الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    افراد (القطيع) والشماتة في الهلال..!!    (بيراميدز والأهلي والملعب والبقية تاتي)    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أيها العقيد المسطول: وداعاً ! .. بقلم: الفاضل ع.م. علي - أبو ظبي
نشر في سودانيل يوم 27 - 02 - 2011


قالوا ليه القطر تقدّم كفرة نيرانا زي جهنّم
حنّ قلبه و دمعه سال......الرائد محمود أبو بكر شاعر سوداني أثناء معركة العلمين بليبيا فى بداية الحرب العالمية الثانية.
و لقد حنّ قلبي لليبيا التي ذهبت لها عام 1965 ضمن أول فوج من المعلمين السودانيين الذين جلبتهم تلك المملكة، منتدبين من وزارة التربية (و كان وزيرها آنذاك الزعيم الاتحادي الديمقراطي الفذّ - المرحوم حسن عوض الله)، و استقر بي المقام بمدرسة الأبيار الثانوية من أعمال بنغازي، و يبدو أنها تحولت إلى ثكنة عسكرية لسلاح الطائرات العمودية الذي أعلن قائده قبل يومين الانضمام لثورة 17 يناير، فتفجّر بالوجدان سيل من الذكريات. كانت ليبيا في منتصف الستينات تتنكب طريقها نحو التنمية شيئاً فشيئاً، وتنعم بعائدات النفط الذي بدأ تصديره عام 1962، محروساً بقاعدة بريطانية ضخمة في بنغازي و أخرى أمريكية بهويليس قرب طرابلس. غير أن الليبيين كانوا يغدقون المرتبات الهائلة على الوافدين الأوروبيين (بسبب عقدة الخواجة)، و كانوا يقترّون علينا و على كافة أصناف العمالة الواردة من فلسطين و مصر و تونس (البرّانيّين)، و لقد استفاد القذافي كثيراً من هذه الزينوفوبيا المتأصّلة عند الليبيين، و ما انفكّ يوجّه سخط الجماهير ببراعة فائقة نحو البرّانيين منذ أول أيامه في السلطة، فطرد الإيطاليين ثم المصريين ثم الفلسطينيين ثم التوانسة و السودانيين (الذين كان حظهم الضرب و الملاحقة فى كثير من الأحيان، مشفوعاً باعتذار من العقيد، على طريقة "الإضينه دقّه واعتذر له")، رغم حاجة الاقتصاد الليبي لهم كأيدي عاملة، في غياب المهنيين و الفنيين و العمال المهرة المحليين، مع تدفق الثروات النفطية الذي لم يتوقف حتى الآن؛ و في هذا الأثناء يقوى عود النظام الديكتاتوري المتسلط، ولا يلتفت الشعب لأفاعيله إلا بعد أربعة عقود.
و عموماً، لم يطب لي المقام في ليبيا لأكثر من عام واحد، فلقد كان الفرق في المرتب لا يزيد عن خمسة في المائة من ذلك الذي كنا نتقاضاه بالسودان، و كان الزمن في بلادنا (زين و الشعر مغطّى الإضنين)، كما عاد بعد السنة الأولى تلك أكثر من 70 بالمائة من أولئك المعلمين المنتدبين.
و لكنني استفدت كثيراً من ذلك العام بطوافي على كل أرجاء ليبيا و تصفّحي لتاريخها المشرق الثرّ منذ عشرة آلاف سنة قبل الميلاد؛ فلقد بدأ ذلك الجزء من العالم بمجتمع رعوي من قبائل البربر الذين أطلق عليهم اليونانيون القدامى (ليبو Libu)، و الحضارة القديمة المستقرة الوحيدة كانت بمنطقة فزّان بالجنوب، و هي حضارة الجرامانتيز التي ازدهرت في القرن العاشر قبل الميلاد؛ ثم جاء الفينيقيون في القرن الخامس قبل الميلاد و أقاموا مستعمرة على ساحل المتوسط حول مدينة قرطاج Carthage في إقليم يتألف من ثلاثة مدن Tri-polis أصبح يسمى طرابلس فيما بعد، أو طرابلس الغرب لتمييزها عن طرابلس اللبنانية.
