مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



علاج مشكلتنا الاقتصادية أكبر من صيد جوائز زين .. بقلم: بقلم (أبو العز) عبد الله عبد الرحمن
نشر في سودانيل يوم 07 - 04 - 2011

لقد تفاعلت قطاعات واسعة من الأمة في السودان عندما ألغت وزارة الاتصالات مسابقة زين، وقد وعدت الشركة في السودان كل من سجَّل بياناته لدى مراكزها ونشط شريحته قبل يوم 27/2/2011، بأنه سيدخل السحب على سيارة من سيارات مسابقة زين ولم تكشف الشركة عن نوع السيارة فقد كانت مغطاة، وإن كانت أشبه بسيارات التويوتا الكورولا وغيرها، ولم تفصح الشركة عن عدد السيارات التي ستهبها لأفراد ممن يدخل السحب بإرسال رسالة مجانية فارغة إلى الرقم 6600، ومما يجدر ذكره أن عدد المشتركين في شبكة زين للهاتف الجوال تخطى 8.4 مليون مشترك في نهاية العام 2009م.
لقد كان التفاعل مع إلغاء المسابقة سلبيا فبعض كتاب الأعمدة الصحفية مثلا نقدوا المجمع الفقهي الذي أصدر فتوى بتحريم جوائز هذه المسابقة في الوقت الذي أجازته فيه هيئة علماء السودان، وقد اعتمدت وزارة الاتصالات فتوى المجمع الفقهي باعتبارها جهة رسمية مثلها، مما دعا النقد ينصب على مجموعة فتاوى قديمة وجديدة أصدرها المجمع في وقت سابق، وكان لسان الحال لإلغاء هذه المسابقة، والتي لم تلغ للمرة الأولى، فقد ألغيت مسابقات أخرى لشركات اتصالات أخرى، كان لسان الحال يقول "لا عاوزين ترحموا ولا عاوزين رحمة الله تنزل".
إن الأمر الذي يجب أن يسير عليه المسلم أن تكون السيادة لديه للشرع وليس للهوى وليس للإنسان أو الجمهور، ومن هذه السيادة للشرع شئون المال، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[ سورة النساء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أفنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلمِهِ فِيمَ فَعَلَ فِيهِ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفيمَ أنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسمِهِ فِيمَ أبلاهُ ؟ )) رواه الترمذي، وبالتالي فإذا كانت هذه المسابقة حلالاً فليأخذ من فاز بجائزة من جوائزها وليأكلها هنيئاً مريئاً، وإن كانت حراماً فالأصل في المسلم أن يقول خيرا كأن يقول: سمعنا وأطعنا ربَّنا!!
إن المسابقة في الإسلام الأصل فيها أنها من المباحات إذا لم تكن في أمر محرم، كأن تتحول إلى قمار مثلاً، وذلك مثل ما تفعله بعض المؤسسات من طرح مسابقة للجمهور بدفع مقابل مادي، مثل برنامج من سيربح المليون، فإن من يريد أن يصل إلى المرحلة النهائية من هذه المسابقة أول ما يفعله الاتصال على رقم معين تكلفة الدقيقة الواحدة غير سعر الاتصال العادي، فمثلا كانت سعر الدقيقة وفق تكلفة الدقيقة لجزيرة ساوتومي أي قرابة العشرة ريالات، مع أن تكلفة الدقيقة للاتصال لا تتجاوز الريالين عندما يتم الاتصال من أرض الحرمين لمصر مقر برنامج من سيربح المليون، وهذا الفرق في كل دقيقة يكون دخلا للمؤسسة الإعلامية التي نظمته، فإذا اتصل مثلا مائة ألف شخص، عن طريق الرد الآلي المبرمج في مجموعة من الكمبيوترات فإن الرد الآلي مبرمج لتمديد الزمن بتكثير الأسئلة حتى ينفق البعض أكثر من مائة ريالا سعودياَ، وإذا اعتبرنا أن تكلفة المتصلين فقط 50 ريالا للفرد في 100000 متصل للدخول في المسابقة يكون الناتج وبالتالي الدخل للقناة خمسة ملايين، وبخصم النفقات الفائز 250000ريالا مثلا، والقليل جدا من يصل إلى المليون أو حتى مجموعة المتسابقين في الحلقة الواحدة، ولو خصمنا راتب كل من يعمل في القاعة من مقدم ومنتج ومخرج وغيرهم تربح القناة الملايين في الشهر الواحد، ولا ضير أن تربح القناة أكثر من ذلك، فهو خير إن كان هذا الربح عن طريق الحلال، ولكن هذه الصورة هي القمار بعينه! نعم إنه الميسر الذي حرمه الشرع، قال تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ سورة المائدة.
