كلمات مؤثرة في الوداع... كجاب يترجل عن الخدمة برسالة إيمانية    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    الله يستر.. الناس دي ح تبدأ تدور..!!    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    محاولة قصقصة (أجنحة) الهلال    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة في مستقبل السودان السياسي عقب الإستفتاء/الإنفصال 1-2 .. بقلم: د. أمين مكي مدني
نشر في سودانيل يوم 08 - 01 - 2011

* الدعوة لإسقاط الجنسية عن جنوبيي الشمال حال الانفصال لا يسندها منطق ولا أخلاق ولا قانون!
* هذا شبيه بتصفية هتلر للألمان من غير ذوي الأصول الآرية .. وطرد عيدي أمين لمواطنيه الآسيويين من أوغندا!
* إرتضينا تقرير المصير بموجب نيفاشا فعلينا احترامه وإجراؤه فى موعده وقبول نتائجه أيا كانت!
* بعض وزراء الإنقاذ يتمتعون بازدواجية الجنسية التي يبيحها القانون السوداني لكنهم انقلبوا ينكرونها على جنوبيي الشمال!
مر السودان، منذ استقلاله، وخلال مختلف الحقب المدنية والعسكرية، بتجارب دستورية وسياسية عديدة تفاوتت إبانها درجات الضراوة التي اتسمت بها الأزمات المختلفة، والتي غالباً ما أفضت إلى نزاعات مسلحة، بسبب أساسي هو تهميش المركز للأطراف المأهولة بمواطني الهامش من غير المستعربين أو المسلمين في جنوب وغرب البلاد، على وجه الخصوص. فقد تنامى لدى هؤلاء، عبر أزمنة طويلة، إحساس عميق بالغبن، وضعف الثقة في جدوى الوحدة، إما جراء تدني مستويات التنمية في مناطقهم، سواء في البني التحتية، أو الخدمات الضرورية من صحة وتعليم وسكن وبيئة، وما إلى ذلك، أو جراء تحجيم مشاركتهم في مركز السلطة والثروة الذي سيطر عليه المفاخرون بعروبتهم وإسلامهم وتباهيهم على المهمشين بالعرق، والدين، والثقافة، واللغة، وغيرها. وهكذا بقي أهل الهامش بمنأى عن مركز صنع القرار السياسي، عبر الحقب المختلفة، برغم العديد من مسميات الحكم اللامركزي، والأقليمي، والتنمية المتوازنة، وعدالة توزيع وانتقال السلطات، وما إلى ذلك من شعارات ظلت تطرح في المستوى الشكلي باستمرار، فلم تغير من جوهر تمركز السلطة والثروة، بالأساس، في العاصمة وأقاليم الوسط، مما أورث بلادنا هذه الأزمة المزمنة.
بقي هذا الحال على ما هو عليه في ظل عدم استقرار النظم الديمقراطية التعددية البرلمانية، وهيمنة العسكريتاريا على السلطة، خلال فترات حكمها الثلاث (نوفمبر 1958م أكتوبر 1964م)، (مايو 1969م أبريل 1985م)، (يونيو 1989م وإلى الآن)، أي طوال ما يقرب من خمسة وأربعين عاماً من عمر الاستقلال الذى يبلغ اليوم خمسة وخمسين سنة. ولربما يصدق، إلى حد كبير، القول، دون أي تهويل، بأن ذلك هو السبب الأساسي في ما عانت بلادنا، وما تزال تعاني، من محن. فالنظم العسكرية تسعى، أول ما تسعى، إلى تكريس السلطة كاملة فى يد الطغمة الحاكمة، من منظور وهمي فحواه أنها وحدها، كقوى نظامية، ودون غيرها، هي الأكثر انضباطاً، والتزاماً، وحرصاً على أمن وسلامة البلاد، والأقدر، من ثم، على إدارة شؤونها، وإنجاز التنمية والاستقرار، وأن القوى السياسية التعددية الديمقراطية تفتقر إلى الكفاءة على هذا الصعيد، بسبب تشرذمها، وخلافاتها، وإضاعتها الوقت فى الحوار، والجدل البيزنطي، فضلاً عن تسلط الطائفية، والعشائرية، وتعدد الأحزاب السياسية، والمنابر النقابية، والإخفاق، بالتالي، فى تحقيق أولويات إحتياجات الوطن والمواطن.
