شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما يجب مراعاته عند تطبيق الشريعة ... بقلم: نوري حمدون
نشر في سودانيل يوم 29 - 03 - 2011


بقلم: نوري حمدون – الأبيض – السودان
1
= ليس صحيحا أن الشريعة قد وضعت عقابا محددا لكل جريمة . و مثل هذه الجرائم يجتهد الجميع (فقهاء و علماء و غيرهم) لوضع عقوبات لها . و في ذلك يستفيدون من كافة التجارب الإنسانية . و ليس صحيحا أن الإسلام يدعو للجلد و القطع و الرجم و الصلب بصورة مطلقة و من غير قيد و بدون شروط . فما كل شارب خمر يجلد و ما كل سارق يقطع و ما كل زانٍ يرجم و ما كل محارب يصلب . لقد حف الاسلام إيقاع هذه العقوبات بالموانع الكبيرة لأنه يريدها زواجر إيمانية و ممارسة دينية يسعى لها مرتكبها بنفسه لأجل التطهر و بدافع الإيمان . فليس صحيحا أن نجعل هذه العقوبات عنوانا للشريعة و هي التي عنوانها السلام و الأمان و الإيمان . فعندما ننادي بتطبيق الشريعة التي هي جزء أساسي من دين المواطنين لا يجب أن نقول أننا نريد أن نجلد و أن نقطع و أن نرجم و أن نصلب . فالأفضل أن نقول أننا نريد بالشريعة أن نعدل و نؤمن و نسالم و نتطهر .
1
= أظن أن المطلوب هو أن نكون جاهزين لتطبيق الحدود و في نفس الوقت أن نعمل على تفاديها قدر الإمكان عبر آليات درء الشبهات و التستر و التوبة و التلقين و الإكراه و الجحود و الرجوع عن الإقرار و كلها مذكورة في كتب الفقه . و هذا هو الفرق الأساسي بين الشريعة و بين القوانين الوضعية . فالشريعة وضعت لتردع قبل أن تطبق .. بينما القوانين وضعت لتطبق ثم بسبب التطبيق تردع . كما أن القوانين الوضعية نضع لها العسس و القضاة الذين يتتبعون الناس فيقبضون عليهم متى ما قامت الشبهات المرجحة لوقوع الجريمة .. بينما الشريعة لا نضع لها العسس و لا القضاة إبتداءا .. و إذا وصلت الجريمة للقضاة فإنهم يطلقون سراح الناس متى ما قامت أدني الشبهات المرجحة لعدم وقوع تلك الجريمة . ففي الشريعة المتعدين لحدود الله تقام عليهم الحدود بعد بلاغات المتضررين أو بعد إقرار المعتدين أنفسهم لتلك الحدود في غالب الحالات . في القضاء الوضعي يوازن القاضي بين الأدلة التي تدين و التي تبري .. و الكفة التي ترجح يحكم بمقتضاها . بينما في الشريعة يسقط الحد لقيام الدليل الواحد , و هو ما نسميه الشبهة , أمام الأدلة العديدة التي تدين . و في هذا السياق نقتبس أسطرا من كتاب ( فقه السنة ) للدكتور ( السيد سابق ) .. يقول الدكتور :

((=: تحدت الاحناف والشافعية عن الشبهات ، ولكل منهما رأي نجمله فيما يأتي : رأي الشافعية : يرى الشافعية أن الشبهة تنقسم أقساما ثلاثة :
1 - شبهة في المحل : أي محل الفعل - مثل : وطء الزوج الزوجة الحائض أو الصائمة ، أو إتيان الزوجة في دبرها ، فالشبهة هنا قائمة في محل الفعل المحرم .
2 - شبهة في الفاعل : كمن يطأ امرأة زفت إليه على أنها زوجته ، ثم تبين له أنها ليست زوجته . وأساس الشبهة ظن الفاعل واعتقاده بحيث يأتي الفعل وهو يعتقد أنه لا يأتي محرما ، فقيام هذا الظن عند الفاعل يورث شبهة يترتب عليها درأ الحد
3 - شبهة في الجبهة : ويقصد من هذا الاشتباه في حل الفعل وحرمته ، وأساس هذه الشبهة الاختلاف بين الفقهاء على الفعل ، فكل ما اختلفوا على حله أو جوازه كان الاختلاف فيه شبهة يدرأ بها الحد ، فمثلا يجيز أبو حنيفة الزواج بلا ولي ويجيزه مالك بلا شهود ، ولا يجيز جمهور الفقهاء هذا الزواج ، ونتيجة هذا الزواج أنه لا حد على الوطء في هذا الزواج المختلف في صحته ، لان الخلاف يقوم شبهة تدرأ الحد ، ولو كان الفاعل يعتقد بحرمة الفعل ، لان هذا الاعتقاد في ذاته ليس له أثر ما دام الفقهاء مختلفين على الحل والحرمة .))
