العراق ثامن المنتخبات العربية في المونديال    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    5 تصرفات تتسبب فى تدمير العلاقة العاطفية.. أخطرها سؤال أنت فين دلوقتى؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    ميسي ورونالدو على رأس أساطير التهديف في الدوري الإسباني    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جِبَالُ النُّوبَا .. الاِنْجِلِيزِيَّة (5)
نشر في سودانيل يوم 04 - 02 - 2009


لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ
(خاطب الشيوعيون الزاندى بلغتهم عام 1954م ، فماذا حدث عام 1969م)!
كمال الجزولى
(1)
(1/1) قلنا ، فى ما تقدم ، أن تغيير الحركة الشعبيَّة لغة التعليم والتخاطب من العربية إلى الانجليزية فى مناطق إدارتها بجبال النوبا ، يفضح عجزنا كجماعة مستعربة مسلمة عن ترتيب مساكنتنا للآخرين ، وعجز الآخرين أنفسهم عن وعى مكوِّناتهم الثقافيَّة ، الأمر الذى يؤكد على غربة موضوعة (الوحدة) عن مفاوضات (نيفاشا)! وقلنا إن ما ينبغى أن نسمعه ونعقله جيداً هو أن صمتنا المتطاول عن استعلاء التيار (السلطوىُّ) باسمنا تاريخياً على الآخرين بالعِرق والدين واللغة والثقافة يُخرج الآن ثمرته المُرَّة فى مشهد الآخرين يثفلون لغتنا كما لطعة الدم من الحلقوم! وتساءلنا عمَّا إن كانت تلك مسئولية تيار الاستعلاء لدينا ، أم تيار الغفلة عن استحقاقات (الوحدة) لدى (الآخرين)!
(1/2) وأشرنا ، بالنسبة للشق الأول من السؤال ، لانحدار غالب الجماعة المستعربة المسلمة من العنصر النوبىِّ الذى ينتمى إليه (الجلابة) من أقصى الشمال إلى مثلث الوسط ، حيث بالثروة والدين والثقافة واللغة والعرق تشكل تيار الاستعلاء على العبيد والمزارعين والرعاة وصغار الحِرَفيِّين المنتسبين بالأساس إلى التكوينات القوميَّة والقبليَّة فى الجنوب وجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق ، باعتبارهم جنساً أدنى ومورداً رئيساً للرقيق والعاج وسلع أخرى كانت تنتزع بالقوة ، مما أفرز مع الزمن راهن التساكن المعلول فى بلادنا.
(1/3) ومع إقرارنا بالدور الذى لعبه الاستعمار فى مفاقمة المشكلة ، إلا أننا شدَّدنا على كونها ظلت قائمة قبل مجيئه ، وأن إنتلجينسيا المستعربين المسلمين الذين ورثوا السلطة بعد الاستقلال اصطدموا بصعوبات معرفة (الآخر) بسبب حواجز اللغة والثقافة والمعتقد ، فاستسهلوا السياسة الداخليَّة التى تكرِّس هيمنة اللغة العربية والثقافة العربية الاسلامية ، إهداراً لكلُّ ثراء البلاد لجهتى التعدُّد والازدواج ، كما استسهلوا السياسة الخارجية التى تحقق للسودان كله الاندغام ، بعين البعد الواحد ، فى القوام العربى الاسلامى ، باعتبار أن (الآخر) مجرد موضوع للأسلمة والتعريب. هكذا قدِّمت العروبة والاسلام (للآخر) كأيديولوجية قامِعة ، لا (كخيمة) يؤمَّل أن تسع المثاقفة الطبيعية فتسع قضيَّة (الوحدة). ولأن ثقافة (الآخر) غير منسجمة ، بل وقد تربك هذا السياق ، فقد جرى إما إقصاؤها أو السعى لإدماجها قسراً. وفى ما يلى نواصل:
(2)
(2/1) منذ أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضى ، أى مع بواكير الارهاص الجدِّى بتدشين مشروع الدولة الدينية الذى استكمل أهم خطواته التحويليَّة بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989م ، بدأت كثير من الأقسام التقليديَّة ضمن التيار (العقلانى/التوحيدى) العريض ، بما فى ذلك فئات وشرائح إجتماعيَّة واسعة وسط (الجلابة) أنفسهم ، تستيقظ ، وإن ببطء ، على فداحة الخطر الذى باتت خطة الأسلمة والتعريب تتهدَّد به ، لا معتقدات (الآخرين) ولغاتهم وثقافاتهم فحسب ، وإنما مستقبل الاسلام نفسه فى البلاد ، علاوة على اللغة العربية والثقافة العربية ، أى وجود الجماعة المستعربة المسلمة ذاتها. وأخذت هذه الأقسام تتشكك فى تلك الخطة القديمة كطريق مفض إلى (الوحدة