ظلت تلك، دائماً، هي مبررات الانقلابات العسكرية، ومنطلقات النظم الاستبدادية التي تنشئها، حيث تعمد، أول ما تعمد، إلى تعليق الدستور، وحل مؤسساته، ومصادرة الحريات العامة، وإلغاء إستقلال القضاء، وإحكام القبضة الأمنية بقوانين الطوارىء، وما يسمى بأمن الدولة، وممارسة الفصل التعسفي، والاعتقال الإداري، والتعذيب، والاعدامات عن طريق المحاكم الخاصة لمن يصنفون فى مصاف المعارضة، بل العمالة والخيانة الوطنية، وتفشي الفوضى والفساد!
لسنا هنا فى مجال الخوض فى تفاصيل تلك الممارسات، لكن يهمنا، على صعيد التصدى لمعالجة أمر النزاعات المسلحة التى عمت معظم إنحاء البلاد للأسباب الآنف ذكرها، أن نشير إلى اتفاقيتين اضطر نظامان شموليان، اضطراراً، لإبرامهما: الأولى اتفاقية أديس أبابا التي أبرمها نظام مايو مع متمردي أنيانيا الأولى، عام 1972م، ومثلت، عموماً، أول مسعى جاد للوصول إلى تسوية سلمية لأزمة جنوب السودان. ولئن لم تضع تلك الإتفاقية حلاً شاملاً لتلك الأزمة، فقد وضعت، على الأقل، اللبنات الأولي باتجاه هذا الحل، وذلك بوضع إدارة الجنوب، إلى حد كبير، فى أيدى أبنائه. غير أن ذات النظام المايوي الذى أبرم الإتفاقية، عاد بعد عقد من الزمان، ولأسباب تخصه وحده بأكثر مما تخص الإقليم الجنوبي، للنكوص عن الإتفاقية، بل إلغائها، لتعود السيطرة على الأقليم، كرة أخرى، إلى معسكر القصر الجمهوري!
بهذا تكونت الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق، واندلعت الحرب، مجدداً، لتستمر، منذ ذلك الحين، ولما يزيد عن العشرين عاماً كلفت البلاد غالياً من الأرواح، والجرحى، والمعاقين، والدمار للبني التحتية، وأوقفت عجلة التنمية تماماً، وأفقدت السودان كل فرص التقدم والازدهار.
لم تنجح إنتفاضة أبريل 1985م التي أطاحت بنظام جعفر نميري، ولا حكومتها الانتقالية (1985م 1986م)، ولا الحكومات الديمقراطية التى أعقبتها (1986م 1989م)، فى وقف نزيف الدم. ثم جاء انقلاب الجبهة الإسلامية، في نهاية يونيو من ذلك العام، ليقضي على كل أمل فى الوصول إلى سلام، ولتزداد وتيرة وكلفة النزاع الدموي سته عشر عاماً أخرى، قبل أن يدرك الطرفان ألا منتصر فى ذلك النزاع، فبدأ التفاوض الشاق الذي توج، في يناير 2005م، بإبرام إتفاقية نيفاشا التي استطاعت أن توقف الحرب، وتبعها الدستور الإنتقالي فى ذات العام ليضع أسس ومبادىء حكم البلاد مشاركة بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية. وقد قبلت القوى السياسية بتلك الأوضاع ثمناً للسلام، والاستقرار، ووعود التحول الديمقراطي التى اشتملت عليها الإتفاقية والدستور. وكان لا بد للاتفاقية والدستور، أيضاً، أن يشتملا على نصوص ملزمة بشأن استفتاء شعوب الجنوب، في نهاية سنوات الفترة الانتقالية الست (9/1/2005م 9/1/2011م)، كي تقرر مصيرها، إما باستمرار الوحدة، أو بالانفصال وإقامة دولة مستقلة. وهو الاستفتاء المقرر إجراؤه غداة نشر هذه الحلقة الأولى من هذه المقالة.