= ثم يتحدث الدكتور عن التستر قائلا :
((= قد يكون ستر العصاة علاجا ناجعا للذين تورطوا في الجرائم واقترفوا المآثم ، وقد ينهضون بعد ارتكابها فيتوبون توبة نصوحا ، ويستأنفون حياة نظيفة . لهذا شرع الاسلام التستر على المتورطين في الاثام ، وعدم التعجيل بكشف أمرهم . عن سعيد بن المسيب قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم يقال له هزال ، وقد جاء يشكو رجلا بالزنا ، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ". " يا - هزال - لو سترته بردائك كان خيرا لك " .))
((= بل على المسلم أن يستر نفسه ولا يفضحها بالحديث عما يصدر عنه ، من إثم أو إقرار أمام الحاكم لينفذ فيه العقوبة . روى الامام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أيها الناس : قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله . . . من أصاب شيئا من هذه القاذورة فليستتر بستر الله ، فإنه من يبد لنا صفحته ، نقم عليه كتاب الله " .))
ثم يمضي كتاب (فقه السنة) متحدثا عن عدة جوانب إضافية فيقول :
((= يشترط في إقامة حد الزنا ما يلي : 1 - العقل . 2 - البلوغ . 3 - الاختيار . 3 - العلم بالتحريم . فلاحد على صغير ( 1 ) ولا على مجنون ، ولا مكره :
= يثبت الحد بأحد أمرين : الاقرار ، أو الشهود .
= ذهبت الشافعية ، والحنفية ، وأحمد ( 1 ) إلى أن الرجوع عن الاقرار يسقط الحد
= إذا أقر الرجل بزنا امرأة معينة ، فجحدت فإنه يقام عليه الحد وحده ،
= هل يثبت الحد بالحبل ؟ : ذهب الجمهور إلى أن مجرد الحبل لا يثبت به الحد ، بل لابد من الاعتراف أو البينة . واستدلوا على هذا بالاحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات . وعن علي رضي الله عنه أنه قال لامرأة حبلى : " استكرهت ؟ " قالت : لا . قال : " فلعل رجلا أتاك في نومك " . قالوا : وروى الاثبات عن عمر أنه قبل قول امرأة ادعت أنها ثقيلة النوم وأن رجلا طرقها ولم تدر من هو بعد .))
= و عن التوبة يقول الدكتور السيد سابق في كتابه (فقه السنة) :
((= إذا تاب المحاربون المفسدون في الارض قبل القدرة عليهم ، وتمكن الحاكم من القبض عليهم ، فإن الله يغفر لهم ما سلف ، ويرفع عنهم العقوبة الخاصة بالحرابة لقول الله سبحانه : " ذلك لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " . وإنما كان ذلك كذلك ، لان التوبة قبل القدرة عليهم والتمكن منهم دليل على يقظة الضمير والعزم على استئناف حياة نظيفة بعيدة عن الافساد والمحاربة لله ولرسوله ، ولهذا شملهم عفو الله و أسقط عنهم كل حق من حقوقه إن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة ، أما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم ، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة ، وإنما تكون من باب القصاص. ))
((=تقدم أن حد الحرابة يسقط عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم لقول الله سبحانه " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " . وليس هذا الحكم مقصورا على حد الحرابة ، بل هو حكم عام ينتظم جميع الحدود ، فمن ارتكب جريمة تستوجب الحد ثم تاب منها قبل أن يرفع إلى الامام سقط عنه الحد.))
((= وقد رجح ذلك ابن تيمية فقال : " ومن تاب من الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر قبل أن يرفع إلى الامام ، فالصحيح أن الحد يسقط عنه . كما يسقط عن المحاربين إجماعا إذا تابوا قبل القدرة عليهم " . وقال القرطبي " فأما الشراب ، والزناة ، والسراق ، إذا تابوا وأصلحوا . وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الامام ، فلا ينبغي أن يحدوا . وإن رفعوا إليه فقالوا : تبنا لم يتركوا وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا " .))
