مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جون قرنق دي مابيور وأنا (2) ... بقلم: محمد عثمان إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 17 - 08 - 2009

قلت فيما مضى إن انتظاري طال قليلاً حتى رأيت جون قرنق للمرة الأولى ولم يخذلني بأريحيته الشديدة وحسن استقباله. لذت تماماً بالصمت بينما كان هو وشيخ عمر يتداولان في أمور مستقبل التجمع وبعض تحركاته على الساحة الدبلوماسية إضافة إلى الوضع في الجنوب وما إلى ذلك. لاحظت أن الرجل كان يرتدي ملابس جديدة تماماً. إذن فهو مثلنا تماماً في هذا الشأن، إذ أننا حين نسافر إلى مناطق الحدود والجبهة نتجاهل الإهتمام بالملابس المدنية ونرتدي (الميري) أو البيجامات أو أي شيء. نعفي لحانا ونطلق شواربنا اللحية ونترك شعر الرأس منا ينبت كيفما اتفق، ثم نصاب بالهلع حين نأتي إلى المدينة فنرى وجوهنا في المرايا. نذهب إلى السوق فنشتري لأنفسنا ملابس جديدة ونحسن مظهرنا ثم نبدو ملائمين تماماً للمدينة ولكن إلى حين. شعرت حينها إن الدكتور قادم لا محالة من الجنوب ولا بد أنه كلف أحد مساعديه بشراء ملابس جديدة. قلت في نفسي إن الرجل كان فعلاً في منطقة نائية وإن الأمر ليس كذبة بيضاء من معاونيه الذين كانوا يعتذرون لقادة التجمع ممن يرغبون في الإتصال المباشر به: إن الدكتور في منطقة نائية بالجنوب ويتعذر الإتصال به فإذا كان لديكم شيء هام أعطونا إياه وسنحاول توصيله بطريقتنا. ذات يوم في أحد الإجتماعات بالقاهرة غضب ممثل التحالف محمد أحمد عبدالمنعم وأخرج هاتفه النقال (كان هاتفاً أنيقاً من طراز موتورولا) وطلب متحدياً الإتصال بدكتور جون الآن ممن يزعمون أنهم يتواصلون معه مشيراً إلى أن لا أحد يمكنه الإتصال (بالكولونيل)! لاحظت ثانية إن دكتور جون يحتفظ بظفر خنصر يده اليسرى نابتاً وطويلاً. ترى ماذا كان يفعل بهذا الظفر؟ تركت الأمر فلا بد أنه من نزق الحياة في الغابة وقد رأيت البعض ممن كانوا يرسمون الوشم بالكلمات على أيديهم أو يمشطون شعورهم على طريقة الراستا وما إلى ذلك. لم أتحدث إليه سوى ببعض كلمات مجاملة ثم خرجنا من عنده وأنا مقتنع تماماً أن هذا الرجل أعمق مما رأيت وأعظم مما يحاول أن يبدو. تابعت مشاركاته في الإجتماعات حيث كان يخلط بين العربية والإنجليزية لكن الكثير من قادة التجمع لم يكونوا يفهمون ما يقول تماماً كما كان يحدث حين يتحدث منصور خالد بلغته العربية الصافية والمدققة. كان الجميع يتجنب مجادلته لئلا يجعلن منه عظة لمن يتعظ وعبرة لمن يعتبر. ذات يوم قال السيد مبارك الفاضل إن " الأخ عثمان العمير" مشيراً إلى رئيس تحرير الشرق الأوسط الأسبق، أبلغه بأمر ما، وكان الحديث في سياق مناقشة هيئة القيادة لحادثة ضرب مصنع الشفاء في الخرطوم، فرد خالد بأنه على إستعداد الآن لإعطاء رقم هاتف العمير الجوال ل"مستر صادق" قالها هكذا وهو يقصد السيد الصادق المهدي مضيفاً أن العمير لا يعرف مبارك الفاضل ولم يتحدث إليه أبداً في حياته وإن ما يقوله مبارك الفاضل في هذا الشأن لا أساس له من الصحة. . كان هذا عام 1998م حيث لم يفتح الله علي حينها بأي تصور عن كيف يكون الهاتف الجوال!
