي ننطقها نحن ملوط ..
في سنة 1958 وعندما استلم العسكر السلطة كان العم الاميرالاي محمد مصطفى الكمالي الحاكم العسكري لأعالي النيل وكان نائبه ابودقن من آل الباوقا وفي منزلهم في حي المديرية ملكال وبحضور ابنه و زميلي وضابط البوليس فيما بعد بهاء الدين, كان العم محمد مصطفى الكمالي يطلب من احد الضباط ان يأخذ الطوف ويمر بكل شمال اعالي النيل الى جودة .
قانون المناطق المقفولة لم يكن كله شرا و استمر لمدة 15 سنة من 1930 الى 1945 . لم يطبق في واقع الحال ولكن كان هذا ليحد من اندفاع الشماليين الى الجنوب. الا ان الحقيقة كانت ان الشماليين كانوا في كل قرية وكل مدينة في الجنوب واهلي خاصة اهل امي وبعضهم كان قد اتى مع تجارة الرقيق الاولى مثل جدي المباشر اسماعيل واخوه ادريس ابتر تجار الرقيق المشهورون وابتر كان حاكم الرجاف فى التركيه . عاشوا في الجنوب طيلة الوقت. ولقد سيطر الشماليون سيطرة كاملة على الاقتصاد الجنوبي ..
عندما ارتفعت اسعار القطن بطريقة جنونية في الاربعينات والخمسينات بعد الحرب تكونت المشاريع الزراعية خاصة في النيل الابيض اكبرها كان مشروع جودة الذي ارتبط بمأساة و موت مئات المزارعين, وكان اصحابه آل ابو العلا. وهذا ما يسمى بمشروع 48 بوصة ويعني 18 الف حواشة والحواشة 5 افدنة او انقايتين. وكان هنالك مشروع بركة العجب وهو في نفس الحجم وكان ملكا لتجار امدرمان وعلى رأسهم العم عبد الله ميرغني . وكان مديره الشيخ مصطفى شقيق الوزير العم بدوي مصطفى ثم صار مديره كمال ابراهيم بدري. وفي هذا الحجم هنالك مشاريع اخرى مثل مشروع ابو خدرة والقيقر بجانب عشرات المشاريع الاصغر مثل طيبة الذي كان شمال مشروع بركة العجب مباشرة.
البنوك كانت تسكب الفلوس لكبار الموظفين و التجار و الشركات تذودهم بالمضخات بالاقساط والجرارارات والحاصدات والمولدات الكهربائية والشاحنات. والارض كانت تعطى لهؤلاء التجار بسعر اسمي ولمدة 25 سنة .وحرم الدينكا و الشلك والنوير من المراعي لأبقارهم. واتى مئات الآلاف من خارج المنطقة وسكنوا هذه المنطقة واغلبهم من قبائل شرق كردفان و النيل الابيض مثل السليم والصبحة و نزي و البزعة والحسنات. وكانت هنالك قبائل اخرى موسمية تأتي للقيط القطن وهذه القبائل كانت تأتي بجمالها وقطعانها لكي يأكلوا اوراق القطن بعد اللقيط.
وتدفق آلاف المهنيين وسائقي الشاحنات و المياكانيكية والبنائيين. وكان اهل الدار كالعادة يتفرجون. وكنت اناقش اخي كما ابراهيم بدري و آخرين عن سبب انعدام الدينكا حتى في لقيط القطن. ورد احد المزارعين كان (الدينكا يدهم تقيلة في اللقيط .وبعدين الدينكا طوال والقطن قصير) لماذا لا يستعان بالنساء و الاطفال؟. لأن اغلبية اللقاط كانوا اطفالا ونساء.. واكتفى المزارع بأن هز رأسه قائلا (ياخ الدينكا ديل مشاكل. ما عايزين ننشبك معاهم). وهنالك شعور يتملك الشماليين وهي ان الجنوبيين كسالى وهذا ما يردده العرب اليوم عن السودانيين عامة. واذا كان الجنوبيون كسالى فمن الذي بنى الشمال؟.. كل هذه العمارات والسدود والجسور كان هنالك جنوبيا يحمل قدح المونة ويتسلق السقالة ويعمل في عز النهار وتحت الشمس.
