شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    البرهان يقدم واجب العزاء في الشهيد اللواء معاوية حمد قائد الفرقة 22 مشاة بابنوسة    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نماذج بشريّة في قريةِِ الطيب صالح .. بقلم: الطريفي عبد الله يوسف
نشر في سودانيل يوم 23 - 07 - 2012

نقل الطيب صالح صورة المجتمع في ود حامد ترتسم فيها كل معاني الواقعية والصدق . وقريبة كل القرب من تصورات العارفين بمجتمع القرية في الأوساط السودانية .
إنّ هذه الحياة التي يحياها أهل القرى ممثلة في لوحة ود حامد هي شبكة من العلاقات المتشابهة في أغلب قري الشمال ,بسبب الوشائج والروابط والعلائق الوثيقة التي تربط بين أهل هذه القرى شرق وغرب النيل . وعلى ذلك , ود حامد هي مرآة يعكس من خلالها الأديب نموذج القرية السودانية في جميع أنحاء القطر. فإذا حاولنا التعرف على شرائح المجتمع في ود حامد فلعل أهم وظيفة في القرية هي العمودية فالعمدة يشكل كما هو معهود في القرية السودانية قمة الهرم الوظيفي في القرية , فإليه يركن أهل القريه لفض المنازعات. وحل المشاكل والخصومات لما له في العاده من حكمة ورجاحة رأي وصلابه وسلطة , ولكنه يبدو في روايات الطيب صالح ظلا شاحبا , وشخصيه مهمله لا تظهر ملامحها جلية ولا فعاليتها ولا أثرها ولا الدور الخطير الذي يلعبه العمده عادة في حياة أهل القري .فهو كما يرسمه الطيب صالح (( محمر العينين، منتفض الشاربين ، يحث القوم على العمل,كان رجلا مهيبا قل ان يضحك ....))
وقد اشار الطيب صالح بطريقه إيحائيه ذكية إلى تضاؤل الدور الذي يلعبه في البلد , وتقلّص سلطاته في مرحلة من مراحل التحول في ود حامد وهامشيه الأثر بعد عصر الانتقال. لأنّ هناك ما يمكن أن يطلق عليه مؤسسه إقتصادية قد أصبح لها الدور الفاعل والمؤثر في حياة أهل ود حامد وهي الجمعية التعاونية . التي طفت على سطح الأحداث في ود حامد، وأصبحت شغلاً شاغلاً بانصراف الناس إلى أمورهم المعيشية ، وقد سيطرت علي هذه الجمعية ردحاً من الزمان جماعة محجوب، فتعدت صلاحياتهم حدود الجمعية ، وتوغلت حتي صميم عمل العمدة (( فقد كانوا الرجال الذين تلقاهم في كل أمر جليل يحل بالبلد، كل عرس هم القائمون عليه ، كل ماتم هم الذين يرتبونه وينظمونه ..... إذا جاء العمدة لجمع العوائد، فهم الذين يتصدون له، ويقولون هذا كثير علي فلان،وهذا معقول وهذا غير معقول..))
وهكذا سيطرت جماعة محجوب علي مجريات الأمور في ود حامد فترة طويلة ولكن كشأن كل من يتصدي لعمل عام يكون عرضة لسهام النقد والاتهام (( محجوب وجماعته ظنوا أنّ لهم حق إلهي في السلطة . نسوا أنّ البلد اتغيرت.حاجات كثيرة حصلت ود حامد ماعادت ود حامد قبل ثلاثين سنة. ظهرت أجيال جديدة ومطالب جديدة زمان كان لما الباخرة تظهر ، الناس بتلموا تحت الدومة ويتفرجوا عليها كأنّها معجزة . دلوقت الوضع اتغير))
فمن الطبيعي بعد هذه الفترة الطويلة من العمل الشاق المجهد ، وتداعيات الشيخوخة والعجز ، أن ينسحب محجوب وجماعته تحت ضغط الشباب واندفاعه وحماسه لتحفر الذكريات والإحن ملامحها علي وجه محجوب الزعيم القديم لودحامد (( وفي العينين تحولت تلك الحدة مع مرور الايام ، وذكريات المعارك والهزائم ولا شك ، إلى حمرة عليلة . ولم يعد في العينين إلا الغضب.))
