في طريق عودته للبلاد .. رئيس الوزراء يلتقي سفير السودان لدى إثيوبيا والمندوب الدائم لدى الاتحاد الأفريقي    مسيرة جماهيرية بسنار احتفاءً بانتصارات القوات المسلحة بمحاور القتال في كردفان    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طَالِبَاتُ جَامِعَةِ السُّودَانِ ومُنَازَلةُ الهَوَسِ الدِّينِي! ... بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 17 - 07 - 2011


مِنْ الجُّزْئِي إلَى الكُلِّي:
السِّياسات (العليا) والسِّياسات (الدنيا) مفهومان سالكان في حقل العلاقات الدوليَّة بدلالة التمييز بين نوعين من القضايا، الأول قضايا التعايش السلمي، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وما إلى ذلك، والآخر قضايا محاربة الإيدز، وغسيل الأموال، وما شابه. نفس هذين المفهومين يمكن استخدامهما في حقل الصِّراع الاجتماعي الذي تنتسب إليه الثورات، والانتفاضات، والهبَّات، وشتى أشكال التعبيرات الجَّماهيريَّة، واسعة كانت أو ضيِّقة، سلميَّة أو مسلحة، لكن مع الفارق، حيث يقع الاستخدام هنا بدلالة التمييز بين القضايا (الكليَّة الجذريَّة)، كالهدم السِّياسي، والبناء الوطني، والتغيير الاقتصادي، من ناحية، والقضايا (الجزئيَّة الآنيَّة)، كالمطالب النقابيَّة، والاحتجاجات الفئويَّة، والإجراءات الإصلاحيَّة، من ناحية أخرى. غير أنه، ولئن كان الفارق كبيراً بين النوعين الأوَّلين من قضايا العلاقات الدَّوليَّة، فليست ثمَّة هوَّة تفصل، في منظور السيرورة التاريخيَّة، بين (الكلي الجذري) وبين (الجزئي الآني) من قضايا الصِّراع الاجتماعي؛ إذ أن العلاقة بين هذين النوعين هي، في نهاية المطاف، علاقة (التراكم الكمِّي) ب (التغيُّر الكيفي)، أو، علاقة (مستصغر الشَّرر) ب (الحريق الشَّامل)، حيث يترتب الأخير على توفر قدر معيَّن من الأوَّل؛ وما من راشد، في جبهة الحكم أو المعارضة، يمكن أن يستهين بأثر وخطر علاقة كهذه!
(1)
ينتسب إلى النوع (الجزئي الآني) من قضايا الصِّراع الاجتماعي الكثير مِمَّا شهد السُّودان، على مدى السَّنوات الماضية، وما زال يشهد، من تعبيرات الحراك والتململ والتضجُّر العام الذي انخرطت فيه، وما تزال تنخرط، كتل وشرائح طبقيَّة، وفئويَّة، ومهنيَّة، ونوعيَّة، كالعمَّال والمزارعين، والأطباء والمعلمين، والطلاب والصحفيين، والنساء والمهمَّشين، والمعاشيين والمفصولين، وغيرهم، إزاء أوضاع وجدوها، وما زالوا يجدونها، بمعيار العدل والقسطاس، شائهة معوجَّة، في الاقتصاد والسِّياسة، كما في الاجتماع والثقافة.
