الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    منع مشاركة أي وزير في أعمال أي لجان أو مجالس أو كيانات خارج نطاق الحكومة إلا بإذن من رئيس الوزراء    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    مجلس السيادة ينعى للشعب السوداني وفاة 21 شخصا من منطقتي ديم القراي وطيبة الخواض    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما بعد ميثاق الفجر الجديد (4-5) ... النظر بالعيون الأمريكية .. بقلم: ماهر أبوجوخ
نشر في سودانيل يوم 24 - 02 - 2013

نواصل في هذه الحلقة ما انقطع من سلسلة المقالات التي ابتدرناها بعنوان (ما بعد ميثاق "الفجر الجديد") وحاولنا في الحلقة السابقة تقييم وتحليل مواقف ودوافع الجبهة الثورية من اجتماعات كمبالا ومخرجاته المتمثلة في ميثاق (الفجر الجديد)، واشرنا فيها لتحول الموقف الرسمي الاميريكي وتبنيها لمنهج تسوية سياسية بين الحكومة السودانية والمعارضة ممثلة في الحركة الشعبية/ قطاع الشمال وتجاوز هذا الموقف الجديد مرحلة إعطاء (الضوء الاخضر) لحكام الخرطوم للتعامل مع اي مستجدات تهدد مسار قطار (التسوية) لرفع (إشارة حمراء) للمجموعات المكونة للجبهة الثورية عموماً وللطرف الاكثر فعالية فيها ممثلاً في الحركة الشعبية قطاع الشمال مفادها أن عليها قبول التسوية أو الاستعداد للعقاب وهو ما سيجعل التوصيف الادق لما تم في اجتماعات كمبالا بأنه (فرفرة شعار"اسقاط النظام" قبل نحره "بشفرة" التسوية الامريكية).
في هذه الحلقة الرابعة التي عنوناها باسم (النظر بعيون امريكية) سنحاول تحليل الموقف الرسمي لواشنطون بغرض تفسير ما يدور في اذهان (الامريكان) ومحاولة تلمس رؤيتهم المستقبلية للسودان لا سيما أن تلك الرؤية في حقيقتها موقف مؤثر وفاعل على مسرح الأحداث في السودان.
اتاحت الفترة الأولي لولاية الرئيس الامريكي بارك أوباما تكوين صورة عامة للاوضاع في السودان والإلمام بموقف وموازين القوي بين الاطراف الفاعلة، ولكن قبل التطرق لتلك الخلاصات فمن الضروري التنبيه لاهمية التفريق بين الموقف الرسمي للإدارة الامريكية من جهة وبين مواقف مجموعات الضغط فرغم تأثير الثانية على الاولي بشكل قد يجعل المشهد في بعض جزيئياته ينم عن تباين واختلاف في وجهات نظر الطرفين –الإدارة ومجموعات الضغط- لكن تبقي الأولي هي الجهة المعنية بإتخاذ الاجراءات المباشرة وهو ما يجعل موقفها في خاتمة المطاف هو الأكثر تأثيراً فعلياً.
اتسمت مواقف الادارة الديمقراطية في عهد أوباما تجاه الحكومة السودانية ب(المرونة) عند مقارنتها بأخر إدارة ديمقراطية خلال ولايتي الرئيس الأسبق بيل كلينتون (1992-2000م) التي شهدت فرضت العقوبات الاقتصادية على السودان ووضعت اسمه ضمن قائمة الدول الراعية للارهاب وتبني شعار اسقاط النظام السوداني بشكل علني ومباشر وقصف مصنع الشفاء بالصواريخ في اغسطس 1998م، بل واكثر مرونة من الإدارة الجمهورية بقيادة الرئيس السابق جورج بوش الابن (2000-2008م) التي انتهجت أسلوب اكثر نعومة من الديمقراطين عُرف ب(أسلوب العصا والجزرة) ولذلك يمكننا أن نعتبر منهج إدارة أوباما تحول ليصبح (اسلوب الجزرة).