وفورة الشباب واندفاعه وحماسه سرعان مايخبوا أوراها عندما تصطدم بصخرة الواقع فالطريفي ودبكري الزعيم الجديد لودحامد والذي خلف محجوب علي رئاسة الجمعية العمومية والذي كان مبدؤه كما يدعي (( انتشال البلد دي من وهدة التخلف والتأخر. لازم نمشي ركب الحضارة . العصر عصر علم وتكنولوجيا)) . كان شاباً مندفعاً صلفاً لامبالياً (( يتزعم أي حركة تمرد أو شغب ، وينجو من العقاب )) ويبلغ من السلبية واللامبالاه حداً يجعله يتراخي عن مساندة الناس في أحلك المحن (( وفي الصباح والناس يقاومون الفيضان مجتمعين ، كان هو نائماً في داره))
زعيم بهذه المواصفات بلا شك يحمل بذرة الفشل بين جنبيه.ذلك العجز والكسل والتراخي والاخفاق الذي تبدّى بعد فترة وجيزه علي لسان أحد أعضاء اللجنة الجديدة سعيد البوم أو سعيد عشا البايتات (( ياجماعة أنا عاوز استقيل من اللجنة . حكاية أمين الصندوق دي غير وجع الراس مامنها فائدة))
بعد الحديث عن السلطة الفعلية في منظومة ودحامد الاجتماعية ممثلة في الجمعية التعاونية ورجالها الذين يشكلون مراكز القوي في القرية، لابدّ أن نشير إلى شريحة مهمة، وقطاع فاعل هو المؤسسة الدينية وهي كما ينظر إليها الطيب صالح تنقسم إلى قسمين:-
قسم تركزت في يده السلطة الدينية التقليدية، وبحكم منصبه كان ينبغي ان يلعب دوره المرسوم في حياة ودحامد ، وذلكم هو الإمام قمة هرم المؤسسة الدينية عملياً (( لم يكونوا ابداً ينادونه بأسمه . فكأنّه في أذهانهم ليس شخصاً بل مؤسسة)
أما القسم الآخر الذي ينازع الامام في السلطة الدينية فتتركز في يده مايمكن أن نسميه السلطة الروحية ولا يخفي مالها من أثر ومن خطورة ومماعمق اثرها ، غلبة الفكر الصوفي علي علي ثقافة الفرد السوداني ، ممثلاً في أنسان ودحامد، ودور التصوف في صياغة المنطلقات الفكرية للسواد الأعظم من أهل السودان . ويمثل هذا الاتجاه فرعيتان، جانب خفي في عالم الروحانيات، وهو جانب النساك الذين يضربون في الارض بالذكر والعبادة، كشكل فردي من اشكال التصوف.ثم شكل التصوف الجماعي في صورة شيخ له أتباع ومريدون ، وهو الجانب الظاهر من عالم الروحانيات. ويمثل الفرعية الاولي من عالم الروحانيات الحنين في عرس الزين(( وهو يمثل الجانب الخفي في عالم الروحانيات) اما الفرعية الثانية ، فيمثلها الشيوخ والاولياء امثال الشيخ نصر الله ود حبيب.
