جهاز المخابرات العامة يدفع بجهود لجنة نقل الرفاة للمقابر    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    شاهد بالفيديو.. سيدة سودانية تشكو في بث مباشر: زوجي يخونني ويقيم علاقة غير شرعية مع زوجة إبن عمه التي حملت منه وهكذا جاءت ردة فعلي!!    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثورة مصر: حساب أم كوار (1 و2) .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 04 - 08 - 2013


---------------------
** الحلقتين الاولى والثانية***
(1)
قلنا، الثلاثاء الماضي، أن أهل المحروسة هم أصحاب الزُبد، وما علينا من شواء الزبد لو أن صاحب الزبد قال أشووها. وكتبنا أن الأحباب من يساريي مصر وليبرالييها تواضعوا مع جيشهم على إتباع شريعة الراحل معمر القذافي التي مقتضاها أن التمثيل عبر صندوق الاقتراع تدجيل، وان الديمقراطية الحقيقية تؤخذ كفاحاً من تجمعات الناس في السرادقات والساحات والميادين والشوارع. وترحمنا على المفكر صاحب النظرية العالمية الثالثة الذي ظلمناه حياً وميتاً. وباركنا لثوار الكنانة استدعاءهم الجيش لحسم الصراع السياسي بينهم وبين خصومهم، عوضاً عن صناديق الاقتراع، تأسياً بالبيت الذي لم يقله أبوتمام: "الجيش أصدق إنباءً من الكتب / في حده الحد بين الجد واللعب"!
(2)
ونريد في يومنا هذا من باب الاطمئنان على الأحباب في المحروسة، التي دخلت بفضل الله حقبةً جديدة صح ان يطلق عليه الحقبة السيسية، أن نسأل عن أشياء نرجو الا تكون من ضمن تلك التي إن بدت ساءت، كما في قول المولى عز وجل (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم). ولولا أننا قدّرنا أن الأحداث قد تسارعت، على نحو ربما اضطربت و(تمخولت) معه بعض العقول، لما سعينا للسؤال. إذ بدا لنا أن الفرحة العارمة بإقصاء الاخوان المسلمين أطارت الأبراج من عقول بعض الشخصيات كليةً فصارت تهرف بأحاديث محيرة، ومن بين هؤلاء من نحسبهم في الطليعة من نخبة مصر ومفكريها.
(3)
هل هناك من يشك في أن المثقف والروائي العالمي جمال الغيطاني يحسب ضمن النخبة في مصر؟ في حوار أجرته معه صحيفة (الحياة) مؤخراً جاءت سيرة التعبير الذائع (أخونة الدولة) ضمن الجرائم البشعة التي يفترض أن الاخوان المسلمين قد ارتكبوها خلال حكمهم القصير. سأل المحرر: (كيف ترى تعيين وزير للثقافة يتردد أنه من الموالين لجماعة الاخوان المسلمين. هل يندرج ذلك تحت أخونة الدولة؟) كانت الاجابة عند المثقف العتيد بالإيجاب القطعي، فأكد أن تعيين وزير للثقافة ينتمي الى حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي للاخوان المسلمين يعتبر أخونة للدولة. قال الغيطاني يعبر عن استنكاره لهذا التعيين: (نعم هي الأخونة)، واضاف: (والواحد يضبط نفسه معجبا بقدرة هذه الجماعة على التمكين لنفسها والسيطرة على مفاصل الدولة. وللأسف تأتي الاخونة بينما المثقفون ليسوا في أفضل حالاتهم. ونحن هنا لا نواجه حالة حزب يحتل مكاناً [يقصد المنصب او المناصب الوزارية]، وانما هي دولة تحتل دولة)!
(4)
ما هذا التخليط؟ هل يجوز أن جمال الغيطاني، أحد رموز مصر الثقافية، كان نائماً في العسل فلم يسمع بأن حزب الحرية والعدالة وحلفائه من الاسلامويين حصلوا على 72% من مقاعد مجلس النواب و82% من مقاعد مجلس الشوري وأن رئيس ذلك الحزب فاز ب52% من اصوات الشعب في انتخابات الرئاسة؟ أم يحتمل أنه سمع، ولكنه لم يكن يعرف أن من أساسيات الديمقراطية في كل الأنظمة الرئاسية وشبه الرئاسية والبرلمانية في العالم أن الحزب الفائز يشكل الحكومة، وأن رئيس الوزراء وجميع أعضاء مجلس الوزراء (ومن ضمنهم وزير الثقافة) والحكام والمحافظين وجميع شاغلي المناصب الدستورية في الدولة يختارهم الحزب من بين منسوبيه الملتزمين بسياساته وبرامجه؟ ما هو اذن الخطأ الذي ارتكبه حزب الحرية والعدالة باتباعه التقاليد الدستورية التي تقرها قواعد الممارسة الديمقراطية المتعارف عليها دولياً؟ سبحان الله. ديمقراطية هي أم كوار؟! هل يُقال عن تعيين حزب العمال في بريطانيا لرئيس الوزراء وأعضاء الحكومة من بين منسوبيه حال فوزه في الانتخابات (عمللة الدولة)؟ أم يقال (محفظة الدولة) عندما يكون الفوز للمحافظين؟!
