شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    نصف مليون دولار!!:ياللهول    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    بالصورة والفيديو.. على طريقة عاشق "عبير".. فتاة سودانية تصعد مكان مرتفع بمنزلها وترفض النزول دون تنفيذ مطالبها..شاهد رد فعل والدتها!!    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فلسفة التقية والتفجيرات الأمريكية .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي
نشر في سودانيل يوم 22 - 04 - 2013


مقال – بسم الله الرحمن الرحيم
التفجيرات التي قام بها الأخوان تسارناييف ببوسطن هذا الأسبوع، متزامنةً مع الإنفجار الضخم بمصنع السماد بتكساس، فجّرت نقاشاً متأججاً ومتشعباً بالولايات المتحدة...وما وراءها...حول كافة الظلال والإسقاطات المترتبة:
ألا يذكّرك هذا التزامن والتوقيت الدقيق...والثنائية...والزخم الإعلامي المرافق بتفجيرات 11/9.... وقبلها...بتفجيرات سفارتي نيروبي ودار السلام عام 1998؟
كم من المسلمين الشيشان غير هذين الولدين مقيمون بأمريكا...وكم غيرهم من المسلمين القادمين من يوريشيا والشرق الأوسط؟
من يقف خلف الأخوين تسارناييف؟...وهل تلقيا تدريباً خارج الولايات المتحدة؟...وهل زارا تورا بورا أو جنوب روسيا او اليمن؟ وهل هما جزء من خلية نائمة؟...وكم عدد الخلايا النائمة المشابهة بامريكا ودول الغرب؟
كيف تفتح أمريكا صدرها لهؤلاء الفارين من جحيم الفقر والأنظمة القرنوسطية....وتفشل فى إقناعهم بجدوي الحضارة الغربية وبضرورة الانصهار فى هذا المجتمع الجديد ذى الفرص المتاحة لكل من يعرف قيمة العمل؟ ألا يدرك هؤلاء أن أمريكا هي أصلاً عبارة عن مجتمعات من المهاجرين مثلهم؟...وأن الناس فيها سواسية كأسنان المشط...إلا ما ندر؟
لماذا يتوق هذا الشباب لدولة ثيوقرطية لا تبالي بحقوق الإنسان...بينما هم يعيشون فى أنجح وأغني وأقوي ديمقراطية فى العالم...؟
ومن المتوقع أن يدور نقاش كثيف بالإعلام ومراكز البحث وصهاريج الفكر وأجهزة الاستخبارات وجهات التحقيق الجنائي وهلم جراً...فى محاولة لرد هذه الحوادث لأصولها وأسبابها...(كما جاء فى برنامج الدكتور فريد زكريا بالسي إن إن فجر الإثنين)...لربطها بالسياسات والاستراتيجيات السابقة واللاحقة، وبالموقف من المنظمات المتطرفة العابرة للحدود، وربما كذلك بالموقف الذى درجت عليه الولايات المتحدة فى الآونة الأخيرة من دعم استثنائي يحيّر الألباب لتنظيمات وحكومات الإخوان المسلمين بالشرق الأوسط... ولكن، فى نفس الوقت، من غير المتوقع أن يتسبب هذا الحادث فى إجتراح تحولات درامية مفاجئة فى السياسات الأمريكية، فذلك أمر يعتمد علي دراسات مؤسسية عميقة وطويلة المدي...تشترك فيها وتتوافق عليها جهات وسلطات عديدة... وتحتاج لسنين طويلة لإحداث تغيير جذريٍ.....مثل حرب فيتنام التي بدأت فى منتصف الستينات ولم تتوقف إلا بعد عشر سنوات، رغم أن الرأي العام الأمريكي وقف ضدها منذ أول وهلة...وقد عارضها مفكرون عمالقة مثل الكاتب الصحفي والتر ليبمان من أولها لآخرها...كما رفضها سياسيون جهابذة مثل السناتور وليام فولبرايت الذى كتب سفراً بعنوان "عجرفة السلطة...أو غرور القوة"The Arrogance of Power حذر فيه الولايات المتحدة من أن تتعامل مع الدول كأنها الشرطي العالمي المسؤول عن كل ما يُرتكب من جنح وآثام فى أي بقعة بالكرة الأرضية...ولقد اندلق الشباب والطلاب فى شوارع المدن الأمريكية الكبري عام 1968 شاجبين لتلك الحرب...وشنّوا ثورة مجلجلة تجاوب معها الغرب كله...إذ خرجت مظاهرات مماثلة بفرنسا فى نفس العام ...(بما يشبه الربيع العربي الذي تفجر قبل عامين بالشرق الأوسط).