فإذا نظرنا الي هذين القسمين نجد ان السلطة الدينية الفعلية قد تركزت في يد القسم الثاني حقيقة في الوقت الذي فقد فيه الإمام الكثير من اراضيه، وتضاءل دوره وتقلّص ، ويعزي الأديب ذلك لسلبية الإمام وانصرافيته عن قضايا ودحامد الحيوية ، وهموم الناس ومشاكلهم ، فصنع لنفسه عالماً خاصاً لايشارك فيه الناس ولايشاركونه . كما أنّه من جهة تنقصه الشجاعة الكافية والجرأة في اتخاذ القرارفيما يخص القضايا الدينيّة والدنيويّة لتعلق أموره المادية عند من يضمر لهم العداء ،فيمسكون بخناقه ، وهم جماعة محجوب (( كان الأمام لا يحبهم ، ولكنه كان يعلم أنّه سجين في قبضتهم . إذ أنّهم هم الذين كانوا يدفعون له مرتبه آخر كل شهر.)) ولعل ذلك مايفسر لماذا كان أهل البلد يحتقرون الإمام (( كانوا في دخيلتهم يحتقرونه))
أماالقسم الثاني بشقيه الفردي والجماعي فمثل نوعه الأول الحنين فقد (( كان رجلاً صالحاً ، منقطاً للعبادة،يقيم في البلد ستة أشهر في صلاة وصوم، ثم يحمل إبريقه ومصلاته ، ويضرب مصعداً في الصحراء)) (( لا احد يري ماذا يأكل، وماذا يشرب ، فهو لايحمل زاداً في أسفاره الطويلة)) فلو علمنا أنّ الزهد والافتقار أحد الدعائم الرئيسه التي قام عليها صرح التصوف قال رويم (( التصوف ثلاث خصال التمسك بالفقر والافتقار التحقق بالبذل والايثار وترك التعرض والاختبار )) فاذا كانت هذه دعائم التصوف فلا شك أنّ أصحابه لا يخضعون لماديات العصر وبالتالي ندرك سر احتقار اهل القرية للامام لانه لم يشكل القدوة في السلوك والعمل وسر حبهم للحنين ورهبتهم له حتي من رجال الجمعية الذين وقع الامام في قبضتهم كانوا يرهبون الحنين و يخشونه و خاصة زعيمهم محجوب ((و أحس محجوب بخفقة خفيه في قلبه كان فيه رهبه دفينه من أهل الدين، خاصه النساك منهم امثال الشيخ الحنين كان يهابهم ولا يتعامل معهم و كان يحاذر نبؤاتهم ويحس بالرغم من عدم اهتمامه الظاهري ، بان لها أثراً غامضاً)) و بالفعل كانت نبؤة الشيخ الحنين في ذلك العام الذي سمي باسم الحنين لأنّه مات فيه هي التي جعلت- بزعم جميع الناس – المعجزات تتوالى تترى على القرية ، و تزداد معها شعبية الحنين (( كانت دعوات الحنين للرجال الثمانية أمام متجر سعيد ب (ربنا يبارك فيكم . ربنا يجعل البركة فيكم ) هي المعجزه التي أحدثت التحول الهائل في حياة سيف الدين في نظر الناس ، و أكسبت الحنين تلك الشعبية الهائلة ، كانت بدايه لاعتقادات غربية استلهمها الناس من بعض الظواهر الشاذة في القرية في ذلك العام اعتبرها الأهالي معجزات في مجملها))
و بذلك ندرك انحياز الفكر الجماعي للقرية للحنين كسبب للمتغيرات و الأحداث و الخوارق التي طرات على حياة ود حامد بينما ينكر الامام ذلك (( لم يحفل الامام بأنّ الحنين و هو يمثل الجانب الخفي في عالم الروحانيات (( وهو جانب لا يعترف به الامام ، كان هو السبب المباشر في توبة سيف الدين))
اما المشايخ و أرباب الطرق الصوفيه ، فلهم عند الطيب صالح ذات الدور الذي نلمسه من واقع الحياة الاجتماعية والدينية في السودان ،بدورهم في تعليم القرآن ، والتربية الدينية للمريدين والاتباع ، وفض المنازعات والشفاعة في الخصومة ، فالناظر في التراث الديني في السودان . يحفظ الكثير من النماذج التي لعبت هذا الدور في تاريخ التصوف في السودان . أمثال الشيخ دفع اللة المصوبن والشيخ ادريس ود الارباب ، والشيخ محمد الهميم غيرهم . هذه النماذج تشفع للطيب صالح صورة الشيخ نصر الله ودحبيب (( كان الناس يقصدونه من أطراف الأرض ، طلباً لعلمه وتبركاً بصحبته )) فله مريدون وأتباع وأناس يقومون علي خدمته بكل أدب الصحبة مع المشائخ وما يقتضيه من التبجيل والتوقير ، كما يرتبط هؤلاء المشائخ أيضاً بالكرامات والمعجزات والخوارق شأنهم في ذلك شأن أهل الجانب الخفي من الروحانيات ، كما يلجأ اليهم الناس طلباً للشفاعة بما لهم من مكانه مرموقة وبما لهم من قبول كلجوء حواء بنت العربي إلى الشيخ نصر الله ود حبيب حينما أعيتها الحيلة في الوصول الي بلال والزواج به.