ولعلَّ من أبرز هذه الحراكات (الجزئيَّة الآنيَّة) التي وقعت في بلادنا مؤخَّراً، والتي تنضاف، من كلِّ بُدٍّ، إلى (التراكم الكمِّي) الجَّاري حثيثاً، رغم أنها تكاد لا تلفت الأنظار المشغولة برصد دمدمة (الربيع العربي) الثوريَّة الهائلة وحدها، تظاهرات طالبات جامعة السُّودان للعلوم والتكنولوجيا، قبل نحو من شهر أو يزيد، احتجاجاً على قرار إدارتها بفرض زيٍّ موحَّد عليهنَّ، الأمر الذي كان من نتيجته أن دخلن في مشادَّات حامية مع الحرس الجَّامعي عندما منعهنَّ من الدخول لعدم إرتدائهنَّ الزِّي الموحَّد، رغم سماحه بدخول أخريات لا يرتدين الزيَّ الموحَّد، لكنهنَّ يرتدين ما تعتبره النخبة الإسلامويَّة الحاكمة (زيَّاً إسلاميَّاً)، في تمييز (أيديولوجي) صارخ لا علاقة له ب (ضبط المظهر الجَّامعي) مِمَّا سيق في تبرير القرار!
(2)
في مخاطبتهنَّ العامَّة أمام بوَّابة الجَّامعة أعلنت الطالبات عن رفضهنَّ الجهير لقرار الزِّي الموحَّد، ثمَّ ما لبثن أن اعتصمن أمام مكتب مدير الجَّامعة يطالبنه بإصدار قرار "ممهور بتوقيعه" يقضي بإلغاء هذا الزِّي. ومع أن اتحاد الطلاب سعى إلى (التهدئة) عبر اتصالات أجراها مع السَّيِّد المدير لإلغاء الزَّي الموحَّد "مع التأكيد على الزِّي المحتشم"، إلا أن الطالبات رفضن هذا الحل، باعتبار أن "الاحتشام لا يتحدَّد من منظور الهوس الدِّيني"!
مسعى اتحاد الطلاب إلى (التهدئة)، وهو الموالي لجبهة حُكم تحتوشها الأزمات من كلِّ حدب وصوب فتتركها لتنشغل بتحديد أطوال الفساتين، إنما يدلُّ على سداد القول بأن جبهتي الحكم والمعارضة كلتيهما يفترض أن تعنيا بمراقبة (التراكم الكمِّي) المرشَّح، في درجة منه، لإحداث (التغيُّر الكيفي)، تماماً كما يراقب سكان الجزر النيليَّة درجات ارتفاع منسوب المياه عند شواطئهم في مواسم السيول والفيضانات!
(3)
(اللائحة) المتضمنة ل (القرار) أو (الأمر) بالزِّي الموحَّد هي بمثابة (القانون) المراد له أن يسري في المحيط المحلي للجَّامعة؛ ولا يمكن، حسب طبيعة (النظام) الشُّمولي الحاكم، إلا أن تكون صادرة بمعرفة وتوجيه آليَّة السُّلطة السِّياسيَّة المكرَّسة لإدارة شأن التعليم العالي في البلاد، والتي اختارت، ولا بُدَّ، تجريب إنفاذ هذه (اللائحة)، ابتداءً، في جامعة واحدة كنوع من ال test case، بحيث يتوقف على مدى نجاحها أمر تعميمها، لاحقاً، في بقيَّة الجَّامعات والمعاهد العليا.
هذه (القوانين/اللوائح/الأوامر/القرارات) تستهدف، في العادة، وبوجه عام، بسط سلطان النظام الحاكم، سواء في المجتمع ككل، أو في أصغر وحداته (الجَّامعة في الحالة الماثلة)، إلى المدى الذي يمكن فيه تأطير سلوك المحكومين (الطالبات في الحالة الماثلة)، وضبطه على موجة أيديولوجيا الطبقة السائدة اقتصاديّاً وسياسيّاً، أو النخبة التي تمثلها، أي كتلة الأقليَّة، في المجتمع المنقسم على نفسه، بما في ذلك النطاق الضَّيِّق للفضاء الجَّامعي.
