شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    نصف مليون دولار!!:ياللهول    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    بالصورة والفيديو.. على طريقة عاشق "عبير".. فتاة سودانية تصعد مكان مرتفع بمنزلها وترفض النزول دون تنفيذ مطالبها..شاهد رد فعل والدتها!!    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دستور السودان الإنتقالى لسنة 2005م(دِموكتاتورية) (فزاعة طير) الشمولية .. بقلم: أمين محمّد إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 13 - 01 - 2011


(1)
ونبدأ بتعريف عبارة فزاعة الطير، الواردة فى عنوان المقال – ويقال لها (الهامبول) فى عامية أهل السودان، و (خآل المآتة) عند المصريين – و هى كما يعلم أهل الزراعة، عبارة عن مجسم خشبى فى شكل آدمى، يصنعه المزارع ويحشوه بالتبن والسعف والقش، ليضعه فى الحقل، على هيئة إنسان يقف على قدميه، مجلبباً ومعمعماً، لمنع الطيور والحيوانات آكلة الحشائش، من الإقتراب من الزرع و إتلافه أو إتلاف ثمره. وهناك أيضاً لفظة (دِموكتاتورية) و رمزنا بها، لزئف ديمقراطية الدستور الإنتقالى، و يراد بها نقيض الديمقراطية أو مسخهها المشوَّه، و (مستعارةً من وصف أحد الكتاب الأفاضل، هو على الأرجح د. الأفندى، لسناريو مهزلة إنتخابات إبريل 2010 م، و ما تمخض عنها من نتائج سياسية ودستورية). أما كيف يصبح هامبول الديمقراطية هذا، (فزاعة طير)، لشمولية حكم المؤتمر الوطنى القابضة، فهذا ما يبيَّنه المقال، بإستعراض بعض الملامح الرئيسية للدستور، فى إيجاز بالغ، مع عرض موجز أيضأً لما تمخض عن نفاذه و سريانه، من نتائج عملية تعكس ما قصده منه صانعوه،على وجه الدقة والتعيين. فالعبرة من التشريعات ليست فى نصوصها و أحكامها، المضمنة فى متونها الباردة، بل فى تطبيقاتها العملية، التى تحوِّل هذه النصوص إلى ممارسات و أفعال حيّة ومحسوسة. فما يهم المواطن من التشريع ليست نصوصه المدونة فى الورق، أو كلماتها وألفاظها كما تقبع فى مخيلة صانعيه، بل ما تحققه على أرض الواقع المعاش من تجسيد لمضامينها سواء كانت كفالة حقوق أو فرض قيود عليها أو ترتيب إلتزامات أو واجبات أو سن قواعد ناظمة لممارسة السلطة العامة، أو و ضع قيود علي تلك الممارسة.
و بعد هذه المقدمة التعريفية الضرورية، نلخِّص فى إيجاز ظاهرة التناقض، بين الخصائص الإيجابية المائزة، للحركة السياسية السودانية، و إخفاقها و تعثرها فى ترجمة تلك الخصائص إلى طاقة إيجابية فاعلة، تمكنها من إنجاز صياغة إرادتها الجماعية، فى شكل وثيقة دستورية، ناظمة للعلاقات السياسية والإدارية والحقوقية، لمكونات الدولة السودانية، من شعوب وقوميات و طبقات و شرائح إجتماعية مختلفة. أما من حيث ما تقدم ذكره، من ملامحها و مميزاتها الإيجابية اللافتة للنظر، فثمة عاملان رئيسيان فى تقديرنا، أكسبا الحركة السياسية والإجتماعية، المعاصرة فى بلادنا، وعياً ذاتياً مبكراَ و مرموقاً، بصفاتها و خصائصها النوعية المائزة، المتمثلة