المشاريع التي اشرت لها كانت مشاريع على مستوى عالي من التقنية وشق ما عرف بالضنبية وهذا مجرى طويل يأتي من النيل الى البيارة. والبيارة تبنى من المسلح و الحجارة وتقوم المضخات العملاقة بضخ الماء الى حوض الرمي وهو كذلك من المسلح. وياتي ما عرف بالكنار وهو (المين كانال) وهذا قناة يأخذ الماء لعشرات الكيلو مترات ويوزع لأبوعشرينات وابو سته. وهذه قنوات تشق الاراضي. والمشاريع متجاورة مع بعضها وتمتد من بداية اعالي النيل حتى مشاريع الخروع الحكومية في ملوث (ملوط). وهذا جعل مسألة الرعى مستحيلة بالنسبة للدينكا و الشلك. وتراجع هؤلاء جنوبا. وما تبقى من اراضي استوعبته الزراعة الآلية وكانت اكبر منطقة لإنتاج الحبوب هي ام دلوس وكان العيش من ام دلوس اجود واقل سعرا في الشمال من العيش الذي يأتي من القضارف. وبعد امدلوس كانت هنالك مناطق اخرى مثل العدالة و الطيارة و اكون. ولم تسلم حتى الاراضي الشبه رملية من السيطرة الشمالية حتى في منطقة قوز فومي فلقد استخدمت لزراعة الفول وبعض السمسم. لم ارى اي جنوبي يعمل في تلك المشاريع كموظف او عامل سوى ابراهيم الميكانيكي الذي كان يدير المولد الكهربائي ويصينه في مشروع بركة العجب ويسكن في البيارة ويأكل لوحده و لا يختلط كثيرا ببقية العمال في الكنبو, وكان من النوير. وكنت اقضي معه ساعات طويلة. وعرفت انه قد نشأ و ترعرع في الجزيرة ابا ولهذا كان يكره ويشمئذ من من يستعمل التمباك.
في مايو 1963 حاول نظام عبود ان يتراجع قليلا واقاموا ما عرف بالمجلس المركزي وهو برلمان وكنت وقتها في القيقر ومشروع بركة العجب وكان موسى الصراف في بركة العجب قد رشح نفسه في القيقر معتمدا على وجود كميات كبيرة من الانصار في المنطقة وجذوره من غرب السودان ولكنه من سكان الجزيرة ابا. وكان متغطرسا ويترفع حتى على اللقاط وكان منافسه من احد ابناء الدينكا.
كنا من العادة ان نتناول الطعام امام منزل الباشمهندس اسماعيل في البيارة وكان الجميع يحضرون طعامهم ونجلس في الحصائر للونسة ولعب الكتشينة بعد الغداء .وكان معنا الجنتلمان ابراهيم الياس الباشكاتب ومعتصم الذي كان سائق كمال ابراهيم بدري وقريبه حديبو ووالد معتصم مساعد الحكيم المتقاعد و الذي كان يعمل كمخزنجي ويعرف بودابوقبورة لأنه صاحب نكته. وهم من اهل رفاعة ويعتبرون بأنهم اهل المدير (كمال بدري) الذي نشا و ترعرع ودرس في رفاعة .وكان هنالك فضل الله ميكانيكي المضخات واظنه من الجزيرة والزيات كبس الجبة وشاهين ابوشعر سائق المجروس. والنجار دمعة الشوق و ابنه , ومن الضيوف كان هنالك سائق اللوري الذي امتاز بالوسامة وضخامة الجسم وعرف با ابوجاكومة. صرت التقي به في امدرمان فيما بعد. وكان هنالك سائق لوري شاب صغير ويسوق لوري بدفورد موديل 60 مكتوب عليه سوكومارسون 2 . وصاحب اللوري كهل لطيف قليل الحجم صاحب ذكاء ودراية بالدنيا. وابنه كان يسوق سوكومارسون 1 وكان هذا في نهاية ابريل وفترة نقل القطن الى المحلج في كوستي.
اللواري كان يكتب عليها الوسيم, قراب بعيد , عابر القارات.......الخ. بالسؤال عن غرابة اسم اللوري نورنا العم بأن سوكومارسون هو اسم الهندي الذي كان على رأس لجنة الانتخابات الاولى. وتطرق للديمقراطية وان الذي كان يحدث وقتها ليست بإنتخابات حقيقية و ان البرلمانات لا تنتخب بتلك الطريقة وان البرلمان لا يحوي ابدا معينين . ولكن المعينون قديما كانوا في مجلس الشيوخ فقط. وتحدث الرجل عن مشكلة الجنوب وان الجنوبيين لازم ياخدوا حقهم وانو الجنوبيين محرومين من كل حاجة. ونظرت حولي ولم يكن في الوجوه التي حولي ما يمثل الجنوب والطعام الذي اكلناه لا دخل له بالجنوب واللغة التي تكلمناها ليست لغة الجنوبيين.
