"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الطيب صالح وأكتوبر: من أين جاءت حكاية عبود الطيبان؟ .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 21 - 10 - 2013


1- تاريخ ما لم يحدث أبداً: تنازل نظام عبود بسماحة
لا غلاط أن الطيب صالح روائي منقطع النظير ولكنه مؤرخ سيء. فبينما يبني شخوصه الروائية بريشة واثقة راشدة نجد أنه يبسط حياة من لعبوا دوراً في التاريخ إلى حد الكاريكاتورية. فروايته عن تسليم الفريق إبراهيم عبود للسلطة بعد قيام ثورة أكتوبر 1964 مما لا يصدق أن تأتي من الطيب صالح الذي جعل من شخوصه المتخلية مثل مصطفي سعيد كيانات تاريخية من فرط الشحنة الاجتماعية والثقافية التي تخللت فعلهما السردي. فعبود في رواية الطيب صالح "طيبان" في دلالاتها المصرية وهو وصف ربما لم يسعد به عبود نفسه الذي أخذ مسؤوليات الدولة بجد وحزم قتل فيه النفس خلال تأديته لها.
في تقديمه لطبعة لونقمان لروايته "موسم الهجرة للشمال" كتب الطيب صالح عن عودته للسودان في 1966 منتدباً من البي بي سي العربية لإذاعة أم درمان. وصف المناخ في الخرطوم آنذاك بالروعة "لأن السودانيين قد أطاحوا، للتوّ، بحكومة الفريق عبود العسكرية بثورة شعبية أكثر روعة. لم ترق دماء كثيرة، لحسن حظ الجنرال عبود، والذي استجاب فورًا للإرادة الشعبية، وحالاً سلم الحكومة، وبشكل سلمي للأحزاب السياسية". أما تفاصيل القصة فقد رواها في موضع آخر. قال الطيب "كان عبود على سن التقاعد يريد أن يقضى بقية العمر يتعبد ويأنس بصحبة الرجال من سنه فجاءه الضباط وقالوا له نعمل ثورة وأنت قائدها وقال لهم الله يهديكم أنا وصلت سن المعاش. وقبل على مضض. وحكم البلد بلا نفس. شغل روتين. وكان يلقي بعض الخطب بلا قناعة ولا حماسة ترد فيها مثل أننا سنضرب بيد من حديد. ويوم سمع "يسقط عبود الطاغية" جمع جماعته وقال لقد قلتم لى إن الشعب معنا وما هو معنا كما هو واضح. وتحسر على سنوات ضاعت لم يقضها في هناءة المعاش يحكم من ظنهم معه وهم ليسوا معه. وأنزوى وقام ضابط آخر بثورة فهتف له الناس في الأسواق :"يعيش عبود البطل". الشعوب أمرها عجيب وهذا الشعب من أعجب الشعوب".
المؤلف الذي جعل الخيال تاريخاً هبط بالتاريخ إلى "حدوتة" (لست لأني أبخس الحدوتة كدارس لها بل جرياً وراء العبارة). ولم يحدث في واقع الأمر أياً مما ذكره الطيب. فلم يقدم عبود على الحكم يجرجر قدميه. فقد عالجت في مواضع أخرى كيف أنه أخذ الحكم أخذاً وبيلا. وقلت إننا لم نتبين بعد كيف تحول المجلس الأعلى للقوات المسلحة من مهمة "حالة الطواريء" التي أمره بها عبد الله خليل البيه، رئيس الوزراء، إلى الانقلاب والانفراد بالحكم لست سنوات لم يخطر له فيها ليوم العودة القهقري للحياة الدارجة التي صورها الطيب صالح. بل رأيناه يقاتل بالظفر والناب ليبقى في السلطان في وجه مقاومة عسكرية ومدنية. وقد أنكر عبود إيعاز البيه لهم بالتحرك العسكري وهو في السلطة ولكن بادر به حين مساءلته بواسطة لجنة التحقيق في ملابسات انقلاب 17 نوفمبر 1975.
