السفير السعودي لدى السودان يعلن خطة المملكة لإعادة إعمار ستة مستشفيات في السودان    مليشيا الدعم السريع تكرر هجومها صباح اليوم على مدينة النهود    منتخب الشباب يختتم تحضيراته وبعثته تغادر فجرا الى عسلاية    اشراقة بطلاً لكاس السوبر بالقضارف    المريخ يواصل تحضيراته للقاء انتر نواكشوط    شاهد بالفيديو.. رئيس مجلس السيادة: (بعض الوزراء الواحد فيهم بفتكر الوزارة حقته جاب خاله وإبن أخته وحبوبته ومنحهم وظائف)    الحسم يتأجل.. 6 أهداف ترسم قمة مجنونة بين برشلونة وإنتر    شاهد بالفيديو.. رئيس مجلس السيادة: (بعض الوزراء الواحد فيهم بفتكر الوزارة حقته جاب خاله وإبن أخته وحبوبته ومنحهم وظائف)    شاهد بالصور والفيديو.. على أنغام الفنانة توتة عذاب.. عروس الوسط الفني المطربة آسيا بنة تخطف الأضواء في "جرتق" زواجها    المجد لثورة ديسمبر الخالدة وللساتك    بالصورة.. ممثلة سودانية حسناء تدعم "البرهان" وثير غضب "القحاتة": (المجد للبندقية تاني لا لساتك لا تتريس لا كلام فاضي)    المجد للثورة لا للبندقية: حين يفضح البرهان نفسه ويتعرّى المشروع الدموي    استئناف العمل بمحطة مياه سوبا وتحسين إمدادات المياه في الخرطوم    الناطق الرسمي للقوات المسلحة : الإمارات تحاول الآن ذر الرماد في العيون وتختلق التُّهم الباطلة    هيئة مياه الخرطوم تعلن عن خطوة مهمة    قرار بتعيين وزراء في السودان    د.ابراهيم الصديق على يكتب: *القبض على قوش بالامارات: حيلة قصيرة…    هل أصبح أنشيلوتي قريباً من الهلال السعودي؟    باكستان تعلن إسقاط مسيَّرة هنديَّة خلال ليلة خامسة من المناوشات    جديد الإيجارات في مصر.. خبراء يكشفون مصير المستأجرين    ترامب: بوتين تخلى عن حلمه ويريد السلام    باريس سان جيرمان يُسقط آرسنال بهدف في لندن    إيقاف مدافع ريال مدريد روديغر 6 مباريات    تجدد شكاوى المواطنين من سحب مبالغ مالية من تطبيق (بنكك)    ما حكم الدعاء بعد القراءة وقبل الركوع في الصلاة؟    عركي وفرفور وطه سليمان.. فنانون سودانيون أمام محكمة السوشيال ميديا    صلاح.. أعظم هداف أجنبي في تاريخ الدوري الإنجليزي    تعاون بين الجزيرة والفاو لإصلاح القطاع الزراعي وإعادة الإعمار    قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ؟!    الكشف عن بشريات بشأن التيار الكهربائي للولاية للشمالية    ترامب: يجب السماح للسفن الأمريكية بالمرور مجاناً عبر قناتي السويس وبنما    كهرباء السودان توضح بشأن قطوعات التيار في ولايتين    تبادل جديد لإطلاق النار بين الهند وباكستان    علي طريقة محمد رمضان طه سليمان يثير الجدل في اغنيته الجديده "سوداني كياني"    دراسة: البروتين النباتي سر الحياة الطويلة    خبير الزلازل الهولندي يعلّق على زلزال تركيا    في حضرة الجراح: إستعادة التوازن الممكن    التحقيقات تكشف تفاصيل صادمة في قضية الإعلامية سارة خليفة    المريخ يخلد ذكري الراحل الاسطورة حامد بربمة    ألا تبا، لوجهي الغريب؟!    الجيش يشن غارات جوية على «بارا» وسقوط عشرات الضحايا    حملة لمكافحة الجريمة وإزالة الظواهر السالبة في مدينة بورتسودان    وزير المالية يرأس وفد السودان المشارك في إجتماعات الربيع بواشنطن    شندي تحتاج لعمل كبير… بطلوا ثرثرة فوق النيل!!!!!    