منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    أنباء عن هلاك أشهر إمرأة بالدعم السريع الرائد "شيراز" مع مجموعة من الجنود إثر غارة للجيش و "بقال" يؤكد بتدوينة ساخرة    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    ماساة قحت جنا النديهة    أحمد طه يواجه الأستاذ خالد عمر بأسئلة صعبة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسؤولية انفصال الجنوب -2- .. بقلم: علي عسكوري
نشر في سودانيل يوم 12 - 09 - 2012

لكي نفهم الاحداث الحاليه ونضعها في سياغها التاريخي الصحيح، نجد أنفسنا مضطرين للعوده الي الوراء للنظر بتمعن عميق في الاحداث التاريخيه التي وقعت وأدت اليه من نتائج وتداعيات، فالتاريخ يسير في حلقات مستمره لا تنفصل عن بعضها، قد يضعف تواصل الحلقات تارة ويقوي تارة أخري حسب الظروف الموضوعيه والقوي المتفاعله التي تشكل الاحداث في الظرف التاريخي المحدد.
لقد ظلت منطقة السودان طوال تاريخها منطقة لنوعين من الصراعات :
1) صراع داخلي بين القوي المتساكنه
2) صراع خارجي ( في أغلب الاحيان مع مصر) وفي أحيان قليله مع اثيوبيا..
الصراع التاريخي مع مصر وما تبعه من غزوات من مصر معروف أما الصراع مع أثيوبيا فكثيرا ما ينساه الناس رغم تبعاته التاريخيه. أهم احداث هذا الصراع هي غزوة الامبراطور او ملك مملكة اكسوم (عيزانا أو إيزانا) ( 325 -360 ق م ) ودخوله لعاصمة مملكة مروي في البجراويه وتحطيمه لها نهائيا، ثم في القرن التاسع عشر الحرب التي وقت بين النجاشي وخليفة المهدي والتي إنتهت بانتصار جيش الخليفه ومقتل النجاشي كما هو معلوم.
داخليا كان الصراع بين المجموعات محدودا بعض الشيء وأغلب تاريخ الممالك النوبيه التي سادت في الفتره 642 - 1505 في مناطق السودان الوسطي والداخليه يكاد يكون مفقودا، ولم أعثر - علي الاقل حتي الان - علي طريقة التعايش بين الممالك النوبيه المسيحيه ( علوه / المقره) وبين المجموعات الاسلاميه الصاعده والمتمدده في مناطق مختلفه في السودان. وليس من الواضح إن كانت المجموعات الاسلاميه قد واجهت اضطهادا من الممالك المسيحيه او لم تواجهه. وإن كنت أرجح أنها لم تواجه عنفا فيما يختص بنشر الدعوه لدينها، ولا تذكر مراجع التاريخ عن تلك الفتره وقوع اي مواجهات دينيه محدده. الارجح أيضا أن النوبه وممالكهم المختلفه ظلوا ملتزمين بشروط معاهدة البقط وعدم التعرض للمسلمين لقرون طويله.
لم يكن الاسلام ولا العروبه منتشران في بلاد السودان حتي عام 642 عند توقيع معاهدة البقط حيث بداء في التوغل في سهول وأقاليم السودان ببطء شديد. ويذكر بعض المؤرخين أن مناطق شمال السودان ظلت حتي القرن الربع عشر 1300م وما بعدها في حالة تباين وتقاطع ديني فبعض الناس إعتنق الدين الجديد ( الاسلام) والبعض الاخر ظل علي المسيحيه ومجموعه أخري إستمرت علي وثنيتها . وبالتدقيق في طول الفتره التي إستغرقها المسلمون في السودان ( بحدوده حتي 2011) حتي تقوي شوكتهم يستطيع الانسان أن يخلص الي أنها فاقت ال 1243 سنه . اي منذ عام 642 حتي 1885 ( الدوله المهديه). وطول الفتره هذه إن دل علي شيء إنما يدل علي عدم إجماع المجموعات المسلمه علي شيء، إذ لو كانت مجمعه ومتفقه علي شيء لكانت قد كونت اي شكل من اشكال الحكم ليحمي مصالحها وكيانها في فتره اقل بكثير من تلك الفتره الطويله. غير أن الثابت من التاريخ أن المجموعات التي تدعي العروبه إستمرت حتي عام 1505 بدون أي شكل من أشكال الدوله أو الحكم المركزي الموحد،كما ظلت الحروب القبليه تقع بينها .