وبما أن حديثنا، هنا، يتركز، بشكل أساسي، على بعض مآلات مستقبل (شمال السودان) فى حالة انفصال (جنوبه) عنه، وإقامة دولته المستقلة، فإنه يتعين علينا، نحن الشماليين، التسليم، بادئ ذي بدء، بأن (تقرير المصير) حق من الحقوق الإنسانية والدستورية الأساسية التي ارتضيناها بموجب اتفاقية نيفاشا. ولذا ينبغي علينا، ليس الإقرار بهذا الحق للجنوبيين، فحسب، بل احترامه، والالتزام الصارم، أولاً، بإجرائه فى موعده المقرر غداً، بشفافية، وأمانة تامة، وثانياً بقبول نتائجه، أيا كانت، وبذل كل جهد وعون ممكنين لدعمه، ليس من أجل أشقائنا فى الدولة الوليدة فحسب، بل من أجلنا، نحن أنفسنا، فى الشمال، ومن أجل أمن واستقرار ونماء المنطقة والقارة الأفريقية كلها، وإغلاق الطريق أمام أي احتمال للعودة إلى مربع النزاع والاحتراب الأول. وهذا يقتضى منا بالضرورة، اليوم قبل غد، بذل كل الجهود اللازمة لمخاطبة ترتيبات ما بعد الإنفصال بكل ما أوتينا من قدرة، وجدية، وتجرد، وحرص على مصالح الدولتين ومواطنيهما الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
في هذا الإطار، ربما لزمنا أن نعرض، قبل أي شئ آخر، لإحدى أهم القضايا التى أثيرت خلال الأسابيع الماضية، وهي ما ردده بعض مسؤوليي وحقوقيي النظام الحاكم، بلا تبصر، من أن قيام دولة مستقلة في جنوب البلاد يقتضي، قانوناً، خروج، أو بالأحرى طرد، جميع الجنوبيين من الشمال إلى هذه الدولة المرتقبة!
تلك دعوة، كما سبق وعبرنا من خلال الصحف، لا يسندها منطق، ولا أخلاق، ولا قانون. ذلك أن:
(1) أغلب المليوني جنوبي، أكثر أم أقل، الذين يعيشون في الشمال، ربما ولدوا فيه، بل ويعرفون عنه أكثر مما يعرفون عن أي بلد آخر، بما في ذلك حتى الجنوب نفسه!
(2) أن قانون الجنسية السوداني لسنة 1994م يمنح هؤلاء الحق في اكتساب الجنسية السودانية، ما لم يتم نزعها أو سحبها منهم لأسباب قانونية محددة لا تنطبق عليهم في الحالة الراهنة.
(3) أن ذات القانون يبيح الجنسية المزدوجة لحملة الجنسية السودانية، كحال آلاف السودانيين اليوم، بمن فيهم بعض الوزراء في الحكومة الحالية، جنوبيين وشماليين!
وإذن، فالحديث عن إجبار الجنوبيين في الشمال على المغادرة إلى الجنوب، حال انفصاله، لا يوازيه سوي طرد الأرمن الأتراك من تركيا إبان الحرب العالمية الأولى؛ وإقدام النظام النازي بقيادة هتلر على طرد، بل وتصفية فئات بعينها من الألمان من غير ذوي الأصول الآرية؛ وإلى ذلك، أيضاً، طرد عيدي أمين للمواطنين الآسيويين من أوغندا. ولعل لنا، من جهة أخرى، أسوة حسنة في استمرار بقاء البوشناق، والكروات، والصرب، والسلافونيين، والكوسفوار، في دول إقامتهم، رغم تفكك يوغسلافيا السابقة، وقيام بني جلدتهم بإنشاء جمهوريات مستقلة جديدة في كل من البوسنة، وكرواتيا، وصربيا، وكوسوفو، وسلوفينيا.
كما ينبغى الأخذ بعين الاعتبار، أيضاً، أن هذا الحق لا يشمل، فقط، حق المواطنة المجرد، بل كل ما يتبعه من حقوق في التعليم، والصحة، والعمل، والتملك، والمشاركة فى الحياة العامة، بما في ذلك الحق في خوض الانتخابات، ترشحاً وانتخاباً، وتولي الوظائف فى السلطة العامة، مدنية كانت أو عسكرية أو سياسية.