الوطنيَّة) ، بعد أن لمست فشلها فى بلورة رؤية تجتذب ولو إجماع المستعربين المسلمين أنفسهم ، دَع (الآخرين) الذين أثارت لديهم من الشكوك فى مقاصدها ما جعلها تبدو ، على نحو ما ، وسواءً أرادت أم لم ترد ، رصيداً إضافياً يتغذى عليه ، فى المحصلة النهائية ، تيار الاستعلاء (السلطوى/التفكيكى)! ومن ثمَّ بدأت وسط هذه الأقسام حركة انعطاف (عقلانيَّة) ملحوظة نحو (الآخر) المهمش ، إنطلاقاً من اقرار جهير بأن "بلادنا بحاجة ماسَّة للتعامل مع تباين الهويات على أساس التعايش والتكامل لا الصراع" (الصادق المهدى ؛ "تباين الهويات .." ، مصدر سابق). هذا فى الوقت الذى لا يزال فيه (السلطويون/ التفكيكيون) على شروطهم ، ليس فقط بتهميش أو إدماج أو حتى محو هذا (الآخر) فحسب ، بل بإعادة ترسيم خارطة الوطن نفسه جغرافياً وسكانياً ، إن دعا الحال ، كى يُمسى ملائماً لمقايساتهم! وليس أصدق فى التعبير عن تأذيهم براهن هذه الخارطة التى تثير المصاعب أمام حركتهم من تذمر قديم للترابى فى قوله: ".. كان (قدرنا) (نحن) فى السودان أن (نبتلى) ببلد مركب معقد البناء يكاد يمثل كل الشعوب الأفريقية بلغاتها وسحناتها وأعراقها وأعرافها" (أقواس التشديد من عندنا: م/الصياد ، ع/مايو ، بيروت 6/5/1988م). وكفى بذلك إفصاحاً عن المُضْمَر تجاه قضيَّة (الوحدة) حتى فى مفاوضات (نيفاشا) الراهنة!
(2/2) أما من جانب ما يمكن تسميته (بالضمير) الوطنى الديموقراطى وسط التيار (العقلانى/ التوحيدى) ، والذى تمثله ، فى رأينا ، قوى اليسار بكل أقسامها ، وتحديداً الحزب الشيوعى باعتباره أعرقها فكرياً وسياسياً وتنظيمياً ، فإن تمظهرات ذلك الاستعلاء شكلت ، منذ وقت باكر ، صدمة عميقة بالنسبة له ، وأفدحُها جوراً اعتبارُ كلِّ مَلمَلةِ احتجاج فى الهامش إما حركة تمرُّد فى الجنوب أو مؤامرة عنصريَّة فى الغرب ، وفى جبال النوبا بالأخص ، فكان المؤمَّل أن يصبح هذا الضمير (نقيضاً) هادماً لرؤى وسياسات وبرامج التيار (السلطوى/التفكيكى) ، لا مجرَّد (خصم) معترض عليها.
(2/3) وما من شك فى أن جهوداً فكريَّة وسياسيَّة كبيرة قد بُذلت فى هذا الاتجاه خلال السنوات الخمسين الماضية ، فعلى سبيل المثال:
أ/ أقرت الجبهة المعادية للاستعمار فى بيانها بتاريخ 28/9/1954م حق (الحكم الداخلى) ، ليس لقوميات الجنوب فحسب ، بل ولكل القوميات السودانية (محمد سليمان ، 1971م ضمن: عبد الله على ابراهيم ، 2001م). (الحكم الداخلى) هو ما أصبح يشار إليه لاحقاً (بالحكم الذاتى الاقليمى) كحل جذرى ، فى رأى الحزب ، من كافة الجوانب السياسية الاجتماعية والاقتصادية Socio-politico Economic. وتطبيقه يستتبع بالضرورة أن يؤخذ فى الاعتبار رأى المعارضين له وسط المجموعة القومية المعيَّنة. ومن هذه الزاوية بالتحديد فإنه لن يكون ثمة مناص من طرحه للاستفتاء ، أى لشكل من أشكال تقرير المصير.
ب/ ذلك هو ما أكد عليه أيضاً عبد الخالق محجوب فى مطلع عام 1971م بتشديده على أن الحكم الذاتى الاقليمى ، كحل ديموقراطى شامل ، يجب أن يفضى إلى تقرير المصير لحسم الصراع حول قضية الوحدة نهائياً (حول البرنامج 1971م ، 2002م). ويجدر التنويه بأن هذا الوسع فى الرؤية قد أدرج مؤخراً ، ربما لأول مرة خارج وثائق الحزب ، ضمن خيارات (إعلان كمبالا) الصادر عن (ورشة الخبراء حول مستقبل الترتيبات الدستورية فى السودان) التى نظمها بين 26 و27 يناير 2004م مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان بالتعاون مع حركة عموم أفريقيا اليوغندية ، حيث انصبَّ ثقلٌ معتبرٌ من آراء هؤلاء الخبراء على "ضرورة النص في الدستور الانتقالى وفى الدساتير التالية على الحق الدائم لجميع القوميات الموجودة في السودان فى تقرير المصير متى ما رأت ذلك ، باعتباره حقا أساسياَ وضمانة لحقوق الشعوب المهمشة ، وأكدوا أن ذلك هو السبيل الديمقراطى لخلق وحدة طوعية وعادلة في السودان".
