عقار يلتقي مديرة برنامج السودان بمنظمة أطباء بلا حدود ببلجيكا    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    ماسك: بناء مدينة ذاتية النمو على القمر خلال 10 سنوات    الهلال يعود للدوري الرواندي ويواجه الجيش اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تقرير المصير والانفصال .... بقلم: دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه
نشر في سودانيل يوم 12 - 12 - 2010

بعد نشر مقالاتي الثلاث بشأن خلافة الدول، تلقيت عبر بريدي الإلكتروني عدداً من الاستفسارات يتمحور معظمها حول تفسير مبدأ حق تقرير المصير وحدوده، وما إذا كان القانون الدولي يعترف بوجود حق للانفصال .Secession ولأهمية هذه الاستفسارات فقد رأيت أن أُفرد لها هذه المقالة.
ورد ذكر مبدأ تقرير المصير في العديد من مواد ميثاق هيئة الأمم المتحدة بضمنها المادة 1 (2). فقد نصت هذه المادة على أن من بين مقاصد ومبادئ الهيئة «إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها». في بادئ الأمر نشب خلاف فقهي حول تكييف مبدأ تقرير المصير: هل هو حق قانوني أم مجرد مبدأ سياسي؟ لا معنى للخوض هنا في تفاصيل هذا الخلاف. إذ استقر الآن في الفقه، وفي الممارسة، وفي قضاء محكمة الدول الدولية أن مبدأ تقرير المصير حق قانوني. فقد تواتر في قضاء هذه المحكمة أن تقرير المصير ليس حقاً قانونياً فحسب بل هو قاعدة من قواعد القانون الدولي، وأنه من المبادئ المهمة في القانون الدولي المعاصر وله صفة النفاذ في مواجهة الكافة.
لحق تقرير المصير بعدان أحدهما خارجي والآخر داخلي، وسنعرض فيما يلي لكل واحد منهما على حدة.
حق تقرير المصير الخارجي
ينشأ حق المصير الخارجي بصفة رئيسة في حالتين. تتعلق الحالة الأولى بتحرير الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية. فمن المعلوم أن إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الذي صدر في 14 ديسمبر 1960 بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 1514 (الدورة 15) قد أُسس على حق تقرير المصير. وبدأت بمقتضاه عملية تصفية الاستعمار. كفلت الفقرة الثانية من الإعلان لجميع الشعوب التي تخضع للحكم الأجنبي الحق في تقرير مصيرها، وأن تحدد بحرية مركزها السياسي وتسعى بحرية لتحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. غير أن هذا الحق يخضع لقيود وضوابط يتعين مراعاتها. فهو يطبق في حدود النطاق الإقليمي للمستعمرة أو البلد المعني. كما أنه يعود - أي الحق - لجميع شعب الاقليم بكافة مكوناته العرقية والدينية والثقاقية. إذ لا تملك أي مجموعة مهما كانت، حرية اختيار مركزها كما تشاء. فكما يكفل القانون الدولي للشعوب حق تقرير المصير، فإن من مبادئه الملزمة احترام السلامة الإقليمية للدول. وتعتبر الفقرة السادسة من الإعلان كل محاولة تستهدف التقويض الجزئي أو الكلي للوحدة القومية والسلامة الاقليمية لأي بلد، متنافية ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.
وقد أكمل قرار لاحق للجمعية العامة هو القرار 1541 (الدورة 15) بعض جوانب القرار 1514. فقد جاء في المبدأ السادس منه أن ممارسة حق تقرير المصير من قبل إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي قد تؤدي إلى أن يصبح الإقليم دولة مستقلة ذات سيادة، أو أن يدخل في ارتباط حر مع دولة مستقلة، أو أن يندمج معها. وجاء في المبدأ السابع أن الدخول الحر في رابطة يجب أن يكون نتيجة اختيار حر إرادي يعرب عنه سكان الإقليم المعني بوسائل ديمقراطية معروفة.