في عام 1505م كانت شوكة المجموعات المسلمه قد قويت. وبعد حدوث بعض المناوشات في منطقة (أربجي) بين مجموعة الفونج بقيادة عماره دنقس و بين عدد من القبائل العربيه بقيادة عبد الله جماع شيخ قبيلة القواسمه وتدخل الوسطاء لوقف المواجهه، إتفق الطرفان علي مهاجمة رئاسة مملكة علوه وانهاء حكم دولة النوبه المسيحيه. وقد حققوا ذلك بالفعل. المهم في هذا الأمر ما تلي ذلك من إتفاق بين الفونج من جهه وبين العبدلاب من الجهه الاخري.
لم أعثر علي نص مكتوب للاتفاق الذي تم بين الفونج والعبدلاب، ويبدوا أنه لا يوجد إتفاق مكتوب. لكن الثابت الذي يجمع عليه المؤرخون هو الاتفاق علي تفويض العبدلاب لحكم المناطق من شمال أربجي حتي حدود مصر دون تدخل من الفونج شريطة أن يدفعوا مداخيل سنويه ( مقاديرها غير معروفه ايضا) لمك دوله الفونج في سنار مع قبولهم بأن السلطه العليا تبقي في يد سنار.
لقد جنب هذا الاتفاق الشفاهي الطرفين إراقة الدماء والصراع علي السلطه، والثابت أيضا أن الطرفان قد التزما به، وعدم حدوث مواجهه بينهم بعد مناوشات أربجي يؤكد أن كلا من الطرفين قد راعي شروط الاتفاق.
النظر والتمعن واستقراء العبر من ذلك الاتفاق مهم للغايه في هذه الظروف التي يعيشها السودان اليوم. إذ أن ذلك الاتفاق في مجمله يمكن أن نطلق عليه اليوم ما نسميه بالحكم الفدرالي أو تفويض السلطات للاقاليم ومنحها الحق في إدارة شئونها دون تدخل كبير من المركز. ومن المفارقه المؤلمه جدا أن يتفق أسلافنا قبل أكثر من خمسمائة عام علي مثل ذلك النظام الموسع الذي يتيح للجميع التعايش، ثم يأتي بعض أحفادهم اليوم يشتجرون في قضية كان أسلافهم قد عثروا علي حلها ووضعوا أسسها قبل أكثر من خمسه قرون. وفي حقيقة الأمر كان أسلافنا قد توصولوا الي أسس الحكم الفدارلي وطبقوها عندما كانت أمريكا رهن الاكتشاف ولم يهاجر لها أحد بعد، أما أروبا فلم تكن قد خرجت بعد من قرونها المظلمه ،وكانت تكتنفها الحروب الدينيه من أقصاها الي أقصاها. إمتاز أسلافنا ببعد نظر ثاقب ،بعيد المدي واتفقوا فيما بينهم وتمكنوا من تجنب الحروب وعاشوا في سلام لقرون عده دون واسطه من أحد ودون شهادت من جامعات غربيه. ولكن خلف من بعدهم خلف أضاع الدين وأضاع الدوله باسم الدين وسفك الدماء وقضي علي الأخضر واليابس وأباد الحرث والنسل في سبيل الحفاظ علي مركزية قابضه أسسها الاستعمار لاسباب يعلمها وتمترس فيها ورثته السودانيين لأسباب يعلمونها فاصبحوا مستعمرين وإن ظهروا كسودانيين.