وبعد فترة قصيرة ظهر اثنين من ابناء الدينكا احدهم شاب يرتدي بنطلون ومعه شاب آخر في العشرينات يرتدي شورت . و تريث الشاب الذي في العشرينات وكانه يريد ان يتجه نحونا. الا ان الآخر اشار اليه بمواصلة السير . وهم آتين من مشروع طيبة وفي طريقهم الى القيقر على بعد خمسة او سته كيلومترات منا. وعندما عبروا الجسر تقدمت انا الى حوض الرمي وشاهدت الشاب الذي كان يرشح نفسه لتمثيل بلاده يشرب من ماء الترعة. وكذلك الشاب الآخر وسألت نفسي لماذا لم نعزم عليهم؟. ولماذا لم يتوقفوا مثل الآخرين لكي يشاركونا طعامنا وشرابنا ولماذا لم نناديهم كما كنا نعمل مع الجميع ؟..
في تلك الايام كنت اكتب روايتي الاولى الحنق التي بدأتها وانا في المدرسة الثانوية ونشرت قبل 40 سنة . لقد تحدثت فيها عن التفرقة الاثنية وتحدثت كذلك عن السادة الجدد الذين يمتطون ظهور الجميع من جنوبيين وشماليين. وهم الطبقة المستنيرة او اصحاب المال. وكانت في مخيلتي مذبحة جودة عندما ذبحت السلطة المزارعين من صبحة ونزي وحسنات وسليم و فلاتة وآخرين . .
واذكر اصطدام المزارعين بالعم عبدالكريم ميرغني واتهامهم له بأنه يعيش بترف في امدرمان على جهدهم وعرقهم. وكان كمال بدري يقول بأنه يحس انه احضر لإدارة المشروع لأن جده بابكر بدري الذي كان ملازما للسيد عبدالرحمن على عكس اصحاب المشروع الذين كانوا اتحاديين. و الغرض كان تخدير المزارعين. ووقف كمال مع المزارعين . واستقال من المشروع مضحيا بمكافأته. وقام آل ابو العلا بإستعابه كمدير لمشروع جودة لأن بعض المشاكل قد بدأت في بداية 64 . وكانت اداره المشروع فى الخرطوم تضمن بعض المصروفات للحساب المشترك التى ليس للمزارع دخل بها . واستقال كمال كذلك من جوده . .
كمال قد عين في البرلمان ممثلا لأعالي النيل. ولقد تقبله الجميع لأنه ابن ابراهيم بدري ولإرتباط اسرتنا بجنوب السودان. واراد كمال ان يستقيل من المجلس المركزي لأنه لم يعد من سكان اعلي النيل بل يسكن في مشروع جوده. والرد الحاسم كان ان جزء كبير من مشروع جوده تابع لمديرية اعالي النيل. وانا هنا لكي اورد حقيقة تاريخية وهي ان كمال ابراهيم بدري في 1963 -1964 كان يمثل مديرية اعالي النيل ويسكن في جودة وهنالك تبدأ حدود اعالي النيل.
ومع احترامنا للمزارعين الذين رووا هذه المنطقة بعرقهم ودمائهم . وكان اول الضحايا هو ابو شاتين الذي كان مساعدا للشيخ المكادي على ما اذكر كما قتل احد ابناء المنطقة وهو ضابط الشرطة السماني وبعض العساكر. الا ان هذه الارض هي ارض الدينكا ابليانق. فإذا انفصل الجنوب وهذا امقت شيء بالنسبة لي. بجانب ابتسام والشنقيطي , شقيقي ايمان بدري مولود في رمبيك وعمر ابراهيم بدري حفيد سلطان رمبيك مولود كذلك في رمبيك. ولكن في هذا التاريخ وانا في نهاية العمر اقول بأن هذه ارض الدينكا وهم اصحاب الحق. ولكن للآخرين الحق و التواجد فيها والعيش كمواطنين من الدرجة الاولى ومنهم الاخ السفير على حمد ابراهيم. ووالده كشيخ لقبيلته قد تعرض للسجن و الاعتقال في ايام الانجليز. ولهم نفس الحقوق التي للجنوبيين الذين ولدوا وعاشوا في الشمال. ولكن كثير من هذه المشاريع قد تحصل اصحابها على رخص عن طريق الرشوه . فالرخص كانت تحتاج لموافقه الناظر . ووقتها كان الناظر العام لول دينكاك . وكان سكيراً مرتشياً . ولهذا رفض ابراهيم بدرى تكوين مشروع فى المنطقه . وكون مع شركاءه مشروع امهانى خارج كوستى .
الشماليون فى شمال اعالى النيل يريدون ان يعملوا بالمثل السودانى ( كجريب فى ترس ) ففى الزراعه يقتطع الناس جزءً من الترس الكبير ويسمونه الكجريب .
فلنناقش هذه المشكة بأمانة وصدق حتى نتجنب القتل و المذابح كما حدثت بين الهنود و الباكستانيين بعد الانفصال. وارجو ان لا يأتي انسان بعد المذابح ويقول لقد فوجئنا ولم نحطات في الأمر. فنحن شعب يفاجا كل الوقت بالسيول والامطار.
التحية...
شوقي بدري .ع.س

Shawgi Badri [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.