يرد حق تقرير المصير الخارجي على حالة ثانية ذُكرت في إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 اكتوبر 1970 (القرار 2625 الدورة 25). تتعلق هذه الحالة بالشعوب التي تخضع لاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله. ومن أمثلة الاحتلال العسكري التي حدثت في التاريخ المعاصر احتلال الصين للتبت في عام 1959، والاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية في عام 1967، واحتلال اندونيسيا لتيمور الشرقية في عام 1975، وغزو العراق للكويت في عام 1990. وقد لاحظ أنطونيو كاسيسيه أن تدخل الامم المتحدة في معظم تلك الحالات اقتصر على المطالبة باحترام حق تقرير المصير، وأنها لم تكن قادرة على فرضه بسبب غياب التوافق بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. وعزا ذلك لتورط بعضها في النزاع بشكل مباشر، أو ربما لأن له مصلحة في مآلاته.
وفي حالة نادرة الحصول، فإن حق تقرير المصير الخارجي قد ينشأ باتفاق بين الدولة الأم وأحد أجزائها كحل لوضع أو مسألة معينة. وأحدث مثال لذلك هو اتفاقية السلام التي وقُعت في 9 يناير 2005 بين حكومة السودان والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان. فحسبما ورد في الاتفاقية وفي دستور السودان الانتقالي، فقد اتفق الطرفان على الآتي:
- أن يكون لشعب جنوب السودان الحق في رقابة وحكم شؤون إقليمه والمشاركة بصورة عادلة في الحكومة القومية.
أن يكون لشعب جنوب السودان الحق في تقرير مصيره عبر استفتاء لتحديد وضعه المستقبلي.
- يكون التصويت في الاستفتاء لتأكيد وحدة السودان باستدامة نظام الحكم الذي أرسته اتفاقية السلام والدستور، أو اختيار الانفصال.
حق تقرير المصير الداخلي
يُقصد بحق تقرير المصير الداخلي حق الشعوب في اختيار مركزها السياسي داخل دولة، أو بمعنى آخر حق المشاركة السياسية على نحو مجدٍ. وهذا الحق ثابت بمقتضى المادة الأولى المشتركة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966. فقد نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أنه «لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها، وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي». وعن هذه المادة قالت مفوضية التحكيم التابعة لمؤتمر يوغسلافيا في الرأي رقم (2)، إنها ترسي أن مبدأ حق تقرير المصير يعمل لحماية حقوق الإنسان. فبموجب هذا الحق فإن لكل فرد الحق في اختيار أي جماعة إثنية أو دينية أو لغوية يرغب في الانتماء إليها.
نشأ طلب الرأي رقم (2) من إعلان صرب البوسنة والهرسك الذين كانوا يشكلون 35 في المائة من السكان عن قيام جمهورية صربسكا في 9 يناير 1992. فقد سئلت مفوضية التحكيم عما إذا كان للسكان الصرب في البوسنة والهرسك وكرواتيا حق تقرير المصير. رفضت المفوضية الاعتراف للأقلية الصربية بحق تقرير مصير خارجي وبالتالي حق إنشاء دولة مستقلة. لكنها اعترفت لهم بحق تقرير مصير داخلي عندما قالت إن السكان الصرب في جمهوريتي البوسنة والهرسك وكرواتيا يستحقون كل الحقوق التي يمنحها القانون الدولي للأقليات والمجموعات الدينية. وقالت أيضاً إنه ينبغي على الجمهوريتين أن تمنحا هذه الأقليات والمجموعات الدينية كل حقوق الانسان والحريات الأساسية المعترف بها في القانون الدولي، وحيث يكون ملائماً الحق في اختيار جنسيتهم.
تعتبر تجربة جنوب أفريقيا في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي ممارسة مهمة لحق تقرير المصير الداخلي. إذ أمكن بموجب ذلك تفكيك بنية نظام الفصل العنصري وإقامة حكومة موحدة وديمقراطية وغير عنصرية.