وأياً كان المنحي الذي ستسلكه المناقشات، فهنالك حقائق لا بد من أخذها فى الإعتبار...طالما نحن بصدد تقييم مسألة الإرهاب الأصولي ذى السمات القاعدية والطالبانية......فمن المؤكد أن هذين الصبيين الشيشانيين لهما علاقة بهذه الجهات المشبوهة، إن لم تكن تنظيمية وعضوية، فهي وجدانية وثقافية مفعمة بالنوستالجيا (كما أشارت أولي نتائج التحقيق):
هذا غرس الأمريكان، ومن يزرع الريح يجني العاصفة...(أو كما يقول السودانيون: التسوّيه كريت فى القرض...تلقاه فى جلدها.)... فهم الذين أوجدوا وشجعوا التنظيمات الأصولية الإسلامية ودعموها ودربوها وعلموها منذ أيام جون فوستر دالاس وزير خارجية الرئيس دوايت آيزنهاور في منتصف الخمسينات، (الذى كان يتهم سخرية بأنه "أخ مسلم"....شأنه شأن الرئيس جيمي كارتر فى نهاية السبعينات)....إذ كانوا يريدونها ترياقاً للشيوعية...ومنذ نشأتها كانت حركات الإسلام السياسي ذيلاً للخارجية الأمريكية وعميلاً يقبض الأجر من السي آي إي....تواصلاً لمسيرة الإمام حسن البنا الذى كان يتلقي الدعم المادي المباشر من المخابرات البريطانية لإنشاء جهاز الإخوان المسلمين... ولقد تجلي ذلك الموقف بصورة أكثر وضوحاً فى أفغانستان، بمجرد وقوع الإنقلاب الشيوعي بقيادة حفظ الله أمين ومجئ الجيش الأحمر السوفيتي عام 1980. عند ذاك، أصبحت كلمة "الجهاد" شائعة فى الأدب السياسي الأمريكي والغربي، مرادفةً لفروسية وشهامة القرون الوسطي...بلا ظلال من الشك أوالتوجّس أوالهلع الذي كسا الأجواء كلها فيما بعد 11/9......بل استقطبت المخابرات الأمريكية ونظمت المجاهدين "الأمميين" المتكأكئين من كافة أركان الدنيا، لا سيما الشرق الأوسط،...أولئك الذين أصبحوا يعرفون لاحقاً بإسم "الأفغان العرب"، ومن بينهم أيمن الظواهري ...والمهندس أسامة بن لادن الثري السعودي ذو الأصول اليمانية الذى تزعم أولئك المجاهدين الراق تاق... وخلق منهم تنظيم القاعدة الحليف لحركة طالبان الأفغانية.
بعد أن ترعرع الأصوليون، خاصة الإخوان المسلمون، فى كنف المخابرات البريطانية أولاً...ثم الأمريكية لاحقاً... شبّوا عن الطوق وأخذوا ينفذون أجندتهم الخاصة، كجنّيّ خارج من القمقم.... فانقلب السحر علي الساحر.
الآلية التى استخدمها الأصوليون فى التعامل مع الغرب هي "التقيّة"، المأخوذة من فكر وممارسات الشيعة....التي تخول لك أن تصانع العدو وتتعايش معه...وترتدي قناعاً فوق وجهك يحجب صورتك الأصلية......وأن تتمسكن...إلي أن تتمكّن...فالضرورات يبحن المحظورات...وهو ما يسمي أيضاً ب"فقه الضرورة".