التحول الأمريكي تجاه الخرطوم جاء ضمن تفاعلات عامة ارتبطت بالتوجهات الخارجية الامريكية في حقبة أوباما بانتهاجه اللمنهج الدبلوماسي بديلاً عن منهج سلفه بوش الابن القائم على ستخدام القوة –مثلما حدث في افغانستان والعراق والاستعداد لخوض مع ايران مع التلويح بتلك العصا فوق رؤوس دول اخرى- وبكل تأكيد فأن ذلك المنهج (البوشي) كان لديه تبعات سياسية اقتصادية على الولايات المتحدة الامريكية واضرار معنوية ترتب عليها هزت صورتها بشكل كبير بشكل ساهم في تنامي الكراهية ضد واشنطون وصب مباشرة في مصلحة تغذية وتعبئة التيارات المناهضة لها -لا سيما تنظيم (القاعدة)- بإستغلال تلك الحروب لإصباغ المشروعية على اطروحاتها وتنامي التعاطف معها، ورغم أن عملية التحول تلك افضت لخفض العصي عن رؤوس الدول ولكنها ظلت مرفوعة في مواجهة (القاعدة) الذي تلقي العديد من الضربات الموجعة التي وجهت لقياداته في العديد من المواقع.
بجانب تلك المعطيات بدأت جوانب اضافية تتبلور حيال التعامل مع حكومة المؤتمر الوطني منذ الفترة التي سبقت انتخابات 2010م والتي كان ينظر لها وسط بعض الفاعلين الدوليين بانها الوسيلة الافضل لتحقيق (التغيير المرن) بشكل يؤدي لاستيعاب الاطراف السياسية داخل النسق القائم اتحادياً وولائياً في المستويين التنفيذي والتشريعي، لكن تلك الانتخابات كشفت عدة حقائق اولهما مقدار الارتباك والتضارب الذي تعاني منه المعارضة فهي ترفض المشاركة ضمن ترتيبات اتفاق السلام بإعتبارها منحتهم اقل من حجمهم الطبيعي ورهنهم تلك المشاركة بالانتخابات التي ستعطى كل ذي حق حقه حسب وزنه ولكنها تشكك فيها قبل بدايتها وتقرر مقاطعة للتسجيل ثم تقرر لاحقاً المشاركة فيه وبعد العملية الانتخابية تشارك بقوة وفعالية فيها وتقدم مرشحيها وقبل موعد الاقتراع تعلن بعضها الانسحاب وتنسخ فئة ثانية قرار انسحابها باخر يعلن عودتها للسباق في ما تختار فئة ثالثة مقاطعة انتخابات مستويات لعدم توفر النزاهة مع الاستمرار في مستويات اخرى.
ورغم التحجج بتزوير (الوطني) للانتخابات لحسم نتائجها فإن هذا المنطق بات بمثابة تأكيد الضعف لا سيما عند مقارنته بانتخابات اخرى وجهت اتهامات للحكام بتزويرها كما في كينيا وزيمبابوي حيث قاومت المعارضة في البلدين بفضل جماهيرتهما مساعى تزوير إرادة الناخبين بشكل استوجب تدخل اقليمي ودولي على اولئك الحكام مهد الطريق امام تخلق وضع انتقالي عزز المشاركة السياسية للمعارضة على المستوي التنفيذي. عند اسقاط هذا النموذج على المستوي السوداني في انتخابات 2010م وبإفتراض سيناريو التزوير فإن النتيجة الواضحة هي عدم تمتع تلك المعارضة بأي قواعد شعبية حقيقية تفوز بها في الانتخابات أو تقاوم بها التزوير بجانب عجزها الكامل في توظيف واستثمار حالة التملل الشعبي من الاوضاع السياسية والاقتصادية وتحويلها لرصيد سياسي وجماهيري يعزز مواقفها. وعملياً فأن المعارضة التي كانت تتحدث عن العزلة الجماهيرية للحكومة كانت تغفل حقيقة أن تلك الجماهير المعتزلة كانت ايضاً خارج دائرتها. نتج عن هذا الواقع استدارة المجتمع الإقليمي والدولي واشاحته بوجه عن المعارضة بشكل كامل، ويمكنني هنا الاستدلال بأمر بسيط يتمثل في متابعة ومقارنة تحركات المبعوثين الدوليين والاقليميين للخرطوم قبل وبعد الانتخابات ففي الأولي كانت اللقاءات مع بعض ممثلي تلك القوي المعارضة ضمن اجندة تلك الزيارات أما بعد الانتخابات فبات من النادر جداً التئام أي اجتماع من قبل اولئك المبعوثين مع رموز وممثلي تلك القوي المعارضة.