وبالتالي فإن أية شركة أو مؤسسة للاتصالات أو غيرها قصدت زيادة مبيعاتها عن طريق المسابقة بربط المسابقة بمقابل مادي يكون عملها قماراً بيِّناً لا لبس فيه.
ولكن شركة زين هذه المرة احتاطت عندما جعلت الذين سيدخلون السحب هم فقط الذين نشطوا شرائح اتصالهم قبل 27/2/2011م أي قبل اعلان المسابقة بفترة كافية، مما يغلق الباب أمام كل من يريد أن يشتري شريحة جديدة لدخول السحب وهذا إن حدث يجعل دخوله في السحب حراما لأنه يدفع بذلك مقابلا لمن طرح الجوائز، ولكن الشركة أوضحت أنها تريد من مشتركيها تسجيل بياناتهم وهذا ليس فيه مقابل مادي يدفعه المشترك للشركة، وإن كان المستفيد جهات أخرى (جهات أمنية)، وعموما فإن الذي يحرم المسابقة هو ان يعود لمنظم المسابقة أي عائد مادي وراء ذلك، ومثل ذلك مثال من سيربح المليون، ومن أمثالها المحلات التجارية التي تطرح مسابقات بشرط الشراء من منتجاتها، مثل ما يحدث في دبي في شهر فبراير حيث يتم السحب على عربات فارهة ولكن بشرط الشراء بمبلغ معين لا يقل عن 500 درهم إماراتي في بعض المواسم من سوق دبي الذي تطرح فيه الجوائز. و"التوتو كورة" التي كانت في السودان في السبعينات، وكذلك "الكرتلة"، وتمرين البيبسي الذي يدفع فيه المتسابقون جميعا ليفوز فريق بنقود الفريق الآخر ليشترى به مشروب البيبسي، وهو ما يسمى عندنا في السودان "بالخرت"، ومنها كذلك اللوتري حيث تجمع أموال من مختلف بلاد العالم فتربح الجهات المنظمة أموالا طائلة وتعطي أفرادا معدودين ربحهم من اليانصيب الذي يصل الملايين من العملات العالمية كالمارك الألماني والدولار الأميركي، وهو قمارٌ واضح لا لبس فيه، وكذلك مسابقة بعض الصحف أو المحلات التي تشترط أن تكون الإجابة على كبون المسابقة المضمن بالصحيفة مثلاً، مما يعني حتمية شراء الصحيفة، فتكون هذه المعاملة قماراً كذلك.
إن المسابقات واصطياد الجوائز بصوره الحديثة والقديمة وبالتحديد قبل قرنين من الزمان تلازمت مع المبدأ الرأسمالي الحاكم للعالم اليوم، حيث يتهافت الناس على هذا الصيد، نسبة لعجز النظام الرأسمالي عن توفير حياة كريمة لكل من يعيش تحت ظل حكمه، فكل يحلم بتحقيق مكاسب مادية ليهنأ بعيش معين، فهناك من يريد أن يتزوج، فيفكر في السكن أو حتى المصروفات عقب الزواج، والذي تزوج وله زوجة وذرية تجده مثقلاً بالديون، لذلك فإن المسابقات تشبع مظهر غريزة عنده، وهو تملك المال، لذلك سمعنا بصائدي الجوائز في أمريكا، الذين تعرض لهم مكافئات هائلة لمن يقبض على لص أو يدل عليه وهكذا، فقد كانت هذه الجوائز دخلا لمجموعة من الناس، قديما وحديثاً لذلك فإن الجوائز بمختلف أنواعها ومنها جوائز المسابقات تقع في قلوب الناس بمكان!!
ولذلك ليس غريباً أن يتابع الناس، وهم بالملايين، بشغف هذه المسابقات في شهر رمضان المبارك أو غيره.
ولكن هل هذه الجوائز تسد حاجات الأمة الأساسية؟
فالجوائز لا تصيب إلا نفراً قليلاً، ولنأخذ لذلك مثالاً شركة زين عندما طرحت هذه الجوائز ما كانت لتعطيها لكل أسرة في السودان، وأي مؤسسة أخرى كذلك تسعى للربح، فهذه العربات لن تتعدى بضع عربات وقد لا تصل إلى عشرة، وإن قلنا أنها كانت ستوزع خمسين عربة من باب التخمين فكم عدد الفقراء والمحتاجين في السودان؟ وكم عددهم في الشباب وحدهم؟ فإذا قلنا أن تعداد أهل السودان 40 مليونا وأسقطنا نصفهم 20 مليونا باعتبارهم أغنياء، فهل لو دفعت كل شركات الاتصالات هذه الجوائز سنحل مشكلة الفقر والعوز الذي يقع فيه الشباب قبل غيرهم من الشيوخ؟ بالطبع لا فإن الفائزين لا يتجاوزون أصابع اليد، وبالنسبة للأمة فإن الاعتماد على الجوائز ليس منهجا سليما لأمة تملك الثروات والكنوز المختلفة من فضل الله عز وجل عليها! هذا فضلاًعن أن هذه الجوائز قد تصيب من لا يحتاج إليها.