ارتفاع التضخم في السودان    بلاش معجون ولا ثلج.. تعملي إيه لو جلدك اتعرض لحروق الزيت فى المطبخ    انتشار مرض "الغدة الدرقية" في دارفور يثير المخاوف    مستشفى الكدرو بالخرطوم بحري يستعد لاستقبال المرضى قريبًا    "مثلث الموت".. عادة يومية بريئة قد تنتهي بك في المستشفى    وفاة اللاعب أرون بوبيندزا في حادثة مأساوية    5 وفيات و19 مصابا في حريق "برج النهدة" بالشارقة    عضو وفد الحكومة السودانية يكشف ل "المحقق" ما دار في الكواليس: بيان محكمة العدل الدولية لم يصدر    ضبط عربة بوكس مستوبيشي بالحاج يوسف وعدد 3 مركبات ZY مسروقة وتوقف متهمين    الدفاع المدني ولاية الجزيرة يسيطر علي حريق باحدي المخازن الملحقة بنادي الاتحاد والمباني المجاورة    حسين خوجلي يكتب: نتنياهو وترامب يفعلان هذا اتعرفون لماذا؟    من حكمته تعالي أن جعل اختلاف ألسنتهم وألوانهم آيةً من آياته الباهرة    بعد سؤال الفنان حمزة العليلي .. الإفتاء: المسافر من السعودية إلى مصر غدا لا يجب عليه الصيام    بيان مجمع الفقه الإسلامي حول القدر الواجب إخراجه في زكاة الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مطالعة في كتاب: "العادات المتغيرة في السودان النيلي" لعبد الله الطيب .. بقلم: د. خالد محمد فرح
نشر في سودانيل يوم 12 - 01 - 2013

مطالعة في كتاب: "العادات المتغيرة في السودان النيلي" لعبد الله الطيب وترجمته إلى العربية (2)
[email protected]
جاء هذا الكتاب في مجمله ، أي بنصيه الإنجليزي الأصلي ، والآخر المترجم إلى العربية ، في 247 صفحة من القطع الصغير. وقد قام بمراجعة الترجمة الأستاذان الجليلان: بروفيسور سيد حامد حريز ، وبروفيسور محمد المهدي بشرى. وكلاهما عالم لا يشق له غبار في مجال الفولكلور الذي هو الموضوع الأساس لهذا المصنف.
وقد أحسن ناشرو هذا الكتاب بأن عهدوا إلى هذين العالمين الاختصاصيين بمراجعة ترجمته إلى اللغة العربية ، ولا نشك في أنهما قد قاما بما طُلب إليهما فعله في هذا الجانب خير قيام. على أنّ إشراك شخص متعلم ومستنير ، ينتمي إلى منطقة المؤلف ذاتها ، أي مدينة الدامر أو أحوازها ، ويحبّذ أن يكون من أتراب عبد الله الطيب ، أو من يصغرونه قليلاً من أبناء جيله ، في الاطلاع على مسودة الترجمة إلى العربية ، من أجل المساعدة خصيصاً على ضبط صحة رسم بعض الألفاظ والمصطلحات والنصوص ، المتعلقة ببعض الممارسات والأغنيات والألعاب التي كانت سائدة في تلك المنطقة في ذلك العهد ، كان من شأنه أن يساعد على نحو أوثق في إحكام ترجمة هذا العمل ، التي لا يمكن إلاّ أن نصفها بأنها ترجمة أمينة وممتازة بكل تأكيد.
لاحظنا بعض الأخطاء الطباعية في رسم بعض الألفاظ في النص الأصلي بالانجليزية ذاته ، ربما يعود للشخص الراقن الذي صفّ النص ابتداءً للطباعة كما قرأه ، أو كما تراءى له ، وذلك دون أن تُتاح الفرصة – فيما يبدو – للمؤلف نفسه لمراجعته مراجعةً نهائية قبل الطباعة والنشر.
فهنالك على سبيل المثال خطاُ قد ورد في صفحة (9) من النص الأصلي في هجاء كلمة "حوش" بمعنى: الفناء المسوّر للدار أو المنزل ، إذ أنها رسمت: (bosh) بالحرف (b) بدلاً من (hosh) بالحرف (h).
كذلك نحسب أن هنالك خطاً طباعياً قد اعترى رسم كلمة (لقيمات) ، هذه الحلواء ، أو هذه المعجنات السودانية التقليدية الحلوة ، بالحروف اللاتينية في النص الإنجليزي ، إذ أنها قد أثبتت في أكثر من موضع هكذا: Ligayma على التصغير والإفراد ( راجع الصفحتين 92 و93 ) ، وليس Ligaymat بإضافة الحرف (T) في آخره ، بما يفيد الجمع مع التصغير والتأنيث. على أن هذا الخطأ الطباعي قد استدرك لاحقا فيما يبدو ، حيث أثبتت هذه الكلمة في صفحة 119 هكذا: ligaimat.