بالنسبة لحركات المعارضة المسلحة في دارفور فإن التساؤول الاساسي الذي كان مطروحاً في ذهن النافذين في المجتمع الدولي (كيف تعجز حركات تسعي من اجل بلوغ هدف واحد عن الوحدة السياسية والعسكرية ؟ وهل لمثل هذه الحركات المتعددة والمتشعبة والمتناحرة القدرة على تحقيق الاستقرار بعد التوصل للتسوية التي تضع حداً للنزاع ؟)، وكانت هذه النقطة حاضرة في بدايات مفاوضات الدوحة ووقتها بدأت اولي المساعى لتوحيد الفصائل الدارفورية وكان المقترح الاول يقوم على جعل حركة العدل والمساواة أساس هذه العملية لكن هذه الخطوة اصطدمت بالجدل الذي اثارته (العدل) حول اسس الوحدة وتمسكها بإستيعاب تلك المجموعات داخلها استناداً لثقلها السياسي والعسكري. بعد عرقلة هذا المسار تم اللجوء للخيار (ب) بإكمال توحيد تلك المجموعات في جسم واحد تحت مسمي (حركة التحرير والعدالة) وتم اشراكها في المفاوضات رغماً عن اعتراضات حركة العدل واكتمل المشهد بتوقيع الحركة الجديدة على وثيقة الدوحة التي رفضتها وتحفظت عليها الثانية رغم انها كانت المعنية ابتداء بمفاوضات الدوحة.
هنا قد يطرح تساؤول (اين وضع واشنطون من الاعراب في ما كان يحدث بالدوحة؟) والاجابة البسيطة للغاية وهي أنها كانت حاضرة وفاعلة ومشاركة في جميع تلك الخطوات (حذو النعل بالنعل) فهي التي ابتدرت فكرة المباحثات بين حركة العدل والحكومة السودانية ابان لقاءات عقدتها مع وفد من حركة العدل عقب الهجوم على امدرمان في العام 2008م ثم تولت تمهيد الطريق امام تلك المباحثات وأطرت بالتوازي وبتنسيق محكم مع حليفتها فرنسا لتحرك متزامن ادى لطي صفحة النزاع (السوداني-التشادي)، ثم عادت للظهور مرة اخرى وبالتعاون مع باريس أيضاً وعبر تشاد بإبعاد رئيس حركة العدل والمساواة الراحل د.خليل ابراهيم ورفض تشاد استقباله للحيلولة دون التحاقه بقواته داخل الاراضي السودانية ومنح النظام الليبي السابق بقيادة معمر القذافي استقباله شريطة احتجازه وعدم السماح له بالحركة إلا لوجه واحدة فقط وهي (الدوحة) من اجل التوقيع على اتفاق السلام.
نتجية لرفض اتفاق الدوحة من قبل حركات (العدل، التحرير بقيادة عبد الواحد محمد نور ثم بعض المجموعات الموقعة على ابوجا بقيادة مني اركو مناوي وابوالقاسم امام) فقد تم تنصيفها باعتبارها (غير جادة في البحث عن حل سلمي لازمة دارفور) وهو ما كان يعني ممارسة المزيد من الضغوط عليها سياسياً ودبلومسياً، وفي ذات الوقت غض الطرف عن العمليات المسلحة التي تقوم بها القوات الحكومية تجاهها –بغض النظر عن تقاطع دوافع ذلك الصمت الدولي والإقليمي من جهة واستراتجيات الحكومة من تلك العمليات من جهة ثانية- على أمل أن تفضي لتحقيق امرين اولهما إضعاف القدرة العسكرية للحركات الرافضة بشكل يحول دون احداثها لأي اضطرابات بالاقليم تعطى انطباعاً بفشل اتفاق الدوحة في تحقيق الاستقرار مثلما حدث بعد التوقيع على اتفاق سلام دارفور في ابوجا في العام 2006م. أما الامر الثاني فتمثل في حرمان التراجع العسكري للمجموعات الرافضة للدوحة من ميزة رفع سقوفتاتها التفاوضية بالاستفادة من أي عمل عسكري كبير كما أن استمرار وتصاعد وتيرة العمليات العسكرية الحكومية على مواقع تلك الحركات سيجعلها عملياً أمام خيارين إما الاندثار أو الخروج من هذا الوضع الشائك بالانضمام لاتفاق الدوحة.