ورغم اجتهاد النظام في تصوير مثل هذه (القوانين/اللوائح/الأوامر/القرارات) كما لو كانت تمثل أرفع القيم التي تحكم علاقات الجَّماعة البشريَّة ومؤسَّساتها، فإن ذلك ليس صحيحاً، اللهمَّ إلا افتراضاً، فحسب، حيث أن مضمونها الحقيقيّ يعكس، فقط، جِمَاع (الأفكار/الآراء/التصورات/التقديرات) الأساسيَّة المنوط بها التعبير عن، وحماية، مصالح كتلة الأقليَّة؛ وهي مسألة لا يتمُّ الاعتراف بها، عادة، وإنما، على العكس، يجري تصوير هذه (القوانين/اللوائح/الأوامر/القرارات)، من قبل السلطة في المجتمع (إدارة الجَّامعة في الحالة الماثلة)، كما لو كانت نسقاَ متجانساً من السُّلوك الأخلاقي القائم على عناصر الحقِّ والخير والجمال، والنابع من ثقافة الجَّماعة كلها، والذي يحظى، لهذا السبب تحديداًً، ب (إجماعها) التلقائي.
غير أن زيف هذه الصُّورة سرعان ما يفتضح حين يتكشَّف أن نفاذه مدخول بأداء مؤسَّسات القمع وأدواته (الحرس الجَّامعي في الحالة الماثلة)، والتي ما من شكٍّ في كونها مقطوعة الصلة، تماماً، بأبسط معاني (التلقائيَّة الأخلاقيَّة)!
(4)
وإذن فهاتيك الطالبات لم يكتفين برفض بيان الاتحاد (المنسوب إلى النخبة الحاكمة)، والذي سعى إلى (التهدئة) من خلال اتصالات أجراها مع المدير (ممثل النخبة الحاكمة) بغرض إلغاء الزَّي الموحَّد "مع التأكيد على الزِّي المحتشم"، كما ورد في البيان، بل مضين إلى أبعد من ذلك بأن عبَّرن، من خلال هذا الرفض، عن مستوى رفيع من الوعي الاجتماعي حين قطعن بأن "الاحتشام لا يتحدَّد من منظور الهوس الدِّيني"!
هكذا ميَّزت الطالبات، في خطابهنَّ، بين (الدِّين) وبين (الهوس الدِّيني)، من حيث كون الأوَّل قيمة مطلقة والآخر ممارسة بشريَّة، فدفعن بقضيَّتهنَّ (الجزئيَّة الآنيَّة)، المتمثلة في رفض (لائحة) الزِّي الموحَّد باسم (الاحتشام)، إلى قلب معركة المرأة الأساسيَّة ضدَّ اضطهادها، وتحجيم دورها، والحط من قدرها، باسم قيم مطلقة، دينيَّة بالأخص، يجري تأويلها وشحنها بمفاهيم معادية لجنس النساء، من منطلق ثقافة الطبقة الاجتماعيَّة السَّائدة، وتحيُّزاتها الأيديولوجيَّة، والتي هي أبعد ما تكون، للمفارقة، عن جوهر تعاليم الإسلام نفسه الذي تزعم الانطلاق من منصَّته. فالخالق، حسب هذه التعاليم، قد كرَّم الإنسان من حيث هو إنسان، شاملاً جنس النساء كما جنس الرِّجال، بأن أوكل إليه عمارة الأرض، وجعله في مرتبةٍ أعلى حتى من الملائكة أنفسهم، ولم يتركه يضرب في هذه الأرض بلا هدى، بل زوَّده، رغم اختلاف الملل والنحل والثقافات، ب (بوصلة) الوجدان الجَّمعي العامَّة القائمة على مقايسات (الفطرة السليمة)، ووهبه نعمة (العقل) الذي هو مناط التكليف، مثلما وهبه نعمة (الحرِّيَّة)، فلم يقسره حتى على الإيمان به. ويلخِّص راشد الغنوشي الأمر بقوله: "أوكَل الخالقُ لهذا الكائن المكرّم بالعقل والإرادة والحرِّيَّة والمسؤوليَّة مهمَّة عمارة هذا الكون، واكتشاف طاقاته، وتسخيرها لتحقيق الخير والحق والعدل والمساواة والحرِّيَّة والمعرفة والثروة للجَّميع، وفق الضَّوابط والمناهج والقيم والعقائد التي جاء بها الرُّسل عوناً من الله ورحمة لهذا المخلوق حتى يحقق، بإرادته واختياره، سنن الله في حياته كما تحققت تلك السُّنن لدى الكائنات جبلة وغريزة .. (و) قد اكتسب (الإنسان)، بمقتضى ذلك التكريم، حقوقاً لا سلطان لأحدٍ عليها، ويحمل تكاليف لا انفكاك له منها" (محاور إسلاميَّة، القاهرة 1989م، ص 68).