وعلي هذا النسق، خرجت لنا جماعات إسلامية منظمة ومنضبطة كالمافيا، ولها خطاب متعدد الوجوه ومربك للغاية فى كثير من الأحيان.... فهي فى المعارضة حمل وديع يستدر عطف الجميع، خاصة هيئات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني الغربية التى ليس لها وقت للخوض فى التفاصيل (كما نفعل هنا فى الصحف الإسفيرية)...و لا يهمها إلا ما حاق بهذا أو ذاك من سجناء الضمير من حيف وتعذيب وإضطهاد، بغض النظر عن دينه أو العبارات المكتوبة بخط دقيق فى برنامجه small print ، ... غير أن هذه الجماعات الإسلامية ما برحت تعتبر تضامن المجتمع الغربي معها رخصة دولية وقبولاً سياسياً...وتتباهي بأنها ذات حضور وكاريزمية حتى فى الغرب نفسه.... ولكن فى حقيقة الأمر، تتمنطق هذه الجماعات بفكر وممارسة التقية...وتخفى وجهاً سرعان ما تزول عنه الحجب والمساحيق بمجرد تسللها للسلطة بأي مكان فى العالم...فتلفاهم حينئذ وحشاً كاسراً لا يرحم الخصوم حتى لو كانوا من الأهل والعشيرة، وتجدهم يسبحون فى وهم عجيب...يجعلهم يتصورون أنفسهم ورثة المصطفي عليه الصلاة والسلام دون غيرهم من المسلمين...وأنهم الفئة الناجية... وكل فئات المسلمين الأخري مصيرها الهلاك ثم جهنم......وأنهم يمثلون دار السلام...وكل البشرية الأخري دار حرب لا بد من الجهاد ضدها حتي الثمالة.
ولقد سكت الغرب عن أول زلزال أحدثه الإسلاميون بالشرق الأوسط...وهو الثورة الإسلامية الإيرانية ضد الشاهنشاه عام 1979 ...وهي لم تكن "إسلامية" فى بادئ أمرها، ولم يكن هناك وجود يذكر للإخوان أو الجماعة الإسلامية بإيران الشاه...فقط ملالي الشيعة الموجودون بقم (الفاتيكان الشيعي) بزعامة آية الله روح الله الخميني اللاجئ بفرنسا...والحزب السياسي العريق الوحيد كان حزب تودة الشيوعي الذى لم تكسره نيف وعشرون سنة من الملاحقة والاضطهاد والتصفيات أيام الشاه...ولما هبت ثورة الشعب فى ذلك العام هيمنت شخصية الخميني الكاريزمية علي الجو السياسي، ففرض ملالي قم الهوية الشيعية علي الحراك الشعبي، وكانت تلك خطوة انتهازية ناجعة لأنها فعلاً وحّدت كل الإيرانيين ضد الشاه...وبمجرد زوال الشاه، فرض الخميني هوية أخري... وهي "الإسلامية"، للإستفادة من تيارات الإسلام السياسي التي يعج بها الشرق الأوسط...خاصة وسط المتطرفين من الفلسطينيين الذين نشطوا فى دعم الثورة بأيامها الأولي...ولقد بدأ الحرس الثوري نشاطه فى ذلك العام بأول عملية إرهابية من نوعها...أصبحت نموذجاً لكل ما تلاها من عمليات إرهابية دولية...وهي حبس كل موظفي السفارة الأمريكية فى مبناهم بطهران كرهائن لأكثر من عام...وكانت الحكومة الأمريكية فى موقف المستجدي المتهالك الضعيف، ولم يشفع لها الأسطول الخامس ولا السي آي إي ولا حلف الناتو بكل جبروته...وفشلت محاولة كارتر لإنقاذهم بعملية مارينز سرعان ما أصدر أمراً بإلغائها وسحب القوة المشاركة فيها...وكانت النتيجة أن تهشمت الصورة التقليدية المعروفة لأمريكا كقوة عظمي...وبدت كأنها فعلاً نمر من ورق....ولم ينجل هذا الموقف إلا بعد ذهاب إدارة جيمي كارتر وفوز رونالد ريقان فى انتخابات 1980 ...ومنذئذ تربع الشيعة علي السلطة فى إيران تحت لافتة كبري ذات ظلال أممية وهي "الثورة الإسلامية"...