حميدتي وآبي أحمد يبحثان العلاقات الثنائية بين السودان وإثيوبيا    محمد عبد الماجد يكتب: (بيبو) طلب الشهادة (الدنيا) فمُنح الشهادة (العليا)    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأحد" 23 يناير 2022    أبرز عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة يوم الأحد الموافق 23 يناير 2022م    يحملان جثته لمكتب البريد لاستلام معاشه التقاعدي    أبرز عناوين الصحف السياسية السودانية الصادرة اليوم الأحد الموافق 23 يناير 2022م    الشواني: نقاط عن إعلان سياسي من مدني    شاهد بالفيديو: السودانية داليا الطاهر مذيعة القناة اللبنانية "الجديد" تتعرض للتنمر من مناصري حزب الله    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الأحد 23 يناير 2022    مباحثات بين حميدتي وآبي أحمد بأديس أبابا تناقش العلاقات السودانية الإثيوبية    شاهد بالصور.. شاب سوداني عصامي يستثمر في بيع أطباق الفاكهة على نحو مثير للشهية    مواجهات أفريقية مثيرة في الطريق إلى قطر 2022م    برودة اليدين.. هذا ما يحاول جسدك إخبارك به    الاتحاد السوداني للرماية يتوج الفائزين ببطولة الاستقلال    ضبط (17) حالة "سُكر" لسائقي بصات سفرية    الهلال يخسر تجربته الإعدادية أمام الخرطوم الوطني    وسط دارفور تشهد إنطلاق الجولة الرابعة لفيروس كورونا بأم دخن    المواصفات تدعو إلى التعاون لضبط السلع المنتهية الصلاحية    المالية تصدر أمر التخويل بالصرف على موازنة العام المالي 2022م    توجيه بتذليل معوقات زيادة صادرات الماشية لسلطنة عمان    الجريف يستضيف مريخ الجنينة اعداديا    الزمالك يلغي مباراته أمام المريخ السوداني    حكومة تصريف الأعمال.. ضرورة أم فرض للأمر الواقع..؟!    الصمغ العربي ..استمرار التهريب عبر دول الجوار    أسعار مواد البناء والكهرباء في سوق السجانة يوم السبت 22 يناير 2022م    مقتل ممثلة مشهورة على يد زوجها ورمي جثتها في كيس    مصر تعلن عن اشتراطات جديدة على الوافدين إلى أراضيها    إنصاف فتحي: أنا مُعجبة بصوت الراحل عبد العزيز العميري    وزير مالية أسبق: (الموازنة) استهتار بالدستور والقادم أسوأ    عبد الله مسار يكتب : من درر الكلام    قناة النيل الأزرق نفت فصلها عن العمل .. إشادات واسعة بالمذيعة مودة حسن في وسائل التواصل الاجتماعي    إدراج الجيش وقوات الأمن ضمن مشاورات فولكر    (كاس) تطالب شداد و برقو بعدم الإزعاج    شاهد بالفيديو: السودانية داليا حسن الطاهر مذيعة القناة اللبنانية "الجديد" تتعرض للتنمر من مناصري حزب الله    طه فكي: عقد رعاية الممتاز مع شركة قلوبال لأربعة أعوام    يستطيع أن يخفض من معدلات الأحزان .. أبو عركي البخيت .. فنان يدافع عن وطن مرهق!!    بوليسي : الصين تسعى لحل الأزمة السودانية بديلاً لأمريكا    استدعوا الشرطة لفض شجار عائلي.. ثم استقبلوها بجريمة مروعة    دراسة.. إدراج الفول السوداني في نظام الأطفال الغذائي باكراً يساعد على تجنب الحساسية    القحاطة قالوا احسن نجرب بيوت الله يمكن المرة دي تظبط معانا    بالصورة.. طلبات الزواج تنهال على فتاة سودانية عقب تغريدة مازحة على صفحتها    عثروا عليها بعد (77) عاما.. قصة الطائرة الأميركية "الغامضة"    منتدي علي كيفك للتعبير بالفنون يحي ذكري مصطفي ومحمود    صوت أسرار بابكر يصدح بالغناء بعد عقد من السكون    بعد القلب… زرع كلية خنزير في جسد إنسان لأول مرة    الرحلة التجريبية الأولى للسيارة الطائرة المستقبلية "فولار"    بعد نجاح زراعة قلب خنزير في إنسان.. خطوة جديدة غير مسبوقة    التفاصيل الكاملة لسقوط شبكة إجرامية خطيرة في قبضة الشرطة    ضبط أكثر من (8) آلاف حبة كبتاجون (خرشة)    الفاتح جبرا
