شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    إطفاء أنوار المطار..!    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الشعب السودانى رائد الثورات الشعبية .. بقلم: د. احمد المفتى المحامى
نشر في سودانيل يوم 02 - 01 - 2013


بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم: د. احمد المفتى المحامى
مدير عام مركز الخرطوم الدولى لحقوق الانسان KICHR
التهنئة للشعب السودانى الكريم رائد الثورات الشعبية فى عيد استقلاله رقم 57 . فهو الشعب الذى ثار قبل حوالى نصف قرن من الزمان فى اكتوبر عام 1964 ونجح فى الاطاحة بحكم الفريق ابراهيم عبود والذى سبق ان انشد له الشعب السودانى "فى 17 من نوفمبر هب الشعب طرد جلادو" . ولقد وصل الفريق عبود للسلطة بعد ان استلمها من حكومة السيد عبد الله خليل رئيس وزراء السودان عن حزب الأمة آنذاك ، والذى كان قد كسب انتخابات حرة مباشرة بعد استقلال السودان عام 1956 نافسه فيها السيد اسماعيل الأزهرى من الحزب الوطنى الاتحادى ، والذى كان قد كسب أول انتخابات برلمانية جرت قبل استقلال السودان ، وذلك بموجب قانون الحكم الذاتى الذى صدر عام 1953 . وعقب ثورة اكتوبر 1964 التى انشد لها الشعب السودانى "اصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق" تشكلت حكومة قومية برئاسة المرحوم سر الختم الخليفة للإشراف على إجراء انتخابات كسبتها نفس الاحزاب السياسية التقليدية التى سبق أن أدى تنازعها على السلطة الى استلام الفريق ابراهيم عبود للحكم ، وهكذا جرب الشعب السودانى أول ثورة شعبية ورأى بعينى رأسه كيف تستثمر النخب جهد الجماهير الكادحة فى الوصول الى السلطة وتنسى مطالب الجماهير التى ثارت من أجلها .
وهكذا تناوبت الاحزاب السياسية فى السودان على السلطة عقب ثورة اكتوبر 1964، ولكن لم يكن اداؤها مقنعاً ، وكذلك خرجت الجماهير مؤيدة للعقيد جعفر نميرى عند استيلائه على السلطة بالقوة فى 25 مايو 1969 . ولقد ظل النميرى فى السلطة وأنشدت له الجماهير "انت يامايو الخلاص" ، ولكن لم يكن الأمر مختلفاً كثيراً عما سبق ولذلك ثارت الجماهير مرة أخرى ونجحت ثورتها فى ابريل 1985 فى ما يعرف بانتفاضة رجب (ابريل) . ولعب المشير سوار الدهب الذى كان وزير دفاع نميرى دوراً بارزاً فى نجاح الثورة دون اراقة دماء ولذلك وقع الاختيار على المشير سوار الدهب لرئاسة المجلس العسكرى الذى كون حكومة انتقالية برئاسة الدكتور الجزولى دفع الله للإشراف على اجراء انتخابات برلمانية . وكما حدث عقب ثورة اكتوبر 1964 فازت الاحزاب التقليدية وترأس الحكومة السيد الصادق المهدى . ولقد كان أوضح المؤشرات فى تلك الانتخابات بروز التيار الإسلامى بصورة واضحة جداً حيث حصل على أكثر من 50 مقعداً فى البرلمان . وفى يونيو 1989 استولى العميد عمر حسن أحمد البشير على السلطة ومازال فى الحكم حتى الآن .
ويختلف حكم البشير عن حكم النميرى على الرغم من ان الحكمين قد جاءا نتيجة انقلاب عسكرى فى ان حكومة البشير التى تتولى ادارة البلاد حتى اليوم تحمل تفويضاً من انتخابات عامة مباشرة جرت عام 2010 ، على الرغم من تحفظات البعض على تلك الانتخابات ، ولذلك فإن البشير هو رئيس جمهورية منتخب من قبل الشعب وما عاد هو قائد الانقلاب العسكرى فى يونيو 1989 ، وبالاضافة الى ذلك فإنه من المتوقع اجراء انتخابات عامة بما فى ذلك انتخابات رئيس الجمهورية خلال عامين . وعلى الرغم من الضائقة المعيشية الحالية فى السودان واستمرار النزاع المسلح فى دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق والفساد ، إلا أن حكومة البشير قد حققت نجاحات كبيرة جداً لا تخطئها العين فهى التى قد استخرجت البترول وانشئت السدود وعبدت مئات الكيلومترات من الطرق وضاعفت التوليد الكهربائى وتوسعت فى التعليم العالى ، وفى تقديرى ان تلك الانجازات هى السبب الرئيسى الذى يجعل الشعب السودانى يتحمل اخفاقات حكومة البشير لأن الشعب السودانى رائد الثورات الشعبية ما كان ليصبر على حكم البشير استكانة وخوفاً .