إزاء هذا الوضع المعقد فإن تلك الحركات المعارضة اغتمنت اندلاع المواجهات المسلحة في جنوب كردفان ولاحقا النيل الازرق بين شريكي الامس وتدهور العلاقات بين الخرطوم وجوبا فنسجت تحالفاً مع الحركة الشعبية قطاع الشمال اطلق عليه (تحالف جبهة القوي الثورية) في وضع اشبه ب(زواج المتعة) يعلم كل طرف من اطرافه أنها ليس بمثابة رابط مقدس بقدر ما هو تكتيك مرحلى يستخدمه أي طرف حسب مقتضيات ظروفه الذاتية، ولكن يبدو أن نهاية هذا الزواج استمرت لوقت اقل مما توقعت قيادات تلك الحركات والذين بات يدركون أكثر من غيرهم خطورة وضعهم في حال اكتمال سيناريو التسوية المتوازية بين الخرطوم وجوبا من جهة وبين الحكومة وقطاع الشمال الذي بدأت تلوح في الافق معالمه وابرقت سمائه ايذاناً بقرب هطول مطره، ولذلك يمكن النظر للعمليات الاخيرة التي دارت بالقرب من نيالا في الاسبوع الاخير من فبراير 2013م بأنها ذات طابع تكتيكي تهدف من عبره الحركات المسلحة ارسال رسالة مفادها بأنها لا تزال قادرة على اثارة المتاعب اذا ما تم تجاوزها او تناسيها، ويتشابه هذا الأمر مع أخر سبق أن قامت به قوات التجمع الوطني الديمقراطي ابان المفاوضات بين وفدي الحكومة والحركة الشعبية في العام 2002م.
أما الضلع الثالث من مثلث القوي السياسية المعارضة المتمثل في الحركة الشعبية قطاع الشمال فإن التعامل الامريكي معها يختلف عن بقية القوي السياسية الاخري بسبب جوانب متصلة بمقدرتها على التحرك في وسط مجموعات الضغط الامريكية وتمتعها بتعاطف مجموعات مؤثرة تنظر لها بوصفها (نواة) لتيار ديمقراطي بديل للمعارضة الراهنة قادر على مخاطبة قطاعات واسعة قادر على إعادة التوازن للساحة السودانية التي تعاني من هيمنة المؤتمر الوطني، أما الامر الثاني فهو ارتباط انهاء النزاع في هاتين الولايتين بملف الصراع والتوتر بين دولتي السودان. هذه المعطيات جعلت واشنطون تلعب دوراً محورياً في قرار مجلس السلم والامن الافريقي في ابريل 2012م وقرار مجلس الامن الدولي رقم 2046 في مايو 2012م اللذين طالبا الحكومة السودانية باجراء مباحثات مع قطاع الشمال وفقاً لبنود اتفاق يونيو 2011م –الشهير باتفاق نافع/عقار- الذي رفضته الحكومة السودانية، كما شهد شهر يناير 2013م تكرار لعقد هذه المفاوضات بين الطرفين ابان عقد مؤتمر القمة الافريقية من الامين العام للامم المتحدة بان كي مون ووزارة الخارجية الامريكية والتي تقرر عقد اولى جولاتها في الخامس من مارس 2013م بالعاصمة الاثيوبية اديس ابابا.