(4)
هناك قائمة طويلة من البنود التي نود أن نسأل عنها الاحباب في المحروسة، وجميعها أكثر أهمية من المصير الشخصي للرئيس الذي عزله الجيش الدكتور محمد مرسي. ولكن أمر الاتهامات التي اذاع إعلام الفريق السيسي انه تم توجيهها لمرسي مؤخراً يلح علىّ الحاحاً. لاحظت ان الاتهام الثالث في القائمة هو (الهروب من السجن). سألت نفسي بادئ الأمر: "سجن ايه؟ هل هرب مرسي من السجن"؟ وقد خطر لي انه ربما فر من معتقله في القاعدة العسكرية التي يحتجز فيها حالياً. غير أنني فوجئت بأن ذلك لم يحدث وان التهمة تتعلق بهروبه من معتقله في سجن طرة مع آلاف المعتقلين والمسجونين الذين فروا من السجون في احداث الخامس والعشرين من يناير 2011.
معلوم أنه في ذلك التاريخ اضطربت الأحوال داخل السجون، وحتي يوم الناس هذا لم يذع على الناس تقرير لجان تقصي الحقائق حول حقيقة ما حدث. ولكن الثابت انه كان هناك تمرد واطلاق نار، ولم تعد السلطات قادرة على تأمين سلامة المسجونين والمعتقلين. بل أن مدير السجون نفسه اللواء محمد البطران قتل رمياً بالرصاص في معمعة الفوضي. ومن بدائه الامور والحال كهذا أن يغادر جميع المسجونين السجن بحثاً عن الأمان. وبطبيعة الحال كان من ضمن الفارين معتقلين من القوي السياسية اليسارية والليبرالية المختلفة، فلم يكن كل معتقلي النظام المباركي من الاخوان المسلمين. السؤال: لماذا كان مطلوباً من محمد مرسي بالذات، وهو في الأصل معتقل سياسي، ان يعتصم داخل سجن لم تعد تحكمه سلطة ولا قانون، بل ولم يعد له وجود واقعي، بينما خرج الباقون دون ان يسائلهم أحد؟ والسؤال الثاني: لماذا لم تفتح بلاغات وتوجه اتهامات ضد رموز التيارات اليسارية والليبرالية التي هربت من السجن تماما مثلما فعل مرسي؟ أما السؤال الثالث، فيا جماعة انتو نصيحين ولاّ مجانين؟!
(5)
تحيرني دائماً حالة (اللخمة) التي تضرب أحبابنا أهل المحروسة عند عزل الرؤساء، والهوس الانفعالي وفقدان المنطق التي يلحق بهم في مسعاهم لاحكام الانشوطة حول عنق كل رئيس ينخلع من أريكة السلطة ويقع بين أيديهم . كانت آخر مظاهر الهوس وفقدان المنطق عندما اصدرت المحاكم احكامها بتبرئة الرئيس السابق حسني مبارك من الاتهامات بقتل المتظاهرين وغيرها، فركب الثوار رؤوسهم وأصروا على ايجاد اتهامات جديدة، فوجه اليه النائب العام على عجل تهمة استلام هدية، عبارة عن قلم حبر مذهب وربطة عنق ايطالية بعثت به اليه في صندوق فاخر، كما بعثت به للعديد من قادة الدولة، مؤسسة الاهرام للصحافة والنشر!
مهما يكن من أمر مبارك، فإن قرار النائب العام توجيه تهمة الهروب من سجن، قُتل مديره وفر منه كل السجناء والجنود والضباط، للدكتور محمد مرسي، دون توجيه نفس التهمة لغيره من الهاربين من منسوبي الأحزاب الاخرى سيبقي، وسيأخذ مكانه بجدارة، على رأس ابداعات حضارة (السبعتلاف سنة)!
(6)
أخيراً، هل سمعت - أعزك الله - عن عدّاد الرضا وعدّاد السخط؟ هذان العدادان تملكهما وتديرهما قناة الجزيرة في قطر. وهما أبني عم عين الرضا وعين السخط. الحاصل أن قناة الجزيرة إبان هوجتها في مناصرة ثورة 25 يناير في مصر استخدمت عدّاد الرضا في احصاء المتظاهرين بميدان التحرير، فظلت عبر نشراتها الاخبارية تزعم ان عدد المتظاهرين بلغ مليون ثم مليونين فثلاثة ملايين، وأخيراً وصل الرقم، بحسب عداد الرضا، الى ستة مليون متظاهر في ميدان التحرير.