وبالاضافة الى ما ذكرنا فإن تجربة الشعب السودانى المبكرة قى الثورات الجماهيرية فى 1964 و 1985 تجعله غير ميال للثورات الشعبية السياسية غير المصحوبة بثورة حقوق إنسان تلزم الحكم القديم او الجديد ببرنامج حقوق انسان مكتوب ومفصل يتم تنفيذه خلال اطار زمنى محدد لأنه يتم اجهاضها سريعاً لمصلحة النخب السياسية . وبالاضافة الى ذلك فان الشعب السودانى قد جرب المناهضة المسلحة للحكومة ووصل الى قناعة أو كاد بانها ليست الخيار الامثل ، على الرغم من أن تلك المناهضة المسلحة مازالت مستمرة فى دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق . لذلك فاننا نرى ان الشعب السودانى صاحب تلك الخبرات الكبيرة فى الثورات الشعبية السلمية والمناهضة المسلحة قد وصل الى قناعة بان الاصلاح السياسى السلمى المدعوم بضغط جماهيرى متواصل هو الخيار الأمثل . ولذلك نلاحظ أنه يدور حالياً حراك سياسى كبير للإصلاح من المعارضة السياسية وداخل أروقة الحزب الحاكم نفسه . ومن المتوقع ان تأتى الانتخابات القادمة اذا ما توفرت لها الضمانات اللازمة بحكومة افضل من الحكومة الحالية . علماً بأن ثورة الحقوق التى أسستها عبر مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR) عام 2005 والتى استقطبت حتى الآن اكثر من 132,000 عضو منتظمين فى اكثر من 1300 فرع فى كافة انحاء السودان (برلمانات جماهيرية) هى لترشيد الحراك السياسى بتوعية المواطن وتنويره وتمكينه لممارسة حقه الانتخابى بوعى لانتخاب الحكومة التى تكفل له حقوقه بعيداً عن الانتماءات السياسية والدينية والعرقية ، ولتوفير ضغط جماهيرى سلمى متواصل لجعل حقوق الإنسان على رأس اهتمامات النخب السياسية الحاكمة والمعارضة .
وفى ذلك الصدد فإننى قد سبق أن كتبت مقالاً عن "جنوح النخب" أوضحت فيه ان الشعب السودانى قد خبر جنوح الكثير من النخب السياسية الحاكمة والمعارضة ، وانها تستخدم الشعوب وقوداً للوصول الى مقاعد السلطة ، ولذلك وبسبب ذلك الوعى اصبح اهتمام الشعب السودانى بخلاف الشعوب الأخرى ينصب حالياً نحو "تغيير سلوك الحكام" وليس "تغيير الحكام" وهو الشعار المفضل لدى الربيع العربى ، والذى دائماً ما يرفع شعار "الشعب يريد اسقاط النظام" ، فى حين أن الشعب السودانى يفضل فى تقديرنا تكملة الشعار بشعار آخر وهو أن "الشعب يريد من النظام الجديد كفالة حقوق الإنسان" . وهو الشعار الذى ترفعه ثورة الحقوق التى أسسناها عبر مركز الخرطوم الدولى لحقوق الإنسان (KICHR) منذ العام 2005 ، ولقد وجد ذلك الشعار تجاوباً مقدراً لدى الشارع السودانى ولذلك تجاوزت عضوية مركز الخرطوم المذكورة أعلاه العضوية المسجلة للكثير من الاحزاب السياسية والتى يتجاوز عددها فى السودان 80 حزباً سياسياً ، علماً بأن عضوية المركز فى ازدياد يومى مستمر بسبب استمرار ازدياد وعى المواطنين بحقوقهم .
وفى تقديرنا أن الحزب الذى سوف يكتسح الانتخابات القادمة فى السودان هو الحزب الاكثر اهتماماً بالاصلاح السياسي خاصة فيما يتعلق بكفالة حقوق الإنسان ومحاربة الفساد واقامة الحكم الراشد ليس كشعارات تخوض بها الانتخابات فقط ولكن فى شكل برامج مفصلة ومكتوبة تنفذ خلال اطار زمنى محدد تطرح على الجماهير قبل الانتخابات القادمة . اما اى ثورة ربيع عربى فى السودان سواء كان عسكرية او مدنية فان مستقبلها لن يكون افضل فى تقديرى من مصير ثورتى 1964 و 1985 فى السودان ، لان النخب سوف تكون جاهزة لتجيير الثورة نحو مصالحها فى الوصول الى كراسى السلطة . ولذلك فإن الحل الامثل فى تقديرنا هو ثورة حقوق انسان جماهيرية سلمية تشكل ضغطاً على النخب الحاكمة والمعارضة لتغيير سلوكهم لكفالة حقوق الانسان .