رغم الديباجة الشيعية...وعدم وضوح الرؤيا السياسية ...وغياب البرنامج الإقتصادي الإجتماعي...وهناك قول مأثور للخميني فى أول أيامه: "إن الثورة الإسلامية لم تتفجر لتحدد سعر البطيخ."...وسيطر علي النظام فوضويو الحرس الثوري...والملالي اليمينيون بقم... فأصبح ملكاً عضوداً لا يقل شراسة وبطشاً عن نظام الشاه...وانطلق الحرس الثوري وارثاً للسافاك فى كل أساليب التعذيب والإقصاء للخصوم السياسيين، بدءاً بحزب تودة الذى تمت تصفيته بالكامل،...وفرضوا أوليقاركية فظة ذات نوستالجيا للإمبراطورية الساسانية الفارسية القديمة...وذات نوايا توسعية تشمل الشرق الأوسط برمته...بدءاً بالدول القريبة حيث الأقليات الشيعية الضخمة...واستمروا فى احتلال الجزر الإماراتية الثلاث التى كان الشاه قد غزاها عام 1971... وانخرطوا فى حرب مع العراق دامت عشر سنوات...وما زالوا يتدخلون ويناوشون الجيران مثل البحرين والكويت...وعينهم علي شرق السعودية وجنوب اليمن...وكذلك سوريا حيث العلويين أبناء عمومتهم...ولبنان حيث الأقلية الشيعية المتنمرة تحت قيادة حزب الله وحسن نصر الله....كل ذلك، والأمريكان فى فمهم ماء، فلقد كانوا فعلاً يدعمون نظام آل بهلوي الدكتاتوري منذ عام 1953، عندما أطاحت السي آي إي بحكومة الدكتور مصدق الديمقراطية...فقط لأنها أممت شركات النفط...وظلت حارساً وداعماً للشاه حتى أجبرته ثورة الشعب علي الترجل. وما زال الملالي يواصلون تحديهم للحكومة الأمريكية وللأسرة الدولية بكل ثقة فى النفس...رغم أنهم لم يعملوا حتي هذه اللحظة علي إزالة الفقر عن شعبهم...وليس لديهم أي برنامج للتقدم الإقتصادي والتحول الإجتماعي...مثل الصين والهند وتركيا والدول الخليجية الناجحة كالإمارات...ولكن تجدهم فقط يعدون العدة للحرب...ويبالغون فى التصنيع الحربي...ويتحرشون بالجيران...ويثيرون الفتن...ويتحالفون مع الشيطان من أجل توسيع نفوذهم...وهكذا.
وسكت الغرب و لا زال يتحلي بالصمت الرهيب إزاء نظام الإخوان المسلمين الذى سطا علي الحكم فى السودان عن طريق انقلاب عسكري فى 30 يونيو 1989،....ولقد تبرع بتسويق ذلك النظام للدول العربية صديق ومندوب أمريكا الأول بعد إسرائيل – نظام حسني مبارك-...ورغم التناقض السني/الشيعي، دخل النظام الإخواني بزعامة الشيخ حسن الترابي فى حلف وثيق مع النظام الإيراني منذ يومه الأول، فتولي الإيرانيون تصنيع الأسلحة بالسودان، وشاركوا فى الجهاد الذى استمر ضد الجنوبيين من 1989 حتى إتفاقية 2005 بين قرنق وحكومة الخرطوم...ولقد شارك الإيرانيون بطياريهم وطائراتهم الحربية التى استخدمت غاز الخردل والقنابل العنقودية ضد القرويين الجنوبيين...مما عمق الجراح وقاد فى النهاية لانفصال ذلك الجزء الاستراتيجي من الوطن. ولما أبدي نظام الخرطوم بعض التفلّت والتواطؤ مع الجماعات الإرهابية الصومالية والدولية...سلط الرئيس كلنتون نيران الأسطول الخامس الأمريكي على الخرطوم، وضرب مصنع الشفاء...وارتعدت فرائص النظام......ولكن سرعان ما عادت المياه لمجاريها مع الحكومة الأمريكية التي شرعت فى التوسط بين نظام الإخوان ومعارضته الجنوبية...