لم أحتفظ بأي ذكريات من ذلك اللقاء مع د. جون لكنني رأيت كيف كان حراسه حريصون كل الحرص على إبقاء المصعد خالياً من أجله ومن مرافقته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً بينما كان آخرون يقومون بتأمين السلالم من خلال الركض فيها صعوداً وهبوطاً. رأيت أيضاً أنه كان هناك مصور خاص يرافقه ويوثق مشاركاته. في مرة من المرات كنت أقف على مسافة فرأيت الدكتور قادماً ثم رأيت سودانية جميلة تتقدم منه طالبة منه أن يقف معها لالتقاط صورة تذكارية فرد عليها بأريحيته الشديدة مادحاً " كيف لي ان أرفض ذلك" How could I refuse !?. لابد أنها شعرت بغرور عميق فهذه كلمات مدح مباشرة من الرجل الكبير.
في أوائل ديسمبر كان التجمع الوطني يتأهب لعقد أول إجتماع له في يوغندا بعد إتفاق حزب الأمة والحكومة السودانية في جيبوتي فيما عرف بإتفاق نداء الوطن. قرر مؤتمر البجا إيفاد الشيخ عمر وشخصي لتمثيل التنظيم. سافرت قبل الشيخ إلى أسمرا لترتيب إجراءات السفر ولم أكن حينها أمتلك جواز سفر. طفت على كافة الجهات التي كانت تساعد (حينها) في أمر تزوير الجوازات فلم أجد عندها شيئاً بينما جواز سفري الأصلي مخبأ في كسلا، في حرز أمين. الوقت لا يكفي –الآن- لاستجلابه لكن بحلول العاشرة من صباح الرابع من ديسمبر حصلت على جواز سفر . كان الجميع قد سبقني بالسفر إلى كمبالا عن طريق القاهرة ما عدا الفريق عبدالرحمن سعيد الذي كان ممنوعاً-حينها- من دخول مصر والزعيم الراحل عمر نورالدائم. قرر الشيخ عمر فجأة إلغاء سفره فذهبت وحدي ممثلاً لمؤتمر البجا. وجدت نفسي في رحلة واحدة مع الفريق و دكتور عمر إلى دبي حيث افترقنا ثم سافرت إلى نيروبي فعنتيبي. لخطأ في بعض الترتيبات لم تأت سيارة لنقلي من الفندق إلى الجلسة الإفتتاحية للإجتماع الذي بدأ جلساته صباح 6 ديسمبر، لكنني وعبر إتصالات مكثفة نجحت في الوصول إلى القاعة ودخولها. لم يكن هناك ثمة مقعد لأجلس عليه فحاولت العبور من خلف المنصة حيث كان السيد محمد عثمان الميرغني يلقي خطابه. إعترضني أحد الحراس بيده ، إذ كنت أرتدي بنطلون جنز وقميص خفيف، لكن دكتور جون وقف أثناء الخطاب وعانقني ثم أجلسني بالقرب منه وهكذا حضرت الجلسة الإفتتاحية جالساً على المنصة وإن إلى حين. عقب إنتهاء الجلسة دبروا لي مكاناً آخر أبعد ما يكون عن المنصة. إهتم بعض الصحفيين اليوغنديين بي وبمحاورتي وسألوني عمن يكون هذا الشاب الذي (كنته) وبأي إستحقاق يأخذني دكتور جون بالأحضان ويجلسني بالقرب منه. إستعدت مذيعة تلفزيونية جميلة، كانت ترتدي تنورة قصيرة لافتة، لمحاورتي لكن ظهر من هو أكبر وأهم مني فأخذها بعيداً عني! صادقني مراسل راديو فرانس إنترناسيونال وأجرى معي حواراً تحدثت فيه مزهواً بأن حزبي هو الذي قام بعملية تفجير خط أنابيب النفط التي جرت مؤخراً . لم يكن الصحفيون ورجال المخابرات اليوغندية المنتشرين في كل مكان يعلمون كثير شيء عن التجمع بل كانوا يعرفون