وفي ظننا أيضاً ، أنه ربما كانت هنالك أخطاء مطبعية ما قد اعترت رسم أسماء اثنين من ألعاب الطفولة ورد ذكرها في صفحة 37 من النص الأصلي ، مما جعل أمر تعريبهما ، أو بالأحرى سودنتهما عسيرة نوعا ما على المترجم ، وفهم مدلولهما صعباً ربما على الكثيرين من القراء ومن بينهم كاتب هذه السطور ، ألا وهما اللعبة التي رسم اسمها بالحروف اللاتينية هكذا: maddu التي ترجمها المترجم ب " مادوا " وهي لعبة لم نهتد لماهيتها قط ، أما الكلمة الثانية فهي كلمة رسمت هكذا: faddat التي ترجمها الأستاذ العجيل ب " فضت " وشرحها ب" صيد الكشتبان " ، فلم يزدد معناها إلا بعدا.
بخصوص الطقوس والعادات المرتبطة ب "جرتق" المرأة الحامل ، ينبغي أن ينبه إلى أنه في بعض مناطق السودان ، هنالك طقوس استثنائية وفوق العادة تُخص بها المرأة الحامل في حملها الأول تحديداً بعد الزواج كما علمنا ، وخصوصاً بعد إتمام حملها سبعة أشهر ، حيث تقام لها ما يسمى ب " كرامة السبعة شهور " مرة واحدة فقط طيلة حياتها الزوجية. وعندئذ تجرى لها سائر الطقوس التي ذكرها المؤلف ، ويتم تزيينها ، ويشاك شعرها بمسلة طويلة طرفها مدبب وغير جارح من الفضة ، ويربط معها خيوط من الحرير الأحمر. فلعل ذلك لم يكن معمولا به في منطقة المؤلف. أما باقي المحظورات أو التابوهات المذكورة بالنسبة لها ولزوجها ، والتي يؤدي ارتكابها إلى ما يسمى ب " المشاهرة " كما أوضحها المؤلف ، فلا ندري إن كانت تخص الحمل الأول فقط ، أم أنها تمضي مع أي حمل كان.
أما محاولة عبد الله الطيب تخريج مفردة "جرتق" التي تأتي في العامية السودانية بمعنى: عملية التزيين الطقسي للعريس والعروس والصبي المختون والنفساء ، بردها إلى العربية عن طريق مقابلتها بكلمة " دردق " الفصيحة التي قال إنها تعني: الصغار من الناس والحيوان في العربية ، فلربما نظر إليها البعض على أنها محاولة تنم عن( إيديلوجية) البروف العروبية المعروفة ، عند نظرته ومقاربته لمجمل خصائص التراث السوداني ومكوناته. على أن الشائع فيما يتعلق بتأثيل هذه اللفظة على كل حال ، أنها كلمة أصيلة وسائرة في اللغة النوبية.
وصف عبد الله الطيب عجينة تدليك البشرة أو " الدّلكة " في صفحة 12 ، بأنها: scented bread أي " خبز معطّر ". وفي اعتقادنا أن الدّلكة التي هي بالأحرى: عجين دقيق الذرة المعطّر ، قد يقابلها التعبير الانجليزي: scented dough of dura flour . على أن المؤلف نفسه قد استخدم كلمة dough أي: عجين ، لوصف هذا المستحضر التجميلي السوداني التقليدي نفسه في موضع آخر. ولكن ، هل كلمة Dura أي: ذرة رفيعة ، أو " عيش " كما يسمى في السودان ، والتي ربما كانت معروفة بالنسبة للإنجليز أو الأوروبيين عموماً الذين كانوا يلمون بالسودان في السابق ، معروفة لكافة المتحدثين بالإنجليزية في كافة أنحاء العالم ؟ ألم يكن من المستحسن لو أنه شفعها بكلمة Sorghum للمزيد من الشرح والإيضاح ؟.