أما بقية قضايا ما بعد الإستفتاء فى حالة إنفصال الجنوب، فتتطلب منا جميعاً، فى الشمال كما في الجنوب، جهوداً ضخمة وحوارات بين جميع القوى السياسية، دون إستثناء، باتجاه بناء أسس التوافق على العديد من الشؤون ذات الأهمية المشتركة، تجنباً للخلافات والنزاعات التي من شأنها أن تفتح الأبواب للعودة إلى الاحتراب، ما يقتضي تجنيد جميع الخبرات والمهارات الفنية، العسكرية والاقتصادية والقانونية، لحسم القضايا العالقة، وعلى رأسها ترسيم الحدود، البترول، حرية التنقل والرعي، المياه، العملة، التجارة، الإقامة، العمل، التملك، سبل الاتصالات، وخلافها من الملفات التى ينبغي حسمها في أقرب وقت ممكن.
هذا ما يخص مستقبل العلاقات بين البلدين حال أفضت نتيجة الإستفتاء إلى انفصال الجنوب. أما على صعيد الأوضاع فى شمال البلاد نفسه، فلا تزال هناك ملفات أخرى جد ساخنة، ربما كانت أهمها الأوضاع فى دارفور التى تدخل عامها الثامن دون حسم للنزاع، وسط ما يسمى بمفاوضات ومشروعات إتفاقات شملت أبوجا، أسمرا، ليبيا، قطر، تشاد، وصولاً إلى ما سمي باستراتيجية توطين حل الأزمة. ودون تفاصيل مخلة، نقول إن لأهل دارفور، أيضاً، قضية تكمن، هي الأخرى، فى التهميش، وغياب التنمية، وانعدام المشاركة فى السلطة والثروة، وهي قضية حملوا من أجلها السلاح، أسوة برصفائهم فى الجنوب. غير أن التعامل مع القضية كملف أمني، منذ البداية، أدى إلى تفاقمها، وانتشارها، وتداخل قوى أجنبية ذات مصالح مباشرة فيها، مما خلف عشرات الآلاف من القتلى، وهجرة ونزوح الملايين، ودمار البني التحتية للإقليم، وإنتهاكات حقوق الإنسان التي شهدت بها لجان التحقيق والرصد والمنظمات الوطنية قبل الدولية.
إن التغاضي عن تناول الأبعاد الحقيقية للقضية، ومعالجة جذورها، كان وما زال على رأس أسباب تفاقمها وتدويلها، والعجز عن الوصول إلى حسمها، وهو ما كان ممكناً إنجازه دونما حاجة للإحالة لمجلس الأمن الدولي، والمحكمة الجنائية الدولية، ودول ذات مصالح في الصراع. فالتجاوزات التى حدثت فى التصدى للقضية، سواء من غير الرسميين أو ممثلي الدولة في الأجهزة الرسمية، كان من المفترض أن يتم تناولها بالجدية والأمانة، اللازمتين، ومحاسبة كل المتهمين بإرتكاب الإنتهاكات المذكورة. غير أن هذا لم يتم حتى اليوم، رغم أن السيد رئيس القضاء كون عدة محاكم، خاصة منذ 2005م، لمحاسبة المسؤولين عن الإنتهاكات؛ كما وأن السيد وزير العدل عين مدعيين عامين خاصين بدارفور: أحدهما فى 2008م، والآخر فى 2010م. لكن، برغم بشاعة الإنتهاكات الموثقة، لم تقم تلك المحاكم الخاصة، أو أي من المدعيين العامين المشار إليهما، بتقديم أي من المسؤولين للمحاسبة عن أفعالهم. بالنتيجة تم تكوين لجنة التحقيق الدولية في جرائم دارفور بواسطة مجلس الأمن، وبناءً على تقريرها أصدر المجلس قراره رقم 1593 بإحالة الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية! وكنا قد نوهنا فى عدد من المقالات الصحفية، والندوات العامة، بأن هذا ما كان ليحدث لو قامت الدولة بالدور المنوط بها في تحقيق العدالة بالتحري، والتحقيق، وتقديم كل من تقوم فى مواجهته تهمة ارتكاب جريمة ما إلى المحاكمة، احتجازاً، أو قتلاً، أو اغتصاباً، أو تعذيباً، أو ترحيلا أو إخفاء قسرياً .. الخ.