جون قرنق والحركة الشعبية فقط. في تلك المرة شاركت (المستشار الرئاسي الحالي) بونا ملوال وآخرين طاولة وسمعته يحدث ببعض الحكايات عن نميري وينتقد التجمع كله ويعلن أنه لن يحضر مرة أخرى للمشاركة في إجتماعاته. أبلغت أحد قادة التجمع بالأمر فقال لي " ياخ إن شاء الله ما يجي ذاتو". شن دكتور جون هجوماً عنيفاً على حزب الأمة الذي كان ممثلاً بثلاثة أشخاص (الراحل عمر نورالدائم و نجيب الخير عبدالوهاب وعبدالرسول النور) خلال الجلسة الإفتتاحية. ثم عقد مؤتمراً صحفياً لاحقاً واصل فيه الهجوم وقد نازعه في ذلك المؤتمر السفير (حالياً) نجيب الخير الذي قال له " إنني لست صحفياً لكنني أجلس ضمن الصحفيين نيابة عن زميل لي (كان يقصد حسن الحسن مراسل البيان الإماراتية وكادر حزب الأمة) ثم سأله حزمة من الأسئلة كانت معبأة برفض رؤيته للسودان الجديد وقال له "تحدثت عن إن النوبة في شمال السودان إتصلوا بك لمساعدتهم في تكوين جبهة للعمل المسلح في الشمال وتحدثت عن الرشايدة والبجا والفور ، فهل هذه هي رؤيتكم للسودان الجديد: ان يكون سوداناً مبنياً على القبائل؟" ورد الدكتور رداً حاذقاً بقوله إنه لم ينشيء تلك القبائل وإنما هي حقيقية تاريخية وجغرافية ماثلة ومن الأجدى التعاطي معها ومع تطلعاتها بدلاً عن رفض وجودها، وكأنها لم تكن ، ثم أشار إلى أنه حين ذكر إتصالاتها به فإنه لم يكن ينقل سوى الحقيقة وإنه على العكس لم يساعد تلك القبائل بل نصحها بعدم تعلية أمر العمل المسلح ضمن خياراتها.
في اليوم التالي تمت دعوتي لمقابلة الدكتور في إحدى غرف فندق أفريقيا حيث ذهبت إليه وسألني عن وجهة نظري في مجريات الإجتماع وفي إتفاق نداء الوطن فعبرت له عن إرتياحي للإجتماع وعن رفضي لاتفاق نداء الوطن وقلت ما درجنا على قوله حينها. قال لي الدكتور إن مبارك الفاضل أصبح غير مؤهل لمواصلة مهام الأمين العام للتجمع وإنه يرجو أن أقدم إقتراحاً خلال الإجتماع بعزله عن المنصب. أسقط في يدي فبالرغم من إعتراضي (الذي ما زال قائماً) على إتفاق جيبوتي إلا أنني كنت أعتقد أن وجود مبارك مهم جداً للتوازن مع الحزب الإتحادي الديمقراطي وإن غياب مبارك (بديناميكيته وقدرته الفذة على إطلاق المبادرات) يعني سيطرة الإتحاديين بتنظيمهم المترهل على التجمع (المسكين). قفزت إلى ذهني إجابة أعفاني بسببها دكتور جون من تقديم الإقتراح حيث قلت له إنني لا امانع ولكن هناك شيء بسيط وهو إنني جئت مع دكتور عمر نورالدائم في طائرة واحدة وسأعود معه والرجل يعاملني بلطف وأبوية وأخشى –فقط- من الحرج أمامه. في الإجتماع التالي قام بتقديم الإقتراح بعزل مبارك ، العميد عصام الدين ميرغني (البرلماني حالياً) لكن ثالثة الأثافي كانت من الإتحاديين الذي رفضوا عزل مبارك واقترحوا بدلاً عن ذلك توجيه صوت لوم له. ما يزال الحزب الإتحادي الديمقراطي يظهر غير ما يبطن ويخطو في الإتجاه الذي لا يريده كسائق مشوش يشير بيده يساراً وينجو بدابته لليمين!