ولكن وبعد التطورات الاخيرة، والموقف العدائي للقناة وسدنتها من الاسلامويين، تجاه تدخل الجيش وعزل الرئيس مرسي، سحبت القناة عدَاد الرضا، واستخدمت عداد السخط. قبل أيام قدمت الجزيرة مادة اخبارية حملت بيانات علمية تفصيلية أثبتت من خلالها عبر قياس مساحة ميدان التحرير بالمتر المربع أن الطاقة القصوي للميدان لا تتعدى ثمانمائة الف متظاهر في افضل الاحوال. وأكدت أن عدد المتظاهرين الذين ملأوا ذلك الميدان تأييداً للفريق السيسي لا يمكن أن يتجاوز ذلك العدد. وهكذا جاز تصحيف البيت الشهير ليقرأ: (عداد الرضا عن مساحة ميدان التحرير كليل / الا ان عداد السخط يبدي لك المساحة بالمتر المربع)!
** الجزء الثاني ***
أشرت من قبل في احدي مقالاتي الى أن الدكتور أمين مكي مدني، وزير الاسكان والاشغال العامة في حكومة الانتفاضة الانتقالية عام 1985، كان الوزير الوحيد الذي اعترض علي قرار مجلس الوزراء بالموافقة على توصية النائب العام بتقديم اعضاء مجلس قيادة انقلاب مايو 1969 للمحاكمة، بتهمتي التمرد وتقويض الدستور.
كان من رأى الدكتور أمين أن شعب السودان استقبل انقلاب مايو بتأييد كاسح، وأن اوسع القطاعات الشعبية، فضلاً عن النخب خرجت الى الشارع فساندته ونافحت عنه، وان ذلك التأييد العريض منح الانقلاب نوعاً من الشرعية. وليصححني الدكتور ان تاهت عني الحقائق، ولكنني أكاد اذكر قوله بأنه شخصيا أيد الانقلاب وسانده، وانه ليس بوسعه من الوجهة الاخلاقية ان يوافق على محاكمة منفذي انقلاب كان هو شخصيا ضمن مؤيديه في يومه الاول.
الحقيقة تبقى أن مجلس وزراء الانتفاضة كان يضم في عضويته آخرين ممن ساندوا نظام مايو ومشوا في مناكبه، ولكن اتخاذ واشهار موقف كموقف الدكتور أمين يتطلب قدراً من الشجاعة والاتساق الخلقي ربما يصعب توفره عند جميع الناس. ما علينا.
السؤال الذي يطرح نفسه: هل خروج حشود كبيرة في مهرجانات وتظاهرات شعبية مطالبة بازاحة حكومة منتخبة ديمقراطياً، أو دعماً للانقلاب على حكومة منتخبة ديمقراطياً تسحب الشرعية من النظام المطاح به وتبذلها للنظام الجديد؟ مؤكد أن هذه عقيدة كثيرين بشأن ما حدث في السودان في مايو 1969، وفي مصر في يوليو 2013. في الحالة السودانية كانت الدفوع المطروحة هي أن الطليعة الثورية في القوات المسلحة استجابت لارادة الشارع واختياره ورغبته في انهاء نظام الديمقراطية الثانية. في الحالة المصرية نجد ذات الدعوى والدفوع تصدر من جموع المتظاهرين بشأن تدخل الجيش وانحيازه لجانب متظاهري الاحزاب والتنظيمات الليبرالية واليسارية. الفارق الوحيد هو انه في النموذج السوداني خرجت التظاهرات الهادرة بعد التدخل العسكري، بينما في النموذج المصرى نزل المتظاهرون الى الميادين أولاً.
منذ انبثقت الديمقراطية في عصر النهضة والتنوير خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر تواضعت الانسانية على ان ممارستها كنظام حاكم للدولة والمجتمع تستند على آليات تطبيقية محددة. الآلية الأساسية التي تواضع عليها العالم هي صندوق الانتخاب. وفي التجربة المصرية موضع النظر تم اللجوء الى هذه الآلية عبر انتخابات حرة مباشرة ومراقبة دولياً، فحصل حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسي للاخوان المسلمين وحلفائه من السلفيين وغيرهم، على زهاء ال 72% من مقاعد مجلس النواب و82% من مقاعد مجلس الشورى، بمتوسط 77% من مقاعد الهيئة التشريعية مجتمعة. وعندما تمت صياغة دستور جديد للبلاد وعرض على الاستفتاء الشعبي صوت ثلثي الشعب المصرى لصالحه. ولا جدال في ان الرئيس الشرعي، رهين الحبس حالياً، الدكتور محمد مرسي حصل على غالبية الاصوات في انتخابات الرئاسة.