لقد كتب رجل الامبراطوريه البريطانيه ( ونستون تشرشل) قبل أكثر من مائة عام ونيف محذرا من وقوع السودانيين تحت حكم عسكري ( راجع حرب النهرص69 طبعة2000 Carroll and Graf) ومن الغريب أن الرجل كتب ذلك وكأنه يشاهد ما يجري اليوم من إنهيار للقضاء، وتهميش للاقاليم، وانهيار للتعليم وبطش بالمواطنيين. ومن الواضح ان أغلب الناس نظر لنبؤة الرجل علي أنها حديث مستعمر إمبريالي لافائده له حتي لو كان تحذيرا صحيحا. حذر تشرشل من خطورة حكم الجيش للسودان وربما كان الرجل يعني جيش قومي غير مسيس، ولكن لسوء حظ السودانيين حكمهم جيش مؤدلج وقع تحت قبضة تنظيم اخطبوطي متطرف يستخدم الدين ستارا فكانت نتيجة ذلك الميته وخراب الديار.
تبني القاده السودانيين بعد ( الاستقلال) استدامة هياكل الدوله الاستعماريه ورموا بإرث أجدادهم خلف ظهورهم فانتهوا الي ما انتهوا اليه اليوم وهو حال لا يسر حتي العدو. أصبحوا عاجزين، تتفكك دولتهم أمام عيونهم وعبدة المركزيه متشبسون برؤيتهم حتي بعد أن بان خطلها وثبت عقمها.
مسؤولية تنظيم الاخوان المسلمين
تقع المسؤولية الأساسيه في تحقيق عملية إنفصال جنوب السودان بصوره رسميه ( لقد ذكرنا ان الانفصال كان قائما موضوعيا) علي تنظيم الاخوان المسلمين وتفرعاته المختلفه ( جبهة الميثاق، الجبهه القوميه، المؤتمر الوطني الخ... )، يشاركهم في ذلك غلاة العروبيون والمستعربه دعاة النسب العباسي القرشي المتوهم هو الاخر.
دون شك، يستطيع المراقب والقاريء لأفكار وممارسات قادة الأخوان المسلمين في السودان أن يستنتج ببساطه شديده قصور النظر الفاضح الذي إتسمت به فكرتهم. ففكرة بناء دوله إسلاميه ( متوهمه) في قطر متعدد الأعراق والثقافات ما هي في جوهرها إلا ترتيب متعمد من تلك المجموعه لتفكيك السودان. لم تكن معرفة التركيبه الدينيه والثقافيه والعرقيه المعقده للسودان تحتاج الي دليل. فالواقع الماثل منذ 1505م يقول بذلك وقد إنتبه له أسلافنا – كما سبقت الاشاره - وإبتدعوا تفويض السلطات وتقاسم الثروات، وهو نظام حكم قطع تطوره واكتماله الغزو التركي المصري الذي نقل البلاد للحكم المركزي القابض.
يعلم قادة تنظيم الأخوان المسلمين وعضويتهم تنوع السودان تمام العلم ولكنهم إختاروا المضي قدما في طريق فرض رؤاهم وفهمهم للدين بالقوه وهم دون شك يعلمون نتائج ذلك الطريق. فلاهم نظروا في تاريخ أسلافهم واستفادوا منه ولا تبصروا في سبل التعايش الحديثه في الدول متعددة الثقافات والقوميات ليستفيدوا من تجربتها. بل كان دأبهم شن الحرب لاخضاع المجموعات بالقوه المفرطه، وفي اللحظه التي تعادلت فيها القوي ذهبت تلك المجموعات لحالها فليس لها مصلحه في البقاء في دوله تنظر لها كمجموعة كفار يجب مقاتلتهم لا كمواطنيين يجب توفير وضمان سبل التعايش السلمي لهم في دولتهم . لذلك فالمسؤوليه تقع علي قادة التنظيم ومنظريه أولا ثم أعضائه ثانيا. فكل عضو في التنظيم يتحمل جزء من المسؤوليه تتساوي مع حجم الدعم والمشاركه التي قدمها أو التنظير الذي مارسه لوصول ذلك التنظيم المتطرف لسدة الحكم.