فى قدراتها الخلاقة و طاقاتها الحيوية وعبقريتها الفريدة، فى إحسان إنجاز مشاريعها الوطنية الكبرى، كثورة الإمام المهدى التحررية، و ثورة 1924م، و مبادرة مؤتمر الخريجين، و معركة تحقيق الإستقلال و تفجير ثورة أكتوبر الشعبية 1964م وإنتفاضة مارس/إبريل 1985م المجيدة، و مقاومة شمولية دولة الإسلام السياسي الحالية... إلخ، وهى مآثر سياسية و إجتماعية تاريخية مايزت حركة شعبنا بحق – و باعتراف الآخرين - عن مثيلاتها و أضرابها فى محيطيّها المحلى و الإقليمى، والدولى أيضاً إلى حد كبير:-
أولهما: فى تقديرنا هو، استنادها إلى إرث تاريخى قديم، من التطور الحضارى و المعرفى، المقتدر و المؤثر والفاعل لشعوب السودان المتنوعة، ممتد منذ ما قبل التاريخ، مروراً بتفاعلها الإيجابى، مع كل عناصر التجديد الوافدة إليها، وإستجابتها لدواعى و ضرورات التجديد، و تطورها فى سياق جدل الحوار بين القديم والجديد، المفضى فى المحصلة إلى جدة و إغتناء و منعة، محتوى الناتج الحامل لجينات أفضل مكوناتهما أى القديم والجديد. وغنى عن الذكر بالطبع، أن هذا الإرث التاريخى - السند، عميق الجذور ومتعدد المصادر و المراجع و متنوع المنابت، و من ثم، غنى المحتوى.
والآخر: هو تزامن ميلاد ونشؤ الحركة الوطنية السودانية، بمنظماتها الحديثة من أحزاب سياسية ونقابات واتحادات و جمعيات و منظمات المجتمع المدنى المختلفة، مع ذروة النهوض الجماهيرى، الثورى العارم والجارف، الذى انتظم العالم بأسره، قبل وفى فى أثناء الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م) و أعقابها ، ودشّنت به الشعوب عهد إنتصار إرادتها على النازية والفاشية ودحرهما، وإستشراف أفاق التحولات الثورية، تحت شعارات الإشتراكية و العدل الإجتماعى.
و معلوم أن ألوية هذا النهوض الثورى، حملها رأس الرمح المتمثل وقتها، فى تحالف شعوب المعسكر اللإشتراكى الوليد، ومنظمات حركة الطبقة العاملة فى البلدان الصناعية، وحركات التحرر الوطنى، فى البلدان المستعمرة، فى قارات آسيا و إفريقيا وامريكا اللاتينية. وبما أن حركة شعبنا التحررية، كانت ضمن مكونات الضلع الثالث، فى هذا التحالف الثورى الواسع، فقد كان من الطبيعى، أن يطبع هذا النهوض الجماهيرى العالمى، حركة شعبنا التحررية، من كل بد بطابعه الثورى، و يوسمها بالضرورة بميسمه التقدمى، و لو كره الرجعيون والظلاميون، لا سيما وأنها شكّلت حينها، كما أسلفنا القول، جزءا لا يتجزأ، من هذا النهوض والصعود الثورى الهائل. و يمكننا القول بأن الحركة الوطنية السودانية حافظت على جذوة مدها الثوري المتصاعد متقدة وحية، على مدى العقود الممتدة من قبيل منتصف أربعينيات القرن الماضي حتى بلغ منتهى ذروته وقمة عنفوانه، عشية الاستقلال. و بعده ظلّت هذه الجذوة متقدة وحية فى مأثرتي ثورة أكتوبر والإنتفاضة، و لا تزال وستظل هكذا و شعبنا يعد عدته لمنازلة شمولية الإسلامويين و هزيمتهم، وإجبارهم على التراجع النهائى والتام عن مشروع دولتهم الظلامية الخائب والبائر.
