كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



طقوس القراءة!! .. بقلم: عبدالغني كرم الله
نشر في سودانيل يوم 13 - 11 - 2013


[email protected]
(1)
غريبة هي القراءة!!..
حين أرى حبوبتي الأمية، وهي تتصفح أي كتاب، من مكتبتي، (وهي ترى حروف ملتوية تتخذ أشكالاً سريالية غريبة، أ، ش، ظ، ن، ي، a، b، w، تلتصق هذه الحروف لتكون كلمات، هي أكثر غرابة أيضاً)، تمرر نظرها، لهذه الخربشة، ولا تثير في ذهنها أي شئ، سوى تصور (سبحان من يضع سره في أضعف خلقه)، وهي تراني طوال اليوم، أكاد أحشر رأسي بين ضفتي الكتاب، دون كلل أو ملل، ولسانها حالها يتساءل (يا ألهي، ما هده الخربشة والرسومات، ماذا فيها؟، حتى ينسى إفطاره، وأصم ، حتى صوت الرعد لا يسمعه).
ما أعجب ذلك، ماذا تخفي الحروف، بأشكالها التي تختلف من أمة، وأخرى؟ وماذا تعني لحبوبتي الأمية، سوى أشكال، ورسومات، مثل خربشة الأطفال، وأنا لم أكن أصم، ولكن صوت الشخوص في الرواية كان أقوى، من صوت حبوبتي، وهي تناديني لمسح الجزال، كيف ذلك؟ صوت ينسل من لا صوت، يتسلل من حروف ساكنة، على أديم الصفحات (أماكرة هي، تتدعي الوداعة على سطور الكتاب)، مثل حيوان يتدعى التماوت، ثم يهجم نشيطا على صائده؟ أتلك طقوس القراءة العجيبة، عبر خسمة ألف عام من تاريخها السحري
حروف لا تتجاوز الثلاثين، بأشكالها الغريبة، النحيفة، كيف تفعل بنا الأفاعيل؟ وكيف تسكن بالحب، حينا، وبالعنف، والرؤى، حتى ما سطرته السماء، أحتوته في بطونها الضامرة، الصامتة، لا تفشى السر، إلا لمن يحبها، ويوقرها، ويعرف مرامي، جناسها، وتوريتها، ما اعجب اللغات كلها..
للحق هي أضعف الخلق، وأفتكهم، كم أعجب للغة الهندية، والسيرلانكية، حين أرى أحد الهنود وهو يقرأ وبإمعان في أحد المقاهي، هذه الجرائد، حروف صامتة، سوداء، تتلوى، وتتنثني، كما أراد لها الإرث الهندي، وعبقريته، وفنه، وتفرده، وسكب كل خمره فيها، وأنا أرها (كحبوبتي)، ديدان سوداء، تتلوى، وتنثني، وتنام بشكل أفقي على سرير الصفحة!!..
غريبة فعلاً.. هي القراءة!!
مجرد حروف سوداء تتلاصق مع بعضها، فتصرخ، وتغرد، وترعد، دون أن تفتح فمها، «سبحان الله»، تقع العين على هذه الصفحات. ثم يصيغ العقل عوالم لا حد لها، أثارتها هذه الحروب النائمة، كالقبور، على سرير الصفحة، وبهدوء تام..
(أهناك حياة في القبور، إذن!!)، في صمتها، كالحروف. هي الأخرى، تنام على سرير الأرض الحنون؟، أهناك لغات أخرى في الطبيعة؟ بين النسيم والشجر؟ بين الأرض والكواكب؟ صامته هي الأخرى، وأنا امي مثل حبوبتي؟ ألم يقل النبي لصحبه (هذا الحجر يسلم علي، واسلم عليه؟ ما أكثر لغات الأرض، وما اغمض سطورها.