بعد السلطة الاهلية والمؤسسة الاقتصادية والدينية ، نتعرف علي شرائح اخري في مجتمع ودحامد الذي يعج بالمتناقضات التي حتمتها طبيعة تركيب المجتمع ، واختلاف أمزجة الناس، واختلاف تركيبتهم النفسية . ومن المفيد في هذا المجال أن نستصحب الخلفية التاريخية والظروف والملابسات التي تحكمت في عكس هذه الصورة لمجتمع الوسط ( عامة الناس) في القرية . وربما لو استشنينا هذه الظروف والملابسات ، ونظرنا إلى أدب الطيب صالح بمعزل عنها لتغيرت صورة المجتمع نوعاً ما هي مرسومة عليه في أدبه . ولكن حتي تتضح صورة أدبه لابد من دراسة الحقبة الزمنية التي تناولها الاديب حتي لا تكون هناك فجوة بين القاري والحدث.
فالطيب صالح تحدث عن السودان في حقبة تاريخية معينة ، ترتبط في أذهان الذين عاصروا تلك الفترة بذكريات الاستعمار والصراعات المذهبية والحزبية، ومن ثم تبعات كل ذلك وانعكاساته علي صورة المجتمع في ودحامد. وبذلك تتجلي أصالة الكاتب في اختياره لمجتمع ودحامد، ومعاصرته بحيث يرسم صورة للمجتمع وفق المعطيات التاريخية .
فهو بهذه الرؤية يعطي مشروعية الحياة للخير والشر، للصالح والطالح ، ويغوص في أعماق كل ذلك ، ليستجلي مافي أغواره من دين وفن ، وهما أهم دعائم الحضارة . ويسقصي أيضاً أصالة الاصيل ، وزيف الدخيل . بهذا الفكر المبدع رسم الطيب صالح مجتمع القرية ، وصنفه علي عدة طوائف . وقد آثرنا النظرة الدينية حتي تنسق وطبيعة الموضوع ، بهذا المنظور كان مجتمع ودحامد يتكون من طائفة العقلاء من اهل البلد ومعظمهم من الشيوخ والعقلاء الذين جاوزوا السبعين (( هؤلاء كانوا يحضرون كل الصلوات في المسجد ويبدو علي وجوههم علي الأقل أنهم يفهمون مايقول الامام))
وعلي النقيض من هذه الطائفة طائفة من الشباب المراهق ، الذي انغمس في اللذات الحسية ، واقترف الآثام ، وعادي الإمام ، لما في خطبة من تذكير بالموت.