أما ملابسات تنزل عبود عند إرادة الشارع في أكتوبر فقد رواها البروفسير كليف تومسون في كتابه "ثورة اكتوبر في السودان" وليس بينها وبين تصوير الطيب صالح لها صلة البتة. وكليف كان عند قيام ثورة أكتوبر محاضراً أمريكياً شاباً بكلية القانون بجامعة الخرطوم. وأخذت الثورة بلبه فكتب يومياتها وهي تسفر عن نفسها يوماً بعد يوم ثم راح يعقد المقابلات مع وجوهها المدنية والعسكرية ليكتب كتابه. وهو عندي ثقة. وسنرى فيه أن عبود كان آخر من جاء إلى التنازل عن الحكم وسبقه حتى اللواء حسن بشير، نائبه وذراعه اليمني، الذي اشتهر بالبطش. بل تسمع من يقول عنه أنه أراد أن يبيد المتظاهرين عن بكرة أبيهم. ولم يحدث منه هذا أيضاً.
يؤرقني السؤال: كلنا في الجيل يعرف أن الجيش انفصل عن الدولة ومجلسها العسكري بصورة أو أخرى وطالب بحل الأخير ومع ذلك تعامينا عن تسليم عبود للسلطة مجبراً ورحنا ننسج الحدوتات مثل "حدوتة" الطيب صالح. أستبعد أن يكون هذا التعامي قد تم بنية سيئة مثلاَ. ربما. ولكن من المؤكد أنه راجع لطريقة تأرختنا لثورة أكتوبر كواقعة سودانية خالصة ل"معلم الشعوب". فقد نزهناها عن علم الثورات المقارن على أنها احتشدت بالرموز والآليات التي تنعقد بها ألأواصر مع الثورات. خذ مثلاً الإضراب السياسي العام وهو أداة مجربة في تاريخ الثورات الأوربية. بل أخذناه نقلاً عنهم ولم نعد نراجعه على ضوء خبرتهم. ولما لم نكتسب علم الثورة جهلنا حتى بأمر ثورتنا نفسها ورحنا نذيع حقائقها كأحاديث خرافة. فعلماء الثورة تناولوا مثل تنازل عبود عن الحكم بضغط من قوى نظامية. واصطلحوا على تسميه فعل هذه القوى ب"المروق" (defection) أي تنصلها عن الحاكم فيُكره على التسليم. وبعض هذا المروق جزئي وبعضه شامل وبعضه ماكر مستتر. ومن أفضل من يدرس ظواهر الثورات السلمية ونجاحها بالنظر إلى المروق الدكتورة إريكا جنوويه التي أصدرت في العام الماضي كتاباً مع زميلة لها عنوانه "لماذا توفق المقاومة المدنية؟ المنطق الاستراتيجي للنزاع السلمي" (دار جامعة كولمبيا للنشر 2011). ولقي الكتاب نجاحاً وتمييزاً بالجوائز. وهي تنشر حالياً عن الربيع العربي في مجلة "شؤون خارجية" الأمريكية.
سنرى حين نعرض لملابسات تسليم الرئيس عبود للإرادة الشعبية أنه تعرض لمروق كامل تسارع به معدل التنازل خلال ساعات قليلة من مساء الاثنين 26 أكتوبر. فنجده في أول المساء مصراً أن لا يتنازل قيد أنملة، ثم قبل اقتراح عقد اجتماع للبرلمان (المجلس المركزي) لمناقشة التطورات السياسية والعنف ضد المواطنين كبادرة لجدية الحكومة في تعاطيها المسؤول مع العنف ضد المواطنين، ثم قبل مرغماً حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة. بل ستجد أن عبود سجل خطابين أذيعا في نفس ذلك المساء: واحد عن انعقاد المجلس المركزي والآخر عن حل الحكومة. فالقول بأن عبود ما أن سمع بالهتاف ضده طوى برشه ورحل حديث خرافة أحوجتنا إليه أميتنا في العلم بالثورة وعلومها.