القراءة هي عمل خاص، ذاتي، هي الاستغراق مع الخيال والذكرى معاً وفي وقت واحد، لا شأن للقراءة بالعوالم الخارجية، هي شأن ذاتي، كالتعري، كالخواطر، لا يسمعها سواك، هي الإكسير، قد تنسب لليالي العباسية، وأساطير اليونان، قد تبرد أطرافك في عز الصيف، وتتجول في مدينة اندثرت، سوى في كتاب (عجائب الأمصار، وتحفة النظار)،. لإبن بطوطة!!.. كم لهذه الحروف من ذاكرة حديدية، حكايات كانتر بري، كتاب الانجيل، قصائد أبوالعتاهية، تحفظها على ظهر قلب، تحفظها في صمتها الأبدي، في تلكم الحروف الجميلة الأشكال (أ، ب، ي F, V,، ي، س، ش)..
مالك بتبكي!!؟.. (هكذا تسألني أمي، وأنا صبي صغير، كنت أقرأ في جين اير، في صالوننا الطيني)!!.. أجي، بتضحك براك، جنيت (تصيح نادية بنت أخي وأنا أقرأ دون كيشوت، في صالون معلقة عليه صورة أبي، وآية الكرسي، بامتداد ناصر)، شارلوت وسرفانتس، دخلوا قريتي، فرسان إبداع، لا موت في حياة السطور، ما كان، سيكون الأن في خلد القارئ النهم!!
بساط سحري، يسافر بك، للأمس، للأمس البعيد، وللغد الأبعد، ولبلدان بعيدة عنك، وعن إرثك، وعاداتك، (حين ماتت زوجة السندباد، شرع الناس في دفنه معها، مغامرة أن تندس في أديم ثقافي غريب)، وحين جاع أيضاً، في تلكم الجزيرة الصغيرة، أشعل السندباد النار، فتحركت الجزيرة به، وغاصت، لأنها لم تكن سوى حوت ضخم، آذته نار الحطب، التي أشعلها السندباد الجائع!!
حين أشرع في القراءة، أعد أدواتي، أدوات العمل، فلاح محب، وحقل حلوب، (قلم رصاص، وقلم فسفوري، وكراس)، كي أدون الفقرات التي تسحرني، وكي ألون الصفحات التي تشدني باللون الفسفوري، كي أرجع إليها في حزني القادم، أحياناً أتكاسل للوصول لنهاية الكتاب، كي لا أخرج من دفتي الجنة، حب التسكع بمهل فيه، إن كان شيقاً، كتاب (الرجل الذي مات مرتين)، لجورج أمادو قرأته في أسبوع، وهو لا يتجاوز الثمانين صفحة صغيرة، مجرد ساعة تكفي لالتهامه، ولكن حلاوته ونشوته، تستحق الإبطاء، بل التوقف، تحت شجرته الوارفة، كي أستجير من وعثاء السفر، وهجير الحياة الماثلة، والمادية، البغيضة، كنت آوي للكتاب (كعش، كمحراب، كصدر حنون، كحضن، كقبر)!!..
المسافة بين بيت أختي فاطمة (امتداد ناصر، مربع 6)، ومكتبة (الموعد)، ببري، مسافة أكثر من كيلو ونصف الكيلو، ونحن أطفال، نشد الرحال، ومعي جماع ابن أختي، في رمضاء وحر، كي نشتري الألغاز، وتلعب القرعة في من يقرأه أولاً، ويقسم من يقرأه أولاً أن لا يخبرني بشئ، من حل اللغز، بيد المهندس تختخ!! الولد السمين المحبوب.. ومع هذا كنا نرى الطاحونة بعيدة، حين نرسل لها، وهي لا تبعد سوى شارعين من البيت (لو تعلق قلب رجل بالثريا لنالها)، داخلنا معجزة ، حين نعشق، أو نرغب، إنه الحج بعينه، لكل زمان، ومكان، ببراق القراءة الأصيلة.
أسبوع كامل لم أخرج من البيت، لم أكن مصاباً بالملاريا، ولا بالحمى، ولكنها (الثلاثية)، بين القصرين والسكرية وقصر الشوق، لا شئ يحبسني في البيت سوى المرض، والقراءة.. أو إذا جاءت فتاة جميلة، لزيارة أخواتي!!..
كم قبلت شفاه بعيدة عني، قبلت زهرة في بنسيون ميرامار، وأحببت جين اير، ومريديس، وامتعض قلبي لمأساة (الغريب، السيد ميرسو)، بل للبير كامو نفسه، فكل إناء بما فيه ينضح.. لقد أحسست بالبير كامو حين كان يكتب، هو وليس بطله المسكين، المنزوي (من عالم مادي بغيض)!!، بل رأيت كافكا وميرسو وكامو، شخصاً واحداً، الكارما الهندي، تؤكد هذا، أن للشخص حيوات عدة (تقمص)، وعودة أبدية.