وطائفة الشباب الذين تلقوا قسطاً من التعليم ، واثرت فيهم مبادئ الاشتراكية والمادية الجدلية . وطائفة اللذين يكسلون عن اداء الفروض الدينية ومن المفارقات ان هذه الطائفة يتزعمها رجل جاوز السبعين ( ود طه) وقد استدرك الطيب صالح عند الحديث عنه بقوله (( لكنه كان يقرض الشعر)) ربما كانت هذه الاشارة تلميحاً لقوله تعالي (( والشعراء يتبعهم الغاوون)) دون نظر للاستثناء الوارد في الآية اذ لا ضرورة لهذا الاستدلال والأديب يتحدث عن موقف المجتمع من الإمام مالم يكن كذلك.
وهناك شريحة اخري في ود حامد يمكن ان تطلق عليها طائفة الشواذ والمنبوذين من أمثال عشمانه الطرشاء ، وموسي الاعرج ، وبخيت الذي ولد مشوهاً ، ليست له شفة عليا وجنبه الايسر مشلول ، ومن خلال موسي الاعرج يشير الطيب صالح الي ظاهرة الرق التي كانت سائدة لفترات في السودان في تلك الحقبة التاريخية . عموماً يعيش هؤلاء الشواذ والمنبوذين علي هامش الاحداث في ود حامد ، وتجري بهم الايام كئيبة قاتمه لولا ذلك الحب والعطف الذي يجدونه من رمز الحب المطلق في ودحامد ( الزين) الذي كان يعطف عليهم كثيراً ويودّه.
ثم طائفة اخري هي طائفة الغرباء والوافدين الذين يحلون علي ديار ودحامد ، طلباً للاستقرار فكثيراً مايضفي عليهم الطيب صالح سمات التميز حتي يهيئهم لاذكاء روح التغيير في مجتمع ودحامد.
تلك لمحة خاطفة وخارطة ميسرة لصورة المجتمع وشرائحه في ودحامد التي بلا شك تمثل صورة مكررة
لكل القرى إن لم تكن سودانا مصغّرا .
Alteraify abdella Yousif [[email protected]]
////////////////
أثر الاتجاه الفني في قصص الطيب صالح
لسبر غور المؤثرات الفنية في قصص الطيب ، آثرنا أن نفرد هذا المقال للحديث عن التيار الفني الذي يستوعب نوعاً ما أعمال الطيب القصصية ، ولما نلمسه في أعماله من تأثر بالاتجاه الواقعي.
ولعل أعمال الطيب صالح هي التي نستقي منها تأثره هذا. باعتبار العمل الروائي كما يقول بلانيسكي الناقد الروسي (( أنسب للتقديم الشاعري للإنسان الذي ينظر إليه في علاقته بالظروف الاجتماعية) ولما كان الطيب صالح كاتباً روائياً أو قصصياً ، فالرّواية من بين سائر الفنون الجميلة أكثرها قدرة علي إبراز حياة الانسان في تفاعله مع الظروف الاجتماعية . وأكثرها إبرازاً لتأثير الحقبة الزمنية في الشخوص والأحداث والقوالب . وقد بدأت الرّواية كفن محدد مخصوص في عصر النهضة في أورربا . (( ولأنّ الرواية تهتم في الواقع بتصوير الشخصية الإنسانية ، فقد ربط الكثير من النقاد بين ظهورها وعصر النهضة في أوربا ، في الفترة التي أتت إثر تحلل المجتمع الاقطاعي ، وما ارتبط بذلك من ظهور أنماط جديدة من الناس فرضت علي الأدب الاهتمام بها . بغض النظر عن مكانتها الاجتماعية. وأيضاً من نمو الوعي الاجتماعي الذي صاحب التغيرات الاجتماعية الجديده آنذاك. مما خلق اهتماما بتصوير الشخصية الانسانية . وهذا يقود إلى الحديث حول الواقع الاجتماعي الذي فرض ظهور الواقعية كتيار فني . وذلك أنّ الأدب هو انعكاس للواقع الاجتماعي . (( ومن خلال استقراء تاريخ الفنون الادبية العالمية يرى أصحاب نظرية الانعكاس ( الواقعية ) أنّ الكلاسيكية نتجت عن العصر الاقطاعي . وأنّ الرومانسية ارتبطت بالثورة البرجوازية . وانّ التقدم العلمي والتكنولوجي ولد المدرسة الطبيعية . وبدخول الطبقة العاملة علي مسرح الأحداث ظهرت الواقعية الاشتراكية . لذلك كله فإنّ الأدب صورة للواقع الاجتماعي . الذي أنتجه أو نتج فيه وأنّ صورة الأدب تتغير بتغير صورة المجتمع.) ومن خلال استقراء آراء منظري الاتجاه الواقعي . سوف نحاول أن نربط بعض الرؤي العامة لهؤلاء المنظرين . بكتابات الطيب صالح حتي نجمع بين النظريه والتطبيق وبذلك ندلل علي تأثير هذا الاتجاه في قصص الطيب صالح . ولعل واحد من أهم أعلام ورواد الاتجاه الواقعي هو هيبوليت تين ، قد عرض في مقدمة كتابه ( تاريخ الأدب الانجليزي) العوامل التي تؤثر في الأدب وهي :-