وللسودان أيضاً تجربة رائدة في ممارسة حق تقرير المصير الداخلي ونعني بذلك اتفاقية اديس ابابا التي وقعت بين حكومة السودان وحركة تحرير جنوب السودان في 27 فبراير 1972 لتنظيم العلاقة بين الشمال والجنوب على أساس من الإقليمية السياسية. أعطت الاتفاقية مجلس الشعب الإقليمي حقاً في تشكيل إرادة الدولة التشريعية في ما يتصل برفاهية وحقوق ومصالح المواطنين في الإقليم الجنوبي. وضُمن أحد ملاحق الاتفاقية عدداً من الحقوق والحريات التي ينبغي أن يُنص عليها في الدستور. نذكر من ذلك المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللغة، وحرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية، وحق استعمال الأقليات للغاتها وتطوير ثقافتها، وحق الأجر المتساوي للعمل المتساوي وغيرها.
ومن الإنصاف أن نذكر أنه باستثناء مسائل محدودة أمنية ومالية، فإن اتفاقية اديس ابابا كانت تقنيناً لتوصيات لجنة الاثني عشر المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة الذي عُقد في الخرطوم في 16 مارس 1965 في أعقاب ثورة 21 اكتوبر 1964. ومما يؤسف له حقاً أن ترتيبات أديس أبابا لم تصمد طويلاً، وما كان مقدراً لها أن تفعل. فاللامركزية في شتى درجاتها وأشكالها تهدف - ضمن أمور أخرى - إلى نشر الفكر الديمقراطي على الصعيد المحلي. ولذلك لا يمكن لها أن تتعايش مع نظام سياسي معاد للفكر الديمقراطي الليبرالي.
تقرير المصير والانفصال
لا يعترف القانون الدولي ولا الممارسة الدولية للكيانات داخل الدول بحق للانفصال Secession سواء كان ذلك باعلان آحادي الجانب Unilateral أو بأي طريق آخر. فتقرير المصير للشعوب أو الجماعات المقيمة داخل دولة يتم عبر تقرير المصير الداخلي، وذلك بالمشاركة الفعالة في النظام السياسي لتلك الدولة. ولا جدال في أن المشاركة لن تكون فعالة إلا إذا كان هذا النظام يقوم على مبادئ الديمقراطية التعددية، وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
في قضية الإحالة بشأن انفصال مقاطعة كويبك طُلب من المحكمة العليا في كندا أن تجيب على ثلاثة أسئلة. وقد كان السؤال الثاني: هل يوجد في القانون الدولي حق تقرير مصير يعطي كويبك حقاً للانفصال آحادي الجانب؟ أجابت المحكمة بأنه من الواضح أن القانون الدولي لا يمنح الأجزاء المكونة لدولة ذات سيادة حقاً قانونياً للانفصال آحادي الجانب من الدولة الأم.
وفي معرض حكمها قالت المحكمة إن حق تقرير المصير الذي ينص عليه القانون الدولي لا ينشئ سوى حق تقرير للمصير الخارجي في حالات المستعمرات السابقة، والاحتلال العسكري الأجنبي، أو حينما يحال بين مجموعة محددة وحقها في الوصول إلى الحكم على نحو مجدٍ للسعي نحو النمو السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ومضت المحكمة للقول إنه في جميع الحالات الثلاث سالفة الذكر، يتمتع الشعب المعني بحق تقرير المصير الخارجي، لأنه قد منع من أن يمارس داخلياً حقه في تقرير المصير. غير أن هذه الظروف الاستثنائية لا تنطبق على الوضع في كويبك. وبالتالي فإنه لا سكان مقاطعة كويبك حتى ولو وصفوا بأنهم شعب أوشعوب، ولا المؤسسات الممثلة للمقاطعة تملك حق الانفصال آحادي الجانب عن كندا بموجب القانون الدولي.