 يكتب: وللا الجن الأحمر    القبض على شبكة إجرامية متخصصة في تزييف العملات وسرقة اللوحات المرورية    الدفاع المدني يخلي عمارة سكنية بعد ميلانها وتصدعها شرق الخرطوم    تأجيل تشغيل شبكات ال5G بالمطارات بعد تحذير من عواقب وخيمة    اعتداء المليشيات الحوثية على دولة الإمارات العربية ..!!    في الذكرى التاسعة لرحيل الأسطورة محمود عبد العزيز….أبقوا الصمود    مجلس الشباب ومنظمة بحر أبيض يحتفلان بذكري الاستقلال    طه مدثر يكتب: لا يلدغ المؤمن من جحر العسكر مرتين    حيدر المكاشفي يكتب: الانتخابات المبكرة..قميص عثمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مطالعة في كتاب: "العادات المتغيرة في السودان النيلي" لعبد الله الطيب .. بقلم: د. خالد محمد فرح
نشر في سودانيل يوم 12 - 01 - 2013

مطالعة في كتاب: "العادات المتغيرة في السودان النيلي" لعبد الله الطيب وترجمته إلى العربية (2)
[email protected]
جاء هذا الكتاب في مجمله ، أي بنصيه الإنجليزي الأصلي ، والآخر المترجم إلى العربية ، في 247 صفحة من القطع الصغير. وقد قام بمراجعة الترجمة الأستاذان الجليلان: بروفيسور سيد حامد حريز ، وبروفيسور محمد المهدي بشرى. وكلاهما عالم لا يشق له غبار في مجال الفولكلور الذي هو الموضوع الأساس لهذا المصنف.
وقد أحسن ناشرو هذا الكتاب بأن عهدوا إلى هذين العالمين الاختصاصيين بمراجعة ترجمته إلى اللغة العربية ، ولا نشك في أنهما قد قاما بما طُلب إليهما فعله في هذا الجانب خير قيام. على أنّ إشراك شخص متعلم ومستنير ، ينتمي إلى منطقة المؤلف ذاتها ، أي مدينة الدامر أو أحوازها ، ويحبّذ أن يكون من أتراب عبد الله الطيب ، أو من يصغرونه قليلاً من أبناء جيله ، في الاطلاع على مسودة الترجمة إلى العربية ، من أجل المساعدة خصيصاً على ضبط صحة رسم بعض الألفاظ والمصطلحات والنصوص ، المتعلقة ببعض الممارسات والأغنيات والألعاب التي كانت سائدة في تلك المنطقة في ذلك العهد ، كان من شأنه أن يساعد على نحو أوثق في إحكام ترجمة هذا العمل ، التي لا يمكن إلاّ أن نصفها بأنها ترجمة أمينة وممتازة بكل تأكيد.
لاحظنا بعض الأخطاء الطباعية في رسم بعض الألفاظ في النص الأصلي بالانجليزية ذاته ، ربما يعود للشخص الراقن الذي صفّ النص ابتداءً للطباعة كما قرأه ، أو كما تراءى له ، وذلك دون أن تُتاح الفرصة – فيما يبدو – للمؤلف نفسه لمراجعته مراجعةً نهائية قبل الطباعة والنشر.
فهنالك على سبيل المثال خطاُ قد ورد في صفحة (9) من النص الأصلي في هجاء كلمة "حوش" بمعنى: الفناء المسوّر للدار أو المنزل ، إذ أنها رسمت: (bosh) بالحرف (b) بدلاً من (hosh) بالحرف (h).
كذلك نحسب أن هنالك خطاً طباعياً قد اعترى رسم كلمة (لقيمات) ، هذه الحلواء ، أو هذه المعجنات السودانية التقليدية الحلوة ، بالحروف اللاتينية في النص الإنجليزي ، إذ أنها قد أثبتت في أكثر من موضع هكذا: Ligayma على التصغير والإفراد ( راجع الصفحتين 92 و93 ) ، وليس Ligaymat بإضافة الحرف (T) في آخره ، بما يفيد الجمع مع التصغير والتأنيث. على أن هذا الخطأ الطباعي قد استدرك لاحقا فيما يبدو ، حيث أثبتت هذه الكلمة في صفحة 119 هكذا: ligaimat.