و كان اليونانيون قد استقروا بالجزء الشمالي الشرقي منذ عام 630 ق.م وأسّسوا الإقليم المسمى سرينايكا الذي يتألّف من بنغازي وطبرق والمرج (التي دمرها عن بكرة أبيها زلزال عام 1965 وقام ببنائها المقاول السوداني جابر أبو العز) وسوسة "التى ذهب للتدريس فيها صديقنا عبد الرحيم الشيخ إبن أبو حراز لاعب المريخ المعروف، وأجمل صوت فى غناء الحقيبة"Penta - polis ، والمعروف بعد ذلك بإقليم بنغازي.
كما غشيهم الفرس بقيادة قمبيز الثاني عام 525ق م وأقاموا لمئتي عام، إلى أن دحرهم جيش الإسكندر المقدوني عام 331 ق م ، فحكمهم البطالسة بعدئذ حتى قدوم الرومان عام 106 ق م . والليبيون مدينون بشكل خاص للرومان الذين وحّدوا الأقاليم الثلاثة - طرابلس وبنغازي وفزان - عام 64 ق م بواسطة جيش يوليوس قيصر، ليستمر هذا الكيان الجديد تحت مسميات مختلفة، آخرها (ليبيا) بواسطة الإيطاليين (الجدد) بقيادة الدوتشى موسليني عام 1934م. ولقد حكم الرومان هذا الكيان فعلياً حتى القرن الرابع الميلادي ولكن أثرهم الثقافي والاجتماعي استمر حتى القرن العاشر الميلادي، وفي أثناء ذلك، وتحديداً في القرن الخامس تعرضت الإمبراطورية الرومانية - بما فى ذلك ليبيا - لغزوات القبائل الهمجية البربرية المسماة بالفاندالز Vandals، والجدير بالذكر أن كلمة فاندال تعني الصعلوك السادي الذي لا يفهم معني الحضارة والذى لا هم له سوى الدمار والخراب، و لا بد أن معمر قذاف الدم من سلالة أولئك البرابرة الفاندالز الذين أيضاً يطلق عليهم Philistines أي أعداء الثقافة.
- وأخيراً جاء العرب بقيادة عمرو بن العاص ومن بعده عبد الله بن سعد بن أبى السرح (راعى اتفاقية البقط مع النوبةPact )‘ وأخضعوا الإقليم الشرقي لدولة المسلمين عام 642م وأطلقوا عليه اسم (برقة) كما أطلقوا على الليبيين اسم (اللوايتة)Lawayta كما ورد في مؤلفات ابن خلدون.
- ولقد استمرت الهيمنة العربية الإسلامية على الأقاليم الليبية الثلاثة لأكثر من ألف عام، رغم الإستقلال الذاتي للممالك البربرية والشبه عربية التى حافظت على كياناتها القبلية بتماسك وشراسة، من أمازيقيين وطوارق ومغاربة Moors وأفارقة آخرين بفزّان مثل القرعان والهوسة والبرنو، بالإضافة لأخلاط تركية بالسواحل وقبائل عربية خلاسية منحدرة من بنى سليمان وبنى هلال ( ومن أشهر حكامهم المحليين شرف الدين قرقوش - "حكم قرقوش" - ).