(بدعوي ضرورة الإنزال السلس للنظام وتفكيكه علي مراحل، إذا ما وافق علي تضمين مصفوفة حقوق الإنسان فى اتفاقية السلام بنيفاشا التى سيرفد بها دستوره)...إلي أن تم إبرام تلك الإتفاقية عام 2005...وكانت حصيلتها النهائية بعد ذلك ببضع سنوات إنفصال الجنوب...وسط وعود بمساعدات مالية هائلة من الغرب لكل من الجنوب والشمال...وفى الحقيقة، لم يتم الالتزام بتلك الوعود...غير أن جهات أخري، مثل دولة قطر، تولت مسألة دعم نظام الإخوان الحاكم فى الشمال ... وأمسكت بملفات الوساطة مع المعارضين...بتركيز على مسألة دارفور. ومن الصعوبة بمكان تصنيف النظام الحالي فى السودان كإسلامي أصولي أو ما شابه ذلك...فبعد العشر سنوات الأولي حدث ما يسمي ب"المفاصلة" وتم إبعاد وسجن مؤسس وزعيم حركة الإخوان بالسودان...الدكتور حسن الترابي...ومعه الكوادر الإسلامية التى يبدو أنها لم تتهالك تماماً أمام غنائم السلطة ونعم الجاه والفساد المالي والإداري الذى استشري علي يد النظام الجديد...وتحول الحكم لدكتاتورية عسكرية...تماماً مثل دكتاتورية جعفر نميري فى آخر أيامها...كأن التاريخ يعيد نفسه....وكما فعل النميري، فإن نظام البشير يستخدم الورقة الإسلامية لإسكات وإرهاب المعارضين، خاصة باستخدام العقوبات الحدية الجزافية...من جلد بالكرباج وقطع للأوصال وصلب وإعدامات، مضافاً إليها الإجراءات القمعية الأخري والقوانين الاستثنائية،... وفى نفس الوقت يمالئ هذا النظام الغرب ويتعاون في تنفيذ مخططاته الإستراتيجية، مثل فصل الجنوب.
ولقد سكت الغرب عن طالبان عندما كانت تشن حرباً ضد نظام شيوعي مرتهن لدى الإتحاد السوفيتي فى الثمانينات، وهي جماعة نمت وترعرعت فى باكستان الحليف التاريخي للولايات المتحدة. وقد قفزت طالبان للسلطة بمليشيا لا يتعدي أفرادها بضع مئات، وبأسلحة وعتاد متواضع لا يرقي لمستوي ما كانت و لا زالت تمتلكه عصابات تهريب المخدرات الأفغانية. وقد ضرب الغرب صفحاً عن طالبان وهي تفتك بالشعب الأفغاني المسكين، وتعيد ذلك البلد المستغيث للقرون الوسطي الممعنة فى همجيتها، لفترة عشر سنوات. ولكن، بعد 11/9 ، وبين غمضة عين وانتباهتها، كان الجيش الأمريكي، مدعوماً بثلة من القوات الغربية الأخري، علي أعتاب كابول، وتفرقت فلول طالبان كأنها حمر مستنفرة (أو فص ملح ذاب)،...كأنها لم تكن فى يوم من الأيام...وفى الحقيقة، إكتشف الأمريكان بعد ذلك بزمن طويل أن العدة التى أعدوها لاستعادة أفغانستان كانت أكبر مما يجب overkill، وأن شرور الإرهاب التي تناهت من الكهوف الأفغانية إلي كافة بقاع الدنيا...من البلقان إلي الشيشان والعراق واليمن والسودان وكينيا وتنزانيا...كان من الممكن احتواؤها منذ زمن مبكر...وبتكلفة أقل من هذه الحرب التى شنوها عام 2001 علي أفغانستان...والتى ورطتهم فى (خفجيبة)...أي رمال متحركة فيتنامية أخري quagmire لا يدرون كيف ينسلّون منها. واكتشفوا كذلك أن جماعات الإسلام السياسي لها عدة أوجه، وأنها a strange bed fellowذو شبق للسلطة لا يدانيه إلا ذلك الذى شهده العالم فى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين عندما إعتلت الفاشية والنازية السلطة فى إيطاليا وإسبانيا وألمانيا واليابان...وأرادت أن تنداح نحو العالم كله غازية ومستعمرة.