وفي ظننا أيضاً ، أنه ربما كانت هنالك أخطاء مطبعية ما قد اعترت رسم أسماء اثنين من ألعاب الطفولة ورد ذكرها في صفحة 37 من النص الأصلي ، مما جعل أمر تعريبهما ، أو بالأحرى سودنتهما عسيرة نوعا ما على المترجم ، وفهم مدلولهما صعباً ربما على الكثيرين من القراء ومن بينهم كاتب هذه السطور ، ألا وهما اللعبة التي رسم اسمها بالحروف اللاتينية هكذا: maddu التي ترجمها المترجم ب " مادوا " وهي لعبة لم نهتد لماهيتها قط ، أما الكلمة الثانية فهي كلمة رسمت هكذا: faddat التي ترجمها الأستاذ العجيل ب " فضت " وشرحها ب" صيد الكشتبان " ، فلم يزدد معناها إلا بعدا.
بخصوص الطقوس والعادات المرتبطة ب "جرتق" المرأة الحامل ، ينبغي أن ينبه إلى أنه في بعض مناطق السودان ، هنالك طقوس استثنائية وفوق العادة تُخص بها المرأة الحامل في حملها الأول تحديداً بعد الزواج كما علمنا ، وخصوصاً بعد إتمام حملها سبعة أشهر ، حيث تقام لها ما يسمى ب " كرامة السبعة شهور " مرة واحدة فقط طيلة حياتها الزوجية. وعندئذ تجرى لها سائر الطقوس التي ذكرها المؤلف ، ويتم تزيينها ، ويشاك شعرها بمسلة طويلة طرفها مدبب وغير جارح من الفضة ، ويربط معها خيوط من الحرير الأحمر. فلعل ذلك لم يكن معمولا به في منطقة المؤلف. أما باقي المحظورات أو التابوهات المذكورة بالنسبة لها ولزوجها ، والتي يؤدي ارتكابها إلى ما يسمى ب " المشاهرة " كما أوضحها المؤلف ، فلا ندري إن كانت تخص الحمل الأول فقط ، أم أنها تمضي مع أي حمل كان.
أما محاولة عبد الله الطيب تخريج مفردة "جرتق" التي تأتي في العامية السودانية بمعنى: عملية التزيين الطقسي للعريس والعروس والصبي المختون والنفساء ، بردها إلى العربية عن طريق مقابلتها بكلمة " دردق " الفصيحة التي قال إنها تعني: الصغار من الناس والحيوان في العربية ، فلربما نظر إليها البعض على أنها محاولة تنم عن( إيديلوجية) البروف العروبية المعروفة ، عند نظرته ومقاربته لمجمل خصائص التراث السوداني ومكوناته. على أن الشائع فيما يتعلق بتأثيل هذه اللفظة على كل حال ، أنها كلمة أصيلة وسائرة في اللغة النوبية.
وصف عبد الله الطيب عجينة تدليك البشرة أو " الدّلكة " في صفحة 12 ، بأنها: scented bread أي " خبز معطّر ". وفي اعتقادنا أن الدّلكة التي هي بالأحرى: عجين دقيق الذرة المعطّر ، قد يقابلها التعبير الانجليزي: scented dough of dura flour . على أن المؤلف نفسه قد استخدم كلمة dough أي: عجين ، لوصف هذا المستحضر التجميلي السوداني التقليدي نفسه في موضع آخر. ولكن ، هل كلمة Dura أي: ذرة رفيعة ، أو " عيش " كما يسمى في السودان ، والتي ربما كانت معروفة بالنسبة للإنجليز أو الأوروبيين عموماً الذين كانوا يلمون بالسودان في السابق ، معروفة لكافة المتحدثين بالإنجليزية في كافة أنحاء العالم ؟ ألم يكن من المستحسن لو أنه شفعها بكلمة Sorghum للمزيد من الشرح والإيضاح ؟.
أورد المؤلف في معرض حديثه عن ضروب الأدعية والابتهالات المنظومة والمسجوعة التي كانت ترددها النساء اللائي يحضرن عملية الولادة ، طلباً لنجاة الأم ووليدها ، ولعله قد فات عليه أن يذكر من بين تلك الدعوات والاستغاثات ، ما تردده المرأة المعنية نفسها من جراء آلام المخاض ، من عبارات (جزع) تقليدية ، هي أشبه بالإكليشيهات من قبيل: " الله ليْ .. الله ليْ " ، وما جرى بمجراها. أما فيما يتعلق بال Afterbirth التي هي المشيمة ، والتي ذكرها المؤلف في النص الأصلي ، مشيراً إلى الطقوس المتبعة تقليدياً في التعامل معها ، فهي التي تسمى في العامية السودانية ب " التبيعة " كما أوضح المؤلف ، وقد تسمى " الخلاسة " أي: الخلاصة بصيرورة الصاد سيناً في بعض المناطق أيضا.