(أ‌) الجنس أو العرق أو النوع ويقصد به الخصائص القومية . إذ يري أنّ أدب أمّة مايختلف عن أدب أمّة أخري وهذا يعود إلى تباين الخصائص القومية التي تعني لديه تاثير المناخ والتربه والحوادث الجسام والدوافع الغريزية والنزعات الدفينة.....الخ.
(ب‌) البيئة: فالإنسان في بيئتة ما خاضع لأوضاع حتمية هي التي تتحكم بالأدب والحياة العقلية.
(ج) الزمن أو اللحظة التاريخية وهو مايجعل مفهوم البيئة متحركاً ، ويعني به روح العصر أو مكان العمل الأدبي من تاريخ التراث.
وبرغم الاستدراكات والمأخذ علي هيبوليت في نظريته التي أطلق عليها ( نظريه تين في الجنس والبيئة والزمن ) ، نستقري من روايات الطيب صالح تطبيقاً عملياً لهذا النظرية . وأوّل مانلمسه في نظرية تين حديثه عن الجنس والبيئة وهذا مانجده عند الطيب صالح قي تصويره للصراع بين الانسان الشرقي المسلم من جهه ، والانسان الغربي من جهه أخري. ذلك الصراع الذي تفجر في رواية (موسم الهجرة الي الشمال ) والذي يبلغ ذروته حينما وقف مصطفي سعيد في قلب المحكمة وهو في قفص الاتهام بتهمه قتل جين مورس ليشتعل بركان الغضب الدفين ويفصح الأديب علي لسان بطله عن تباين الفروق بين الانسان الشرقي والغربي فلنستمع له وهو يردد بينه وبين نفسه في المحكمه (( انني اسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجنه ، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس ، البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز . وسكك الحديد أنشئت أصلاً لنقل الجنود . وقد أنشاؤا المدارس ليعلمونا كيف تقول نعم بلغتهم . إنّهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوربي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله .. نعم ياسادتي إنّني جئتكم غازياً في عقر داركم . قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ. أنا لست عطيلاً عطيل كان أكذوبه) ولا يخفي ما في مدلول عطيل- رغم أنّه من خيال وليم شكسبير - من رمزية للانسان العربي في قلب الحضارة الغربية الأوربية. أمّا كيف تجمع هذا الحقد التاريخي في نفس مصطفي سعيد فلأنّه كما ذكر الاستاذ محي الدين صبحي في كتاب الطيب صالح عبقري الرواية العربية ( كان يمتلك ذاكرة تاريخية جماعية حادة) . مايعنينا في هذا الامر هو أنّ هبيوليت تين يتحدث عن تباين الخصائص القومية للآداب ، واختلافها من أمةإلى أخرى بعامل الجنس والنوع والعرق فالصراع السياسي والثقافي قديم بين الشرق والغرب . ويلقي بالتالي بظلاله علي تركيبة الأدب ومضامينه بين أمة وأخري . ومثلما عالج شكسبير وآخرون موضوع الصراع من وجه نظر أوربية غربية، فقد عالج الطيب صالح وآخرون من الكتاب العرب ذات الموضوع مع اختلاف في زوايا التناول . أما فيما يتعلق بموضوع البيئة فالبيئة التي تدور حولها أغلب روايات الطيب صالح هي قرية صغيرة المساحة في شمال السودان يرسم الأديب تأثير هذه البيئة علي الناس والشواهد علي تأثير هذه البيئة كثيرة علي مزاج الناس وتركيبتهم النفسية وتعاملهم مع بعضهم البعض وهذا جانب يستحق أن تفرد له مساحات أرحب ورقاع أوسع،وهومبسوط في روايات الأديب خلق ذلك النسيج الاجتماعي الفريد في تناسقه وتناقضه في سلمه وحربه في تعاونه وافتراقه وتعدد ألوانه كحبات الفسيفساءمتعددة ولكنهامنتظمة.