الوضع الراهن جعل الإدارة الامريكية تبني خيارتها تجاه التعامل مع الاوضاع في السودان على عدة معطيات اولها التعامل مع (الوطني) باعتباره اسوء الخيارات السيئة المتاحة حالياً خاصة في ظل ضعف المعارضة السياسية الحزبية ووجود تكلفة عالية لمحاولة ازاحته بالقوة ناتج عن غياب ملامح البديل القادم جراء هشاشة القوي السياسية وتهتك النسيج الاجتماعي وثانيهما امكانية أن يفضي هذا الامر لقيادة البلاد في اتون حرب اهلية التخوف الاساسي منها وجود طرف واحد جاهز بالمسرح لملأ فراغ (الفوضي) والمتمثل في تنظيم (القاعدة) والجماعات الاسلامية الجهادية لا سيما مع بدأ إطلالة مجموعات منها لرأسها على مرمي حجر في الحدود الغربية مع تشاد -وهو سيناريو من المؤكد أن واشنطون لن تسمح بحدوثه مطلقاً- كما أن المعارضة السياسية ضعيفة في مواجة (القاعدة) تنظيمياً وفكرياً وربما تفتقر للرؤية الامنية للتعامل مع هذا الملف أو التحلى بالجرأة بإعلان استمرار التعاون مع الجهات الامريكية المختصة بهذا الملف على عكس حكومة (الوطني) الذي بات جزء من الحرب على الارهاب التي تقودها واشنطون عبر تعاون امني واستخباري مستفيداً من خبرته الطويلة في التعامل مع المجموعات الجهادية ابان توجد جزء كبير من افرادها وقيادتها في تسعينيات القرن الماضي بالخرطوم.
قد يثار هنا تساؤول (رغم كل هذا الا تبدو الحكومة السودانية عنصر خطر على المصالح الامريكية بالمنطقة خاصة في ظل مدها لاواصر التعاون مع ايران؟) والأجابة على هذا السؤال نحتاج لاستعراض معطيين اولهما أن الوقائع تظهر أن (الوطني) يبدو على عكس ظاهره المتماسك حيث تمور في داخله العديد من التيارات ووجهات النظر المتصادمة والمتباينة والتي كاد لا تلتقي الا حول فكرة مركزية هي (كيف يمكن أن نبقي ونستمر لاطول وقت ممكن بالسلطة) وطبقاً لذلك فإن تيار التقارب مع طهران هو احد المجموعات الموجودة كغيره من مجموعات اخرى كالتيار الذي تنازعه اشواق المشروع الاممي الاسلامي المتعاطف مع الحركات والجماعات الجهادية وهو تيار رغم انخفض صوته بشكل كبير عقب هجمات 11 سبتمبر وانخراط السودان في الحرب على الارهاب ولكنه عاود للظهور مجدداً عقب وقائع وتداعيات محاكمة قتلة الدبلوماسي الامريكي قرانفيل وسائقه ومناداتهم بعدم اعدام اولئك المتهمين. اما المعطي الثاني فمتصل بظروف تنامي وتمدد التيار الداعى للتحالف مع طهران والذي يصنف باعتباره ردة فعل واحباط جراء عدم حدوث أي تقدم في مسار التطبيع مع والولايات المتحدة الامريكية، ولذلك فإن حدوث اختراق حقيقي في مسار العلاقات بين الخرطوم وواشنطون سيكون كافياً لتحجيم هذا التيار بإعتبار أنه وجوده سيكون عديم الجدوي واضراره اكثر من فوائده ويتصادم كلياً مع الفكرة المركزية المجمع عليها من جميع التيارات الداخلية ب(الوطني) وربما يتم اقصاء رموزه من مسرح الاحداث إذا تحولوا لعقبة امام اكمال التطبيع مع واشنطون.