ج/ وفى مساهمته المشار إليها ، باتجاه المؤتمر الخامس للحزب ، وفى ما يتصل بالتجمعات القومية والقبليَّة ، عنى عبد الخالق بتركيز بعض الموجهات البرامجيَّة ، مثل ضرورة "التشجيع الفعلى للنمو الحر لثقافات هذه المجموعات" ، مشدِّداً على أن ذلك لن يكون "إلا إذا بعثت لغات ولهجات هذه المجموعات ، وعمدت الدولة الوطنيَّة الديموقراطيَّة بجديَّة إلى تشذيب تلك الأدوات والتوسُّل بها فى التعليم (وفقاً للتجارب التربويَّة فى هذا المضمار) وفى النهضة الثقافيَّة الشاملة" ، على "أن تصبح هذه الثقافات جزءاً من المكوِّنات العضويَّة للثقافة السودانيَّة" (حول البرنامج 1971م ، 2002م). سوى أن عبد الخالق لم يعلق هذه الموجِّهات فى فراغ ، بل عمد إلى تقعيدها جدليَّاً ضمن جملة أشراط إقتصاديَّة اجتماعيَّة وسياسيَّة لا تقوم لها قائمة بدونها ، وتتمحور بالأساس حول الديموقراطيَّة الشاملة: ديموقراطيَّة فى علاقات الانتاج ، فى الحقوق السياسيَّة للجماهير الكادحة ، وفى النظام السياسى (المصدر).
د/ وكان حسن الطاهر زروق ممثل الجبهة المعادية للاستعمار فى البرلمان الأول 1954 1957م قد طالب "بألا نعلم اللغة العربية ولا الدين الاسلامى فى الجنوب لأنهما غريبان على أهل الجنوب" (محمد سليمان ، 1971م ضمن عبد الله على ابراهيم ، 2001م). ودرءاً لسوء الفهم فى ما يتصل بتعليم العربية والاسلام فقد ظل الشيوعيون يستشعرون دائماً حساسية خاصة تجاه دعاوى الأسلمة والتعريب القائمة فى مناهج الادماج القسرى ، أى كسر (الآخر) تمهيداً لإعادة صياغته ضمن السياق العربى المسلم ، كما ظلت فكرة التدرَّج والتراضى الطوعى والقبول الثقافى المتبادل ، أو ما يعرف اختصاراً (بالتثاقف الطبيعى) ، هى شاغلهم منذ ذلك الوقت الباكر. أما فى ما يتصل بالفهم السليم لموقف الحزب من الدين فلا بد من قراءة مطلب حسن الطاهر مقترناً ، على الأقل ، بالنقد الذى سبق أن سدده هو نفسه للتجربة السوفيتية ، قبل انهيارها بنحو من نصف قرن ، حين ألمح للخلل الأساسى فيها من جهة "عدم تقدير دور الدين فى حياة الشعوب" (السودان الجديد ، 1/9/1944م ضمن: محمد نورى الأمين ، رسالة دكتوراه وانظر أيضاً مقالتنا: "مثار النقع" ، الصحافة 2/1/2001م).
ه/ وقد ورد فى (تقرير لجنة التحقيق فى الاضطرابات التى حدثت بجنوب السودان فى أغسطس 1955م) أن الجبهة المعادية للاستعمار قامت ، ضمن نشاطها السياسى فى ديسمبر 1954م فى مركز الزاندى والمورو وبين عمال صناعة القطن ونقاباتهم ، بتوزيع منشوراتها بلغة الزاندى (تقرير اللجنة ، الخرطوم 1956م يوسف الخليفة أبوبكر فى حريز وهيرمان بل ، 1965م ضمن عبد الله على ابراهيم ، 2001م).