- ولقد جاء الأتراك العثمانيين ورثة الخلافة الإسلامية عام 1551م واستمروا بليبيا ، حكاماً فعليين أو إسميين، حتى نهاية القرن التاسع عشر عندما أصبحت تركيا تسمى (رجل أوروبا المريض)، فتداعت وتهالكت وورث الأرض من بعدها الأوروبيون. وعندئذ تفتحت الشهية الأوروبية مجدداً نحو هذا الشط الاستراتيجي من البحر المتوسط، وكان الطليان هم أول المتكالبين ، تدغدغهم النوستالجيا للإمبراطورية الرومانية، فهرولوا نحو ليبيا واحتلوها عام 1911، وبقوا فيها كمستعمرين استيطانيين حتى هزمت إيطاليا فى الحرب الكونية الثانية على أيدى الحلفاء ووضعت ليبيا تحت الوصاية البريطانية والفرنسية عام 1947، مع وجود عرش يجلس عليه الأمير إدريس السنوسي، إلى أن تحقق الاستقلال عام 1951، ولكن الملك السنوسي سمح للإيطاليين أن يبقوا فى مزارعهم بالجبل الأخضر ليستمروا فى مد المجتمع الليبي بمنتجات مزارعهم ومصانعهم الصغيرة (مثل نبيذ "البوخة"....ياحليلها!)، ولكي يرفدوا سوق العمل بمهارات البنّائين والنجّارين والحدّادين والميكانيكيّة والترزيّة والحلاقين، تماماً كما فعل جومو كينياتا فيما بعد مع الإنجليز والهنود فى كينيا، وكما فعل نلسون مانديلا مع البيض في جنوب أفريقيا. (أما القذافي فقد طرد أولئك الإيطاليين، كما طرد عيدى أمين الهنود، مما عاد بالخراب على اقتصاد بلديهما).
- في الأول من سبتمبر 1969 جاء معمر القذافي للسلطة في ليبيا، عن طريق انقلاب عسكري لم يكن له ما يبرره غير زخم القومية العربية وهوس الانقلابات العسكرية الذى أصاب الأمة بعد "ثورة" 23 يوليو المصرية، لأن الملك ادريس السنوسى كان ورعاً وزاهداً فى الدنيا ومناضلاً ضد الاستعمار الإيطالي من طراز عمر المختار، وهكذا كانت أسرته الذين رأينا منها الأمير عبدالله والأمير الزبيرى أبناء عمومته المقيمين بالأبيار جوار المدرسة الثانوية التى عملنا فيها، وكنا مجموعة من تسعة مدرسين سودانيين.
الشاهد. بدأت صفحة جديدة إسمها ثورة الفاتح من سبتمبر:
• و منذ ذلك اليوم أطل على هذه المملكة الوديعة المسكينة ليل طويل حالك من البطش و الترويع و التخريب الاقتصادي و التجريب لكافة النماذج الأيدلوجية التي يميل نحوها الديكتاتور معمر قذاف الدم حسب مزاجه الزئبقي. و بالمناسبة، لا تظنوا أنه مفكر أو مثقف أو مستوعب لأي فلسفة أو منهج معروف، فلقد كان إلى جواره منذ أيامه الأولى دبيبان سودانيان هالكان- بابكر كرار مؤسس الجماعة الإسلامية المنسلخة عن الأخوان المسلمين و التي تحولت إلى الحزب الاشتراكي الإسلامي، و الدكتور عبد الله زكريا (أستاذ جغرافيا بمعهد المعلمين العالي و ناشط بحزب الأمة جناح الصادق)، و هما اللذان كتبا الكتاب الأخضر و دبّجا النظرية الثالثة و اخترعا مسألة المؤتمرات الشعبية و اللجان الثورية، ثم انفضّا عنه، فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر (أعتقد)، و ظل القذافي متمسّكاً بهذه الخذعبلات مثل الأعمى الذي أمسكوه عكازاً (أي عصا).