ومن الظاهر للعيان أن، طوفان هذا المد الثورى الجماهيري الوطني، قد ظلّ يشكّل مضمون الظاهرة الأكثر دلالة على فعالية وحيوية وديناميكية، الحركة السياسية والاجتماعية، فى التفاعل مع والانفعال بالقضايا المصيرية التى واجهها واقع السودان منذ ما قبل الإستقلال وحتى وقتنا الراهن. كما ظل تفاعل و إنفعال حركة الجماهير الحيوى والديناميكى بهذا المد الثورى يلعب الدور الأكثر تأثيراً فى حسم أمهات القضايا الوطنية. فإذا أخذنا معركة الإستقلال كمثال، نجد أنه وبدفع من هذا المد وبتأثيره، لعبت القوى السياسية المختلفة و التنظيمات النقابية والمدنية، التى تصدت وقتها لقيادة حراك القوى الوطنية بكل أشكاله، دوراً بالغ الأهمية فى تحديد الوجهة الأساسية، لمجرى تطور الأحداث نحو تحقيق حلم الاستقلال، من خلال تطويع توجهات القوى السياسية المتباينة الرؤى والمختلفة المصالح، وإخضاعها للالتزام بالإرادة الوطنية الغلابة. فاستجابت كلها لرغبة الشعب الداعية إلى توحد الحركة الوطنية، بأحزابها ومنظماتها المختلفة، حول مطلب حق تقرير المصير، والدفع بها للسير قدما للالتفاف حول مطلب إعلان الاستقلال، من داخل البرلمان، كما حدث بالفعل، مخالفاً لكل الإرهاصات والتكهنات التى سادت وقتها. فإعلان استقلال السودان من تحت قبة البرلمان، كما جرى فى أرض الواقع، حدث لم يكن يتوقعه أكثر المراقبين تفاؤلاً لحظة استقلال السودان، وذلك من فرط تباين و إختلاف روئ القوئ الفاعلة، والمساهمة فى الصراع ضد المستعمر، حول كيفية تحقيق و إنجاز الإستقلال. فلا غرو إذن أن سيطرت، خلفيات هذا التباين والاختلاف فى الرؤى، على أذهان المراقبين وقتها، على سند من واقع، إرهاصات الشعارين الأكثر استقطاباً لجماهير الأحزاب التقليدية، والمتمثلين فى وحدة وأدى النيل تحت التاج المصري، (الأحزاب الاتحادية)، والسودان للسودانيين مع ارتباط ما بالإنجليز، (ألأحزاب الاستقلالية). الأمر الذي أعتبر معه إتفاق الأقطاب المتنازعة، على هجر شعاريهما و إعلان الإستقلال من تحت قبة البرلمان، مأثرة من مآثر وطنية وثورية الشعب السوداني، المتميّز بحق وحقيقة. وقد أثبت تاريخ شعبنا الممتد من إنتصار الثورة المهدية، وما تلاها من إنجازات وطنية لاحقة، كثورة أكتوبر 1964م وإنتفاضة مارس/إبريل 1985م، وتشمل بالضرورة مقاومته الباسلة والعنيدة للشمولية الثالثة (1989م - ....) والممتدة بإذن الله، حتى النصر المؤزر، أن هذه المآثر العظيمة قيم أصيلة و باقية فيه وليست عابرة، كما يظن البعض توهماً.