و/ وقد عاد جوزيف قرنق ، عضو اللجنة المركزية ووزير الدولة بوزارة شئون الجنوب فى حكومة مايو الأولى ، ليُعِدَّ ، من واقع برنامج الحزب تجاه قضية الجنوب ، بيان 9 يونيو 1969م الذى ارتكز على الاعتراف المستقيم بالحقائق الموضوعية للقضية القائمة بالأساس فى الفوارق التاريخية والثقافية بين الشمال والجنوب ، والاعتراف ، من ثمَّ ، بأن من حق شعبنا فى الجنوب أن يبنى ويطور ثقافاته وتقاليده فى نطاق سودان إشتراكى موحد (نص البيان ضمن محمد عمر بشير ، 1970م). وفى سياق تطبيق ذلك البرنامج طلب جوزيف قرنق من مستشاره الفنى للتدريب والتعليم أن يدرس إمكانية تبنى لغة من لغات الجنوب ، كالدينكا التى هى أوسع اللغات الجنوبية انتشاراً ، لتكون لغة الاقليم القومية ، وأن يحدِّد العوامل الجديرة بالاعتبار لتلك الغاية ، وأن يستقرئ النتائج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى ستترتب على ذلك فى القطر وفى الاقليم ، وردَّ الفعل المتوقع من الجنوبيين الذين يتكلمون لغات أخرى، وأن يدرس كذلك إمكانية اختيار أكثر من لغة لهذا الغرض (عبد الله على ابراهيم ، 2001م). ولو كان قد قدر لتلك الخطة أن تطبق بنجاح منذ ذلك الحين ، لشكلت نموذجاً صالحاً للاهتداء به فى جبال النوبا وفى غير جبال النوبا.
(2/2) غير أن كلَّ ذلك السداد بقى ، للأسف ، حبيس الشعار البهى. والشعار قد يثير الاعجاب شيئاً ، وربما يهدهد الخيال شيئاً ، ولكم أثارت الاعجاب بالفعل ، وشحذت الخيال ، شعارات (الحكم الذاتى الاقليمى) و(حق القوميات فى التطور والازدهار) وما إليها. غير أن الاقتصار عليها وحدها من شأنه أن يحولها إلى محض ترميزات يُراد لها أن تكون ناجزة بنفسها ، محض (تمائم) و(تعاويذ) و(رُقيات)! وهذا ما ظل يحدث بالنسبة لتلك الأطروحات الفكريَّة والاشارات البرامجيَّة ، حيث تجمدت ، أو كادت ، فى أسر الديباجات العامة ، دون أن تتحوَّل كما ينبغى ، حتى لدى الخبراء والمتخصِّصين من الشيوعيين والعناصر الوطنيَّة الديموقراطية ، إلى علم سودانىٍّ ثورىٍّ نافع ، يطورونه بالمراجعة ، ويثرونه بالاضافة ، ويزدادون قدرة على استنطاق حقائقه التفصيليَّة ، ويتوسلون به لتغيير بنية الوعى الاجتماعى عبر جدل الكدح اليومى وسط الجماهير من مختلف القوميات والتكوينات الإثنيَّة ، أى الجماهير التى لا يمكن الاقتراب من أى مستوى لتثوير أوضاعها بغير الطلب الحثيث لمعرفة أفضل بهذه الأوضاع. أما (استصعاب) هذه المعرفة فمن شأنه أن يغوى بالتراجع حتى عن المستوى الباهر من النظر الذى كان قد بلغه الفكر الثورى فى فترات سابقة. فعلى سبيل المثال، ومقارنة بتلك الاستنارة الباكرة التى دفعت الحزب الشيوعى عام 1954م لترجمة منشوراته السياسية إلى لغة الزاندى قبل توزيعها فى مراكز الناطقين بها ، لم تكترث حملة تعريب الثانوى عام 1965م ، بقيادة الحركة الديموقراطية وسط المعلمين ، لوضع اللغات المحلية فى المناهج الدراسية ، مما اعتبره باحثون شيوعيون] اعتداءً على صلاحيات اللغات الأخرى التى ربما صلحت كوسيط للتعليم ، أو كمادة دراسية للناطقين بها تمهيداً لتصبح ذلك الوسيط ، كما وأن المؤتمر القومى للتعليم (أغسطس 1969م) لم يصدر بشأن لغة التعليم فى الجنوب أكثر من توصية باتخاذ اللغات المحلية بحروف عربية كوسيط للتعليم فى السنتين الأوليين فى مدارس المناطق الريفية ، على أن تحل العربية مكانها ابتداءً من السنة الثالثة (عبد الله على ابراهيم ، 2001م). وهكذا نرى أن (استسهال) السائد فى الوعى الاجتماعى ، والمترتب على (استصعاب) المعرفة (بالآخر) ، يمكن أن يستدير ليفعل فعله حتى فى الفكر الثورى إذا لم يجابه بالقدر اللازم من اليقظة والانتباه!
(نواصل)
الهامش:
] كان عبد الله ما يزال عضواً متفرغاً بالحزب الشيوعى حين أنجز بحثه القيِّم بعنوان (الماركسية ومسألة اللغة فى السودان) ، والذى صدرت طبعته الأولى فى سلسلة (كاتب الشونة) ضمن إصدارات الحزب عام 1977م.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.