• و لقد كره السودانيون القذافي تحديداً فى يوليو عام 1971 عندما تآمر مع M16 جهاز المخابرات البريطاني وأنزل طائرة البي أو إي سي في مطار بنين ببنغازي و اختطف منها المقدم بابكر النور و الرائد فاروق حمد الله و أرسلهما مصفّدين لجعفر نميري الذي عذّبهما ثم أعدمهما، و القذافي مطالب تاريخياً بدفع ثمن هذه الجريمة؛ و حقيقة يتساءل الناس: لماذا فعل ذلك، و لماذا دعم نظام النميري ثم انقلب عليه و ناصبه العداء و قدّم كل أنواع الدعم للجبهة الوطنية المعارضة بقيادة الراحل الشريف حسين الهندي ؟! ليس هنالك منطق تعارف عليه البشر يمكن أن يشرح تقلبات هذا المعتوه الليبي؛ و الآن فقط، و بعد ثورة 17 فبراير، و بعدما سيتم اكتشافه من وثائق و أدلة، يمكن معرفة كنه القذافي الحقيقي، و هل كان دمية فقط في يد المخابرات البريطانية و الأمريكية، رغم مغامراته العدوانية و الطائرات التي فجّرها، فلقد ظل النفط متدفقاً بلا توقف طوال الأربعين سنة الماضية، و لم تتأثّر الاحتكارات الغربية و المصالح الامبريالية بمغامرات القذافي البن لادنية وأمزجته الشاذة و خطبه المطوّلة المملة في مؤتمرات القمة.
• و من غرائب الأمور أن القذافي أيد انتفاضة الشعب السوداني في 6 أبريل 1985 بشدة، لا لسبب إلا لأنه يكره جعفر نميري كراهية شخصية، و قد أشار إليه عدة مرات في التلفزيون الليبي ب (هذا العبد السوداني). و لقد وجه خطاباً أثناء الانتفاضة لأهل السودان يؤكد لهم وقوف الجماهيرية معهم، و يحذر الفريق عباس مدني مدير الشرطة من استخدام الذخيرة الحية مع المتظاهرين في شوارع الخرطوم. ترى، ماذا حدث له الآن و هو يرمي شعبه نفسه بالذخيرة الحية و دانات الدبابات و بالقصف الجوي بالميراج و الميج؟ و لماذا و قف ضد الانتفاضة التونسية و المصرية، و قال فيما قال إن بن علي برئ و لا يملك شروي نقير و نحن نرسل له المصاريف والملابس من ليبيا؟ و لمّا رأينا جزءاً من معروضات ثروة بن علي و زوجه اللصّة باليو تيوب، و لما قرأنا في القارديان البريطانية عن ثروة العقيد المسطول نفسه التي تجاوزت المائة و ثلاثين مليار دولار، خطرت لنا جملة من الأسئلة:-
1) من الواضح أن القذافي كاذب في كل ما يقول ، و لكن ما هذه المفاجآت؟ أين كانت المخابرات المركزية الأمريكية و البريطانية و الفرنسية و الروسية و المصرية؟ هل كل هؤلاء كانوا يجهلون أمر الثروات الخرافية التي استحوذ عليها القذافي و بن علي و حسني مبارك و ابناؤهم و أصهارهم؟ إن كانوا لا يعلمون ، مثلنا، رغم أن هذه الأصول و المبالغ الضخمة موجودة بطرف الدول الغربية، فتلك مصيبة كبرى، و إن كانوا يعلمون و يتكتّمون عليها، حتى عندما كان القذافي يصنف كعدو للغرب و داعم للإرهاب الدولي، فإن المصيبة أشد هولاً.
2) ولقد كان القذافي يدعم الجيش الجمهوري الأيرلندي، كما تحرش بمناطق النفوذ الفرنسية في النيجر و تشاد و كافة الدول المجاورة لليبيا، و وصلت الأمور درجة المواجهة مع الجيش الليبي في إقليم أوزو بشمال تشاد الذي احتله القذافي عام 1973، ثم خرج منه مذموماً مدحوراً، و وصلت الأمور درجة تحرك الأسطول السابع أيام ريقان صوب الشواطئ الليبية عام 1986 و ضرب القذافي بعقر داره في قلب طرابلس؛ و لكن لماذا ظل الغرب رغم ذلك يرعى المصالح و الممتلكات الليبية في سويسرا و إيطاليا و شوارع أكسفورد و السيتي بلندن و بالبنوك الأمريكية، أم أن كل الموضوع مسرحية سيئة الإخراج، و لعب على ذقون الشعوب العربية؟؟ ألا زال يحكمنا الاستعمار الغربي باللف والدوران بعد أن أوهمنا بأننا حصلنا على استقلال بلادنا؟ لقد كتب اللورد كرومر المعتمد والحاكم البريطاني الفعلي بمصر للحاكم العام البريطاني فى السودان بعد توقيع اتفاقية 1899 للحكم الثنائي البريطاني المصري ، قائلاً:
We are ruling Sudan by bluff.