وحتى تكتمل الصورة الامريكية فإن خارطة الطريق التي ستجعل تطبيع العلاقات مع الخرطوم معبدة يستوجب وفاء الثانية ومعالجتها لعدد من القضايا العالقة على رأسها وقف التهديد المستمر لدولة جنوب السودان بتسوية القضايا العالقة بين البلدين لأن عليها أن تعلم أن جوبا تحظى بحلفاء ومناصرين ومتعاطفين كثر وسط مجموعات الضغط الامريكية، وهذا ما يفسر المسار العكسي الامريكي الجديد بمعالجة القضايا العالقة بين الحكومة السودانية وقطاع الشمال عوضاً عن السابق الذي كان يفترض أن حل الخلافات بين دولتي السودان يمهد الطريق لحل الأزمة مع قطاع الشمال خاصة بعد إشتراط الخرطوم تطبيق اتفاقاتها مع جارها الجنوبي بحسم ملف الترتيبات الامنية وووقف دعمها لقوات الجيش الشعبي بالشمال. الجوئية الثانية تتعلق بأن التفاوض بين الحكومة وقطاع الشمال سيقود لحل العقبة الثانية المتمثلة في وقف الحرب في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، أما بالنسبة للاوضاع في دارفور فإن الخرطوم وواشنطون متفقتين على انهائها عبر اطار اتفاق الدوحة مع امكانية اجراء بعض التعديلات الطفيفة عليه بشكل يسمح باستيعاب اطراف جديدة دونما مساس بجوهر الترتيبات السياسية المنصوص عليها.
ستيبقي العقبة الاخيرة المرتبطة بطلب توقيف رئيس الجمهورية المشير عمر البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية ويمكن حلها بشكل يسير بالوفاء بهذه الالتزامات بشكل يجعل استخدام المادة (16) من النظام الاساسي للمحكمة التي تتيح لمجلس الامن تجميد اجراءات المحكمة عبر مبادرة امريكية أو افريقية وارد الحدوث شريطة أن تتم ضمن حزمة تفضي بتعديل موقف السودان من لمحكمة بكيفية يمكن الاتفاق عليها بقصد اقناع الدول الاوربية بعدم الاعتراض او التحفظ على تلك الخطوة خاصة في ظل وجود سابقة اخرى ابدت فيها تلك الدول عدم اعتراضها على هذا الاجراء في حال ابداء الخرطوم لمرونة تجاه المحكمة.
نجاح السودان في الوفاء بهذه المستحقات سيمنح الادارة الامريكية قوة دفع كبرى للاسراع في عمليات التطبيع الرسمي بين البلدين خاصة أن الظروف خدمت الحكومة السودانية حينما تسبب الصراع الداخلى في ابعاد سوزان رايس –المعروفة بالمواقف المتشددة تجاه الحكومة السودانية منذ وجودها في الادارة الديمقراطية في عهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون- من منصب وزارة الخارجية واستبدالها برئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ جون كيري -والذي هو في حقيقة الامر نقيض رايس في ما يتصل بملف السودان- المنادي بالتقارب والتحاور مع الحكومة السودانية واستبدل منهج (التهديدات) ب(الحوافز)، ولهذا فإن الخرطوم إذا فشلت في استثمار الظروف الراهنة لتطبيع علاقاتها مع واشنطون فربما لا تجد سانحة اخرى لتحقيق هذا الهدف وقد تندم على إهدارها كثيراً كما ندمت الثانية على رفضها عرض سابق قدمته الاولي بتسليمها زعيم تنظيم القاعدة الراحل اسامة بن لادن منتصف تسعينات القرن الماضي قبل عقد على هجمات سبتمبر.
ونخلص مما ذكر سابقاً إلي أن الاستراتجية الامريكية الجديدة الحالية تجاه ح السودان حسب تحليلنا هذا لا تهدف لتغيير حكام الخرطوم وانما لاحتوائهم واطفاء الحرائق المشتعلة على امتداد اراضيهم ومد الجسور نحوهم واكمال عملية التطبيع معهم، ولهذا فإن ميثاق (الفجر الجديد) متعارض مع تلك الاستراتجية إذا كان هدفه الرئيسي إسقاط النظام وفي ذات الوقت متماشي مع تلك الاستراتيجة إذا كان سيقود ل(التسوية) التي ينتظر الامريكان انجازها بفارغ الصبر لانها مرتبطة ب(بيت القصيد) المتعلقة بترتيبات مرحلية مهمة للغاية يتم طبخها على نار هادئة وبعيدة عن الأعين، وهو ما يجعل واشنطون حريصة على انجاز هذه (التسوية) والاسراع بها دون إبطاء الان وفوراً.
-ونكمل في الحلقة الخامسة والاخيرة من هذه السلسة في الايام القادمة انشاء الله تعالى-
mahir abugoukh [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.