وسكت الغرب عن الإخوان المسلمين وهم يتسللون للسلطة فى دول "الربيع العربي"؛ وهو سكوت مرتب بحكم إتفاق مسبق مع تنظيم الإخوان المسلمين الدولي، والجماعة المصرية خاصة، لتمكين هذه الجماعات فى مصر، بعدما وهنت قبضة حسني مبارك وظهر التشقق والتكلس والترهل فى نظامه. هذا ما كشفت عنه العديد من المعلومات المتسربة فى الآونة الأخيرة، خاصة ما ذكره ثروت الخرباوي... وما قاله محمد حسنين هيكل عن الورقة التى إطّلع عليها فى زيارته للفاتيكان قبل أربع سنوات....والتي تحدثت عن استراتيجية أمريكية تسعي لدعم الإخوان المسلمين حتي يتمكنوا من سد الفراغ الذى سيتركه نظام حسني مبارك الآيل للسقوط لا محالة، وذلك لأنهم (أي الإخوان) الأكثر تنظيماً، ولأنهم لا يمانعون فى الامتثال لإتفاقية السلام مع إسرائيل...وكافة التفاهمات مع الولايات المتحدة...(تقية أو لا تقية)... و لأنهم، من محمد مرسي إلي كافة حملة الدكتوراة بأطقمهم القائدة، تلقوا تعليمهم العالي بالولايات المتحدة... ولأنهم حليف قديم منذ أيام الحرب الباردة...وسنوات "الجهاد" فى أفغانستان.
وخلاصة القول، كثيراً ما يتحالف الغرب، عبر الجهات الإستخباراتية، مع جماعات الإسلام السياسي، ليكتشف أنهم رفيق درب غير مضمون العواقب بما له من أجندة خاصة. ولربما تدفع التفجيرات الأخيرة باتجاه إعادة النظر فى هذه التحالفات، وربما تقود لإدراك الوشائج الانتهازية التى تربط تنظيم الإخوان العالمي بنظام الملالي الحاكم فى إيران...بما ينطوي عليه الأخير من نوايا زعامية وتوسعية. ومهما يكن، فإن الشعوب التى ترزح تحت هذه الأنظمة الثيوقراطية أو المتسربلة برداء الدين تقية وتمثيلاً... للاستمرار فى السلطة عبر إخافة وترويع شعوبها...لن تنتظر الغرب لتخليصها من براثن تلك الأنظمة الشريرة...والغرب أصلاً لا يمانع فى التعاون مع الأنظمة القمعية...(ليست لديه قشة مرة)...فمن أصدقائه المقربين كان الجنرال فرانكو دكتاتور إسبانيا، وسلازار رجل البرتغال القوي حتى ثوي، وبينوشيه بتشيلي، وموبوتو بزائير، ونظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا حتى انهار فى مطلع التسعينات...وأخيراً بن علي بتونس وحسني مبارك بأرض الكنانة...وفى كل هذه الدول كانت الكلمة العليا للشعوب التى أخذت زمام المبادرة فى يدها عندما حانت الأزمة الثورية... وأزاحت تلك الأنظمة الاستبدادية...ولن يمانع الغرب فى التأقلم مع الترتيبات الجديدةLike a rebel's whore كما قال وليام شكسبير في "ماكبث" المشهد 2 – الفصل الأول.
ألا هل بلغت...اللهم فاشهد!
والسلام.
EL FADIL Mohamed Ali [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.