في رأيها الاستشاري بشأن توافق إعلان كوسوفو الاستقلال من جانب واحد مع القانون الدولي، لاحظت المحكمة أن مسألة ما إذا كان القانونن الدولي لحق تقرير المصير يعطي لجزء من السكان في دولة قائمة الحق في الانفصال من تلك الدولة، قد أثارت خلافاً جذرياً في الآراء بين الدول التي شاركت في إجراءات القضية. لم تدل المحكمة برأي إزاء هذه المسألة لأنها قررت أن المسألة تخرج من نطاق السؤال الذي طرحته عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة. لا مجال هنا للخوض في تفاصيل الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية. يكفي أن نذكر أنها خلصت إلى أن إعلان استقلال كوسوفو في 17 فبراير 2008 لا ينتهك القانون الدولي العرفي، أو قرار مجلس الأمن 1244 (1999) بنشر وجود مدني ووجود أمني دوليين في كوسوفو، أو الإطار الدستوري الذي أصدرته بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو.
رب سائل: ما هو تكييف الخيار الذي اتفق عليه في نيفاشا كبديل للوحدة واستُخدم لتوصيفه مصطلح انفصال؟ وفقاً للمعايير التي اقترحها جيمس كروفورد فإن التكييف السليم لما اتفق عليه في نيفاشا هو أيلولة أو انتقال Devolution وليس انفصالاً بمعنى .Secession فالانفصال إجراء آحادي الجانب Unilateral ويتم بدون موافقة أو رضاء الدولة الأم. أما الأيلولة فهي إجراء ثنائي Bilateral وتتم باتفاق الطرفين .Consensual
قد يرى البعض أن الفرق بين عمليتي الانفصال والأيلولة وهمي أو مصطنع فيما يتعلق بالنتائج العملية. في واقع الأمر، هناك فرق كبير ومهم بينهما فيما يخص مسألة الاعتراف الدولي. فالجماعة الدولية تنفر من الانفصال الآحادي الجانب الذي يتم دون موافقة الدولة الأم، وتحجم عن الاعتراف به. فجمهورية أرض الصومال مثلاً قد أعلن عن قيامها آحادياً في مايو 1991 ولكن إلى يومنا هذا لم تعترف بها أي دولة ولم تنضم إلى الأمم المتحدة. ومع أن الجيش الباكستاني إنسحب من بنغلاديش في ديسمبر 1971، إلا أنها لم تحصل على عضوية الأمم المتحدة إلا في عام 1974، وكان ذلك بعد وقت قصير من اعتراف باكستان بها. والأمثلة كثيرة في هذا المجال. على أية حال إذا قُدر للجنوب أن ينفصل حسب الأصول المتفق عليها بمقتضى إتفاقية السلام والدستور، فإنه لن يصادف صعوبات في الحصول على اعتراف الدول، أو في الانضمام إلى الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية.
حق الانفصال العلاجي
سبق لنا القول ان حق تقرير المصير ثابت بالنسبة للشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية أو غير ذلك من أشكال السيطرة الأجنبية أو الاحتلال الأجنبي. ولكن بعض الشراح إستنبطوا من الفقرة 7 من المبدأ 5 من إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون وفقاً لميثاق الأمم المتحدة الذي أصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة في 24 اكتوبر 1970 (القرار 2625 الدورة 25) شرطاً وقائياً Safeguard Clause أو شرط استثناء Saving Clause وأسسوا عليه حق انفصال علاجي .Remedial Secession
تنص الفقرة 7 من الاعلان على أنه «لا يجوز أن يؤول شيء مما ورد في الفقرات السابقة على أنه يرخص بأي عمل أو يشجع على أي عمل من شأنه أن يمزق أو يخل جزئياً أو كلياً بالسلامة الاقليمية أو الوحدة السياسية للدول المستقلة ذات السيادة التي تلتزم في تصرفاتها مبدأ تساوي الشعوب في حقوقها وحقها في تقرير مصيرها بنفسها الموضح أعلاه والتي لها بالتالي حكومة تمثل شعب الاقليم كله دون تمييز بسبب العنصر او العقيدة أو اللون». وقد تأكدت هذه الفقرة في إعلان وبرنامج عمل فيينا الذي صدر عن المؤتمر الدولي لحقوق الانسان الذي عقد في فيينا في يونيو 1993.
تبين لنا من تفسير الشراح للفقرة 7 من إعلان مبادئ القانون الدولي والفقرة المماثلة لها في اعلان فيينا ما يلي:
- إن حق تقرير المصير في الدول المستقلة ينجز من خلال إعمال مبدأ تقرير المصير الداخلي وذلك بمشاركة كل السكان في حكومة الدولة على المستويين القومي والاقليمي على أساس المساواة ودون تمييز من أي نوع.