ولقد استبعدنا فيما سبق قيام ربيع سودانى ، ليس لانه لا توجد مطالب جماهيرية مشروعه ضد الحكومة الحالية ، ولكن لأنه وبالاضافة الى ماذكر اعلاه فان ثورات الربيع العربى التى اتت بحكومات جديدة ، خاصة فى تونس مازالت تواجه غضباً جماهيرياً عارماً . وفى تقديرى ان للشعب السودانى مطالب محددة وواضحة يهتم بها ويضعها نصب عينيه ، كما أنه يعلم من خلال تجربته الخاصة ان الثورة الشعبية لن تحقق تلك المطالب والتى تتمثل فى تسوية النزاعات المسلحة فى دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق سلمياً ، وحل الموضوعات العالقة مع جمهورية جنوب السودان ، وحسن إدارة الوظيفة العامة ، ومحاربة الفساد وكبح جماح ارتفاع الاسعار والتوافق الوطنى مع القوى السياسية المعارضة خاصة فيما يتعلق بالدستور الجديد والانتخابات القادمة . ومن الملاحظ أن حكومة البشير مستمرة فى اتخاذ خطوات آحادية للإصلاح السياسى قبل الانتخابات .
اما قيام ربيع عربى سودانى فإننا وان كنا لا نرجحه ، إلا أننا نرى ، فى حالة حدوثه ، انه لن يحقق اى ايجابيات للسودان ، بل قد يدخل السودان فى نفق ضيق ومن الافضل الإصلاح السياسى السلمى الذى يضمن ان الأصوات سوف تذهب فى الانتخابات القادمة للقوى الامين بغض النظر عن انتمائه السياسي .
ولذلك فإن الخيار الآنى الامثل للحكومة هو أخذ مطالب الجماهير مأخذ الجد والعمل الفورى على اصلاح سياسى شامل رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التى يعيشها السودان . وتلخيصاً لما سبق فإننا نرى أن أول الخيارات واكثرها واقعية هو العمل الفورى على حل كافة النزاعات المسلحة فى دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق سلمياً ، لأن تكلفة العمل المسلح تكلف حكومة السودان اكثر من نصف مواردها . والخيار الثانى هو حل الموضوعات العالقة مع حكومة جنوب السودان لأن من شأن اقامة علاقة ودية مع حكومة جنوب السودان تحقيق مصالح مادية كبيرة للحكومتين . والخيار الثالث هو حسن إدارة المال العام ومحاربة الفساد بصورة كبيرة جداً . والخيار الرابع هو العمل على تحقيق وفاق وطنى مع كل القوى السياسية المعارضة خاصة فيما يتعلق بالدستور الجديد والانتخابات القادمة ، وذلك حتى يتكاتف كل أهل السودان لمواجهة التحديات ، خاصة وان السودان زاخر بالموارد الطبيعية وكل ما ينقصه هو الاستقرار السياسى الذى سوف يجلب الكثير من راس المال والتقنية الاجنبية . والخيار الخامس والاخير هو تفعيل أجهزة العدالة خاصة القضاء ووزارة العدل لسيادة حكم القانون بصورة يشعر بها كل مواطن ، والحرص على ان لا تتجاوز أجهزة نفاذ القانون سلطاتها ، واصلاح قوانينها لكفالة حقوق الانسان بصورة تامة .
وفيما يتعلق بحالة حقوق الإنسان فى السودان فإنه يمكن القول بأنها لا تختلف عن حالة حقوق الإنسان فى غيره من دول العالم الثالث ، وان كانت تمتاز على بعضها خاصة فى مجال حرية التعبير والتنظيم ، على الرغم من وجود تجاوزات واضحة . ويمكن تقييم حالة حقوق الانسان فى السودان من ثلاث جوانب: الجانب الأول هو الجانب التشريعى حيث توجد شرعة كاملة لحقوق الإنسان فى دستور 2005 ، وان كانت بعض القوانين التى صدرت تحد منها بعض الشئ ، خاصة قانون الأمن الوطنى ، والجانب الثانى هو جانب المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان حيث توجد محكمة دستورية للنظر فى كافة موضوعات حقوق الإنسان ، وان كانت فاعليتها غير ملموسة ، كما تم انشاء مفوضية قومية لحقوق الإنسان وفق قواعد باريس التى اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 ، ولكن مازالت تلك المفوضية حديثة النشأة ولم تظهر فاعليتها بالصورة المطلوبة . وبالاضافة الى ذلك هنالك المجلس الاستشارى لحقوق الإنسان وهو مجلس حكومى واستشارى ، إلا أنه يقوم بدور مقدر فى مجال حماية حقوق الإنسان ، خاصة فى مجال التوعية والتنوير وبناء القدرات ورفع التقارير الدورية ، اما فعالية ذلك المجلس فى نظر الشكاواى فانها غير ملموسة . والجانب الثالث والاخير هو الجانب العملى وتطبيق حقوق الإنسان على أرض الواقع ، واكبر المعوقات فى ذلك الجانب فى تقديرنا هو السلطات الكبيرة التى تمارسها اجهزة انفاذ القانون ، ولابد من اصلاح تشريعى فى ذلك الصدد . كما ان حكومة السودان قد ظلت متعاونه مع مبعوثى الامم المتحدة لحقوق الإنسان منذ العام 1992 وهو أمر ايجابى ، واذا ما تم تنفيذ برنامج العون الفنى الذى أقره مجلس حقوق الإنسان بجنيف العام المنصرم ، فانه سوف يؤدى الى تحسين حالة حقوق الإنسان فى السودان .