إنتهت مراسم كمبالا وعدنا كل لقواعده لكنني سألتقي مرة أخرى بدكتور جون حيث ذهبنا إليه في منزله مساء نفس اليوم الذي حضر فيه بعد رحلة مرهقة فرضتها عليه ترتيبات جديدة اضطرته لتفادي المرور بالأجواء الإثيوبية حيث كان نظام ملس زيناوي قد مال نحو الخرطوم. كنت برفقة الشيخ عمر والزميل أمين شنقراي حيث داعب الدكتور صديقنا شنقراي بقوله إنتو بجا عندكم أهل في زيمبابوي؟ في واحد إسمو مورغان شانقراي هناك، كدي اسألوا منو يمكن يكون منكم. كان يجلس ماداً رجله اليمني في وضع مستقيم وقد ظل يعتذر لكل من يحضر إنه يجلس هكذا بسبب إرهاق السفر حيث إنه قدم في طائرة خاصة صغيرة واضطر لعدة ترتيبات للوصول إلى هنا حيث توقف في طريقه إلى أسمرا باليمن (؟؟) فكرت من الذي أقنع اليمن باستضافة طائرة زعيم المنشقين السودانيين وماهي مصلحتها في ذلك؟ خصوصاً إن ما بين الخرطوم وصنعاء وداد لم يكن لينقطع لكن الشئون الدولية هي دائماً هكذا...ليس فيها شيء من الوداد.
كان البيت يغص بالحضور شيوعيون وتحاف (عبدالعزيز خالد) وتحالف (دريج) وبجا وحركة شعبية بالطبع. جاء باقان أموم ليلتقي قائده للمرة الأولى فوقف د. جون لمصافحته بربتات سريعة على الكتف ومصافحة وخاطبه ضاحكاً بمودة " أوو... الأستاذ فاقان". بعدها دخل د. منصور خالد الذي اكتفى بتحية الحضور ببعض الكلمات لكن الجنرال عبدالعزيز خالد قام لتحيته فسلم عليه مصافحاً " إزيك يا عزيز". من طريقته خمنت أنه لا بد رأى د. جون في المطار صباحاً.
قال قرنق للحضور إننا نريد التأكيد على ثوابتنا في التجمع وهي إننا نسعى لحل سياسي شامل عبر وسائلنا المعروفة في العمل المسلح والتفاوض والضغط الدبلوماسي وإن من المطلوب التأكيد على هذه الثوابت من جديد على ضوء إحتمال إسقاط حزب الأمة للخيار العسكري بعد إعلان تجميد عضوية جيش الأمة للتحرير في القيادة العسكرية المشتركة للتجمع، وأوضح فكرته بأننا في التجمع مثل جماعة كانت تجلس ثم وجدت نفسها فجأة الظلام فجعل البعض منها يتحسس الآخر ليتأكد من وجوده باللمس والقول " يا فلان إنت في؟"(يعني هل أنت موجود؟)، وهكذا نحن نريد التأكد ممن هو الذي ما يزال موجوداً ومن هو الذي غاب في الظلام.
تطرق الحديث إلى إقتراح بالأجندة تقدم به حزب الأمة وضمنه بند لمناقشة (مستقبل الجبهة الشرقية) على ضوء تدهور العلاقات الإرترية – الإثيوبية. كان الجميع يتحدث وفي حضرة الدكتور يطيب حديث الزعماء. شعرت بالملل فقلت " أنا غايتو محمد عثمان دة لوسألتوني حأقول ليكم إنو لو حزب الأمة دة لو أصر على مناقشة الوضع في الجبهة الشرقية، ينبغي أن نقترح إحالة الأمر إلى لجنة من الأحزاب ذات العضوية في القيادة العسكرية المشتركة ثم ترفع هذه اللجنة تقريراً لإجتماع هيئة القيادة وبهذا فإننا نضمن عدم مشاركة حزب الأمة والقوى الأخرى زي تجمع الداخل والنقابات وغيرها من القوى التي لا تملك قوات عسكرية". عاتبني الصديق أمين شنقراي بعدها ونصحني بأن اختار كلماتي بشكل أفضل وأن اتجنب هذه الطريقة (المتباهية) من على شاكلة (لو سألتوني) و(أنا محمد عثمان دة) فأنت ما زلت صغيراً، قال لي، أمام هؤلاء الزعماء الذين قد يمتعضون من هذه الطريقة! على العموم لم (يزعل) مني د. جون الذي طلب مني إعادة كلامي حتى يستوثق منه جيداً فأعدته بكلمات مختلطة ووافق الرجل على الفور مشيداً بالفكرة. في اليوم التالي قدمت نفس الإقتراح وأيدني فيه المهندس هاشم محمد أحمد ممثل النقابات لكن شعرت بأن الشيوعيين لم يكونوا كأمسهم وتجنبوا الحديث في الأمر...