فالذي اشترك في المسابقة وفاز لا يمكن أن نخرج له نسبة مئوية مقابل الذين لم يفوزوا، فمثلا كمبيوتر الفرز مدون به 8 ملايين مشترك في شبكة زين وفاز خمسون، تكون نسبة الذين لم يفوزوا (99.99999%) أي مائة في المائة؟!والكثير من الناس يدخلون هذه المسابقات وهم يعتبرون الفوز بجائزة حلماً جميلا لا يريد أن يوقظه منه أحد، ومن حق الكل أن يتمنى طالما أن الشرع أباحه. ولكن قبل الجائزة وبعدها ستكون المشكلة العامة قائمة، وهو أن نأتي بالحل الجذري للمشكلة التي نعاني منها! بل أغضبت الكثيرين لأنها فرصة قد ضاعت قد تغني ولو فقيرا واحدا من ملايين البؤساء! وإن كان الباب مفتوحاً فما زالت مسابقة التلفزيون (مؤسسة الفداء للانتاج الاعلامي)، ومسابقة جمعية القرآن الكريم التي بثتها إذاعة الفرقان في رمضان الماضي ، ومسابقة صحيفة الأخبار ويمكن لأي شركة أن تساهم في جوازها من باب الدعاية لمؤسساتها، ولكن هل يستقيم ان يصل بنا الحال أن ننتظر المسابقات التي لا تصل إلا لنفر لا يتجاوز عددهم أصابع اليد؟
إنّ السودان كجزء من العالم الاسلامي يتمتع بثروات هائلة، أرض زراعية صالحة تقدر مساحتها ب241 مليون فدان لم يزرع منها غير 41 مليون فدان فقط، مياه متنوعة المصادر نهرية وجوفية وأمطار ومياه البحر الأحمر، ويكفي نهر النيل العظيم، فترعة مشروع الجزيرة التي شُقَّت من نهر النيل الأزرق تعطي من المياه ما لا تعطيه نهر بردى في سوريا ودجلة والفرات في العراق وأنهار تركيا مجتمعة! القوى عاملة متنوعة وفي مختلف المجالات ولكنها مغيبة بالبطالة والصالح العام! أما الثروات الأخرى الظاهرة والباطنة فحدث ولا حرج بترول وذهب ومعادن ثمينة أخرى، دخل البترول لوحده منذ سنة 2000م 50 مليار دولار، والسودان ينتج الآن 50 طناً من الذهب سنويا وهذا الانتاج قابل للزيادة.
إن المحزن هو هرولة الكثير من الناس وراء المسابقات، فلا يهتم إلا بها أما التمتع بهذه الثروة الحقيقية وطلبها للأمة كحق شرعي فلا عمل ولا حركة؟!؟! وهي ثروة الحاضر والمستقبل وثروة الأجيال التي لا تحفظها لهم الأمة، فلا يدرى أين ذهبت ال50 مليار دولار؟ ولا أين يذهب هذا ال50 طن ذهب؟ أما العطالة أو ما يسمى بالبطالة، فلا سبب منطقي لوجوده غير الظلم الاقتصادي الذي خلفه النظام الاقتصادي الرأسمالي المطبق بأبشع صوره، من جبايات رأسمالية باهظة أفشلت المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية مما جعل المنضمين لجيوش العاطلين يتكرر كل يوم حتى تحولت لفيالق، يمكن ان تقود حرباً عالمية ثالثة ضد النظام الرأسمالي الجائر.