أحياناً، أحس بظمأ لقراءة (خيري شلبي)، خيري شلبي فقط.. أحس بشوق لعوالمه فقط، كما تحس بشوق لصديق معين، في وقت معين، لن يجدي معه أي صديق سواه، (بابا شلبي، وبس)، طيبته، أبطاله الفقراء المديونون، ووصفه الوئيد، السلسل للبيوت والروائح، فأبحث في مكتبتي عن كتبه، أقلب الرفوف، يقابلني كتاب (الألف) لبورخيس، فأزيحه، والطيب صالح، وببرود أزيحهم، حتى أعثر على(وكالة عطية)، ثم أمضي للسرير، وكأنني خبأت المصباح السحري في جيبي!!،، حين أغرق في عوالمه، أجزم وأقسم متعصباً بأنه: أعظم روائي!!
ثم يدور فلك مزاجي، ليتغير الطالع، والسعد والفرح، وينتقل مزاجي لفصل آخر من فصول العشق، فاشتهي قراءة كتب الرحلات، مثل امرأة حامل تحن للطين، من يرفض طلبها؟ (تحفة النظار في عجائب الأمصار)، كتاب ضخم، أجده بيسر في المكتبة.
ثم استلقي بدفء، وقد خرجت من هذا العالم وخرائطه وشعوبه ومدنه، وذهبت (ببراق القراءة)، لعوالم ابن بطوطة، وأقسم صادقاً حينه، بأنه أعظم كتاب، «أعظم أدب هو أدب الرحلات»..
القصة كلام فارغ، فالمسرح هو الأصل، الحوار والجدل هو أصل الإنسان، منذ سقراط وإلى (أمل... )!!.
أين الماضي، والمستقبل، هل الحياة هي هذه اللحظة الحاضرة، الرقيقة، الصغيرة، فقط؟..
وكينونة الحلم تفسد أي تصور للحتمية، فالحياة قد تكون حلماً، كابوساً، طويلاً، نصحو كما يقول بورخيس (فراشة حلمت بأنها إنسان، أم إنسان حلم بأنه فراشة).. من أنت؟ قد تصحوين إنساناً سوياً (أيتها الفراشة الحالمة).
هناك كتاب أغبطهم على صدقهم، على شجاعتهم، يطرحون حديث الخواطر، أصلهم، فصلهم، سيرتهم، «خبزهم الحافي»، جرأة محببة، وطفولية، وصادقة، يزيلون الأقنعة الكاذبة، يتوغلون أكثر في المكون النفسي، والثقافي للإنسان، لذا تم تجريمهم، وشنقهم، وإقصاءهم، هم رسل،. رسل القلم والعقل والقلب... يغوصون أكثر في الأشياء، كالضوء، كالتنويم المغناطيسي، كالشعر، كالخمر، يحركون الموتى، وينشرون السحب في الحقول الجدباء، يصنعون الإكسير، ويضيئون الفانوس السحري بكل النفوس، يزخرفون الحياة بألوان ساحرة، وكأن هناك عشرات الحيوات في هذه الحياة، نظرهم أقوى من أشعة إكس، ومن جاما، ومن.. ومن.. وكأنهم خلقوا من مادة الخيال، تلك المادة الرخوة، والهشة، والسريعة، أسرع من الضوء، أسرع من الفكر، تجوب العالم في لمحة عين، بل تجوب الماضي والمستقبل كله في لمح العين، ترى عوالم لم تأت بعد، وتتذكر حيوات قديمة، قبل خلق اللغة، والعادات والأديان، ولأنه هيناً، ليناً، كطين أسطوري، بمقدورك أن تخلق منها نعجةً، أو دجاجةً، أو قارةً، أو نهداً...