كانت مشاركات د. جون في ذلك الإجتماع قليلة وقد اتى في معيته للمرة الأولى الأستاذ نيال دينق نيال الذي كان قد شارك سابقاً، في أنشطة التجمع، ممثلاً للحركة الشعبية في إجتماع طرابلس. كان د. جون يخطط بالطبع، كما اشرنا سابقاً، إلى إحلال السيد دينق محل مبارك الفاضل على سدة الأمانة العامة. كان النقاش يتم حول عدد من القضايا ورئيس معظم الجلسات الفريق عبدالرحمن سعيد يسأل الناس إن كانوا موافقين أم لا فيومئون بالإيجاب إلا مرة نهض فيها د. جون وقال : "أوف كورسoff course)) ما موافقين" وكان ذلك رداً على أحد إقتراحات حزب الأمة. (ملحوظة: كان رئيس التجمع السيد الميرغني متغيب عن الإجتماعات لبعض مشاغله في مصوع). كنت أمثل في ذلك الإجتماع تنظيم مؤتمر البجا في المكتب التنفيذي فيما كان يمثله في هيئة القيادة زميل –حينها- أمين شنقراي الذي فاجأني ذات جلسة ، ودون أن ينسق معي على الإطلاق، بشن هجوم عنيف ومفاجيء على مبارك الفاضل ووصف تقريره المقدم للإجتماع بأنه لا يرقى إلى مستوى التقارير وإنه محض رسالة واقترح تجميد ممارسة الرجل لمهام الأمين العام. لا حول ولا قوة إلا بالله ، من أين أتى الرجل بكل هذا الكلام؟ سألت نفسي ثم أجبت بأن الرجل ربما لديه ضوء أخضر من جهات أخرى وإنه آثر كسب الوقت وإبلاغي من داخل الإجتماع بدل المجادلة معي في الخارج. لم يكن أمامي سوى الصمت فمن غير اللائق أن أرد على كلام زميلي معترضاً، فأربح نفسي ويخسر تنظيمي الصغير العالم. عقب الجلسة ذهبت إلى القيادي بحزب الأمة عبدالرسول النور وأبلغته بأن كلام الأخ شنقراي لا يمثل رأينا في مؤتمر البجا وإننا سنكتب لهم خطاباً رسمياً في هذا الشأن، لكن حزب الأمة تعجل بإعلان إنسحابه من التجمع. وقد تناول الإمام الصادق ما قلته للنور في مؤتمر صحفي عقده، وقال: إننا تلقينا إفادة رسمية بأن حديث ممثل مؤتمر البجا في هيئة القيادة لا يمثل تنظيمه وسنتلقى خطاباً رسمياً بهذا الشأن.
كثيرون لم يكونوا يريدون بقاء حزب الأمة داخل التجمع ولم أكن منهم، وقد زارنا في منزلنا بضاحية ترافولو دبلوماسي أجنبي رفيع نصحني بأن أحرص في الإجتماعات على أن يبقى الحزب الإتحادي الديمقراطي داخل التجمع، أما إذا وقف حزب الأمة –والتعبير له – في هاوية فقوموا بدفعه ليسقط في الجهة المقابلة. إستمعت لنصيحة الرجل ثم رميتها وراء ظهري وقد حزنت لمغادرة حزب الأمة لكنني لم أكن أكثر حزناً من الأستاذ أحمد إبراهيم دريج الذي بكي علناً داخل الإجتماع حتى اضطر رئيس الجلسة لرفعها بناء على اقتراح من ممثل الحزب الشيوعي الدكتور الشفيع خضر سعيد.
(عن الأحداث)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.