شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    نصف مليون دولار!!:ياللهول    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    بالصورة والفيديو.. على طريقة عاشق "عبير".. فتاة سودانية تصعد مكان مرتفع بمنزلها وترفض النزول دون تنفيذ مطالبها..شاهد رد فعل والدتها!!    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإصلاح السياسي في السودان(8): بين هيمنة جهاز الدولة وتعددية قوى المجتمع. بقلم: د. محمد المجذوب
نشر في سودانيل يوم 15 - 11 - 2013

https://www.facebook.com/pages/%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%B0%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A/248994459546
يقول «ابن منظور»: الوالي هو المتولي لأوامر العالم والخلائق القائم بها وفي القرآن يقول تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا * وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا * وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) {الإسراء 80/82}، والتي يؤولها «الطبري» على النحو التالي: واجعل لي ملكا ناصراً ينصرني على من ناوأني وعزاً أقيم به دينك وأدفع عنه من أراده بسوء. وروى عن قتادة فيها قوله: إن نبي الله علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله عز وجل ولحدود وفرائض الله ولإقامة دين الله وأن السلطان رحمة من الله جعلها بين أظهر عباده ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم. وروى عن الحسن في معنى الآية: ووعده الله لأنزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له وعز الروم وملك الروم وليجعلنه له.
ويقول «الطبري»: والأولى من ذلك بالصواب قول من قال ذلك أمر من الله تعالى لنبيه بالرغبة إليه في أن يؤتيه سلطاناً نصيراً له على من بغاه وعاداه وحال عنه من إقامة فرائض الله في نفسه وعباده وفي آيات أخرى، يقول تعالى: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) {البقرة/257}. ويقول: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) {التوبة/71}. ويقول: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) {محمد/22}. ويقول: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) {البقرة/107}. ويقول: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) {البقرة/120}. ويقول: (وَمَا لَكمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا){النساء/75}. إن الآيات تسوق إلى أن الوِلاية «بكسر الواو» هي السلطان وبفتحة النصرة وتسوق إلى التوالي على الإيمان بين أفراد المجتمع السوداني على القيام بأمر الدين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسوق إلى أن الولاية تعني التدبير والفعل والتقدير، كونها أساسيات وظائف الولاية في الاجتماع والاستخلاف في الأرض، وتسوق إلى إن لله تعالى الولاية العليا في الاجتماع، كما أنه تعالى يتولى المؤمنين في اجتماعهم الأرضي بما أنزل إليهم من شريعة، كما تسوق إلى أن معنى الولاية يتحقق بتوليه أمور الناس في الأرض، وتسوق إلى أن المنافقين والكفار ليس لهم ولاية حقه وذلك لما اتبعوا أهواءهم، ولم يتبعوا الرسالة الحقة المنزلة من الله تعالى، وهو ذات التقرير الذي ينطبق على اليهود والنصارى. وهى في ذلك واجب شرعي يتعين القيام به بواسطة بعض أفراد المجتمع السياسي، يقول تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) {آل عمران/104}.
وإذا عدنا الآن إلى آية سورة الإسراء وهي الآية الفاتحة في التأصيل لمفهوم الولاية في الفقه الإسلامي، في قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا * وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا * وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا) {الإسراء 80/82}، فإنها تسوق إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام بعد رحلة الإسراء المشهورة قد أمر بإقامة الولاية الإسلامية التي بواسطتها يستطيع مجابهة وقائع التاريخ وما سيحدث إزاء اليهود والفساد الذي يحدثونه في الأرض عموما، واتجاه السورة في سياقها العام أمر بأن يتحول الكتاب إلى دعوة وأن يتحول الناس إلى أمة وولاية لهم ولغيرهم من الناس.
هذا التوجه هو بالضبط ما سيكون كخطى مستقبلية للنبي عليه الصلاة والسلام بعد رحلة الإسراء أي الدعوة إلى قيام مجتمع من الناس في شكل أمة وإلي سلطان سياسي في صورة ولاية يجابه بها النبي عليه الصلاة والسلام أعداء المجتمع الإسلامي وينشر بها الدين، وإذا وضع في الاعتبار أن نزول سورة الإسراء قد تزامن مع نزول سورة الشورى التي يقول فيها الله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) {الشورى 12/15}.