- إن الدولة التي تنجز تقرير المصير الداخلي لكل شعبها تستحق بمقتضى القانون الدولي حماية سلامتها الاقليمية.
- إن حق تقرير المصير الخارجي في شكل انفصال علاجي قد ينشأ في الحالات القصوي لصالح مجموعة حيل بينها وبين حق تقرير المصير الداخلي، ويكون ذلك مثلاً بالانتهاك الجسيم لحقوقها وحرياتها الأساسية، وحرمانها من المشاركة في اتخاذ القرار على المستوى القومي وفي الأمور التي تخصها، وغياب أي احتمال للتسوية في اطار نظام الدولة القائم.
تطرقت المحكمة العليا الكندية في قضية الإحالة بشأن مسألة انفصال كويبك إلى الانفصال العلاجي. فبعد أن أكدت أن حق تقرير المصير يكون للشعوب المستعمرة والتي تخضع للاحتلال الأجنبي، أشارت المحكمة إلى أن عدداً من الشراح ذهبوا إلى أن حق تقرير المصير قد يؤسس حقاً للانفصال آحادي الجانب في ظرف ثالث. وقالت إنه بالرغم من أن الظرف الثالث قد تم توصيفه بعدة طرق، إلا أنه ينطوي على فكرة مؤداها أنه عندما يحال بين شعب ما وحقه في ممارسة تقرير المصير داخلياً على نحو مجدٍ، فإنه يحق له كملاذ أخير أن يمارسه من خلال الانفصال. ثم قضت بأنه ليس واضحاً ما إذا كان الظرف الثالث يعكس معياراً مستقراً في القانون الدولي، ولكن حتى على افتراض أنه يكفي لانشاء حق انفصال آحادي وفقاً للقانون الدولي، فإنه لا ينطبق على وضع كويبك (لأن كندا دولة ذات سيادة ومستقلة وتتصرف على نحو يتمشى مع مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب، وبالتالي لديها حكومة تمثل كل الشعب المنتمي للاقليم بدون تمييز).
أثارت بعض الدول التي شاركت في قضية الرأي الاستشاري بشأن كوسوفو مسألة حق الانفصال العلاجي. وكانت المملكة المتحدة والاتحاد الروسي من بين هذه الدول. فقد جاء في البيان المكتوب الذي قدمه الاتحاد الروسي للمحكمة أن الغرض الرئيس لشرط الوقاية Safeguard Clause هو ضمان السلامة الاقليمية للدول. كما يمكن أن يُفسر هذا الشرط على أنه يرخص الانفصال في أحوال معينة. ولكن هذه الأحوال ينبغي أن تقتصر على الظروف القصوى بحق مثل هجوم مسلح من الدولة الأم يهدد بقاء الشعب المعني. وفي غير ذلك يجب أن تبذل كل الحهود لتسوية التوتر بين الدولة الأم والجماعة الاثنية المعنية في إطار الدولة القائمة.
لم تدل محكمة العدل الدولية برأي حول حق الانفصال لأنه يخرج عن نطاق السؤال الموجه إليها من قبل الجمعية العامة. واكتفت بالاشارة إلى وجود خلافات في الرأي بين الدول التي شاركت في اجراءات القضية حول ما اذا القانون الدولي ينص على وجود حق للانفصال العلاجي والظروف المنشئة له، وما اذا كانت هذه الظروف متوافرة في حالة كوسوفو. في رأينا أنه لا توجد ممارسة دولية تبرر القطع بوجود حق انفصال علاجي.
في الختام نقتطف من خطة السلام التي نشرتها الأمم المتحدة في عام 1995 ما نصه: (إذا ما طالبت كل مجموعة عرقية أو دينية أو لغوية بدولتها الخاصة، فلن يكون للتجزئة حدود، وسيصبح السلم والأمن والرفاهية الاقتصادية أبعد منالاً بمراحل).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.