أورد المؤلف في معرض حديثه عن ضروب الأدعية والابتهالات المنظومة والمسجوعة التي كانت ترددها النساء اللائي يحضرن عملية الولادة ، طلباً لنجاة الأم ووليدها ، ولعله قد فات عليه أن يذكر من بين تلك الدعوات والاستغاثات ، ما تردده المرأة المعنية نفسها من جراء آلام المخاض ، من عبارات (جزع) تقليدية ، هي أشبه بالإكليشيهات من قبيل: " الله ليْ .. الله ليْ " ، وما جرى بمجراها. أما فيما يتعلق بال Afterbirth التي هي المشيمة ، والتي ذكرها المؤلف في النص الأصلي ، مشيراً إلى الطقوس المتبعة تقليدياً في التعامل معها ، فهي التي تسمى في العامية السودانية ب " التبيعة " كما أوضح المؤلف ، وقد تسمى " الخلاسة " أي: الخلاصة بصيرورة الصاد سيناً في بعض المناطق أيضا.
قال عبد الله الطيب إن "كرامة" وضوع النفساء تسمى " الحُلاّلة " بحاء مضمومة ولام ألف مشددة مفتوحة. وهذا منطقي وجائز ، إذ كأنها مشتقة من الفعل اللازم: " انحلّتْ " المرأة الحامل ، بمعنى أنها " تحللت وانفكت وسلمت " من مخاطر النفاس. ولكن الذي عندنا أنها تسمى: " الحُرّارة " بالراء عوضاً عن اللام ولكن بنفس الوزن. وهكذا أثبتها العلامة عون الشريف في قاموس اللهجة العامية في السودان. ومن خصائصها أن الذكور يبغي ألا يأكلوا منها ولوا كانوا أطفالا صغارا ، فهي خالصة للإناث من دونهم. ومن ذلك ما كانت تحكيه لنا الوالدة أمد الله في أيامها ، في معرض سردها لنا لقصة " أولاد فتر " الصناديد ، واستهانتهم الباسلة بحكم الإعدام في عهد التركية السابقة:
أولاد فترة الشطارة
الما بياكلوا الحُرّارة
إلا مِرَّاً في الحلوق يتجارى
وفي معرض ذكره لأنواع الهدايا التي كانت تُحبى بها القابلة التقليدية " الداية " ، بعد إنجازها مهمتها بسلام ، قال عبد الله الطيب أن قابلات المدن صرن يطالبن في وقت تأليفه لتلك المقالات ، أي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي ، صرن يطالبن بالسجاير إلى جانب النقود والهدايا العينية الأخرى. وهاهنا تطل مرة أخرى روح البروف الفكهة. إذ أن ذكره للسجاير في هذا السياق بالذات ، فيه تعريض ضمني بقابلات المدن في ذلك الوقت عموماً ، وربما ام درمان خصوصا ، لأنه يشي بوصفهن في مقابل " دايات " القرى المسكينات ، بنوع من الليبرالية ، والتحرر ، والانطلاق ، بل قل "الانطلاقة" نفسها.
من عالم الطيوب والبخور والزينة التقليدية في السودان ، اختار عبد الله الطيب الكلمة الإنجليزية Thurbile للدلالة على: (المبخر) أو المجمرة التي يحرق فيها الطيب والبخور ، وهي كلمة من الانجليزية العتيقة ، وتستعمل عادة للدلالة على مباخر الكنائس ، بينما هنالك في الإنجليزية المعاصرة عبارة بسيطة ومباشرة للدلالة على هذه الآلة هي: Incense burner.
في باب تسمية المولود ، قال عبد الله الطيب إن البنت التي تولد بعد طفل ذكر مات قبلها ، تسمى " عطيّة " ، وهذا من الغريب في نظرنا ، لأنّ عطية اسم علم يطلق عادة على الذكور ، وهو اسم مصري أكثر منه سوداني الأصل على كل حال ، وربما كان الاسم (عطية الله ) الذي يطلق عادة على الذكور ، أكثر سودانية منه. فهل قصد المؤلف " عوضية " وصحفها الراقن إلى "عطية" ؟.. لا بل والله إنما هي "عطية" ، لأنه شرحها بكلمة : (Gift) الإنجليزية بين قوسين بما لا يدع مجالاً للشك أو الالتباس ، ولم يشرحها ب Consolation كما فعل مع اسم (عوض). ويزيدنا البروف من علمه موضحاً بأن الاسم العلم الانجليزي الذي يقابل اسم (عطية) هو Dorothy .
هنا تذكرت أن الفنانة الكوميدية الراحلة "سناء يونس" ، كانت قد مثلّت في مسرحية: " هالة حبيبتي " ، من بطولة الأستاذ: "فؤاد المهندس" ، دور مشرفة عانس في ملجأ للأيتام اسمها: " عطية ". فهذه من تلك.