فإذا كان ما تقدم من صفات التميّزٍ و التفرُّد التى يتسم به شعبنا، و كان ما نواجهه الآن، من واقع سياسي و إجتماعى محتقن و إقتصادى متصدع، ناتج عن أزمة وطنية عميقة وشاملة وشائكة ومتشعبة، و يهدد بكارثة قومية وشيكة تعصف بوحدة البلاد تراباً و شعباً، أوليس من المفارقات المحيّرة والمربكة، ألا يزال شعب السودان ، بكل ما عرف عنه، من وعى وحيوية وديناميكية، حتى نهاية العقد الأول، من القرن الواحد والعشرين، عاجزاً عن الوصول للصيغة المثلى المقبولة لدى أوسع أقسام مكوناته، للتأسيس الدستورى و الإدارى و الحقوقي و السياسي لدولته. أو ليس غريباً و محيّراً، أيضاً، و الأمر كما بيّنا، أن يظّل شعبنا يراوح مكانه، دون معالجة قضايا ما بعد الاستقلال، وفى مقدمتها تعزيز الاستقلال السياسي بانجازه التحرر من التبعية لدوائر الاستعمار الحديث، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، والتغيير الاجتماعي والنهوض الثقافي .... الخ وهى القضايا المتعارف عليها بمهام التحول الوطني الديمقراطي. فبعد جلاء المستعمر فى أول يناير من العام 1956م، ونيل بلادنا استقلالها السياسي، ورغم تصرم العقود و الحقب المتتابعة، التى تجاوزت نصف قرن من الزمان، تعاقبت قوى وشرائح اجتماعية متعددة، خلالها على كراسي الحكم، بساستها وعسكرها وتيكنوكراتها، نخباً تلو نخب، فرادى ومؤتلفين، ممثلين لإرادة الشعب حيناً ومنتزعين الحكم، غلاباً واغتصاباً وتعدياً، على إرادة الشعب فى أغلب الأحيان، فلا يزال الملمح الرئيس للمشهد السياسي، فى حاضر السودان اليوم، هو أزمة الحكم المتطاولة المتفاقمة والعميقة، والشاملة والمستحكمة والمستعصية، فى آن واحد. وبالنتيجة تظل حركة شعبنا تراوح مكانها، فى أحسن الفروض، دون تسجيل أي تقدم يذكر، عما كان عليه وضعه عشية الاستقلال. مما يجعل الصراع السياسي الإجتماعى، الدائر بين مختلف القوى السياسية، ينصب على كل قضايا ومهام ما بعد الاستقلال، دونما أي استثناء يذكر. وينهض هذا دليلاً وبرهانا كافياً على أن نخب الحكم المختلفة، لا تعير قضايا بناء الوطن وتنميته وتطويره، إلتفاتاً أو إهتماماً بل تنصرف عن ذلك إلى إيلاء مصالحها الخاصة همها الأكبر. و يؤكد ذلك صراع النخب الحاكمة، فى أغلب الأحيان، على محض أسلاب و غنائم الحكم من سلطات و وظائف و مراكز و إمتيازات وموارد مالية.... إلخ. فالسلطة فى نظر بعض القوى السياسية، هى مصدر القوة والنفوذ، المفضيين إلى السيطرة على مفاتيح دنيا المال و إكتناز الثروة، فهما إذن وسيلة الثراء و أداة حمايته والحفاظ عليه معاً. أنظر كيف يفعل الإسلامويون اليوم لترى أسوأ نماذج، (الربح فوق الشعب)، كم يسميه الكاتب والمفكر الأمريكى نعوام تشوميسكى، لترى كيف إتخذ فقراء الأمس و معدميه جهاز الدولة كحصان طروادة إلى دنيا الإغتناء الثراء و الفاحش و العريض بالسلطة، وكيف يوظفون سيطرتهم و هيمنتهم المطلقة على ذات الجهاز لحماية ثرائهم الفالت و المشبوه. وهنا يكمن تفسير ظاهرة المنافسة المحتدمة، بين مختلف القوى السياسية، حول جهاز الدولة، بأذرعه المختلفة، والحرص البالغ الذى تبديه، كل فئة منها، لفرض سيطرتها و هيمنتها الكاملة عليه، بغرض الإنفراد به وتوجيهه لتحقيق مصالحه الفئوية الخاصة، سواء كانت النخبة الحاكمة حزبية منتخبة ديمقراطياً، أو عسكرية دكتاتورية سطت على الحكم بقوة السلاح.