أحياناً، استسلم للكتاب، وللقصة ولوقائعها، بدون اعتراض، أعمى يقوده مؤلف، لمرامي يريدها هو، ولكن حين يكون عقلي نشطاً، وخيالي محلقاً، واخترع نهايات ومسالك للقصة لا علاقة لها بمجريات القصة أمامي، بيدي، لا بيد المؤلف (ألم يمت المؤلف)، ويظل المتلقي هو المبدع الأخير، ويخضع النص لتأويلاته، بل أغراضه، الدنيئة، والخسيسة، والثمينة.
أشهى الكتب وأعمقها معروضة في تراب وارصفة الجامع الكبير، بعد أن طردتها الرقابة من رفوف المكتبات وأفسحت لمجلات سيدتي، سيد قطب وفتاوي باهتة الباب والمشراع والتلفاز.
معراج القراءة!!..
كم غليظ حجاب القارئ حين يتأمل النص، بدل أن يذوب فيه، فثمة نص، ثمة حياة، متخيلة، واقعية فقط، تجري أمامي كنهر، أنت ميرسو، أنت دون كيشوت، أنت لحلاج، «يمكنك أن تتذوق تمثله للتجلي، وما يخفق فيه قلبه العظيم من محبة، وبصيرته، من صفاء»، لا.. إنها ليست قراءة.. إنها قبلة.. (لا يسعني ملك مقرب، أو نبي مرسل)،. إنها قراءة الكتاب الأعظم، هذا الوجود المترامي الشاعرية، والغموض، والدقة.. تحس بالنص، كما تحس الأنامل بالماء الدافئ، البارد، العذب.. أبعد قليلاً عن حجاب النور، حجاب الوعي الذاتي، الانسجام مع جزئيات النص، مع روح النص، سلوك طريق النص، إنه يمضي لهناك، وأنت معه، ريشة في مهب الريح، أن النص يدلكك، تشعر بقشعريرة، تنويم في حيواته، فناء، فيه، وفيك، معاً.. (متفرج محايد)!! الانسجام مع النص، لا شئ حولي، سوى دنيا النص، محوت كل شئ، حتى الليل الذي يلفني، تحول لنهار، بل شارع معين، وضيق، (صياديون في شارع ضيق)، لجبرا، أتصبب عرقاً، وقد تعجب النسيم العليل، ومعه تعجب القمر، من «شمس في عتمة الليل»، فأنا لست قارئاً، أنا بطل النص، انفعالات البطل تخرج من جوارحي، حقيقة من لحم ودم، تقوم القراءة على التقمص، تقمص الشخصيات (كم أرثي لمن يقرأ «الأبلة»، ثم يمضي لداره، ولم تحط الفراشات والطيور على كتفه)، لقد فشل في القراءة، في التعدد، والإطلاق..
عصارة الكاتب، كل شهده تمصه بصيرتك، تتآخي العقول، وحدة وجود فكرية، عقل هنا، وعقل هناك، خلف حجاب المكان، خلف حجاب الزمان، القراءة هي تكاثر، في ذرات الأثير كلها.، فالطبيعة تكره الفراغ، تكره الموت..
اللغة إشارات، كالشمس، كالعشق، تؤمي لشيء بعيد، ذات غريبة، تسوق خراف الوجود، عصية الفهم، يلفها غموض غريب، شهي، عصى، تأوى كاللغة، بل أنضر، وأعمق.. الكثير من الانفعال والفعل والصفة، تتكيء او قل ترقد أو تقف، بلا شكل...
بكى ماركيز (ساعتين)، لموت بطله، القدر الدرامي للكتابة ينتصر على قدر الكاتب، للخيال سلطة، كالرؤية تأتي بنفسها، تختار الوقت هي، وشكلها، وجنونها، الاحلام هي التي تختار الوقت، والشكل والروح، والجمال أو القبح، قد تصحو وانفاسك متقطعة، أوتصحو وانت امير، وبطل.. كالاحلام هي الكتابة.. يتدفق الإلهام منك، تنثال الخواطر كأطفال من رحمك، ذهنك، وقلبك معاً، فتتخذ الكتابة شكل جسر بين العاطفة، والفكر أنت الآن، ليست قبيل ان تدخل الكتاب، هناك شخص آخر، ولد داخلك، لن تعبر النهر مرتين، شخوص وحكايات سارت جزء من سيرتك الذاتية، فالقراءة فعل، وحياة وليست تسلية، ويتردد صداها في فعلك الواعي، وغير الواعي، شئت أم أبيت.. أنها سطوة الحروف الصامتة..