= و عن العفو عن الحدود جاء في كتاب (فقه السنة ) ما يلي :
((= عند السنة لا يجوز العفوعنها (الحدود ) من أحد لا من المجني عليه ولا من الحاكم ، كما لا يجوز أن تستبدل بها عقوبة أخرى أخف منها أو تأخير تنفيذها أو تعطيلها ، خلافا للشيعة الذين يرون أن القطع يسقط عن السارق بعفو المجني عليه في السرقة وكذلك يرون أن للامام مع وجوب إقامة الحد أن يسقط العقوبة عن بعض الناس لمصلحة ، وله تأخيرها عن بعضهم لمصلحة ، وهذا مخالف لجماعة أهل السنة . ))
= أما عن التلقين فقد جاء في الكتاب نفسه ما يلي :
((= ويندب للقاضي أن يلقن السارق ما يسقط الحد ، لما رواه أبو أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص اعترف ، ولم يوجد معه متاع . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما إخالك سرقت ؟ قال : بلى ، مرتين أو ثلاثا . رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، ورجاله ثقات . وقال عطاء : كان من قضى يؤتى إليهم بالسارق ، فيقول : أسرقت ؟ قل : لا . وسمى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وعن أبي الدرداء . أنه أتي بجارية سرقت فقال لها : أسرقت ؟ قولي : لا . فقالت : لا . فخلى سبيلها . ))
2
= تقف أمام تطبيق الحدود معوقات أهمها غياب النصوص التي تحدد بعض الجوانب المهمة في التطبيق . أدى هذا الغياب الى إختلاف الفقهاء حول توصيف هذه الجوانب و حول الإتفاق عليها . هذه الجوانب الغائبة لا يتم التطبيق بدونها و لا سبيل الى ايجادها الا بآلية وضع القوانين المكملة لتلك الجوانب الغائبة . القوانين التي توضع بواسطة البشر تسمى القوانين الوضعية . فكأن الشريعة نفسها باتت في حاجة ماسة لتشريعات وضعية لإكمال بعض أحكام الشريعة أو لإيجاد تشريعات لم ترد أصلا في الشريعة . و هذا بالضبط ما فعله الفقهاء على مر العصور و هم يستنبطون الأحكام فيما ليس له حكم عبر آلية الإجتهاد . و لعل جزءا من هذا الغياب لتلك الجوانب لم يكن مقصودا إبتداءا , و لكنه أحد نتائج تدوين روافد الشريعة .. القرآن و الحديث .. خاصة في حالة غياب ما أسميناه الجوانب المهمة للتطبيق . و لعل جزءا آخر من غياب التشريعات كان مقصودا كي تظل الشريعة عند دورها التوجيهي التنويري التهذيبي . و تعالوا نستمع مرة أخرى للسيد سابق في الكتاب المشار اليه يقول :
((= جريمة شرب الخمر : الفقهاء متفقون على وجوب حد شارب الخمر ، وعلى أن حده الجلد . ولكنهم مختلفون في مقداره : فذهب الاحناف ومالك : إلى أنه ثمانون جلدة . وذهب الشافعي : إلى أنه أربعون . ))
((= جريمة اللواط : ومع إجماع العلماء على حرمة هذه الجريمة ، وعلى وجوب أخذ مقترفيها بالشدة ، إلا أنهم اختلفوا في تقدير العقوبة المقررة لها مذاهب ثلاثة : 1 - مذهب القائلين بالقتل مطلقا . 2 - ومذهب القائلين بأن حده حد الزاني : فيجلد البكرويرجم المحصن . 3 - ومذهب القائلين بالتعزير . ))
((= جريمة الحرابة : ولا بد من توافر شروط معينة في المحاربين حتى يستحقوا العقوبة المقررة لهذه الجريمة : وجملة هذه الشروط هي : 1 - التكليف . 2 - وجود السلاح . 3 - البعد عن العمران . 4 - المجاهرة . ولم يتفق الفقهاء على هذه الشروط ، وإنما لهم فيها مناقشات نجملها فيما يلي ((
((= شرط حمل السلاح : ويشترط في المحاربين أن يكون معهم سلاح ، لان قوتهم التي يعتمدون عليها في الحرابة : إنما هي قوة السلاح ، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا بمحاربين ، لانهم لا يمنعون من يقصدهم ، وإذا تسلحوا بالعصي والحجارة ، فهل يعتبرون محاربين ؟ اختلف الفقهاء في ذلك . فقال الشافعي ، ومالك ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، وأبو ثور ، وابن حزم : وإنهم يعتبرون محاربين لانه لا عبرة بنوع السلاح ، ولا بكثرته ، وإنما العبرة بقطع الطريق . وقال أبو حنيفة : ليسوا بمحاربين .))