و ما أن تفرض هذه النخب الحاكمة، سيطرتها وهيمنتها على جهاز الدولة، فسرعان ما تبدأ بالإنتهاك الفظ للمبادئ الدستورية، السارية والنافذة، و إهدار الحقوق التى تتضمنها، ثم الخروج على ما إستقر عليه العمل، من مبادئ الدستور، وسيادة حكم القانون (سابقة جوزيف قرنق و آخرين /ضد/ حكومة جمهورية السودان) نموذجاً للدكتاتورية المدنية. و فى حالة الإستيلاء على الحكم بالقوة فسرعان ما تبادر الطغمة العسكرية، بإعلان ما تسميها أوامر جمهورية/دستورية جديدة، تبدأ بإيقاف العمل بالدستور وإلغائه وإلغاء مؤسسات الحكم القائمة و فى مقدمتها السلطة التشريعية، و هى المناط بها منذ إستقلال البلاد، مهمة وضع دستور دائم اللسودان. ولهذا جاءت تسمية البرلمان السودانى المنتخب والشرعى، بالجمعية التأسيسية
.(The Constituent Assembly)
أنظر دستور الإنتقالى سنة 1956م.
ومقصود بها الهيئة نواب الشعب المنتخبين للتأسيس الدستورى والإدارى والسياسى للدولة السودانية المستقلة. أى أن مؤدى هذه التسمية هو، أن هذه الجمعية التأسيسية، هى السلطة التشريعية الممثلة لإرادة الناخبين السودانيين، و المخوَّلة بموجب هذا التفويض، لصياغة وإجازة الدستور التأسيسى والدائم لجمهورية السودان المستقلة. بيد أن هناك دائما من لا يطمئن للركون إلى نتائج خيارات الإرادة الجماعية للشعب، ويتوجس خيفة ألا تلائم هذه الإرادة خياراته، ويشك فى أن تتفق خيارات الشعب مع مصالحه الذاتية الموغلة فى الخصوصية، فيسعى دوماً للحيلولة دون تحقيق غايات هذه الإرادة، مدفوعاً بتناقض مصالحه الخاصة مع المصلحة الجماعية الكلية للشعب. الأمر الذى يدفعه لبذل كل طاقته و إمكاناته لمنع، هذه الهيئة من إداء مهمتها و وظيفتها الدستورية، و من ذلك حرص الإنقلابيين الدائم و المقيم، على إبتدار بيانهم الأول بحل و إلغاء هذه الهيئة المنتخبة من الشعب، رغم حديثهم الكاذب والخادع فى حيثيات البيان، بأنهم جاءوا من أجل من إنتخبها. و يلفت ما تقدم ذكره بعاليه، النظر إلى ما نسميه بالبروز الواضح للمحتوى الحقوقي والقانونى للصراع السياسي الاجتماعي، الدائر فى السودان، ويتجلى فى ثنايا ما يطرحه الصراع من أسئلة: مثل من يحكم السودان؟ بمعنى أى القوى السياسية (منفردة أو متحالفة) هى الأكثر تأهيلاً وقدرة على تولى إدارة شئون البلاد، بما يحقق مصالح غالبية أهلها. وكيف يحكم السودان؟ بمعنى على أى أساس من التشريع يمكن لهذه القوى أو تلك، أن تدير تلك الشئون؟ و هما سؤالان محوريان فرضا وجودهما فى مقدمة أجندة مختلف القوى الاجتماعية - السياسية المتنازعة، وشكلا مع غيرهما من إستفهامات، أهم وأبرز موضوعات الصراع الاجتماعى - السياسى والفكرى، عشيّة الاستقلال، وبعده فى سياق إجتهاد مختلف القوى لابتدار، مشروع التأسيس الدستورى، والقانونى للدولة السودانية المستقلة. و لا يزال هذان السؤالان يحتلان موقعهما المتقدم فى قائمة كبريات قضايا الوطن، ويشغلان أذهان المهتمين والمعنيين بتلك القضايا، ويلحان فى طلب التوفر عليهما، بالنظر والتمحيص والتدقيق، و من ثم، شحذ الفكر وكدح الذهن كدحاً فاعلاً و خلاقاً، لإيلائهما ما يستحقان من نظر و جهد وبذل، سعياً حثيثاً ومسئولاً للبحث عن إجابات شافية كافية لهما.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.