قال عبد الله الطيب إن "كرامة" وضوع النفساء تسمى " الحُلاّلة " بحاء مضمومة ولام ألف مشددة مفتوحة. وهذا منطقي وجائز ، إذ كأنها مشتقة من الفعل اللازم: " انحلّتْ " المرأة الحامل ، بمعنى أنها " تحللت وانفكت وسلمت " من مخاطر النفاس. ولكن الذي عندنا أنها تسمى: " الحُرّارة " بالراء عوضاً عن اللام ولكن بنفس الوزن. وهكذا أثبتها العلامة عون الشريف في قاموس اللهجة العامية في السودان. ومن خصائصها أن الذكور يبغي ألا يأكلوا منها ولوا كانوا أطفالا صغارا ، فهي خالصة للإناث من دونهم. ومن ذلك ما كانت تحكيه لنا الوالدة أمد الله في أيامها ، في معرض سردها لنا لقصة " أولاد فتر " الصناديد ، واستهانتهم الباسلة بحكم الإعدام في عهد التركية السابقة:
أولاد فترة الشطارة
الما بياكلوا الحُرّارة
إلا مِرَّاً في الحلوق يتجارى
وفي معرض ذكره لأنواع الهدايا التي كانت تُحبى بها القابلة التقليدية " الداية " ، بعد إنجازها مهمتها بسلام ، قال عبد الله الطيب أن قابلات المدن صرن يطالبن في وقت تأليفه لتلك المقالات ، أي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ، صرن يطالبن بالسجاير إلى جانب النقود والهدايا العينية الأخرى. وهاهنا تطل مرة أخرى روح البروف الفكهة. إذ أن ذكره للسجاير في هذا السياق بالذات ، فيه تعريض ضمني بقابلات المدن في ذلك الوقت عموماً ، وربما ام درمان خصوصا ، لأنه يشي بوصفهن في مقابل " دايات " القرى المسكينات ، بنوع من الليبرالية ، والتحرر ، والانطلاق ، بل قل "الانطلاقة" نفسها.
من عالم الطيوب والبخور والزينة التقليدية في السودان ، اختار عبد الله الطيب الكلمة الإنجليزية Thurbile للدلالة على: (المبخر) أو المجمرة التي يحرق فيها الطيب والبخور ، وهي كلمة من الانجليزية العتيقة ، وتستعمل عادة للدلالة على مباخر الكنائس ، بينما هنالك في الإنجليزية المعاصرة عبارة بسيطة ومباشرة للدلالة على هذه الآلة هي: Incense burner.
في باب تسمية المولود ، قال عبد الله الطيب إن البنت التي تولد بعد طفل ذكر مات قبلها ، تسمى " عطيّة " ، وهذا من الغريب في نظرنا ، لأنّ عطية اسم علم يطلق عادة على الذكور ، وهو اسم مصري أكثر منه سوداني الأصل على كل حال ، وربما كان الاسم (عطية الله ) الذي يطلق عادة على الذكور ، أكثر سودانية منه. فهل قصد المؤلف " عوضية " وصحفها الراقن إلى "عطية" ؟.. لا بل والله إنما هي "عطية" ، لأنه شرحها بكلمة : (Gift) الإنجليزية بين قوسين بما لا يدع مجالاً للشك أو الالتباس ، ولم يشرحها ب Consolation كما فعل مع اسم (عوض). ويزيدنا البروف من علمه موضحاً بأن الاسم العلم الانجليزي الذي يقابل اسم (عطية) هو Dorothy .
هنا تذكرت أن الفنانة الكوميدية الراحلة "سناء يونس" ، كانت قد مثلّت في مسرحية: " هالة حبيبتي " ، من بطولة الأستاذ: "فؤاد المهندس" ، دور مشرفة عانس في ملجأ للأيتام اسمها: " عطية ". فهذه من تلك.