2- من هو الراجل الواقف خلف عبود؟
أعرض في مايلي ما كتبه الدكتور كليف تومسون في كتابه "ثورة اكتوبر في السودان" عن ملابسات تنازل الرئيس عبود عن السلطان في يوم الاثنين 26 أكتوبر 1964. وسترى ظاهرة "المروق" التي أشرنا إليها في مقالنا السابق. وهي، مصطلحاً، وضع تتنصل فيه قوى نظامية بصورة كاملة أو جزئية عن الحاكم فلا يجد مهرباً من مغادرة الحكم.
وضح للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم أن صغار الضباط غير راضين عن قتل المتظاهرين في مواكب الثورة. وللتهدئة قبل المجلس اقتراحاً لرئيس القضاة محمد أحمد أبورنات سبق أن رفضوه وهو أن يجتمع المجلس المركزي (بمثابة برلمان النظام) ليحقق في مظالم الناس من الحكومة. وقرروا التعجيل بذلك بإذاعة خبره مباشرة على الناس بدون التشاور مع الأحزاب. لم يكن عبود واثقاً مما ينبغي فعله: هل يحزم أمره ويمضي في ما هو فيه أم يتنازل شيئاً ما. ولجأ إلى طريقته المعتادة في التشاور مع أعضاء المجلس والوزراء ليقع على ما يمكن أن يجتمعوا عليه.
وعلى خلاف ما يعتقد الناس ما يزال فالضابط الذي كان متوقعاً منه العنف ضد الثوار وإلى النهاية، في راي الكاتب، كان اللواء المقبول الأمين الحاج وليس اللواء حسن بشير نصر. وصادف أن كان المقبول في زيارة للسعودية. وكان اللواء حسن بشير على العكس هادئاً في مناقشاته وحذراً مرجحاً تحول ميزان القوى للمدنيين على العسكريين ومعترفاً بذلك. وكان موقف الشدة مع المتظاهرين قد تبناها من هم دونه قوة شخصية من الضباط. وقال الكاتب إن الموقف لم يكن موقف انقسام بين صقور المجلس العسكري وحمائمه بل كان النزاع في داخل كل منهم بما فيهم عبود. كانوا في حالة شلل متهيج. ووصفهم الكاتب بأنهم مثل من تذكر عند عتبة الخروج من منزله أنه نسيّ شيئاً ما واضطرب بين المضي في ما هو فيه أم الرجوع ليأتي بما نسيه. وكان الراديو يواصل الإعلان حتى المغيب عن بيان هام فتوقعوه. وهو بيان عن إنعقاد المجلس المركزي.
ولكن فجاة دلفت الأمور إلى منعطف عصيب. فكان المجلس يتصرف حتى ذلك الوقت تحت الضغط الشعبي العام وحس غير مؤكد بأن صغار الضباط ناقمين عليه لبؤس معالجته للأزمة. ولذلك كان بوسع المجلس أن يتخير نوع التنازل الذي يراه لاحتواء الموقف. وفجأة وفي نحو السابعة مساء دخل اللواء الطاهر عبد الرحمن، الحاكم العسكري لمديرية كسلا وقائد الفرقة الشرقية، واللواء عوض عبد الرحمن، رئيس المجلس المركزي، القصر الجمهوري للقاء عبود. ونقلا له أنهما اجتمعا بضباط حامية الخرطوم وفرق أخرى بالعاصمة وما جاورها الذين يعتقدون أن الأمر قد فلت، وأنهم قد لا ينفذون أمراً بضرب المتظاهرين، وأن على المجلس العسكري حل نفسه. ولم يصدق عبود أذنيه حتى حين طمأناه على أنه سيظل رئيساً للبلاد بصورة ما. ولما تبين قولهما رفض العرض وخرج من الغرفة.