أي: نحن سنحكم السودان بالمراوغة والتمويه والاستهبال، فبينما نسميه حكم ثنائي هو في حقيقته آحادي، فنحن الذين نحكم فعلياً، ليس السودان وحده بل مصر كذلك. ورغم العلم المصري الذى يرفرف على ذؤابة قصر الحاكم العام بالخرطوم وفى المديريات والمراكز، فهم كرجل المرأة - آخر من يعلم. ونحن الذين نحكم، والميزانية برمتها تأتى من الخزانة المصرية. وكذلك يتجلّى البلف الإنجليزى bluffing فى أنهم أقاموا محاكم شرعية توهم السودانيين بأن ثقافتهم ودينهم محفوظ، وأنشأوا الإدارة الأهلية حتى يظن السودانيون أنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم، وهي مجرد آليات محلية تساعدهم في جمع الضرائب وحفظ الأمن بأقل تكلفة. ألا زال الإنجليز يحكموننا بهذه العقلية، فسلطوا علينا حكاماً أفرزتهم أجهزتهم الاستخباراتية كالفايروسات تعمل فى أحشائنا لمصلحة الإمبريالية الغربية؟ الله أعلم. بحساب الربح والخسارة فقط، أين ذهبت ثروات هذه الشعوب أثناء الخمسين عاماً الماضية؟
• ومن الأضرار الجسيمة التي سبّبها القذافي مشكلة دارفور، و يبدو أنه كان على وفاق تام مع النظام الإسلامي العروبي الحاكم في الخرطوم؛ فلقد بعث بالمجنّدين شبه العرب من جنوب ليبيا و النيجر و تشاد، من قبائل القرعان بالتحديد، باعتبارهم أكثر عروبة من أهل دارفور الناطقين بلغات غير عربية، كالفور و الزغاوة و المساليت، و بدأ هؤلاء المجنّدون بنشاط تخريبي بدارفور كان يعرف (بالنهب المسلح)، و هم نفس المجندين (الجنجويد) الذين استقطبهم نظام البشير منذ عام 2000 لكي يعيثوا في الأرض فساداً، تدميراً و اغتصاباً و تهجيراً للقبائل الأفريقية المذكورة، وإحلالها بمن يحسبهم القذافي و البشير عرباً من دول الصحراء الغربية، و بلغت تلك المأساة ذروتها عام 2003 بقتل مائة ألف من الفور و الزغاوة و المساليت، و تهجير مليونيين منهم إلى معسكرات اللاجئين بتشاد و أفريقيا الوسطى.
 إن التخريب الذي أحدثه القذافي بتدخله الإجرامي الفظ في لبنان بأواخر السبعينات و بداية الثمانينات هو الذي قضى على الديمقراطية فى لبنان بعد عمر جاوز الأربعين عاماً (أي منذ دستور 1942) ، وهو الذى أدخل ذلك البلد الجميل في دوامة لم يخرج منها حتى الآن. و تدخّله في السودان - وكأنه الثور فى مستودع الخزف- هو الذي أدّى لانفصال جنوب السودان الذي ستتبعه دارفور لا محالة........ إذا لم تحدث انتفاضة بالخرطوم شبيهة بأخواتها في تونس و مصر و ليبيا.
 حقاً، لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون؛ و طالما ثار الشعب الليبي - و هو أقل معاناة من شعب السودان من الناحية الاقتصادية، و لم تحدث له مشكلة مثل جنوب السودان أو دارفور - فإن الشعب السوداني سينتفض كذلك بلا أدنى شك، و هو الشعب ذو التاريخ الثوري العريق: الثورة المهدية 1881 و ثورة 1924 و ثورة أكتوبر 1964 - ثم انتفاضة أبريل 1985. والسلام.
fadil Abbas [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.