ذكر المؤلف في صفحة 41 ، في معرض حديثه عن ألعاب الأطفال ، وخصوصاً الأولاد ، لعبة "حريّنا" ، ولكنه لم يذكر اسمها الثاني ، رغم شيوعه وانتشاره في مناطق كثيرة من السودان ، ألا وهو: " شَدّتْ ". قلت: لعلهم لم يكونوا يعرفونها بهذا الاسم في الدامر في ذلك العهد. على أنه ما يزال في نفسي شيء من الكلمة التي رسمت بالحروف اللاتينية هكذا faddat ومر ذكرها والتعليق عليها من قبل في معرض ألعاب الأطفال التي أشار إليها عبد الله الطيب. فهل المقصود منها هي Shaddat أي: شَدّتْ نفسها ، وحدث تحريف أو تصحيف في أول الكلمة ؟.
نؤيد ما ذهب إليه المؤلف من ترجيحه في صفحة 47 بأن تكون لعبة " الثعلب فات " قد جاءت إلى السودان من مصر. وذلك لأن بعض الألفاظ المستخدمة فيها ليست سودانية الأصل ابتداءً من كلمة الثعلب نفسها ، لأن هذا الحيوان يعرف في العامية السودانية ب " البعشوم " ، وما عرفه السودانيون بهذا الاسم الفصيح إلا بعد انتشار المدارس والتعليم النظامي. كذلك يحتوي الغناء الذي يصاحب هذه اللعبة على ألفاظ تدل على الحضارة والمدنية المجلوبة مثل:" الهون ضرب التلفون " و " العسكر واقف طابور ". الخ.. على أن أطفال كردفان خاصة قد سودنوا كلمة " ديلو " المصرية ، بل " كردفوها " فقالوا: " في ضيلو سبعة لفات " ، ذلك بأنهم يقولون في " ذيل " الفصيحة " ضيل " ، إذا قال غيرهم في مناطق أخرى من السودان: (ضنب) في: " ذنب " !. ولا شك أن الذيل والذنب هما مسميان لاسم واحد.
جاء في صفحة 49 من النص الأصلي الإنجليزي ، أن " أم قيردون ": هو طائر أخضر صغير " ، بينما أن " أم قيردون " التي نعرفها هي رمادية اللون Grey وليست Green كما هو مثبت. فهل يا ترى حدث تصحيف ما في رسم هذه الكلمة ؟.
في معرض حديثه عن طحن الغلال لتجهيز الطعام ، أشار المؤلف إلى أن أهل شمال السودان إنما كانوا يعرفون " المُرحاكة " ، أي تلك الرحى الحجرية الساذجة التي ظلت تستخدم في درس الحبوب منذ عهد الإنسان الأول ، ولم يكونوا يعرفون ذلك الهون الخشبي الكبير أو " الفُنْدُك " الذي يستخدمه من أسماهم المؤلف بسكان نيجيريا المسلمة Muslim Nigeria على حد تعبيره. وكأني بالمؤلف ، تحرُّزاً من أي حرج أو ملامة ، قد كره أن يقول: " الفلاتة " كما يقول عامة السودانيين في مثل هذا السياق. ومن ذلك قولهم: " فندك فلاتة أب كرعيناً تلاتة ". على أن هذه الطريقة في معالجة الغلال ، ليست قاصرة على مسلمي نيجيريا وحدهم ، وعليه ربما كان من المناسب أن يقول البروف: Muslim West Africa التي قد تمتد من تشاد وحتى المحيط الأطلسي.
كذلك لاحظنا أن المؤلف لم يشرح كلمة " فندك " بالانجليزية ، وإنما اكتفى برسم الاسم بالحروف اللاتينية هكذا: “ funduk “ ، وقد كان بوسعه أن يقول مثلا: Big wooden mortar ، خصوصاً وأن عبارة Mortar and pestle هي من العبارات السائرة في الانجليزية.
كنا ننتظر تخريجاً لغويا مستفيضاً من البروف لكلمة (مُلاح) السودانية العتيدة والأصيلة التي تأتي في معنى: " ما يُؤتدم أو يُصطبغ به " في الفصيح. ولكنه لم يشأ أن يفعل ذلك ، فلعله قد اعتبر أن اشتقاقها العربي ، كأن تكون مأخوذة من " المِلح " أو من " الملاحة " مثلاً ، أمراً مفروغاً عنه أو من البديهيات.