((= شرط الصحراء والبعد عن العمران : واشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك في الصحراء ، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين ، ولان الواجب يسمى حد قطاع الطريق ، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء ، ولان في المصر يلحق الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ، ويكونون مختلسين ، والمختلس ليس بقاطع ، ولا حد عليه . وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، وإسحاق ، وأكثر فقهاء الشيعة . وقول الخرقي من الحنابلة ، وجزم به في الوجيز . وذهب فريق آخر إلى أن حكمهم في المصر والصحراء واحد ،))
((= شرط المجاهرة : ومن شروط الحرابة المجاهرة بأن يأخذوا المال جهرا ، فإن أخذوه مختفين فهم سراق ، وإن اختطفوه وهربوا ، فهم منتهبون ، لا قطع عليهم ، ))
((= العقوبات التي قررتها الاية الكريمة : والعقوبة التي قررتها هذه الاية للذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا هي إحدى عقوبات أربع : 1 - القتل . 2 - أو الصلب . 3 - أو تقطيع الايدي والارجل من خلاف . 4 - أو النفي من الارض . وهذه العقوبات جاءت في الاية معطوفة بحرف " أو " ، فقال بعض العلماء : " إن العطف بها يفيد التخيير ، ومعنى هذا ان للحاكم أن يتخير عقوبة من هذه العقوبات ، حسب ما يراه من المصلحة ، بصرف النظر عن الجريمة التي ارتكبها المحاربون . ))
((=جريمة السرقة : والسرقة أنواع : 1 - نوع منها يوجب التعزير . 2 - ونوع منها يوجب الحد . والسرقة التي توجب التعزير ، هي السرقة التي لم تتوفر فيها شروط إقامة الحد . ))
((= المختلس والمنتهب والخائن غير السارق : ولهذا لا يعتبر الخائن ، ولا المنتهب ، ولا المختلس ، سارقا ، ولا يجب على واحد منهم القطع ، وإن وجب التعزير ، فعن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على خائن ، ولا منتهب ، ولا مختلس قطع " . رواه أصحاب السنن ، والحاكم ، والبيهقي ، وصححه الترمذي ، وابن حبان . ))
((= بم يثبت الحد ؟ وهل يتوقف على طلب المسروق منه ؟ : لا يقام الحد إلا إذا طالب المسروق منه بإقامته ( 1 ) لان مخاصمته المجني عليه ومطالبته بالمسروق شرط ويثبت الحد بشهادة عدلين أو بالاقرار .))
3
= و ما التعزير الا وضع عقوبات للجرائم التي لم تتحدد في الشريعة عقوبات لها . إنها أحكام وضعية تستمد شرعيتها من آراء البشر الموكل اليهم التشريع كمجلس أو برلمان . فالشريعة أحيانا تكون قاصرة عن تغطية الكثير من الجرائم بسبب ملابسات التدوين الذي أوصل الينا أشياء و غيب أشياء .. و أحيانا تكون الشريعة قاصرة قصورا بينا و مقصودا لأن الشريعة في نهاية المطاف هي آلية في يد الدين تهدف الى صيانة الحقوق و حماية الممتلكات بتهذيب الأخلاق و تثبيت القيم في القلوب أكثر من كونها آلية للتدخل المباشر للحكومة بين البشر في كافة الجرائم . فلنستمع الى السيد سابق يقول في كتابه (فقه السنة) ما يلي :
((= التعزير والمقصود به في الشرع : التأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة . أي أنه عقوبة تأديبية يفرضها الحاكم ( 2 ) على جناية ( 3 ) أو معصية لم يعين الشرع لها عقوبة ، أو حدد لها عقوبة ولكن لم تتوفر فيها شروط التنفيذ مثل المباشرة في غير الفرج ، وسرقة مالا قطع فيه ، وجناية لا قصاص فيها ، وإتيان المرأة المرأة ، والقذف بغير الزنى .))
= و الخلاصة أن الدكتور (السيد سابق) في كتابه (فقه السنة) يقول أن ما يجب مراعاته عند تطبيق الشريعة في بلد ما ثلاثة أشياء : أولا / أن الحدود تدرأ بالشبهات و بأشياء أخرى عديدة , و ثانيا / أن الجرائم المشابهة مما لا يدخل في الحدود موكول أمرها للبشر لتنشئ لها قوانين وضعية تعالجها عبر آلية الإجتهاد , و ثالثا / أن الجرائم التي سكت الشارع عنها موكول أمرها أيضا للبشر يعالجونها عبر آلية التعزير و بالإجتهاد تماما مثلما فعل الفقهاء على مر السنين .
ما يجب مراعاته عند تطبيق الشريعة
بقلم / نوري حمدون – الأبيض – السودان
Nuri Hamdoon [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.