لأدركنا عند التأسيس لمفهوم الولاية في الخطاب القرآني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بالاستقامة على أمر الله والدعوة إليه وإقامة العدل أي إقامة الوجه للدين مما يدفع النبي عليه الصلاة والسلام لدعاء الله لأن يجعل له ولياً ونصيراً ينهض بهما لإقامة هذه الفرائض، وهما المطلبان اللذان بقيامهم يزهق الله الباطل ويحق الحق، فالولاية على هذا التقديم في جوهرها العميق هي تجسيد لطاقة المجاهدة الذي يقدمها المجتمع لقيام نظام المجتمع السياسي المرتجى والقيام بأمر الدين، أي إنها الطاقة على العمل التي يخلقها الإيمان بين أفراد المجتمع السياسي وهي المجاهدة القادرة عند الضرورة على فرض الموقف السليم المستطاع الذي يحتاجه السعي العملي من أفراد الاجتماع. يقول تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ *لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) {البقرة285/286}، يورد «القرطبي» عشر دلالات لمعني التكليف في الآية إلا أن الأصح عنده كما عندنا أن التكليف هو الأمر بما شق عليه، ومعناه الأمر الغليظ الصعب وهو جوهر التكليف والسلطان وعلى هذا المعنى الأخير فلا يكون للشيطان ولكل مصدر آخر مثل الطبيعة أو العقل أو الشعب حق تكليف الإنسان الأوامر والتشريعات وإنما هو حق خالص لله تعالى.
وعلى هذا التقديم، فإنه يمكن تعريف الولاية في أبسط صورها هي أمر طرف لطرف آخر والحصول منه على فعل يتخذه الأخير وفق مشيئة الأول، وإذا كان الطرف الأول هنا هو الله تعالى والطرف الآخر هو المجتمع السياسي ومحتوى «الأمر» هو الرؤية الاسلامية معنى ذلك أن علاقة الولاية داخل الاجتماع تنتظم وفق محتوى «أوامر» الرسالة وأوامرها وسيادتها وحاكميتها، يقول تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ) {الحج/67}. ويقول: (وَجَعَلْنَاهُمْ حكام يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) {الانبياء/73}. ويقول: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) {الشورى/52}. ويقول: (وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) {الجاثية 17/19}. وعلى هذا فإن مفهوم «الأمر» على هذا له جميع الامكانات التي تجسد فكرة الولاية، اعني ولاية «الأمر» على صفحة الواقع، كما أنه ينطوي على التصور الذي يستبطنه مفهوم المجتمع السياسي في الرؤية الإسلامية، في مقابل المفاهيم الأخرى في الفكر السياسي القديم والحديث لمفهوم ولاية «الأمر».
وعليه فإن معرفة طبيعة الولاية وعلاقاتها تغدو مسألة ضرورية لتقديم فقه متكامل لشكل الاجتماع والولاية في الرؤية الاسلامية، كون أن مفهوم ولاية «الأمر» وبالتعبير السياسي يعني القوة الشرعية للقيام بأمر الرؤية الاسلامية ونفاذها على صفحة الواقع الأرضي، وهذا القيام أو النفاذ للأوامر الإلهية هو في الحقيقة «أمانة»، يقوم بها المجتمع السياسي أفراداً أو مجتمع بحسب طبيعة التكليف الإلهي، والمعنى المراد القيام به ونفاذه في الواقع الظرفي للمجتمع الصالح المسلمة، فنكشف تعدد مستوياتها وتعقد علاقاتها بالنسبة إلى نظام السلطة الوضعية.
بمعنى أخر، إن الولاية وظيفتها هنا هي مساعدة الناس على الارتباط بتعاليم الله، برعايتها لتلك الرسالة فيهم، فيتجهون نحو مثلهم الأعلى نحو المرسل الذي هو الله تعالى، وبهذا المعنى فإن الولاية عبارة عن علاقات تعبدية، يتوحد فيها الروحي بالجسدي، الديني بالسياسي دون الشعور بأن هناك تنافراً بينهما أو مفاصلة، منتجه بذلك المشروع السياسي الاستخلافي وفق هدى الرسالة الإلهية، فهي تقود الناس نحو الله في مسيرتهم التاريخية. فالولاية على هذا دعوة وجهاد ضد الجهالة والضلال في ابتلاء الاجتماع، ابتلاء الإيمان والكفر الشرك، يقول تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ *فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) {الأعراف 28/30}. ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) {البقرة174/176}، فهي بذلك ترعى التحديات والابتلاءات الحضارية الشاملة، ولكنها في ذلك لا تقوم بتلك الوظائف بالتفويض من المجتمع السياسي، ولكنها رمزية روحية واجتماعية، تدفع المجتمع السياسي نحو إمضاء تاريخه الاستخلافي الخاص، لأنها ليست ولاية شمولية تشرف على كافة شؤون الحياة الاستخلافية، ولكنها مثال للحركة نحو المقاصد العليا للمجتمع الصالح ،كما هي ليست سلطة تعمل وفق آراء الأغلبية وأذواقها، لما كانت مستهدية بتوجيهات الرؤية الإسلامية، ولأنها اختيار الناس المؤمنين لرعاية مقاصد الرسالة فيهم فيجب أن لا تنحرف عن مسار الإيمان وتوجهات الرسالة، فيحدث تعارض مع حركة المجتمع السياسي ومعناه، كأن تعيد اتحاد الروابط الاجتماعية بين الناس على أساس آخر غير الرابطة الدينية ومقصد المجتمع السياسي، كالرابطة الاقتصادية أو القومية أو القبلية أو العشائرية أو الملكية ونحو ذلك من الروابط المنحرفة عن معنى الاجتماع.
fadel ali [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.