لو حدث ذلك، أو تم الشروع الجاد فيه، لما تحول الأمر إلى المحكمة الجنائية إبتداءً. إذ أن القاعدة الراسخة فى قانون المحكمة الدولية، أنها محكمة (تكاملية Complimentary) لا ينعقد لها أي إختصاص طالما قام القضاء الوطني بدوره فى محاسبة المسؤولين واحترام مبدأ عدم الإفلات من العقاب (Impunity). لطالما رددنا، وما نزال نقول اليوم، إن الوقت لم يفت، وإن تفعيل دور القضاء والنيابة في ملاحقة المسؤولين عن الإنتهاكات، حتى في الوقت الراهن، ربما نتج عنه قرار من مجلس الأمن يطالب فيه المحكمة بوقف إجراءاتها وفق المادة (16) من النظام الأساسي للمحكمة لفترة أثني عشرة شهراً، يجوز تمديدها لفترة أو فترات مماثلة، بلا حدود، حتى تستوي مقتضيات العدالة والإنصاف التى ينبغي علينا فى السودان، كما فى كل الدول، الالتزام بها كمبدأ إنساني قانوني وأخلاقي لا خلاف عليه.
غنى عن القول إن أهمية قضية المحاسبة تأكدت أيضا فى تقرير لجنة الإتحاد الأفريقي رفيعة المستوي بقيادة رئيس جنوب أفريقيا السابق تابو مبيكى الذى أكد على ضرورة إقامة محاكم مختلطة من قضاة سودانيين وغير سودانيين لإنجاز تلك المهمة فى أقرب وقت ممكن، كما أوصى ذات التقرير بإنشاء لجنة للحقيقة والمصالحة على نسق ما حدث فى جنوب أفريقيا والمغرب لكشف حقائق الأحداث من أجل تحقيق المصالحة الوطنية، والعفو عن التجاوزات، وتعويض الضحايا أو ذويهم، ومنع تكرار المأساة فى البلاد، وتمكين الأجيال القادمة من معرفة حقيقة ما جرى. لكن، ومن المؤسف، أن ذلك التقرير وتوصياته وضع فى أضابير الملفات المنسية وأنصرفت اللجنة الأفريقية إلى مهام أخرى تتعلق بالإستفتاء فى جنوب السودان وأبيي، وأهمل التقرير وتوصياته، تماماً، بواسطة الدولة فيما يخص الشأن الدارفورى.
وغنى عن القول، أيضاً، إن قضية دارفور لا تنحصر فى أمري المحاسبة والمصالحة، بل تمتد لتشمل قضايا أخرى تمثل أصل أسباب النزاع، كمطلب العودة إلى الإقليم الموحد، والمشاركة فى السلطة والثروة، وتنمية الإقليم، وتوفير الخدمات المجتمعية اللازمة، وأمور أخرى ينبغي تداولها بين أبناء الإقليم، بمن فيهم الفصائل المقاتلة، ومنظمات المجتمع المدنى والأهلى، وممثلي كافة قطاعات المواطنين، دونما اعتبار لانتماءاتهم الأثنية أو الجهوية، وبمشاركة القوى السياسية، سواء تلك التى تتولى إدارة البلاد أو الجهات المعارضة.
إن الصورة لن تكتمل، بطبيعة الحال، ولن يتم أي إستقرار أو تقدم فى تأمين مستقبل البلاد عامة، إلا ببذل كل الجهود اللازمة، ومشاركة كل الفئات سالفة الذكر، سواء كان ذلك بالنسبة لإستفتاء أبيي، أو ما وصف بالمشورة الشعبية فى كل من جنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان. ولعل من أهم الإعتبارات فى هذا الصدد، إلى جانب التنمية، والمشاركة العادلة فى الثروة والسلطة، هو إقرار مبادىء التعدد والتنوع، ووضع حد لتهميش أبناء المنطقتين، وترجيح كفة حقوق المواطنة فى جميع مناحي الحياة. وغداً، في الحلقة الثانية من هذه المقالة، سنعرض، بالمزيد من التفصيل، لهذه القضية بإذن الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.