ولعل اكبر انتهاكات حقوق الإنسان التى تحدث فى السودان هى تلك التى تحدث فى مناطق النزاعات المسلحة من قبل القوات الحكومية والحركات المسلحة على السواء ، لان ظروف الحرب فى حد ذاتها هى التى تؤدى الى تلك الانتهاكات ، والحل يكمن فى ان تكلل جهود احلال السلام بالنجاح ، واقامة ترتيبات عدالة انتقالية فاعلة لمعالجة آثار العمل المسلح والتحول الديمقراطى .
ومن اكبر انجازات الربيع العربى توفير الحقوق المدنية والسياسية ، خاصة فى ليبيا ومصر واليمن التى تشكلت فيها حكومات ديمقراطية جديدة ، اما الحقوق الاخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فانه لابد لحكومات الربيع العربى من الاهتمام بها عبر وضع برامج حقوق انسان مكتوبة ومفصلة تنفذ خلال اطار زمنى محدد . ولقد اتضحت الحاجة الى الاهتمام بالحقوق الاقتصادية بصورة جلية فى تونس ، خاصة عند الاحتفال بمرور عامين على نجاح الربيع العربى فى تونس ، حيث حصبت الجماهير الحكومة الجديدة بالحجارة ، ليس طلباً لحقوق مدنية وسياسية ، ولكن لطلب الحقوق الاقتصادية . ولا شك ان تلك الحقوق لا يمكن تحقيقها بين يوم وليلة ، كما هو الحال بالنسبة للحقوق المدنية والسياسية ، وانما هى تحتاج الى وقت طويل ، ولذلك نصت كافة مواثيق حقوق الانسان على تطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالتدرج . ولكن التدرج لا يعنى الأهمال والتلكوء ، بل يعنى البدء فى اتجاه توفير تلك الحقوق للمواطن حيث ما كان ، ومن سار على الدرب وصل ، ومشوار الالف ميل يبدأ بخطوة واحدة .
وفى تقديرنا فإنه لا يوجد خطر يهدد حقوق الإنسان فى المنطقة العربية بسبب الثورات التى حدثت والتى يمكن ان تحدث لأن حقوق الانسان والحكم الراشد هى المستقبل لكل حكومة تريد ان تبقى فى السلطة . ولكن بقدر عدم وعى الانظمة الحاكمة باهمية حقوق الانسان بقدر ما هى سوف تتمسك بالسلطة وتناهض كل تحرك جماهيرى ، وذلك التهور هو الذى سوف يؤدى الى ضحايا كما يحدث فى سوريا حالياً . ولكن ينبغى ان نعى ان الضحايا يزيدون من اوار الثورة ويعجلون برحيل الانظمة الطاغية . ولذلك فان الانظمة الحاكمة الطاغية ينبغى لها أن تنصاع طواعية لمطالب الجماهير وتكفل لهم حقوقهم كاملة ، لانه لا توجد قوة على الارض تستطيع ان تقف فى وجه مطالب الجماهيرى بحقوق الإنسان والحكم الرشيد مها طال الزمن .
وبما ان السودان يزخر بموارد طبيعية هائلة فانه حالما يتوفر قدر معقول من الاستقرار السياسي فانه ينتظر السودان مستقبلاً مشرقاً ، ولا شك ان عائد الاستثمار فى السودان سوف يكون عائداً لا يمثاله اى عائد فى اى بقعة أخرى . وفى تقديرى انه بالامكان حل كافة المشاكل التى تواجه السودان إذا ما توفرت الإرادة السياسية والنظرة الاستراتيجية لدى النخب الحاكمة والمعارضة ، لأن حل معظم تلك الامور لا يحتاج الى تكاليف كبيرة ، كما أنه لا يستغرق وقتاً طويلاً على الرغم من ان مردوده استقرار سياسى سوف يؤدى الى حل كل الصعوبات الاقتصادية التى تواجه السودان .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.