لقد ظلت الاحزاب السياسيه المختلفه وظل الكثيرون من المفكرين والكتاب والمثقفين والعلماء وقادة الراي العام يحذرون قادة وتنظيم الاخوان المسلمين وتفرعاته المختلفه من أن فكرتهم ستقود لا محاله لتفكيك البلاد. فالفكره في جوهرها لا تحتمل حتي الاخر المسلم دعك من غير المسلم. لقد أثبتت الاحداث في السنوات الاخيره وكشفت بصوره واضحه لا لبس فيها عقم فكرتهم. فالاخوان المسلمين – كما أثبتت تجربتهم – ليسوا علي إستعداد للتعايش مع المسلم الجنوبي ( موضوع الجنسيه والحريات الاربع) كما إنهم ليسوا علي إستعداد لمنحه حتي ( حقنه) دواء إن كان مريضا أو علي سفر. وهذا ليس غريبا أو مستغربا ففكرتهم تقوم علي رفض الاخر مسلما أو غير مسلم طالما لم يكن عضوا في التنظيم. لكن في حالة السودان إتضح أن رفضهم للاخر ليس مختصرا علي العقيده – فاسلام الكثيرين من أبناء الجنوب لم يمنحهم حقوقهم التي ينص عليها الاسلام – بل أضافوا عليها عليها العرق. ففي فكرتهم البائسه – وتشترك في هذا معهم الجماعات السلفيه الاخري – فالأمير أو الحاكم لا بد أن يكون من قريش أو هكذا يزعمون. هذا من ناحيه.
من الناحيه الاخري أدخل الاخوان المسلمين العنف في الحياه السياسيه و ظل هدف الوصول للسلطه بكل الطرق بمافي ذلك الانقلاب عن طريق الجيش لفرض فكرتهم العقيمه علي سكان السودان هو الهدف الأساسي لتنظيمهم. لقد حاولوا منذ بواكير تنظيمهم الوصول للسلطه عن طريق القوه لفرض رؤويتهم الأحاديه علي بلد متعدد الأعراق والثقافات دون أي إعتبار لنتائج مثل ذلك الفعل وتبعاته. وحسب ما يورد أبوغسان ( ابوغسان 2002م: 37) فإن تنظيم الاخوان المسلمين ممثلا في مراقبهم العام الراحل الرشيد الطاهر كان أول تنظيم سياسي يقوم بتنظيم خلايا تابعه له داخل القوات المسلحه في القياده الشرقيه. وكانت نتيجة ذلك الفعل التحرك الانقلابي للمقدم علي حامد ومجموعته. وهو – حسب مايورد ابو غسان – ( أول صدام بالذخائر الحيه بين وحدات من الجيش السوداني حيث دارت إشتباكات في المنطقه العسكريه في أمدرمان بين قوات سلاح المهندسين المؤيد للمجلس الاعلي الحاكم ( مجلس عبود) ومدرسة المشاه التي كان يقودها البكباشي (المقدم) علي حامد قائد المحاوله الانقلابيه. كان ذلك هو الصدام الاول بين وحدات تنتمي لجيش قومي واحد عصفت بوحدته وتماسكه وقوميته) (ص 39)
كانت نتيجة ذلك الانقلاب الذي خرج من أفكار مرشد الاخوان المسلمين وقتها الرشيد الطاهر المحامي، إعدام كل من ( حسب ما يورد ابوغسان) المقدم علي حامد، المقدم يعقوب كبيده، الرائد عبد البديع علي كرار، النقيب طيار الصادق محمد الحسن والنقيب عبد الحميد عبد الماجد. وحكم علي مرشد الاخوان الرشيد الطاهر بخمس سنوات سجن .