ذكر المؤلف في صفحة 41 ، في معرض حديثه عن ألعاب الأطفال ، وخصوصاً الأولاد ، لعبة "حريّنا" ، ولكنه لم يذكر اسمها الثاني ، رغم شيوعه وانتشاره في مناطق كثيرة من السودان ، ألا وهو: " شَدّتْ ". قلت: لعلهم لم يكونوا يعرفونها بهذا الاسم في الدامر في ذلك العهد. على أنه ما يزال في نفسي شيء من الكلمة التي رسمت بالحروف اللاتينية هكذا faddat ومر ذكرها والتعليق عليها من قبل في معرض ألعاب الأطفال التي أشار إليها عبد الله الطيب. فهل المقصود منها هي Shaddat أي: شَدّتْ نفسها ، وحدث تحريف أو تصحيف في أول الكلمة ؟.
نؤيد ما ذهب إليه المؤلف من ترجيحه في صفحة 47 بأن تكون لعبة " الثعلب فات " قد جاءت إلى السودان من مصر. وذلك لأن بعض الألفاظ المستخدمة فيها ليست سودانية الأصل ابتداءً من كلمة الثعلب نفسها ، لأن هذا الحيوان يعرف في العامية السودانية ب " البعشوم " ، وما عرفه السودانيون بهذا الاسم الفصيح إلا بعد انتشار المدارس والتعليم النظامي. كذلك يحتوي الغناء الذي يصاحب هذه اللعبة على ألفاظ تدل على الحضارة والمدنية المجلوبة مثل:" الهون ضرب التلفون " و " العسكر واقف طابور ". الخ.. على أن أطفال كردفان خاصة قد سودنوا كلمة " ديلو " المصرية ، بل " كردفوها " فقالوا: " في ضيلو سبعة لفات " ، ذلك بأنهم يقولون في " ذيل " الفصيحة " ضيل " ، إذا قال غيرهم في مناطق أخرى من السودان: (ضنب) في: " ذنب " !. ولا شك أن الذيل والذنب هما مسميان لاسم واحد.
جاء في صفحة 49 من النص الأصلي الإنجليزي ، أن " أم قيردون ": هو طائر أخضر صغير " ، بينما أن " أم قيردون " التي نعرفها هي رمادية اللون Grey وليست Green كما هو مثبت. فهل يا ترى حدث تصحيف ما في رسم هذه الكلمة ؟.
في معرض حديثه عن طحن الغلال لتجهيز الطعام ، أشار المؤلف إلى أن أهل شمال السودان إنما كانوا يعرفون " المُرحاكة " ، أي تلك الرحى الحجرية الساذجة التي ظلت تستخدم في درس الحبوب منذ عهد الإنسان الأول ، ولم يكونوا يعرفون ذلك الهون الخشبي الكبير أو " الفُنْدُك " الذي يستخدمه من أسماهم المؤلف بسكان نيجيريا المسلمة Muslim Nigeria على حد تعبيره. وكأني بالمؤلف ، تحرُّزاً من أي حرج أو ملامة ، قد كره أن يقول: " الفلاتة " كما يقول عامة السودانيين في مثل هذا السياق. ومن ذلك قولهم: " فندك فلاتة أب كرعيناً تلاتة ". على أن هذه الطريقة في معالجة الغلال ، ليست قاصرة على مسلمي نيجيريا وحدهم ، وعليه ربما كان من المناسب أن يقول البروف: Muslim West Africa التي قد تمتد من تشاد وحتى المحيط الأطلسي.
كذلك لاحظنا أن المؤلف لم يشرح كلمة " فندك " بالانجليزية ، وإنما اكتفى برسم الاسم بالحروف اللاتينية هكذا: “ funduk “ ، وقد كان بوسعه أن يقول مثلا: Big wooden mortar ، خصوصاً وأن عبارة Mortar and pestle هي من العبارات السائرة في الانجليزية.
كنا ننتظر تخريجاً لغويا مستفيضاً من البروف لكلمة (مُلاح) السودانية العتيدة والأصيلة التي تأتي في معنى: " ما يُؤتدم أو يُصطبغ به " في الفصيح. ولكنه لم يشأ أن يفعل ذلك ، فلعله قد اعتبر أن اشتقاقها العربي ، كأن تكون مأخوذة من " المِلح " أو من " الملاحة " مثلاً ، أمراً مفروغاً عنه أو من البديهيات.