في صفحة 87 ترجم المؤلف صفة ملاح "أم رقيقة " حرفياً بعبارة: The mother of delicacy ، وفي تقديري أن المقصود برقة (أم رقيقة) هاهنا ، ليست الرقة المعنوية أو المجازية بمعنى ( اللطافة والحلاوة ) اللتان تُستفادان من كلمة delicacy الانجليزية التي اقترحها عبد الله الطيب ، وإنما المقصود في نظرنا أن رقة (أم رقيقة) هي رقة حقيقية ، والمراد هو أن قوامها رقيق وخفيف ، وليس ثخيناً كقوام ملاح " التقليّة " مثلا. يُضاف إلى ذلك أن العامية السودانية لم تكن تعرف " الرقة " المعنوية هذه في السابق ، ولم تعرفها إلا مؤخرا مع المدارس والتعليم والشعر ، وخصوصاً الغنائي منه الذي جعلت تشيع فيه عبارات مثل: " شعور رقيقة " ، و" رقة مشاعري " و " رقة إحساسي " الخ.. وتأسيساً على ذلك ، ينبغي ترجمة " أم رقيقة " بعبارة: The mother of thinness.
اختار عبد الله الطيب الكلمة الانجليزية Goulash للتعبير عن (الطبيخ) ، أو (الدمعة) المصنوعة من خليط من اللحم والخضروات والصلصة والتوابل المطهوة معا. والحق أن كلمة Goulash تفيد ذلك ، ولكن القُّلاش فيه بالضرورة عنصراً ثابتاً من المعجّنات مثل المكرونة والاسباقيتي واللازانيا وما إلى ذلك ( انظر صورة القلاش وتعريفه في موسوعة ويكيبيديا بالانترنت ). وقد صارت قلاش هذه تعني بأخرة: تلك الرقائق المصنوعة من الدقيق (الفينو) التي تصنع منها بعض الحلويات مثل: " الباسطة " ، و " أم علي " وغيرهما. ولذلك ، لا أدري لمَ لمْ يختر البروف كلمة Stew التي تعني بالضبط (الملاح) أو (الدمعة) أو (الطبيخ) على النحو الذي مضى وصفه.
ونود أن نختم هذا الجزء من المقال بالتعليق على ما جاء في كتاب البروف عبد الله الطيب عن الزوج وطقوسه ، وخصوصاً ما يصاحبها من أهازيج وأغاني. فنقول تعقيبا على تحشية البروف على بعض أغاني السيرة التقليدية ، والمكايدات الطريفة والممازحات التي تكون بين أهل العريس وأهل العريس ، والمقابلة بينها وبعض مما جاء في السيرة مثل قولهم:
أم العريس جينا ليكي
وجبنا الدهب لى نضم الشبيكي
التي أوشك أن يقابل بينها وبين قول الأوائل دون أن يورد النص:
أتيناكم.. أتيناكم
فحيونا نحييكم
ولولا الحنطة السمراء من سمِنتْ عذاراكُم
ولعمري إن عبارة "سمنت عذاراكم " هذه تنطوي على إشارة " إيروسية " موحية بمضمونها ، وهي قطعاً أشبه بجو العرس . ولعلها تذكر ببعض الأغاني السودانية المتأخرة في هذا الباب ، والتي رغم ابتذالها في نظر البعض ، إلاّ أن لها دوراً وظيفياً مهماً في تلك المناسبة فيما يبدو.
وبهذه المناسبة لاحظت أن عبد الله الطيب لم يشر إلى عادة حبس العروس وتسمينها قبل الزواج ، بما في ذلك إرغامها على تناول أطعمة بعينها ، لعل من أشهرها ما يسمى بشراب " الموص " النشوي المغذي. أم إن تلك أيضاً هي من ابتداعات ثقافة أم درمان ، وليست ممارسة قديمة ؟.
وختاماً قال عبد الله الطيب في صفحة 99 ، إن بعض الناس في بلاد النوبة بشمال السودان ، يتذكرون في أثناء العرس أقرباءهم الذين ماتوا ، ويبكون ويأسفون لأنهم لم يحضروا مناسبة الزواج. ويذكرنا هذا بكل تأكيد بما صنعه (الزين) في رواية "عرس الزين" للطيب صالح ، وذلك عندما اختفى الزين فجأة من حفل زفافه ، وتم العثور عليه بعد بحث شديد داخل مقبرة القرية ، وهو منكفئ فوق قبر الشيخ (الحنين) ، وهو يبكي بحرقة والتياع لغياب شيخه وأبيه الروحي عن ذلك العرس الأسطوري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.