واهمٌ، إذن، من يتصوَّر أن (القوانين/اللوائح/الأوامر/القرارات) تكتسب (قوَّة الشرعيَّة) لمجرَّد أن (سلطة) ما قد أصدرتها، ونصَّبت أداة قمع لإنفاذها، وليس بحسب المدى الذي تحظى فيه باحترام الناس، واستشعارهم الذاتي، بمحض (الفطرة السليمة) قبل كلِّ شئ، لواجبهم في الالتزام بها، كونها تعبِّر، إلى حدٍّ معقول عن أعمِّ القيم والمثل الأخلاقيَّة لأوسع الطبقات الشعبيَّة؛ والعكس صحيح، فكم من (القوانين/اللوائح/الأوامر/ القرارات) لا تستند إلا إلى (شرعيّة القوّة) المحروسة بأجهزة القمع، لا غير، ولهذا لا تحظى بذرَّة احترام في إطار البناء الأخلاقي العام لثقافة الشعب، أي جماع القيم الاجتماعيَّة التي تمثل أفضل عناصر القيمة في المنظور الأخلاقي الجَّمعي، والشكل المحدَّد للوعي الاجتماعي الذي لا يُفرض من خارج المجتمع.
(5)
إن أعجل تناول لمسألة نزوع السلطة عموماً، وإدارة الجَّامعة خصوصاً، إلى التحكم، باسم الدِّين، في زيِّ النساء، بما في ذلك الطالبات، لا يمكن أن يغفل ما يلوح فيه من نظرة مستريبة إلى المرأة كملوَّثة (بالفتح) وملوِّثة (بالكسر)، ومن تحيُّز ناشئ ضدَّها عن موقف فكري مترتب على أوضاعٍ اقتصاديَّة اجتماعيَّة ظالمة لها، بشكل عام؛ وهو موقف ذكوري متوارث، تاريخيَّاً، داخل الجماعة العربيَّة المسلمة في المنطقة، وفي السودان بالأخص، ومدخول بتأثيرات اغريقيَّة ورومانيَّة وفارسيَّة بعيدة كلَّ البعد عن جوهر تعاليم الإسلام، وتوجيهاته، ومقاصده الكليَّة، بشأن النساء. فوضع المرأة في إطار الحضارتين الإغريقيَّة والرومانيَّة كان، دائماً، وضع الكائن المهمَّش، أو هو، بالأحرى، وضع (المتاع المصون)، حتى لقد اعتبرت أفكار أرسطو حول تعليم المرأة، في مرحلة لاحقة من التطور، أفكاراً ثوريَّة. وكان الفرس أيضاً يعتبرون المرأة كائناً شريراً قادراً على جلب النحس وتخريب الدنيا، فكانت تعامل على هذا الأساس! ولقد وجد استضعاف المرأة وتهميشها في مجتمعات القرون الوسطى البربريَّة، الجيرمانيَّة، الصربيَّة والآريَّة، حيث سادت العقليَّة الثيوقراطيَّة، الاجتهادات الفقهيَّة الاكليروسيَّة التي تبرِّر ذلك الاستضعاف والتهميش.