حياة الكتاب اكثر غرابة، أكثر صدقاً، مع جنون الحياة وعبقريتها، اقرب للخيال، الكائن الجميل، واقرب للرغبات والاشتهاءات القتيلة، وهي اقرب للصدق، يعني اقرب للطفولة، حيث الحياة منفوخة في كل شيء، فالجبل يخجل، والبحر يقشعر، والبقرة ترسم السحب بذيلها الجميل، وتملأ ضرعها بعصير البرتقال، واللبن، والحنان!!..
القراءة طقس فردي كالحمام، تبكي، تنفعل، تنتصب، تشبق، تضل، تنتشي، مع تلاقح وعيك ووعي الكتاب، مع وحدة وجود بريئة، صامتة، حرة، يتداخل الخيال في ارض واقعك، عم شلبي، شيخ السرد الماهل، الصبور، ساقني معه، لزيارة الوكالة، ومعنا محروس، وشودافي، وفي صحن الوكالة رأيت العجب العجاب، روائح الولاية والمجنون، عم شلبي يحب شودافي، يرسمه بمهل، يبل ريشته ثم يصف حناياه، يصف صوته، نعرته، هفواته، عم شلبي يحب الهفوات، يعشف اندلاق الحياة كجدول وقف عليه حمار بطل (نخلة على الجدول)، والحمار الشبق ينهق غير آبه بمناخ القصة الحزين، عم شلبي صبور في الكتابة، يحب الكتابة، روايته طويلة، ممعنة في التفاصيل، أكثر من صفحة كي يصف المخدة، المحشوة، وكرفستها، ويتكيء عليها محروس، والرائحة التي تتضوع من الغرفة، إنه يكتب من قلب الحدث، إنه يستمتع بالكتابة، ما أسعدك يا عم، تستمتع بها، لأنها واقعك الحقيقي، تجسد في خيالك وذاكرتك الندية عوالم مصر، وخاصة فقرها، ومجونها...
- عبد العظيم..،
- عبد العظيييييييييييييييييييم..
- أجي، ما سامع صراخي ده، ، الولد ما براهو..
هكذا تصيح أمي لأخي وهو قربها في السرير، ولكنه لم يكن معنا، كان هناك، في فندق ميرامار، وهو يحث الخطى لمعرفة من قتل زهرة، أربعة روايات تتشابه، ولا تتشابه، كان نفسه محموماً، وهو يستمع لشهاداتهم، ولم يسمع صراخ أمي قربه، بمقدور أخيلة القصة أن تنتصر على الصوت الواقعي، صوت أمي، كان صوت زهرة، المغناج بين السطور أقوى من صوت أمي الحقيقي، أي عجب هذا، أن يكون صوت الأخيلة، أقوى من صوت الواقع..
(بس)..
همست أمي، ونادتني انا، للذهاب للطاحونة، وللحق غضبت، ولكني لامحال، لا أريد أن يخرج اخي من (بلاد العجائب، بلاد القراءة)، للواقع اليومي!!.
***
وتظل الحروف تتلوى في سرير الصفحة، صامتة مثل أوتار غافية على صدر عود، على مقعد وثير، حين رأه إبراهيم ناجي، أنشد:
آهِ كم من وتر نامَ على
صدرِ عودٍ نومَ غافٍ مطمئنِ
وبهِ شتّى لحون من أسى
وحنينٍ وأنينٍ وتمني
هكذا الحروف، تنام على صدر الصفحة، كالأوتار، وبها شتى لحون، وانين وتمنى!!..
فتحس، بأن هناك ملايين اللغات، وأنا كحبوبتي، أمي، لا أعرف ما ترمي إليه، وإلا كيف ربطت قاطرة الحاضر، رسنها بالغد، وجرت الأمس، كذكرى، وإثارت الغد، كخيال، وكيف تلف الأجرام، حول نفسها، في لعبة طويلة، بلغة وإشارات فوق أفق تصوري، وخيالي..
عبدالغني كرم الله
كاتب وروائي سوداني
الخرطوم، حي الأزهري..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.