ثم عاد عبود واستدعى اللواء عوض ليسأله إن كان ثمة أحداً بالاسم من وراء عرضه. فأقسم اللواء بشرفه العسكري أن لا أحد من ورائه. وخاطب وطنية عبود التي تدعوه لحقن دماء العسكريين والمدنيين. وصعد عبود واللواء إلى بلكونة القصر المشرفة على النيل ليجتمع اللواء عوض بأعضاء المجلس العسكري واحداً واحداً ويطلعهم على قوله. وكان أولهم اللواء حسن بشير الذي عاتبه عبود على أنه لم يطلعه على سوء الموقف. لم يصغ عبود عتابه كإتهام وإنما كحقيقة واقعة. وصمت حسن بشير هونا ثم قال: "ما الحاصل؟". فنقل له اللواء ما عنده وقال له إن عبود قد يحتاج لوقت لإقناع أعضاء المجلس. فقال اللواء حسن أنه سيكفيه المهمة وسيقوم بها بنفسه. وخالجت عبود لابد خاطرة لا تزايل القائد حين يرى رجله القوي ويده الباطشة جنح للسلم يدعو له بنفسه. وبدا له أن خطته لدعوة المجلس المركزي ستتخذ مساراً مختلفاً.
ولم يمر وقت قليل حتى وضح لعبود أن الضباط المارقين على وشك لي يده حقاً. فقد رأى من موقعه من البلكونة رجلاً في الزي العسكري في غبش بداية الليل لم يتبينه. ثم سطع عليه مصباح كهريائي فإذا هو الرائد محمد الباقر أحمد (نائب رئيس الجمهورية تحت نميري لاحقاً) من أواسط الرتب ممن لا شأن لهم بالمجيء للقصر الجمهوري. فطلب عبود من الجنرال عوض أن يلحق به ويسأله عن غرضه. فهبط اللواء الدرج ولم يجد الباقر فحسب بل القائمقام محمد إدريس عبد الله الذي جاء من جهة أخرى. ونزل عبود الدرج ونادى القائمقام محمد إدريس وترك اللواء والرائد الباقر وحدهما. ومن تبادل عاجل فهم اللواء من الرائد أنه جاء ليستوثق أنه لم يمسه ضر من المهمة التي بعثه بها ضباط الخرطوم. وقال ولأنه غير متأكد اصطحب معه قوة من العسكر. ولم يعرف اللواء قوة القوة ولكنه قال له إنه بخير وعليه أن يصرف القوة. وجاء حسن بشير خلال حديث عبود للقائمقام وقال للرئيس إنه أقنع الوزراء بحل مجلسهم بعد عرضه للموقف عليهم. فقال له عبود إنه يرغب في الحديث إليهم أيضاً. فأتجه الضباط الثلاثة إلى حيث كان الوزراء. ولم تجر مناقشة. فقد جادل حسن بشير أمام عبود والوزراء أن الموقف واضح فالشعب غير سعيد بهم ويجب عليهم أن يرحلوا ويتم تعيين مجلس عسكري جديد. ورد عليه عبود بأن التقارير من جهة الجيش ليست متشائمة مثله. كان يريد أن يخفف من غلواء حسن بشير لكتابة نهاية النظام ليسمع لمزيد من الآراء من الوزراء. وتكلم القائمقام محمد إدريس بعبارة متعاطفة بدأها مع عبود حين اختليا ولكنها صريحة في حل المجلس ومجلس الوزراء. فقال عبود: "لا، لن أخون أصدقائي". فقال له القائمقام إنها ليست خيانة حين يقول لك صديق مثله لعشرين عاماً قم بالشيء الصاح.
انفصل عبود عن تلك المناقشة ليدور بين أعضاء المجلس والوزراء يتسقط آراءهم بل خلجات آرائهم. فوجدهم تساورهم الشكوك حول الأمر جميعه واستغرب عبود بالمقارنة لقوة عارضة اللواء حسن بشير في اعتقاده الجازم في سداد حل المجلسين. وتساءل إن كان ضباط الخرطوم بالفعل طلبوا حل المجلس كما فهم اللواء حسن بشير. وكان واضحاً أن أولئك الضباط بيتوا أمراً بوجود القائمقام الذي هو منهم.