أما الإسلام فقد اتخذ، على النقيض من ذلك، ومنذ فجره الباكر، موقفاً إيجابيَّاً من المرأة، إذ نَزَل القرآن الكريم منزِّهاً لها من صفات الشَّيطان الرَّجيم جالب الشرِّ التي كانت قد ألصقت بها: "فاستجاب لهم ربُّهم إني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض" (195 ؛ آل عمران). وتلفت فاطمة المرنيسي النظر إلى الآية الكريمة: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصَّادقين والصَّادقات والصَّابرين والصَّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدِّقين والمتصدِّقات والصَّائمين والصَّائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً" (35 ؛ الأحزاب). وبحسب إشارة المرنيسي فإن هذه الآية، على وجه التخصيص، تنصُّ بوضوحٍ ".. على أن الجِّنسين متساويان، وبدقة، بصفتهما أعضاءً في الجَّماعة؛ فالله يُفاضل بين هؤلاء الذين هم جزء من أمَّته، هؤلاء الذين لهم الحقُّ في ثوابه بدون حدٍّ. وليس الجِّنس هو ما يحدِّد فضله. إنه الإخلاص والرَّغبة في خدمته وطاعته" (الحريم السِّياسي النبي والنساء، ط 2، دار الحصاد، دمشق 1993م، ص 150).
(6)
هنا يبرز السؤال: من أين، إذن، تسلل مفهوم (الحريم/مصدر الشَّر) إلى تديُّن المسلمين العرب، عموماً، والمستعربين المسلمين السُّودانيين بخاصة؟! الإجابة: من تركيا العثمانيَّة. جاءنا هذا المفهوم في السُّودان، مثلنا مثل كل بلدان الشَّرق التي أخضُعت إلى تركيا العثمانيَّة، وألحقت بها، ليس من الإسلام، بل من ثقافة هذا البلد بالذات، والتي تأثرت، إلى حدٍّ بعيد، بثقافة القبائل الآريَّة النازحة من منطقة البلقان، حاملة معها الفكرة الفارسيَّة عن (المرأة الشَّر)، لتتلاقح مع الفكرة الرومانيَّة عن (المرأة المتاع)، لتنتج النظرة السَّالبة السَّائدة في معاملة الرَّجل الأوربي العادي للمرأة في الكثير من بلدان هذه المنطقة. لقد لعب انتهاء الخلافة الرَّاشدة، وتحوُّلها إلى مُلك عضود، بانتقالها إلى الشَّام وبغداد، أي إلى مركز الثقل في تأثير الحضارتين الرومانيَّة والفارسيَّة، الدور الأكبر في تعطيل الإسلام المستنير بشأن المرأة خصوصاً، والابتعاد عن أصوله في القرآن والسُّنة. وكان طبيعيَّاً، بعد أيلولة الخلافة إلى الباب العالي، أن تنداح دوائر الأثر السَّالب للثقافة العثمانيَّة، لتحلَّ محلَّ الدِّين، ولتطال الأصقاع التي انبسطت سلطتها عليها، ومنها السُّودان.
مقاومة الطالبات لمحاولة إدارة الجامعة فرض زيٍّ معيَّن عليهنَّ باسم (الاحتشام) تثير مسألتين مهمَّتين: فمن ناحية يعكس خطاب هذه المقاومة، وعياً بجوهر الإسلام يفوق، بما لا يُقاس، أطروحة الذهنيَّة الذكوريَّة المعادية للمرأة باسم الاسلام؛ ومن ناحية أخرى، ورغم انتساب هذا الحدث إلى السِّياسات (الدنيا) الجزئيَّة، كالمطالبات، والاحتجاجات .. الخ، فمن نافلة القول أن من لا يرى انطواءه، جدليَّاً، على بذرة السِّياسات (العليا) الكليَّة، كالهدم، والبناء، وما إليهما، غافل .. غافل!
***
Kamal El Din Elgizouli [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.