إذن ، فمنذ بواكير نشأته ممثلا في مرشده العام كان تنظيم الاخوان المسلمين يسعي بشتي السبل بما فيها العنيفه للوصول للسلطه لتنفيذ فكره عقيمه لتاسيس دوله دينيه ( متوهمه) في قطر متعدد الثقافات والأعراق. ولا يحتاج الأمر لكثير إجتهاد ليدرك الانسان أن اي تطبيق لتلك الفكره سيقود بالضروره لإنفصال الجنوب - وربما مناطق أخري- حيث لا يشترك الجنوب مع بقية الاقاليم لا في الدين ولا في العرق. بل مما يثير السخريه من عقم الفكره، عدم تحملها واستيعابها لخلافات الأخوان المسلمين أعضاء التنظيم أنفسهم. وكما نري الان فقد تفرقوا أيدي سباء بعد أن قسموا البلاد ودمروها وشتتوا أهلها في أركان الارض، وجاء بعضهم علي بعض يتلاومون.
لكل ذلك أجد نفسي ميالا للقول بأن الأدوار التي قام بها الدكتور علي الحاج أو الدكتور غازي العتباني في التأسيس لإنفصال الجنوب لا تعدو أن تكون إلا امتثالا منهم لتطبيق تلك الفكره العقيمه التي إعتنقوها في بواكير حياتهم بالرغم من بؤسها وقصورها البائن. ويمكن القول أن ما حدث من هؤلاء ( الدكاتره) كان تحصيل حاصل لتبعات تطبيق فكره عقيمه سعي معتنقوها للسلطه بالقوه وتمكنوا منها فطبقوها وتبع ذلك النتائج الموضوعيه لتطبيق الفكره البائسه. بمعني آخر كان يمكن أن يكون هؤلاء الاشخاص أي أشخاص أخرين من التنظيم، ولكن لسوء حظ هؤلاء قادتهم ( مجاهداتهم) لتلك المواقع المتقدمه في التنظيم فتحملوا العار التاريخي لاشخاصهم ولتنظيمهم.
للأسف سمم تنظيم الاخوان المسلمين منذ نشأته الحياه السياسيه وخرج علي الناس بأجنده ليست من أولياتهم الوطنيه. فبدلا من الدعوه لبناء وتعمير البلاد وتطويرها وتنميتها صرف التنظيم الناس في جدل سفسطائي حول ما يزعم بأنه دستور إسلامي، فاهدرت الطاقات عبر السنوات في قضايا جدل بيزنطي ليس من ورائه طائل. إلا أن الاغرب من كل ذلك هو أنهم وبعد ان استولوا علي السلطه بليل، وبعد ربع قرن من الزمان مازالوا يسفسطون حول ذات الدستور الاسلامي المتوهم واختصروا دين الله كله في ملاحقة بائعات الشاي وقطع اطراف الفقراء المعدمين، وتصفية الخصومات الشخصيه ونهب المال العام لصالح قياداتهم والفساد الذي ظهر في البر والبحر. هذا الفشل المزري لخصه أحد قادتهم الكبار ( يس عمر الامام) حيث قال ( إنه أصبح يخجل من أن يتحدث عن تجربتهم او يحدث الناس عن الدين)!
ربما كان من الانسب لو وطٌّن الكاتب مقالاته علي دور الاخوان المسلمين في فصل البلاد واشار الي أن الدكتور غازي العتباني والدكتور علي الحاج ما بلغوا ما بلغوا من مواقع رسميه إلا لانهم من قادة الاخوان. لقد ترشح دكتور العتباني لرئاسة الحركه الاسلاميه وخسرها لصالح علي عثمان محمد طه نائب الرئيس السوداني كما كان الدكتور علي الحاج نائبا للدكتور الترابي زعيم الحركه الاسلاميه. كان ترأس هولاء لوفود التفاوض وتوقيعهم علي الاتفاقات يتم علي ضوء وجهة نظر الاخوان المسلمين التي إعتنقوها منذ بواكير حياتهم وصعدوا سلالم التنظيم حتي بلغوا مواقع التنفيذ والتزم تنفيذهم بما تقتضيه فكرة التنظيم. ومن رايي أن كل عضو في تنظيم الاخوان المسلمين هو بالضروره انفصالي حتي لو لم يكن يعلم ذلك. ولولا تنظيم الاخوان المسلمين لما كان العتباني ولا علي الحاج ولا عمر البشير شيئا.
Ali Askouri [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.