وظل عبود يدور بين الحضور الرسمي يتحدث إلى واحد بعد واحد عن الموقف في حين كان طاقم إذاعة أم درمان قد جمع عدته بعد أخذ حديث الرئيس عن انعقاد المجلس المركزي. ولكن غلب على الحضور أن ذلك البيان ربما لم يعد صالحاً لأن المسألة التي جد طرحها هي ذهاب المجلس العسكري نفسه ناهيك عن توابعه. لقد صارت المقاومة لإرادة الشارع تتناقص كلما دخل الليل.
كان عبود قد انتحى بعدد من كبار الضباط في غرفة لمزيد من التشاور. ولم يكد يجلسون على كراسيهم حتى دخل عليهم الرائد الباقر غير مأذون. فما دخل حتى أنتهره اللواء حسن بشير قائلاً:
-ماذا تفعل هنا؟
وأضاف بعد صمت قصير:
-ما تفعله غلط.
فرد الباقر معاجلاً":
-لست تحت قيادتك الآن. لم آت هنا لآخذ أوامر منك.
وهدّأ عبود التهارش. وسأل الباقر أن يدلي بما عنده. فتحدث بأدب إلى عبود قائلاً إنه سيخون وطنيته إن لم يطلع الرئيس على حقائق الموقف المتدهور وانزعاج زملائه لذلك. وزاد بأنهم لن يطلقوا الرصاص على من لم يعد يثق في الحكومة. وقال بإنهم لن يضمنوا سلامة أعضاء المجلس العسكري أن لم تكن هناك معالجة جذرية للمسألة. ولم يضع على مستمعيه التهديد المبطن. وطلب من عبود أن يعيد تسجيل حديثه للإذاعة ليعلن حل المجلس العسكري ومجلس الوزراء. ولم ينتظر القائمقام عبد الله الرئيس ليرد فسارع بقوله إن ثمة قوات خارج القصر مؤيدة للمطلب. وأكد الباقر وجود هذه القوات. وركبت الدهشة عبود وتعالت الأصوات وتقاطعت فأسكتها قول اللواء حسن بشير بإن المطلب بحل المجلسين هو ما ظل يدعو له طوال المساء.
كان البيان بحل المجلسين في جيب القائمقام عبد الله. فأعطاه للواء حسن بشير. وتكهرب الجو لأن حسن بشير كان كمن يلمح إلى أنه سيتلو بيان الحل إن لم يتلوه الرئيس. وأغضب ذلك عبود وتقاطعت أصوات الضباط تدلي بدلوها وغطى واحدها الآخر. وتسارعت الحجج وسخنت. وتدخل عبود ليهديء التصارخ قبل أن يتفرق المجلس شيعاً. وتحدث بصوت خفيض محذراً من الصدام وعليهم أن يلتزموا الهدوء. وجلس الباقر وغيره ممن كانوا وقوفاً. فقال عبود إن الحاجة وضحت إلى بيان مختلف لملاقاة الثورة الظافرة. ولكن على الجيش أن يحافظ على كرامته ولا يهرب من الساحة وأن نتفق على شيء يمنع الإساءة له. والبداية هي في ألا يبوح أحد بما جرى الليلة لأحد. قد كان تمريناً في بلوغ قرار مجمع عليه يبقى في الصدور. وجاء وقت الانسجام بعد وقت الجدال. وتتابعت الموافقة على الخطة من الحضور.
طلب عبود من وزير الاستعلامات والعمل أن يأتي بطاقم من الإذاعة لتسجيل كلمته الجديدة. وكانت كلمته الأولى عن اجتماع المجلس المركزي ما تزال تذاع على الملأ. وتحدث أحد زملاء الباقر للإذاعة لتعلن عن بيان جديد فترقبوه. وجاء طاقم تسجيل الإذاعة ومضى إلى مكتب عبود ليسجل الكلمة التي كانت في جيب القائمقام سوى من بعض تعديلات طفيفة هنا وهناك.
لا أدري كيف مُسخت هذه الدراما أو التراجيديا العجيبة لتنازل عبود مما ربما سطرها قلم الطيب صالح نفسه إلى "حدوته" عن عبود الطيبان الذي سمع الهتاف ضده ولبى النداء وذهب إلى بيته يتمطى.
Ibrahim, Abdullahi A. [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.