في صفحة 87 ترجم المؤلف صفة ملاح "أم رقيقة " حرفياً بعبارة: The mother of delicacy ، وفي تقديري أن المقصود برقة (أم رقيقة) هاهنا ، ليست الرقة المعنوية أو المجازية بمعنى ( اللطافة والحلاوة ) اللتان تُستفادان من كلمة delicacy الانجليزية التي اقترحها عبد الله الطيب ، وإنما المقصود في نظرنا أن رقة (أم رقيقة) هي رقة حقيقية ، والمراد هو أن قوامها رقيق وخفيف ، وليس ثخيناً كقوام ملاح " التقليّة " مثلا. يُضاف إلى ذلك أن العامية السودانية لم تكن تعرف " الرقة " المعنوية هذه في السابق ، ولم تعرفها إلا مؤخرا مع المدارس والتعليم والشعر ، وخصوصاً الغنائي منه الذي جعلت تشيع فيه عبارات مثل: " شعور رقيقة " ، و" رقة مشاعري " و " رقة إحساسي " الخ.. وتأسيساً على ذلك ، ينبغي ترجمة " أم رقيقة " بعبارة: The mother of thinness.
اختار عبد الله الطيب الكلمة الانجليزية Goulash للتعبير عن (الطبيخ) ، أو (الدمعة) المصنوعة من خليط من اللحم والخضروات والصلصة والتوابل المطهوة معا. والحق أن كلمة Goulash تفيد ذلك ، ولكن القُّلاش فيه بالضرورة عنصراً ثابتاً من المعجّنات مثل المكرونة والاسباقيتي واللازانيا وما إلى ذلك ( انظر صورة القلاش وتعريفه في موسوعة ويكيبيديا بالانترنت ). وقد صارت قلاش هذه تعني بأخرة: تلك الرقائق المصنوعة من الدقيق (الفينو) التي تصنع منها بعض الحلويات مثل: " الباسطة " ، و " أم علي " وغيرهما. ولذلك ، لا أدري لمَ لمْ يختر البروف كلمة Stew التي تعني بالضبط (الملاح) أو (الدمعة) أو (الطبيخ) على النحو الذي مضى وصفه.
ونود أن نختم هذا الجزء من المقال بالتعليق على ما جاء في كتاب البروف عبد الله الطيب عن الزوج وطقوسه ، وخصوصاً ما يصاحبها من أهازيج وأغاني. فنقول تعقيبا على تحشية البروف على بعض أغاني السيرة التقليدية ، والمكايدات الطريفة والممازحات التي تكون بين أهل العريس وأهل العريس ، والمقابلة بينها وبعض مما جاء في السيرة مثل قولهم:
أم العريس جينا ليكي
وجبنا الدهب لى نضم الشبيكي
التي أوشك أن يقابل بينها وبين قول الأوائل دون أن يورد النص:
أتيناكم.. أتيناكم
فحيونا نحييكم
ولولا الحنطة السمراء من سمِنتْ عذاراكُم
ولعمري إن عبارة "سمنت عذاراكم " هذه تنطوي على إشارة " إيروسية " موحية بمضمونها ، وهي قطعاً أشبه بجو العرس . ولعلها تذكر ببعض الأغاني السودانية المتأخرة في هذا الباب ، والتي رغم ابتذالها في نظر البعض ، إلاّ أن لها دوراً وظيفياً مهماً في تلك المناسبة فيما يبدو.
وبهذه المناسبة لاحظت أن عبد الله الطيب لم يشر إلى عادة حبس العروس وتسمينها قبل الزواج ، بما في ذلك إرغامها على تناول أطعمة بعينها ، لعل من أشهرها ما يسمى بشراب " الموص " النشوي المغذي. أم إن تلك أيضاً هي من ابتداعات ثقافة أم درمان ، وليست ممارسة قديمة ؟.
وختاماً قال عبد الله الطيب في صفحة 99 ، إن بعض الناس في بلاد النوبة بشمال السودان ، يتذكرون في أثناء العرس أقرباءهم الذين ماتوا ، ويبكون ويأسفون لأنهم لم يحضروا مناسبة الزواج. ويذكرنا هذا بكل تأكيد بما صنعه (الزين) في رواية "عرس الزين" للطيب صالح ، وذلك عندما اختفى الزين فجأة من حفل زفافه ، وتم العثور عليه بعد بحث شديد داخل مقبرة القرية ، وهو منكفئ فوق قبر الشيخ (الحنين) ، وهو يبكي بحرقة والتياع لغياب شيخه وأبيه الروحي عن ذلك العرس الأسطوري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.