وليس بالضرائب الباهظة وحدها حُرِمَت الأمة من حقها في الثروة، بل كذلك إزالة الملكية العامة وتحويلها إلى ملكية دولة، فحُرِمَت الأمة من ملكية أباحها لها الشرع، بل هي من أهم أسباب كفايتها، ولا يقول قائل لا فرق بين الاثنين، فالفرق كبير وفق الأحكام الشرعية من حيث نوع الإيراد والإنفاق، فالملكية العامة يتمتع بعائداتها الرعية، والدولة إنما تكون يداً أمينة لإنفاقها عليهم، إلى درجة أن تنفق عليهم نقودا من حقهم في الذهب والبترول كمثال فهما من واردات الملكية العامة في الإسلام، والملكية في النظام الرأسمالي اثنان ملكية دولة وملكية خاصة، أما نظام الاقتصاد في الإسلام ملكياته ثلاث مضبوطة بالأحكام الشرعية، والذي آل إليه النظام الرأسمالي الآن هو بيع الكثير من ملكية الدولة والملكية العامة للأفراد مما يضيع حقاً شرعياً يعالج المشكلة الاقتصادية للأفراد وللجماعة! فما الخصخصة التي زادت الفقراء فقراً إلا وصفة من وصفات الاقتصاد الرأسمالي الذي عقيدته فصل الدين عن الحياة.
إن الخلل في توزيع الثروة بين الناس يتمثل في إنفاق المال العام في غير محله كما يكون في جبايته من غير محله، ففي النظام الرأسمالي الديمقراطي ينفق الجزء الأكبر من الثروة على المقربين سيما الحزب الحاكم، بل تكون الاحتكارات الضخمة لطغمة معينة، وهذا يجعل الإنفاق في الأمور الدنيا ليس جريمة رغم حاجة الأولى فالأولى! فمثلا في الوقت الذي تؤخر فيه الأجور والمستحقات عن بعض موظفي الدولة، تنفق على الساحة الخضراء وهي واجهة ومكان للاحتفال أكثر من أربعة مليار ونصف المليار بالقديم، بينما كلف تأهيل إستاد الخرطوم مبلغ 22 مليار جنيه بالقديم، وفي وقت يُحْرَمُ المرضى واليتامى والفقراء والمساكين من هذا الحق؟!؟!
إن الحياة الاقتصادية التي نعيشها اليوم هي بعيدة كل البعد عن نظام الاقتصاد في الإسلام، وقد ذهب البعض إلى البحث عن الاقتصاد الإسلامي في المصارف! وهي متعلقة بالاقتصاد الجزئي أكثر منه بالكلي وبالتالي نتج عدم البحث في الاقتصاد الإسلامي بل الوقوف عند محطة لا تسمن ولا تغني عن نظام الاقتصاد في الإسلام، والذي أهم بحوث فيه 1/ حيازة الثروة 2/ وكيفية تصرف الناس بهذه الثروة 3/ وكيفية توزيع الثروة بين الناس.
إن حل مشكلة الفقر وتوزيع الثروة بين الناس بالعدل لا يكون إلا بتطبيق الإسلام، فالنظام الرأسمالي أثبت فشله ونحن مسلمون، لا يجوز لنا أن نأخذ معالجات مشاكل الحياة وتنظيمها من غير عقيدتنا وشريعتنا الكاملة، قال تعالى: ( ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون)، ونظام الإسلام هذا يجعل الحاكم مثله مثل الرعية لا يفضل عنهم بل هو عرضة للمحاسبة والمسائلة أكثر من الرعية، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طلب من المسلمين السمع والطاعة حاسبه احد الصحابة متسائلا كيف الطاعة لعمر وهو يملك ثوبا تمت قسمته قبل يوم من كلامه بين المسلمين بالسوية ولكن ثوبه وهو خليفة المسلمين أطول من ثيابهم؟ فكانت الإجابة من ابن الخليفة عبد الله بن عمر رضي الله عنه بأنه وهب أباه نصيبه لأن أبيه طويل القامة، عندها أجاب الصحابي الآن نسمع ونطيع!
يتضح من كل ذلك أننا أغنياء ولكن ثروتنا لا نتمتع بها بسبب غياب الإسلام عن حياتنا، ولكي نحل مشكلة كفايتنا وعدم احتياجنا للجوائز التي لا تسع حتى القلة، لا بد من العمل لتغيير نظام حياتنا بنظام الإسلام في كل نواحي الحياة الاقتصاد وغيره، وعندها يكون الحق قد رجع لأهله فلا تتحكم فينا هيئات ولا شركات بل نأكل ونعيش من حقنا الذي كُفِلَ لنا من فوق سبع سماوات، ولكن هذا النظام لا يوجد إلا في ظل دولته الإسلامية دولة الخلافة التي قد أظل زمانها لننشر به عدل الإسلام بعد أن ملئت الدنيا بجور النظام الرأسمالي العلماني الذي فصل الدين عن الحياة لتتمتع طبقة بالثروة وتشقى البقية.
(الله المستعان)
بقلم (أبو العز) عبد الله عبد الرحمن
عضو المجلس القيادي لحزب التحرير في ولاية السودان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.