نعود إلى العامل الثالث من عوامل تين وهو الزمن أو روح العصر كما يسميه تين والزمن إما أن نأخذه كمطلق، أو أن نريد به الحقبة الزمنية التي كتبها عنها الأديب، فالاول نعني به الماضي والحاضر والمستقبل كزمن، والطيب صالح في رواياته يبدو دقيقاً في كتاباته وما تقضي إليه بعد ذلك أي أنّه يكتب ويدرك الخط الروائي الذي تسير عليه رواياته. ويبدو ذلك جلياً من خلال الدراسة التي قدمها الدكتور عبدالرحمن الخانجي حول الزمن في روايات الطيب صالح (( وفي بعض المواقف يتداخل الزمن لدي الطيب صالح ويتمدد بين الماضي والحاضر ممسكاً بتلابيب المستقبل )) واستشهد فيها بقول مصطفي سعيد (( وحملني القطار الي محطة فكتوريا والي عالم جين مورس )) (( وقد يأتي التداخل مباشراً بين الماضي الذي يسترجعه الروائي ، والحاضر المفضي إلى المستقبل ، يتداخل بين البعدين الزمانيين .( في هذا المكان نفسه . في وقت مثل هذا . في ظلام مثل هذا . كان صوته يطفو كسمكة ميته طافيه علي سطح البحر .. في تلك الليلة حين همست جين في أذني : تعال معي ) أما إذا أخذنا الزمن علي أنّه حقبة تاريخية معينة كتب عنها الأديب فيبدو جلياً في أعمال الطيب صالح أنّه قد تناول مرحلة بعينها في حياة الشعب السوداني . وهي الفترة عند دخول الانجليز وحتي فترة الحكم الثنائي وحتي تنتهي بالاستقلال وتوالي الحكومات السودانية بعد ذلك دون تحديد قاطع لها ولا لألوانها السياسية . ولكنّه علي كلّ حال عكس الظروف السياسية والممارسات الحكومية نوعاً مافي تلك الحقبه من تاريخ السودان. ولعل أبلغ شاهد علي ذلك دومة ودحامد ، حين أرادت الحكومة قطع الدومة (( هبّوا عن آخرهم . هبة رجل واحد، وسدوا علي مفتش المركز السبيل . كان ذلك في عهد الحكم الاجنبي ..)) (( في اول العهد الوطني جاءنا موظف في الحكومة ، وقال لنا ان الحكومة تريد أن تنشئ لنا محطه تقف عندها الباخرة )) (( أنت تعرف أنّه كان لنا قبل أعوام نواب وأحزاب وضوضاء كبيرة ماكنا نعرف أولها من آخرها)).