نحن اذن أمام ظاهرة وواقع فريد يضع قضية الشرعية السياسية وآليات ممارسة الديمقراطية المتعارف عليها دولياً في المحك. ووفقاً لهذه الظاهرة وتجلياتها على أرض الواقع الجديد فإن صندوق الاقتراع لم يعد هو الآلية المعتمدة لتحديد وإنفاذ الارادة الشعبية. بمعني أنه لم يعد كافياً ان يحصل كيان سياسي معين على تفويض شعبي لممارسة الحكم عبر صناديق الاقتراع، لأن هذا التفويض يجوز من الآن فصاعداً سحبه بقرارات ومراسيم عسكرية في حالات التظاهر والاحتشاد الشعبي. فإذا كان التظاهر والاحتشاد ناجحاً وامتلأت الميادين العامة بجموع المطالبين باسقاط الحكومة، نهضت القوات المسلحة فأزاحت أصحاب التفويض.
بحسب المنظرين الليبراليين واليساريين الجدد في مصر فأن شرعية الصندوق مجرد شرعية اجرائية، لا أكثر ولا أقل. وأن قاعدة (رجل واحد صوت واحد)، تلك الايقونة ذائعة الصيت، التي تعبر عن محمولات الديمقراطية وقيمها الممتدة منذ القرن السابع عشر، مجرد خرافة. وبالتالي فأذا قرر عدد كاف من (المتظاهرين) أن الحزب الفائز عبر صناديق الاقتراع ليس صالحاً للحكم، جاز الخروج عليه وتمكين القوى السياسية المغايرة من السلطة، حتي ولو كانت تلك القوى قد خاضت الانتخابات وخسرتها.
وهكذا وبدلاً من أن يكون صندوق الاقتراع هو موئل السلطة ومصدرها، والقانون الذي يسبغ الشرعية ويؤمنها، كما تقرر مبادئ الديمقراطية واصولها المستقرة، تحولت الشرعية الى المتظاهرين في الشارع مباشرة، فمن هؤلاء المتظاهرين تُستمد السلطة ويُمارس الحكم. سبحان الله. ظلمناك يا معمر القذافي، الله يرحمك ويبشبش الطوبة اللي تحت راسك. ألم يكن القذافي هو الذي علمنا ان التمثيل عبر صندوق الاقتراع تدجيل، وان الديمقراطية الصحيحة هي الديمقراطية المباشرة، تؤخذ كفاحاً من جموع المتجمعين في الساحات والسرادقات؟
ولهذا نقول أن قائد جيش الكنانة الفريق عبد الفتاح السيسي لم يكن مخطئاً أبداً عندما أهاب بالمواطنين في خطاب علني مذاع الاسبوع الماضى ان يخرجوا الى الشوارع في يوم معين، حتي يراهم ويعدّهم عدا، فاذا كان العدد مناسباً قام بممارسة سلطاته في تأمين البلاد وردع العابثين، أو كما قال. وذلك مع أن المثل المصري السائر يستهجن عدّ الناس فيقول (العدد في الليمون). ولكننا نعرف ان مسيرة الحياة مضطردة، والشعوب والمجتمعات تتطور حاجياتها ومتطلباتها، ولهذا اصبح عندنا الآن، في عهد السيسي، عدد في الليمون وعدد في المتظاهرين!
شلالات الفرح والابتهاج تعم جموع الليبراليين واليساريين المصريين، فهي اليوم مزهوة بتدخل الجيش لإبطال نتائج صناديق الاقتراع، وفرض شخصيات جديدة لحكم البلاد. وقد تصادف – مجرد مصادفة - ان أغلب هذه الشخصيات خاضت الانتخابات وسقطت، او تراجعت عن الترشيح في اللحظات الاخيرة خوفاً من النتائج، كما في حالة نائب الرئيس، الذي عينه الجيش، محمد البرادعي. ولكن لا بأس، الليبرالي أو اليساري الساقط، أو المنسحب، خيرٌ من الاسلاموي الفائز. ما معني الاقتراع في بلد اغلب سكانه يعمهون في سمادير الجهل ويصوتون للاخوان المسلمين؟ يلا. بلا صندوق اقتراع بلا خيبة!
لا أريد ان أفسد على القوم بهجة يومهم. أدام الله البهجة. ألف مبروك لأحبابنا في الأحزاب الليبرالية واليسارية وتحالفات الثورة الشبابية المصرية نجاح تظاهراتهم، واستدعائهم الجيش لحسم الصراع السياسي الديمقراطي عبر الأوامر والاحكام العسكرية العرفية، عوضاً عن صناديق الاقتراع. وفي البيت الذي لم يقله أبوتمام: (الجيشُ أصدق إنباءً من الكتب / في حده الحد بين الجد واللعب)!
نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.