حتي نمضي قدماً في إيراد ملامح الواقعية في قصص الطيب صالح باستقضاء آراء رواد الواقعية في الادب العالمي، نعرج في هذه المساحة علي علي اراء واحد من كبار رواد الواقعية وهو الاديب الروسي ليوتولستوي الذي اورد في كتابه (ماالفن) آراء حول الواقعية . يطلب من الاديب ان يكون داعية إلى فن يسعد الجماهير الفقيرة علي وجه الخصوص ويري أنّ العلم والفن أداتان لتقدم الانسانية ورأى كذلك(( أنّ الشعور الديني هو أساس الفن العظيم.دون أن يعني هذا التعصب الديني)) وهذا يفضي بنا إلى الحديث حول مفهوم الالتزام ومفهوم الواقعية نفسها . فنحن نطالب الأديب من جهة الواقعية بتصوير ماهو واقع بالفعل في مجتمعه الذي عاش فيه،ونطالبه من جهه بالإلتزام بمراعاه الاخلاق. فالانعكاس أو الواقعية ليست آلية ولا بسيطة وإنّما عملية معقدة متداخلة مركبة وعلي ذلك فهي تعني بأنّ الأعمال الدينية لها صلة بالواقع ولكنها ليست كلها واقعية.ومن ذلك فالمفهوم الشائع بأن العمل الواقعي هو الذي يصور اعمالاً وقعت بالفعل وهذا خطأ ومطالبة الاديب بالإلتزام في تصوير الأحداث والمشاكل الاجتماعية. أي أن يوقف أدبه علي تصوير الهموم الاجتماعية ، وأن يتخلي عن همومه الذاتية)).
وباستيعاب أبعاد العمليتين نخلص الي أنّ هناك انعكاس طبيعي مزيف .وانعكاس واقعي صادق ، كما يقول أحد منظري الواقعية وهو جورج لوكاش.
واذا كان الالتزام وتصوير الهموم الاجتماعية يرتقي بالفن ، فهذا يفسر كثيراً سر الضجة التي أثيرت حول أعمال الطيب صالح ، والأقلام التي تطالب الأديب بالالتزام بالأخلاق . بل حاول بعضهم أن يربط بينه وبين بعض شخصيات رواياته . ولكنه يذكر ذلك قائلاً (( لا أظن أنّني أكتب لأقص للناس قصة حياتي ، وهي علي كل حال حياه عادية لاتصلح قصة، أظن أنّني أحاول أن أعبر عن آراء مهما تكن، في قالب فني متعمد وشخصيات هذه القصص لاصلة لها بالواقع ، إلا بقدر مايكون الفن مشابهاً للواقع .))
نخلص بعد ذلك إلى وظيفة الفن عند الواقعيين ، فهي – بنظرهم- تتعدي حدود إبراز المهارة الفنية للأديب والبراعة اللغوية واستعراض الثقافة ، إلى استشارة الوعي وحفزه إلى فهم العالم أكثر، وإلى مساعدة الناس علي إدراك واقعهم الاجتماعي وتغييره . فيصبح الأدب بهذا الفهم رسالي يؤدي دوره تجاه أفراد المجتمع.
وهذا الدور يتغير من عصر إلى عصر ويترجم هذا الفهم قول الأديب في خاتمه دومة ودحامد (( فقلت له : ومتي تقيمون المشروع ومحطة الباخرة ؟ فأطرق برهة ثم أجابني :حين ينام الناس ، فلا يرون الدومه في أحلامهم . قلت : ومتي يكون هذا ؟ فقال :ذكرت لك أنّ ابني في البندر يدرس في مدرسة . إنني لم ألحقه بها . ولكنّه هرب . سعي إليها بنفسه . إني ادعو أن يبقي حيث هو فلا يعود . حين يتخرج ابني من المدرسة ويكثر بيننا الفتيان الغرباء الروح ، فلعلنا حينئذ نقيم مكنة الماء والمشروع الزراعي لعل الباخرة حينئذ تقف عندنا تحت دومة ودحامد.))
Alteraify abdella Yousif [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.